الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ثُمَّ إِنَّ الْأُمَّةَ تَقْتَدِي بِهِ فِي ذَلِكَ. وَقَدْ قَدَّمْنَا عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ أَنَّهُ عليه السلام كَفَّرَ بِعِتْقِ رَقَبَةٍ. وَعَنْ مُقَاتِلٍ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أَعْتَقَ رَقَبَةً فِي تَحْرِيمِ مَارِيَةَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقِيلَ: أَيْ قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحْلِيلَ مِلْكِ الْيَمِينِ، فَبَيَّنَ فِي قَوْلُهُ تَعَالَى: مَا كانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيما فَرَضَ اللَّهُ «1» لَهُ [الأحزاب: 38] أَيْ فِيمَا شَرَعَهُ لَهُ فِي النِّسَاءِ الْمُحَلَّلَاتِ. أَيْ حَلَّلَ لَكُمْ مِلْكَ الْأَيْمَانِ، فَلِمَ تُحَرِّمُ مَارِيَةَ عَلَى نَفْسِكَ مَعَ تَحْلِيلِ اللَّهِ إِيَّاهَا لَكَ. وَقِيلَ: تَحِلَّةُ الْيَمِينِ الِاسْتِثْنَاءُ، أَيْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمُ الِاسْتِثْنَاءَ الْمُخْرِجَ عَنِ الْيَمِينِ. ثُمَّ عِنْدَ قَوْمٍ يَجُوزُ الِاسْتِثْنَاءُ مِنَ الْأَيْمَانِ مَتَى شَاءَ وَإِنْ تَحَلَّلَ مُدَّةً. وَعِنْدَ الْمُعْظَمِ لَا يَجُوزُ إِلَّا مُتَّصِلًا، فَكَأَنَّهُ قَالَ: اسْتَثْنِ بَعْدَ هَذَا فِيمَا تَحْلِفُ عَلَيْهِ. وَتَحِلَّةُ الْيَمِينِ تَحْلِيلُهَا بِالْكَفَّارَةِ، وَالْأَصْلُ تَحْلِلَةٌ، فَأُدْغِمَتْ. وَتَفْعِلَةٌ مِنْ مَصَادِرِ فَعَّلَ، كَالتَّسْمِيَةِ وَالتَّوْصِيَةِ. فَالتَّحِلَّةُ تَحْلِيلُ الْيَمِينِ. فَكَأَنَّ اليمين عقد والكفارة حل. وقيل: النحلة الْكَفَّارَةُ، أَيْ إِنَّهَا تُحِلُّ لِلْحَالِفِ مَا حَرَّمَ عَلَى نَفْسِهِ، أَيْ إِذَا كَفَّرَ صَارَ كَمَنْ لَمْ يَحْلِفْ. (وَاللَّهُ مَوْلاكُمْ) وَلِيُّكُمْ وَنَاصِرُكُمْ بِإِزَالَةِ الْحَظْرِ فِيمَا تُحَرِّمُونَهُ عَلَى أَنْفُسِكُمْ، وَبِالتَّرْخِيصِ لَكُمْ فِي تَحْلِيلِ أَيْمَانِكُمْ بِالْكَفَّارَةِ، وَبِالثَّوَابِ عَلَى مَا تخرجونه في الكفارة.
[سورة التحريم (66): آية 3]
وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلى بَعْضِ أَزْواجِهِ حَدِيثاً فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَها بِهِ قالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ (3)
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلى بَعْضِ أَزْواجِهِ حَدِيثاً) أَيْ وَاذْكُرْ إِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى حَفْصَةَ حَدِيثًا" يَعْنِي تَحْرِيمَ مَارِيَةَ عَلَى نَفْسِهِ وَاسْتِكْتَامِهِ إِيَّاهَا ذَلِكَ. وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: أَسَرَّ إِلَيْهَا أَنَّ أَبَاكِ وَأَبَا عَائِشَةَ يَكُونَانِ خَلِيفَتَيَّ عَلَى أُمَّتِي مِنْ بَعْدِي، وَقَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ. قَالَ: أَسَرَّ أَمْرَ الْخِلَافَةِ بَعْدَهُ إِلَى حَفْصَةَ فَذَكَرَتْهُ حَفْصَةُ. رَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ فِي سُنَنِهِ عَنِ الْكَلْبِيُّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلى بَعْضِ أَزْواجِهِ حَدِيثاً
(1). راجع ج 14 ص 195
قَالَ: اطَّلَعَتْ حَفْصَةُ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم مَعَ أُمِّ إِبْرَاهِيمَ فَقَالَ: (لَا تُخْبِرِي عَائِشَةَ) وَقَالَ لَهَا (إِنَّ أَبَاكِ وَأَبَاهَا سَيَمْلِكَانِ أَوْ سَيَلِيَانِ بَعْدِي فَلَا تُخْبِرِي عَائِشَةَ) قَالَ: فَانْطَلَقَتْ حَفْصَةُ فَأَخْبَرَتْ عَائِشَةَ فَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ، فَعَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ. قَالَ أَعْرَضَ عَنْ قَوْلِهِ:(إِنَّ أَبَاكِ وَأَبَاهَا يَكُونَانِ بَعْدِي). كَرِهَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنْ يَنْشُرَ ذَلِكَ فِي النَّاسِ. (فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ) أَيْ أَخْبَرَتْ بِهِ عَائِشَةَ لِمُصَافَاةٍ كَانَتْ بَيْنَهُمَا، وَكَانَتَا مُتَظَاهِرَتَيْنِ عَلَى نِسَاءِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم. (وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ) أَيْ أَطْلَعَهُ اللَّهُ عَلَى أَنَّهَا قَدْ نَبَّأَتْ بِهِ. وَقَرَأَ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ فَلَمَّا أَنْبَأَتْ وَهُمَا لُغَتَانِ: أَنْبَأَ وَنَبَّأَ. وَمَعْنَى عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ عَرَّفَ حَفْصَةَ بَعْضَ مَا أُوحِيَ إِلَيْهِ مِنْ أَنَّهَا أَخْبَرَتْ عَائِشَةَ بِمَا نَهَاهَا عَنْ أَنْ تُخْبِرَهَا، وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ تَكَرُّمًا، قَالَهُ السُّدِّيُّ. وَقَالَ الْحَسَنُ: مَا اسْتَقْصَى كَرِيمٌ قَطُّ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ. وَقَالَ مُقَاتِلٌ: يَعْنِي أَخْبَرَهَا بِبَعْضِ مَا قَالَتْ لِعَائِشَةَ، وَهُوَ حَدِيثُ أُمِّ وَلَدِهِ وَلَمْ يُخْبِرْهَا بِبَعْضٍ وَهُوَ قَوْلُ حَفْصَةَ لِعَائِشَةَ: إِنَّ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ سَيَمْلِكَانِ بَعْدَهُ. وَقِرَاءَةُ الْعَامَّةِ عَرَّفَ مُشَدَّدًا، وَمَعْنَاهُ مَا ذَكَرْنَاهُ. وَاخْتَارَهُ أَبُو عُبَيْدٍ وَأَبُو حَاتِمٍ، يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ أَيْ لَمْ يُعَرِّفْهَا إِيَّاهُ. وَلَوْ كَانَتْ مُخَفَّفَةً لَقَالَ فِي ضِدِّهِ وَأَنْكَرَ بَعْضًا. وَقَرَأَ عَلِيٌّ وَطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ وَأَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ وَالْحَسَنُ وَقَتَادَةُ وَالْكَلْبِيُّ وَالْكِسَائِيُّ وَالْأَعْمَشُ عَنْ أَبِي بَكْرٍ (عَرَفَ) مُخَفَّفَةً. قَالَ عَطَاءٌ: كَانَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ إِذَا قَرَأَ عَلَيْهِ الرَّجُلُ عَرَّفَ مُشَدَّدَةً حَصَبَهُ بِالْحِجَارَةِ. قَالَ الْفَرَّاءُ: وَتَأْوِيلُ قَوْلِهِ عز وجل: (عَرَفَ بَعْضَهُ) بِالتَّخْفِيفِ، أَيْ غَضِبَ فِيهِ وَجَازَى عَلَيْهِ، وَهُوَ كَقَوْلِكَ لِمَنْ أَسَاءَ إِلَيْكَ: لا عرفن لَكَ مَا فَعَلْتَ، أَيْ لَأُجَازِيَنَّكَ عَلَيْهِ. وَجَازَاهَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِأَنْ طَلَّقَهَا طَلْقَةً وَاحِدَةً. فَقَالَ عُمَرُ: لَوْ كَانَ فِي آلِ الْخَطَّابِ خَيْرٌ لَمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم طَلَّقَكِ. فَأَمَرَهُ جِبْرِيلُ بِمُرَاجَعَتِهَا وَشَفَعَ فِيهَا. وَاعْتَزَلَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم نِسَاءَهُ شَهْرًا، وَقَعَدَ فِي مَشْرُبَةِ مَارِيَةَ أُمِّ إِبْرَاهِيمَ حَتَّى نَزَلَتْ آيَةُ التَّحْرِيمِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ. وَقِيلَ: هَمَّ بِطَلَاقِهَا حَتَّى قَالَ لَهُ جِبْرِيلُ: (لَا تُطَلِّقُهَا فَإِنَّهَا صَوَّامَةٌ