الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
[سورة المؤمنون
22]
سُورَةُ الْمُؤْمِنُونَ مَكِّيَّةٌ كُلُّهَا فِي قَوْلِ الْجَمِيعِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
[سورة المؤمنون (23): الآيات 1 الى 11]
بسم الله الرحمن الرحيم
قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (1) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ (2) وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (3) وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ (4)
وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ (5) إِلَاّ عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (6) فَمَنِ ابْتَغى وَراءَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ (7) وَالَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ راعُونَ (8) وَالَّذِينَ هُمْ عَلى صَلَواتِهِمْ يُحافِظُونَ (9)
أُولئِكَ هُمُ الْوارِثُونَ (10) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيها خالِدُونَ (11)
فِيهِ تِسْعُ مَسَائِلَ: الْأُولَى- قَوْلُهُ تَعَالَى: (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ) رَوَى الْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: (لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ جَنَّةَ عَدْنٍ وَغَرَسَ أَشْجَارَهَا بِيَدِهِ قَالَ لَهَا تَكَلَّمِي فَقَالَتْ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ). وَرَوَى النَّسَائِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ السَّائِبِ قَالَ: حَضَرْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى يَوْمَ الْفَتْحِ فَصَلَّى فِي قِبَلِ الْكَعْبَةِ، فَخَلَعَ نعليه فوضعهما عن يساره فافتتح سورة المؤمنون، فَلَمَّا جَاءَ ذِكْرُ مُوسَى أَوْ عِيسَى عليهما السلام أخذته سلعة فَرَكَعَ. خَرَّجَهُ مُسْلِمٌ بِمَعْنَاهُ. وَفِي التِّرْمِذِيُّ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رضي الله عنه قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم إِذَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ الْوَحْيُ سُمِعَ عِنْدَ وَجْهِهِ كَدَوِيِّ النحل، وأنزل عليه يوما فمكثنا [عنده «1»] سَاعَةً فَسُرِّيَ عَنْهُ فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ فَرَفَعَ يَدَيْهِ وَقَالَ: (اللَّهُمَّ زِدْنَا وَلَا تَنْقُصْنَا وَأَرْضِنَا وَارْضَ عنا- ثم قال-
(1). من ك.
(
أُنْزِلَ عَلَيَّ عَشْرُ آيَاتٍ مَنْ أَقَامَهُنَّ دَخَلَ الْجَنَّةَ- ثُمَّ قَرَأَ- قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ) حَتَّى خَتَمَ عَشْرَ آيَاتٍ، صَحَّحَهُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ. وَقَالَ النَّحَّاسُ: مَعْنَى" مَنْ أَقَامَهُنَّ" مَنْ أَقَامَ عَلَيْهِنَّ وَلَمْ يُخَالِفْ مَا فِيهِنَّ، كَمَا تَقُولُ: فُلَانٌ يَقُومُ بِعَمَلِهِ. ثُمَّ نَزَلَ بَعْدَ هَذِهِ الْآيَاتِ فَرْضُ الْوُضُوءِ وَالْحَجِّ فَدَخَلَ مَعَهُنَّ. وَقَرَأَ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ:" قَدْ أُفْلِحَ الْمُؤْمِنُونَ" بِضَمِّ الْأَلِفِ عَلَى الْفِعْلِ الْمَجْهُولِ، أَيْ أُبْقُوا فِي الثَّوَابِ والخير. وقد مضى في أول" البقرة" من الْفَلَاحِ لُغَةً وَمَعْنًى «1» ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَحْدَهُ. الثَّانِيَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى:(خاشِعُونَ) رَوَى الْمُعْتَمِرُ عَنْ خَالِدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَنْظُرُ إِلَى السَّمَاءِ فِي الصَّلَاةِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عز وجل هَذِهِ الْآيَةَ" الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ". فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَنْظُرُ حَيْثُ يَسْجُدُ. وَفِي رِوَايَةِ هُشَيْمٍ: كَانَ الْمُسْلِمُونَ يَلْتَفِتُونَ فِي الصَّلَاةِ وَيَنْظُرُونَ حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى:" قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ. الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ"، فَأَقْبَلُوا عَلَى صَلَاتِهِمْ وَجَعَلُوا يَنْظُرُونَ أَمَامَهُمْ. وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا لِلْعُلَمَاءِ فِي حُكْمِ الْمُصَلِّي إِلَى حَيْثُ يَنْظُرُ فِي" الْبَقَرَةِ" عِنْدَ قوله:" فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ «2» "[البقرة: 144]. وَتَقَدَّمَ أَيْضًا مَعْنَى الْخُشُوعِ لُغَةً وَمَعْنًى فِي الْبَقَرَةِ أَيْضًا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى:" وَإِنَّها لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخاشِعِينَ «3» "[البقرة: 45]. وَالْخُشُوعُ مَحَلُّهُ الْقَلْبُ، فَإِذَا خَشَعَ خَشَعَتِ الْجَوَارِحُ كُلُّهَا لِخُشُوعِهِ، إِذْ هُوَ مَلِكُهَا، حَسْبَمَا بَيَّنَّاهُ أَوَّلَ الْبَقَرَةِ. وَكَانَ الرَّجُلُ مِنَ الْعُلَمَاءِ إِذَا أَقَامَ الصَّلَاةَ وَقَامَ إِلَيْهَا يَهَابُ الرَّحْمَنَ أَنْ يمد بصره إلى شي وَأَنْ يُحَدِّثَ نَفْسَهُ بِشَيْءٍ مِنَ الدُّنْيَا. وَقَالَ عَطَاءٌ: هُوَ أَلَّا يَعْبَثَ بِشَيْءٍ مِنْ جَسَدِهِ فِي الصَّلَاةِ. وَأَبْصَرَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم رَجُلًا يَعْبَثُ بِلِحْيَتِهِ فِي الصَّلَاةِ فَقَالَ: (لَوْ خَشَعَ قَلْبُ هَذَا لَخَشَعَتْ جَوَارِحُهُ). وَقَالَ أَبُو ذَرٍّ قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم. (إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَإِنَّ الرَّحْمَةَ تُوَاجِهُهُ فَلَا يُحَرِّكَنَّ الْحَصَى". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. وقال الشاعر:
(1). راجع ج 1 ص 181.
(2)
. راجع ج 2 ص 158.
(3)
. راجع ج 1 374.
أَلَا فِي الصَّلَاةِ الْخَيْرُ وَالْفَضْلُ أَجْمَعُ
…
لِأَنَّ بِهَا الْآرَابُ «1» لِلَّهِ تَخْضَعُ
وَأَوَّلُ فَرْضٍ مِنْ شَرِيعَةِ دِينِنَا
…
وَآخِرُ مَا يَبْقَى إِذَا الدِّينُ يرفع
فمن قام للتكبير لاقنه رَحْمَةٌ
…
وَكَانَ كَعَبْدٍ بَابَ مَوْلَاهُ يَقْرَعُ
وَصَارَ لِرَبِّ الْعَرْشِ حِينَ صَلَاتِهِ
…
نَجِيًّا فَيَا طُوبَاهُ لو كان يخشع
وروى أبو عمران «2» الْجَوْنِيَّ قَالَ: قِيلَ لِعَائِشَةَ مَا كَانَ خُلُقُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم؟ قَالَتِ: أَتَقْرَءُونَ سُورَةَ الْمُؤْمِنِينَ؟ قِيلَ نَعَمْ. قَالَتْ: اقْرَءُوا، فَقُرِئَ عَلَيْهَا:" قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ"- حَتَّى بَلَغَ-" يُحافِظُونَ". وَرَوَى النَّسَائِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَلْحَظُ فِي صَلَاتِهِ يَمِينًا وَشِمَالًا، وَلَا يَلْوِي عُنُقَهُ خَلْفَ ظَهْرِهِ. وَقَالَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ فِي حَدِيثِهِ الطَّوِيلِ: ثُمَّ أُصَلِّي قَرِيبًا مِنْهُ- يَعْنِي مِنَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَأُسَارِقُهُ النَّظَرَ، فَإِذَا أَقْبَلْتُ عَلَى صَلَاتِي نَظَرَ إِلَيَّ وَإِذَا الْتَفَتُّ نَحْوَهُ أَعْرَضَ عَنِّي
…
الْحَدِيثَ، وَلَمْ يَأْمُرْهُ بِإِعَادَةٍ. الثَّالِثَةُ- اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي الْخُشُوعِ، هَلْ هُوَ مِنْ فَرَائِضِ الصَّلَاةِ أَوْ مِنْ فَضَائِلِهَا وَمُكَمِّلَاتِهَا عَلَى قَوْلَيْنِ. وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ، وَمَحَلُّهُ الْقَلْبُ، وَهُوَ أَوَّلُ عمل يُرْفَعُ مِنَ النَّاسِ، قَالَهُ عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ. وَقَدْ خَرَّجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ أَيْضًا عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ الْأَشْجَعِيِّ مِنْ طَرِيقٍ صَحِيحَةٍ «3» . قَالَ أَبُو عِيسَى: وَمُعَاوِيَةُ «4» بْنُ صَالِحٍ ثِقَةٌ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ، وَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا تَكَلَّمَ فِيهِ غَيْرَ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ. قُلْتُ: مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ أَبُو عَمْرٍو وَيُقَالُ أَبُو عُمَرَ الْحَضْرَمِيُّ الْحِمْصِيُّ قَاضِي الْأَنْدَلُسِ، سُئِلَ عَنْهُ أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ فَقَالَ: صَالِحُ الْحَدِيثِ، يُكْتَبُ حَدِيثُهُ وَلَا يُحْتَجُّ بِهِ. وَاخْتَلَفَ فِيهِ قَوْلُ يَحْيَى بْنِ مَعِينٍ، ووثقه عبد الرحمن بن مهدى أحمد بْنُ حَنْبَلٍ وَأَبُو زُرْعَةَ الرَّازِيُّ، وَاحْتَجَّ بِهِ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ. وَتَقَدَّمَ فِي" الْبَقَرَةِ" مَعْنَى اللغو والزكاة فلا معنى للإعادة «5» . وقال
(1). الآراب: جمع الارب (بكسر فسكون) وهو العضو.
(2)
. كذا في أوب وج وط وك.
(3)
. كذا في كل الأصول وهى لغة الحجاز والتذكير لغة نجد وبها جاء القرآن.
(4)
. هو أحد رجال سند الحديث المتقدم.
(5)
. راجع ج 1 ص 343، ج 3 ص 99.
الضَّحَّاكُ: إِنَّ اللَّغْوَ هُنَا الشِّرْكُ. وَقَالَ الْحَسَنُ: إِنَّهُ الْمَعَاصِي كُلُّهَا. فَهَذَا قَوْلٌ جَامِعٌ يَدْخُلُ فِيهِ قَوْلُ مَنْ قَالَ هُوَ: الشِّرْكُ، وَقَوْلُ مَنْ قَالَ هُوَ الْغِنَاءُ، كَمَا رَوَى مَالِكُ بن أنس عن محمد ابن الْمُنْكَدِرِ، عَلَى مَا يَأْتِي فِي" لُقْمَانَ" بَيَانُهُ «1» . وَمَعْنَى" فاعِلُونَ" أَيْ مُؤَدُّونَ، وَهِيَ فَصِيحَةٌ، وَقَدْ جَاءَتْ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ. قَالَ أُمَيَّةُ بْنُ أَبِي الصَّلْتِ:
الْمُطْعِمُونَ الطَّعَامَ فِي السَّنَةِ الْأَزْ
…
مَةِ وَالْفَاعِلُونَ لِلزَّكَوَاتِ
الرَّابِعَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ) قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ:" مِنْ غَرِيبِ الْقُرْآنِ أَنَّ هَذِهِ الْآيَاتِ الْعَشْرَ عَامَّةٌ فِي الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، كَسَائِرِ أَلْفَاظِ الْقُرْآنِ الَّتِي هِيَ مُحْتَمِلَةٌ لَهُمْ فَإِنَّهَا عَامَّةٌ فِيهِمْ، إِلَّا قوله" وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ" فَإِنَّمَا خَاطَبَ بِهَا الرجال خاصة دون الزوجات، بدليل قوله:" إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ". وَإِنَّمَا عُرِفَ حِفْظُ الْمَرْأَةِ فَرْجَهَا مِنْ أَدِلَّةٍ أخرى كَآيَاتِ الْإِحْصَانِ عُمُومًا وَخُصُوصًا وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَدِلَّةِ". قُلْتُ: وَعَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ فِي الْآيَةِ فَلَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ أَنْ يَطَأَهَا مَنْ تَمْلِكُهُ إِجْمَاعًا مِنَ الْعُلَمَاءِ، لِأَنَّهَا غَيْرُ دَاخِلَةٍ فِي الْآيَةِ، وَلَكِنَّهَا لَوْ أَعْتَقَتْهُ بَعْدَ مِلْكِهَا لَهُ جَازَ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا كَمَا يَجُوزُ لِغَيْرِهِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ. وَرُوِيَ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ وَالشَّعْبِيِّ وَالنَّخَعِيِّ أَنَّهَا لَوْ أَعْتَقَتْهُ حِينَ مَلَكَتْهُ كَانَا عَلَى نِكَاحِهِمَا. قَالَ أَبُو عُمَرَ: وَلَا يَقُلْ هَذَا أَحَدٌ مِنْ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ، لِأَنَّ تَمَلُّكَهَا عِنْدَهُمْ يُبْطِلُ النِّكَاحَ بَيْنَهُمَا، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِطَلَاقٍ وَإِنَّمَا هُوَ فَسْخٌ لِلنِّكَاحِ، وَأَنَّهَا لَوْ أَعْتَقَتْهُ بَعْدَ مِلْكِهَا لَهُ لَمْ يُرَاجِعْهَا إِلَّا بِنِكَاحٍ جَدِيدٍ وَلَوْ كَانَتْ فِي عِدَّةٍ مِنْهُ. الْخَامِسَةُ- قَالَ مُحَمَّدُ بن عبد الْحَكَمِ: سَمِعْتُ حَرْمَلَةَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ: سَأَلْتُ مَالِكًا عَنِ الرَّجُلِ يَجْلِدُ عُمَيْرَةَ، فَتَلَا هَذِهِ الْآيَةَ:" وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ"- إِلَى قَوْلِهِ-" العادُونَ". وَهَذَا لِأَنَّهُمْ يُكَنُّونَ عَنِ الذَّكَرِ بِعُمَيْرَةَ، وَفِيهِ يَقُولُ الشَّاعِرُ:
إِذَا حَلَلْتَ بِوَادٍ لَا أَنِيسَ بِهِ
…
فَاجْلِدْ عُمَيْرَةَ لَا دَاءٌ وَلَا حَرَجُ
وَيُسَمِّيهِ أَهْلُ الْعِرَاقِ الِاسْتِمْنَاءَ، وَهُوَ اسْتِفْعَالٌ مِنَ الْمَنِيِّ. وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَلَى وَرَعِهِ يُجَوِّزُهُ، وَيَحْتَجُّ بِأَنَّهُ إِخْرَاجُ فَضْلَةٍ مِنَ الْبَدَنِ فَجَازَ عِنْدَ الْحَاجَةِ، أَصْلُهُ الْفَصْدُ وَالْحِجَامَةُ. وعامة
(1). راجع ج 14 ص 51 فما بعد.
الْعُلَمَاءِ عَلَى تَحْرِيمِهِ. وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: إِنَّهُ كَالْفَاعِلِ بِنَفْسِهِ، وَهِيَ مَعْصِيَةٌ أَحْدَثَهَا الشَّيْطَانُ وَأَجْرَاهَا بَيْنَ النَّاسِ حَتَّى صَارَتْ قِيلَةً، وَيَا لَيْتَهَا لَمْ تُقَلْ، وَلَوْ قَامَ الدَّلِيلُ عَلَى جَوَازِهَا لَكَانَ ذُو الْمُرُوءَةِ يُعْرِضُ عَنْهَا لِدَنَاءَتِهَا. فَإِنْ قِيلَ: إِنَّهَا خَيْرٌ مِنْ نِكَاحِ الْأَمَةِ، قُلْنَا: نِكَاحُ الْأَمَةِ وَلَوْ كَانَتْ كَافِرَةً عَلَى مَذْهَبِ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ خَيْرٌ مِنْ هَذَا، وَإِنْ كَانَ قَدْ قَالَ بِهِ قَائِلٌ أَيْضًا، وَلَكِنِ الِاسْتِمْنَاءُ ضَعِيفٌ فِي الدَّلِيلِ، عَارٌ بِالرَّجُلِ الدَّنِيءِ «1» فَكَيْفَ بِالرَّجُلِ الْكَبِيرِ. السَّادِسَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى:(إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ) قَالَ الْفَرَّاءُ: أَيْ مِنْ أَزْوَاجِهِمُ اللَّاتِي أَحَلَّ اللَّهُ لَهُمْ لَا يُجَاوَزُونَ «2» . (أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ) فِي مَوْضِعِ خَفْضٍ مَعْطُوفَةٍ عَلَى" أَزْواجِهِمْ 240" وَ" مَا" مَصْدَرِيَّةٌ. وَهَذَا يَقْتَضِي تَحْرِيمَ الزنى، وَمَا قُلْنَاهُ مِنَ الِاسْتِنْمَاءِ، وَنِكَاحِ الْمُتْعَةِ، لِأَنَّ الْمُتَمَتَّعَ بِهَا لَا تَجْرِي مَجْرَى الزَّوْجَاتِ، لَا تَرِثُ وَلَا تُورَثُ، وَلَا يَلْحَقُ بِهِ وَلَدُهَا، وَلَا يُخْرَجُ مِنْ نِكَاحِهَا بِطَلَاقٍ يُسْتَأْنَفُ لَهَا، وَإِنَّمَا يُخْرَجُ بِانْقِضَاءِ الْمُدَّةِ الَّتِي عُقِدَتْ عَلَيْهَا وَصَارَتْ كَالْمُسْتَأْجَرَةِ. ابْنُ الْعَرَبِيِّ: إِنْ قُلْنَا إِنَّ نِكَاحَ الْمُتْعَةِ جَائِزٌ فَهِيَ زَوْجَةٌ إِلَى أَجَلٍ يَنْطَلِقُ عَلَيْهَا اسْمُ الزَّوْجِيَّةِ. وَإِنْ قُلْنَا بِالْحَقِّ الَّذِي أَجْمَعَتْ عَلَيْهِ الْأُمَّةُ مِنْ تَحْرِيمِ نِكَاحِ الْمُتْعَةِ لَمَا كَانَتْ زَوْجَةً فَلَمْ تَدْخُلْ فِي الْآيَةِ. قُلْتُ: وَفَائِدَةُ هَذَا الْخِلَافِ هَلْ يَجِبُ الْحَدُّ وَلَا يَلْحَقُ الْوَلَدُ كَالزِّنَى الصَّرِيحِ، أَوْ يُدْفَعُ الْحَدُّ لِلشُّبْهَةِ وَيُلْحَقُ الْوَلَدُ؟ قَوْلَانِ لِأَصْحَابِنَا. وَقَدْ كَانَ لِلْمُتْعَةِ فِي التَّحْلِيلِ وَالتَّحْرِيمِ أَحْوَالٌ، فَمِنْ ذَلِكَ أَنَّهَا كَانَتْ مُبَاحَةً ثُمَّ حَرَّمَهَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم زَمَنَ خَيْبَرَ، ثُمَّ حَلَّلَهَا فِي غَزَاةِ الْفَتْحِ، ثُمَّ حَرَّمَهَا بَعْدُ، قَالَهُ ابْنُ خُوَيْزِ مَنْدَادٍ مِنْ أَصْحَابِنَا وَغَيْرُهُ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ. وَقَدْ مَضَى فِي" النِّسَاءِ" الْقَوْلُ فِيهَا مُسْتَوْفًى «3». السَّابِعَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى:(فَمَنِ ابْتَغى وَراءَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ) فَسَمَّى مَنْ نَكَحَ مَا «4» لَا يَحِلُّ عَادِيًا، وَأَوْجَبَ عَلَيْهِ الْحَدَّ لِعُدْوَانِهِ، وَاللَّائِطُ عَادٍ قُرْآنًا وَلُغَةً، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى:" بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عادُونَ"[الشعراء: 166] وَكَمَا تَقَدَّمَ فِي" الْأَعْرَافِ «5» "، فَوَجَبَ أَنْ يُقَامَ الْحَدُّ عَلَيْهِمْ، وَهَذَا ظَاهِرٌ لَا غُبَارَ عَلَيْهِ.
(1). في ب: البهي.
(2)
. في ب وط: يجاوزن.
(3)
. راجع ج 5 ص 129. [ ..... ]
(4)
. في ك: من لا تحل.
(5)
. راجع ج 7 ص 242 فما بعد.
قُلْتُ: فِيهِ نَظَرٌ، مَا لَمْ يَكُنْ جَاهِلًا أَوْ مُتَأَوِّلًا، وَإِنْ كَانَ الْإِجْمَاعُ مُنْعَقِدًا عَلَى أَنَّ قَوْلِهِ تَعَالَى:" وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ. إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ" خُصَّ بِهِ الرِّجَالُ دُونَ النِّسَاءِ، فَقَدْ رَوَى مَعْمَرٌ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: تَسَرَّرَتِ امْرَأَةٌ غُلَامَهَا، فَذُكِرَ ذَلِكَ لِعُمَرَ فَسَأَلَهَا: مَا حَمَلَكِ عَلَى ذَلِكَ؟ قَالَتْ: كُنْتُ أَرَاهُ يَحِلُّ لِي بِمِلْكِ يَمِينِي كَمَا يَحِلُّ لِلرَّجُلِ الْمَرْأَةُ بِمِلْكِ الْيَمِينِ، فَاسْتَشَارَ عُمَرُ فِي رَجْمِهَا أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالُوا: تَأَوَّلَتْ كِتَابَ اللَّهِ عز وجل عَلَى غَيْرِ تَأْوِيلِهِ: لَا رَجْمَ عَلَيْهَا. فَقَالَ عُمَرُ: لَا جَرَمَ! وَاللَّهِ لَا أُحِلُّكِ لِحُرٍّ بَعْدَهُ أبدا. عاقبها بذلك ودرأ الحد عنها، وام الْعَبْدَ أَلَّا يَقْرَبَهَا. وَعَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَاهُ يَقُولُ: أَنَا حَضَرْتُ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ جَاءَتْهُ امْرَأَةٌ بغلام لها وضي فَقَالَتْ: إِنِّي اسْتَسْرَرْتُهُ فَمَنَعَنِي بَنُو عَمِّي عَنْ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا أَنَا بِمَنْزِلَةِ الرَّجُلِ تَكُونُ لَهُ الْوَلِيدَةُ فَيَطَؤُهَا، فَانْهَ عَنِّي بَنِي عَمِّي، فَقَالَ عُمَرُ: أَتَزَوَّجْتِ قَبْلَهُ؟ قَالَتْ نَعَمْ، قَالَ أَمَا وَاللَّهِ لَوْلَا مَنْزِلَتُكِ مِنَ الْجَهَالَةِ لَرَجَمْتُكِ بِالْحِجَارَةِ، وَلَكِنِ اذْهَبُوا بِهِ فَبِيعُوهُ إِلَى مَنْ يَخْرُجُ به إلى غير بلدها. و" وَراءَ 10" بِمَعْنَى سِوَى، وَهُوَ مَفْعُولٌ بِ" ابْتَغى " أَيْ مَنْ طَلَبَ سِوَى الْأَزْوَاجِ وَالْوَلَائِدِ الْمَمْلُوكَةِ لَهُ. وَقَالَ الزَّجَّاجُ: أَيْ فَمَنِ ابْتَغَى مَا بَعْدَ ذَلِكَ، فَمَفْعُولُ الِابْتِغَاءِ مَحْذُوفٌ، وَ" وَراءَ 10" ظَرْفٌ. و" ذلِكَ" يُشَارُ بِهِ إِلَى كُلِّ مَذْكُورٍ مُؤَنَّثًا كَانَ أَوْ مُذَكَّرًا. (فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ) أَيِ الْمُجَاوِزُونَ الْحَدَّ، مِنْ عَدَا أَيْ جَاوَزَ الْحَدَّ وَجَازَهُ. الثَّامِنَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى:(وَالَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ راعُونَ) وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ) قَرَأَ الْجُمْهُورُ:" لِأَماناتِهِمْ" بِالْجَمْعِ. وَابْنُ كَثِيرٍ بِالْإِفْرَادِ. وَالْأَمَانَةُ وَالْعَهْدُ يَجْمَعُ كُلَّ مَا يَحْمِلُهُ الإنسان من أمر دينه ودنياه قولا فعلا. وَهَذَا يَعُمُّ مُعَاشَرَةَ النَّاسِ وَالْمَوَاعِيدَ وَغَيْرَ ذَلِكَ، وَغَايَةُ ذَلِكَ حِفْظُهُ وَالْقِيَامُ بِهِ. وَالْأَمَانَةُ أَعَمُّ مِنَ الْعَهْدِ، وَكُلُّ عَهْدٍ فَهُوَ أَمَانَةٌ فِيمَا تَقَدَّمَ فِيهِ قَوْلٌ أَوْ فِعْلٌ أَوْ مُعْتَقَدٌ. التَّاسِعَةُ- قَرَأَ الْجُمْهُورُ:" صَلَواتِهِمْ" وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ" صَلَاتِهِمْ" بِالْإِفْرَادِ، وَهَذَا الْإِفْرَادُ اسْمُ جِنْسٍ فَهُوَ فِي مَعْنَى الْجَمِيعِ. وَالْمُحَافَظَةُ عَلَى الصَّلَاةِ إِقَامَتُهَا وَالْمُبَادَرَةُ إليها أوائل