الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ثالثاً: اشتمال القرآن والسنة المبينة له على أهم طرق التعليم التربوي:
القرآن الكريم زاخر بالأساليب التعليمية المتنوعة والموضحة للأمور الخفية وفي السنة النبوية إرشادات كريمة للاهتمام بالقرآن حفظاً وتلاوة وفهماً وعملاً وتعليماً.
ومن اللمحات التربوية والوسائل التعليمية التي سبق القرآن بها العلم الحديث وتلته السنة النبوية ما يلي:
أولاً: أسلوب القدوة الطيبة:
فهو أبرز أساليب التربية وأنجحها وأخصر طريق للهداية والإصلاح من جهة والتفوق العلمي من جهة أخرى إذ يحرص المقتدون على تحقيق صورة شبيهة بالمقتدى به وقد جعل القرآن الكريم قدوتنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أشرف الخلق الذي اجتمعت فيه كمالات البشر قال تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً} (الأحزاب: 21)
ومن وجوه الاقتداء به الاقتداء به في النصح والإرشاد والتقويم والتعليم وهو القائل صلى الله عليه وسلم: "إنما بعثت معلماً (1) ".
(1) ابن ماجة المقدمة باب فضل العلماء والحث على طلب العلم برقم 229/1/83ط الحلبي.
وقد كرم نبينا صلى الله عليه وسلم المعلمين وأمر المتعلمين بالتواضع لهم ولا غنى للناس في أي عصر عن المعلم المرشد الذي يقتدى بالنبي صلى الله عليه وسلم في التمسك بالدين والعمل بشرع الله والتخلق بالأخلاق الفاضلة.
ومهما تطورت الأجهزة الحديثة وتفنن أهل الاختصاص في اختراع – الإلكترونيات والأجهزة المتطورة لنقل المعلومات وإيضاحها بالصوت والصورة وتخزين المواد العلمية وترتيبها وتيسير الانتفاع بها فلا غنى أبداً عن المعلم الذي تتلقى على يديه الناشئة القرآن الكريم ويتعلمون منه طرق الأداء ومخارج الحروف والوقوف وترتسم في أذهانهم صورة ورعه وخشوعه وعذوبة منطقه ونضرة وجهه واستقامته والحكمة والإنصاف الذي يتسم به تعامله ولا تستوي الصورة المسجلة التي تمثله مع الحقيقة، فمعلم القرآن يتكيف مع الظروف الاجتماعية والنفسية والعقلية لطلابه ويغير مع كل نوع منها طريقته في التدريس، ويتكيف في الحال مع المتعلم وهذا الإحساس لا تجده في الجهاز وهو مطلوب فضلا عن إمكان التأني والتكرار عند الحاجة والانتقال من هدف إلى هدف مباشرة إذا رأى أن الموقف التعليمي يتطلب ذلك وليس هذا للجهاز.
فمن خصوصيات المعلم تنويع الأسئلة المناسبة لمستويات طلابه وتلقي الإجابة وإعانة الدارس عليها بالإشارة والإيماء أو قسمات الوجه. وبهذا يعلم أن الأجهزة وسائل معينة للمدرس على تثبيت
المعلومات في أذهان طلابه وتوضيح ما يصعب فهمه وفي هجر المعلم والاستغناء عنه بتلك الوسائل الحديثة ضياع للعلم:
قال ابن جماعة: من أعظم البلية تشييخ الصحيفة والأخذ عن الورقة (1)". وقال الإمام الشافعي: من تفقه من بطون الكتب ضيع الأحكام (2) ".
ولما كان المعلم لب العملية التعليمية وجبت العناية به ومن الخطوات المهمة في النهوض بالمستوى العلمي للمتعلمين اشتراط الكفاءة العالية فيمن يتقدم لوظيفة التدريس من حيث التحصيل العلمي وتنوع طرق التدريس وتوفر المهارات اللازمة للمدرس الكفء بصفة عامة.
ثانياً: إبراز المعنويات المطوية في أعماق النفوس إلى عالم الحس بضرب المثل الهادف والتشبيه الكاشف.
كما في قوله تعالى: {مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً} (الجمعة: 5)
فاختيار الحمار مثلاً لمن يقرأ التوراة ولا يعمل بها يثير انفعال الاشمئزاز من هؤلاء والشعور بتفاهتهم والاحتقار لمعاني الشرك والكفر وضياع التفكير السليم عند المشركين، وهو من المواقف التعليمية التي تجسد صفات اليهود
(1) عودة إلى الإسلام الدكتور أحمد الشرباصي: 28.
(2)
نفسه.
وتبرز ضلالهم وانحرافهم. ويجمل بالمعلم أن يستعين بالمثل في الدرس القرآني وفي الحوار للإقناع بالحق وتقريره.
ومن الروائع في هذا المجال ما أثر أن مجوسياً وعالماً مسلماً في بغداد اجتمعا فقال المجوسي: أتدعون أن المسلم منكم يذهب إلى الجنة بعد الموت ويجد في الجنة ثماراً كلما أكل منها شيئاً لا تنقص كيف ذلك وأي شيء تأخذ منه أي شيء ينقص؟
فرد العالم قائلاً أرأيت لو أنك أشعلت سراجك ثم جاء أهل بغداد جميعهم فأشعلوا من سراجك أينقص ذلك من ضوء سراجك شيئاً؟ فأفحم المجوسي بضرب المثل (1) .
ومن أبلغ التعبيرات التمثيلية قوله صلى الله عليه وسلم: " ترى المؤمنين في تراحمهم وتوادهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى عضو تداعى له سائر جسده بالسهر والحمى (2) ".
(1) التربية الإسلامية إعداد الدكتور / عبد البديع عبد العزيز الخولي أستاذ التربية الإسلامية بجامعة الأزهر ود. عبد القوي محمد والدكتور محمد حسن أحمد: 88،89، ط. بقسم التربية الإسلامية كلية التربية.
(2)
البخاري كتاب الأدب باب رحمة الناس والبهائم 1/438، مرجع سابق.
ثالثاً: أسلوب الحوار:
كما تضمنته قصة إبراهيم الخليل عليه السلام في سورة مريم فقد حاور أباه طويلاً في إبطال عبادة الأصنام وبيان شناعة ما يقوم به والده من صناعتها وعبادتها.
وكحوار صاحب الجنتين مع أخيه كما جاء في سورة الكهف.
وكحوار سيدنا موسى مع الخضر عليهما السلام.
وكحوار سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم لمن كلمه في شأن العدوى حتى قال له صلى الله عليه وسلم: "فمن أعدى الأول (1) ؟
وطريقة الحوار والإثارة هي أكثر الطرق في تعليم الرسول صلى الله عليه وسلم لأصحابه ويضاف إليها أحياناً التكرار كما في حديث معاذ بن جبل وفيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
" هل تدري ما حق الله على عباده؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: حق الله على عباده أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً (2) " كما جاءت في القرآن الكريم آيات كثيرة تتضمن أسلوب الإثارة كالاستفهام والعرض والتحضيض ومن
(1) هذا جزء من حديث أبي هريرة قال: قال صلى الله عليه وسلم: لا عدوى ولا طيرة ولا صفر ولا هامة. فقال أعرابي فما بال الإبل تكون في الرمل كأنها الظباء فيخالطها البعير الأجرب فيجربها قال: فمن أعدى الأول. سنن أبو داود كتاب الطب – باب في الطيرة 4/19 مطبوع على هامش، شرح موطأ الإمام مالك للزرقاني ط1399هـ، مكتبة الكليات الأزهرية.
(2)
صحيح البخاري كتاب اللباس – باب إرداف الرجل خلف الرحل 10/398فتح الباري، مرجع سابق.
ذلك قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ} (الصف: 2) وقوله {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ} (البقرة: 44) وغير ذلك كثير.
رابعاً: أسلوب المحاولة والتجربة:
حتى إذا وصل المتعلم للصواب أقره المعلم على ذلك وإلا علمه فيتمكن العلم في نفسه فضل تمكن وقد استعمل الرسول صلى الله عليه وسلم هذا الأسلوب مع المسيء صلاته حيث قال صلى الله عليه وسلم ارجع فصل فإنك لم تصل ثلاث مرات. ثم قال الرجل للرسول صلى الله عليه وسلم: والذي بعثك بالحق لا أحسن غيره فعلمني (1) ". فعلمه رسول الله صلى الله عليه وسلم وبالتجربة حفظ الصحابة من رسول الله صلى الله عليه وسلم القرآن حيث كان يقرؤه جهراً في الصلاة الجهرية وبطبيعة الحال يتكرر ما يقرأ به فيحفظه الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين.
ثم إنه صلى الله عليه وسلم كان يعلم أصحابه القرآن بلاغاً ويبينه شرحاً فيحفظونه وبعضهم كان يعرض محفوظه على رسول الله صلى الله عليه وسلم كما يشير ابن مسعود رضي الله عنه في حديث الاستخارة بقوله:
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمنا الاستخارة كما يعلمنا السورة من القرآن.. (2) "
(1) البخاري كتاب الأذان – باب أمر النبي صلى الله عليه وسلم الذي لا يتم ركوعه بالإعادة 2/276 فتح الباري.
(2)
البخاري كتاب الدعوات باب الدعاء عند الاستخارة 11/183، فتح الباري وانظر كتاب: طرق تدريس التربية الإسلامية – نماذج لإعداد دروسها. د. عبد الرشيد عبد العزيز سالم 230، ط. ثالثة نشر وكالة المطبوعات بالكويت.
خامساً: من الطرق التربوية استخدام وسائل الإيضاح:
وقد استعملها رسول الله صلى الله عليه وسلم في أكثر من موطن فقد " خط رسول الله صلى الله عليه وسلم خطا مربعاً وخط خطا في الوسط خارجاً منه وخط خطوطاً صغاراً إلى هذا الذي في الوسط من جانبه الذي في الوسط وقال:
"هذا الإنسان وهذا أجله محيط به أو قد أحاط به وهذا الذي هو خارج أمله وهذه الخطوط الصغار الأعراض، فإذا أخطأه هذا نهشه هذا، وإذا أخطأه هذا نهشه هذا (1) ".
وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: خط لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم خطاً ثم قال: "هذا سبيل الله ثم خط خطوطاً عن يمينه وعن شماله ثم قال هذه سبل متفرقة على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه ثم قرأ {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ} (الأنعام: 153) (2) ".
سادساً: الرفق بالمتعلم حتى لا يشعر بثقل التعلم والتعليم:
كما في قصة – معاوية بن الحكم السلمي حين عطس رجل وهم في الصلاة خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول معاوية: فقلت يرحمك الله
(1) البخاري: كتاب الرقاق باب الأمل وطوله 11/235، فتح البخاري مرجع سابق.
(2)
والحديث بلفظه في الفتح الرباني لترتيب مسند الإمام أحمد بن حنبل الشيباني كتاب التفسير باب"وأن هذا صراطي مستقيماً "18/141، مرجع سابق.
فرماني القوم بأبصارهم فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فبأبى هو وأمي ما رأيت معلماً قبله ولا بعده أحسن تعليماً منه فو الله ما نهرني ولا ضربني ولا شتمني قال:
"إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن (1) ".
سابعاً: تشجيع المهرة على التلاوة الجهرية:
روى البخاري عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال قال لي النبي صلى الله عليه وسلم: "اقرأ علي قلت أقرأ عليك وعليك أنزل قال فإني أحب أن أسمعه من غيري فقرأت عليه سورة النساء حتى بلغت {فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيداً} (سورة النساء:41) . قال أمسك فإذا عيناه تزرفان (2) ".
وعلى ذلك ينبغي تشجيع الطلاب المجيدين على تلاوة القرآن في طابور الصباح والحفلات المدرسية والمسابقات والصلوات الجهرية والتراويح ونحو ذلك.
(1) صحيح مسلم كتاب المساجد، باب تحريم الكلام في الصلاة ونسخ ما كان من إباحة حديث رقم 537.
(2)
والحديث في صحيح البخاري كتاب التفسير باب فكيف إذا جئنا 8/250، فتح الباري، مرجع سابق.
ثامناً: البدء بالقراءة والحفظ أولا ثم الفهم ثم العمل:
ويستشهد لذلك من كتاب الله تعالى: بقول الله لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: {إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ} (القيامة: 17 – 19) .
وقوله {رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ} (البقرة:129) وقوله {كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ} (البقرة: 151)
وقوله {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ} (آل عمران: 190)
الآيات قال فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم "ويل لمن قرأها ثم لم يتفكر فيها (1) " فحفظ القرآن الكريم لا يتوقف على الفهم والملايين الذين حفظوا القرآن لم يكونوا يبدؤون بتفسيره اولاً ثم بحفظه والله عز وجل قد يسر حفظه، وذلل له الألسنة حتى إن ناشئة الأعاجم يحفظونه ولا يدركون معناه إذا طالبتهم به، وإنما يأتي عرض المعاني الإجمالية في مرحلة متأخرة يمكن لعقل الطالب أن يعي ويفهم معاني القرآن ودلالاته.
وقد كان أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم يحفظون من القرآن ثم يتعلمون معنى ما حفظوه ثم يعملون به.
(1) الدر المنثور في التفسير بالمأثور لجلال الدين السيوطي 2/111، ط. دار المعرفة بيروت.
فعن أبي عبد الرحمن السلمي قال: حدثنا من كان يقرئنا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أنهم كانوا يقترئون من رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه عشر آيات فلا يأخذون في العشر الأخرى حتى يعلموا ما في هذه من العلم والعمل قال فعلمنا العلم والعمل (1) ".
والنسق الطبيعي أن يبدأ الطفل الحفظ عن طريق التلقين ثم عن طريق القراءة والكتابة مع التلقين ثم القراءة والكتابة استقلالاً بعد متابعة قراءة نموذجية من المعلم.
وبعض الطلاب لا يعتمدون في الحفظ إلا على السماع فقط وهم الإخوة المكفوفون ومنهم من يظهر نبوغه منذ الصغر ناهيك عن نبوغ كثير منهم في الدراسات المتخصصة.
ولا يخلو منهم عصر والذين يستشكلون قضية " بفهم وبغير فهم يا أحمد " لا يستندون إلى ضرورة عقلية ولا برهان منطقي ولا حقيقة واقعة مقررة فالحفظ والتلاوة بغير فهم يكون في باكورة مرحلة الطفولة وبفهم يكون في المراحل التي تليها حين يبلغ الطفل سنا تؤهله للفهم الصحيح والتمييز بين الجيد والرديء من الآراء والأفكار. ولا مانع أن تقدم للطفل معاني إجمالية مبسطة ولا ينبغي أن يغيب عن الأذهان أن الاهتمام بالحفظ قائم على الدوام وأوفق ما يكون مع خلو الأذهان.
(1) الفتح الرباني لترتيب مسند الإمام أحمد بن حنبل الشيباني، كتاب التفسير باب ما جاء في قراءة القرآن بأجر أو تعليمه بأجر 18/9 مرجع سابق.
وحفظ الصبيان القرآن وهم في سن العاشرة فما دونها وقد يحفظونه مع معانيه التفسيرية الموجزة وقد يضيفون لحفظه حفظ بعض الأحاديث النبوية، فيه أعظم الدلالة على أن إرادة الله نافذة في حفظ كتابه الكريم من الضياع وفي هذا المقام بين الدكتور فتحي علي يونس الخطر الكامن وراء دعوة:
أ - الحفظ بلا فهم لا قيمة له وأنه من الضروري فهم المعنى فهما تاماً أولاً ثم يأتي دور الحفظ فيقول:
وإذا أخذنا بمبدأ علم النفس التعليمي الذي ينص على فهم المعنى فهما تاماً كي تتم عملية التعليم والتعلم فمعنى ذلك أنه لابد أن نؤخر تعليم القرآن الكريم للأطفال إلى سن متأخرة وفي هذا التأخير خطورة بالغة على التطبيع الديني للأطفال لأنه معروف من الدراسات التي أجريت على تعليم الأطفال أنهم في السن المبكرة يتعلمون بسرعة ويتذكرون جيداً وأن عندهم نوعاً من المرونة الفكرية والصفاء الذهني يساعدهم على ذلك. والاهتمام بمبدأ المعنى في حد ذاته أمر ضروري ومهم في عمليات التعليم لكن تطبيقه الحرفي في تعليم القرآن أدى إلى ظهور دعاوى مثل: إرجاء تعليم القرآن إلى سن متأخرة حتى يمكن للأطفال أن يفكروا في معانيه ويفهموه وهذا لا يتم إلا في سن الثانية عشرة كما ذكر بياجيه.
وكذلك انتقاء بعض الآيات وقصر الدراسة عليها بحيث تكون أقرب إلى مفاهيم الأطفال وفي مثل تلك الدعوات خطورة بالغة.
ويرى الدكتور فتحي يونس: أنه يكفي إفهام الطفل المعنى الإجمالي مرتبطاً بالأنشطة ومواقف الحياة اليومية وليس في ذلك ما يدعو للقلق لأن ترك بيان المفاهيم العامة للآيات يضر بالتكوين الخلقي للطلاب والوجداني كذلك (1) .
ومما يجدر التنبيه إليه هنا أن بعض الدراسات التربوية تدعو إلى عدم مباشرة الأطفال التحفيظ إلا بعد تعليم القراءة والكتابة لأن الطفل قد يعتمد على طريقة التلقين فيتأخر تحصيله في القراءة والكتابة وقد تجد شاهد ذلك في بعض الطلاب الذين لا يستطيعون القراءة السليمة أو الكتابة الصحيحة وهم في المرحلة الثانوية أو الجامعية.
بينما نجد الطلاب الذين أجادوا القراءة والكتابة قبل مباشرة الحفظ هم من جيدي التلاوة ومن المهرة في الحفظ ورعاية الأحكام، كما أن في مباشرتهم الحفظ بعد تعلمهم القراءة والكتابة لذة لا يجدون مثلها في التلقين حين يكون المصحف أمامهم وهم يجهلون مطالعته.
فينبغي ألا يعتمد على التلقين ابتداء إلا لمن ابتلى بالبلادة أو كف بصره (2) ، وهي دراسة جديرة بالاهتمام لثبات نجاحها الرائع في الكتاتيب التي تتبع هذه الطريقة وكما هو الحال في جمهورية مصر العربية.
(1) التربية الدينية الإسلامية بين الأصالة والمعاصرة للدكاترة أ. د. فتحي على يونس، ود. محمود عبده أحمد، ود. مصطفى عبد الله إبراهيم، ط. عالم الكتب ص 235 – 237 بتصرف.
(2)
مستفاد من كتاب: دراسات وبحوث جديدة في تاريخ التربية الإسلامية للدكتور مجاهد توفيق الجندي: 225 وما حولها ط أولى 1404هـ – 1984م، مطبعة دار الوفاء خلف الجامع الأزهر بالقاهرة.