الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بَابُ سُتْرَةِ المُصَلِّي
مقدمة
السُّتْرَة: -بضمٍّ فسكونٍ -: ما يُستر به كائنًا ما كان، وسترة المصلي هي: ما يجعله المصلي أمامه؛ لمنع المرور بين يديه.
فالمصلي واقف بين يدي ربه يناجيه ويناديه، فإذا مرَّ بين يديه في هذه الحالة مارٌّ، قطع هذه المناجاة، وشوَّش هذا الاتصال؛ لذا عظُم ذنب فاعله، وتعرض لعذاب، لو يعلمه لتمنى أن يقف أربعين سنة، ولا يمر بين يدي المصلي وبين سترته، وهذا وعيد شديد.
ولذا أبيح للمصلي قتال هذا المعتدي، ودفع هذا المفسد، وسماه النبي صلى الله عليه وسلم شيطانًا.
ووضع السترة سنة، وليست واجبة بإجماع الفقهاء؛ لأنَّ الأمر باتخاذها للندب؛ إذ لا يلزم من عدمها بطلان الصلاة، ولأنَّ السلف الصالح لم يلتزموا وضعها، ولو كان واجبًا لالتزموه.
وقد جاء في صحيح البخاري (493): "أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم صلَّى في منى إلى غير جدار".
وللسترة فوائد هامة، منها:
1 -
أنَّ اتخاذها هو سنة النبي صلى الله عليه وسلم القولية والفعلية والتقريرية، وإحياء السنة واتباعها هو الصراط المستقيم.
2 -
أنَّها تقي الصلاة -القطع-؛ إن كان المارُّ مما يقطعها، عند من يقول بذلك، وتقيها النقص إن كان ينقصها.
3 -
إنَّها تحجب النظر عن الشخوص والروغان، لأنَّ صاحب السترة يضع نظره دون سترته غالبًا، فينحصر تفكيره في معاني الصلاة.
4 -
يعطي المصلي المجال للمارين، فلا يحوجهم إلى المرور أمامه، أو الوقوف حتى ينتهي من صلاته.
5 -
أنَّ السترة تكون وقاية للمار من إثم المرور، الذي يناله بسبب تنقيصه صلاة المصلي.
***
182 -
عَنْ أَبِي جُهَيم بنِ الحارِثِ رضي الله عنه قالَ: قال رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "لو يَعْلمُ المَارُّ بَيْنَ يَدَيِ المُصَلِّي مَاذَا علَيْهِ مِنَ الإثْمِ، لَكَانَ أَنْ يَقِفَ أرْبَعِينَ، خيرًا لَهُ مِنْ أَنْ يَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ". مُتَّفقٌ علَيْهِ، واللَّفْظُ لِلبُخَارِيِّ، ووقَعَ فِي البَزَّارِ مِنْ وَجْهٍ آخر:"ارْبَعِينَ خَرِيفًا"(1).
ــ
* مفردات الحديث:
- لو: حرف شرط لما مضى، وتفيد امتناع شيء لامتناع غيره، ويسمى حرف امتناع لامتناع، ولها شرط وجواب، إلَاّ أنَّها لا تجزم.
- يعلم: فعل مضارع، وهو شرط "لو".
- لكان: جواب "لو".
- أن: مصدرية، والتقدير: لو يعلم المارُّ ماذا عليه من الإثم من مروره بين يدي المصلي، لكان وقوفه أربعين، خيرًا من أن يمر.
- ماذا عليه: كلمة "ما" استفهامية، ومحلها الرفع على الابتداء، و"ذا" اسمٌ موصولٌ، بمعنى "الذي"، ومحلها الجر بالإضافة، و"عليه" صلتها، ومتعلق الجار والمجرور خبر "ما".
- خيرًا: خبرًا لـ"كان"، واسم "كان" هو قوله:"أن يقف" مؤول بمصدر، بمعنى:"وقوفه".
- خريفًا: على أنَّه مجاز مرسل، قال في "المصباح": الخريف الفصل الذي تخترف فيه الثمار.
وهو أحد فصول السنة، وبروجه الثلاثة هي: الميزان والعقرب والقوس،
(1) البخاري (510)، مسلم (507)، البزار (9/ 239).
وهو بالأشهر الإفرنجية من (21 سبتمبر) إلى (21 ديسمبر)، سمي خريفًا لاجتناء الثمار فيه، والمراد هنا: السنة كلها، ولكن العرب تسمي الكل بالجزء.
* ما يؤخذ من الحديث:
1 -
المصلي واقف بين يدي الله تعالى يناجيه، فقطع هذه المناجاة، وتشويش هذا الاتصال بالمرور بين المصلي، وبين قبلته -ذنب كبير على المار.
2 -
تحريم المرور بين يدي المصلي، إذا لم يكن له سترة، أو المرور بينه وبينها، إذا كان له سترة.
3 -
المشهور من مذهب أحمد: أنَّه يستحب للمصلي رد المار بين يديه، والرواية الأخرى أنَّ ذلك يجب؛ لظاهر الأخبار، وأما المار فالمشهور من المذهب: تحريم المرور، وحكى ابن حزم الإجماع على إثمه.
4 -
وجوب الابتعاد عن المرور بين يدي المصلي؛ خشية من هذا الوعيد الشديد.
5 -
الأوْلَى للمصلي أن يبتعد فلا يصلي في طرق النَّاس، وفي الأمكنة التي لابد لهم من المرور بها؛ لئلا يعرض صلاته للنقص أو القطع، ويعرض المارة للإثم، أو الحرج بالوقوف.
6 -
فسرت "الأربعين" الروايةُ الأخرى بأنَّها: "أربعون سنة"، وليس المراد الحصر، فمفهوم العدد غير مراد عند كثير من الأصولبين، وإنما المراد المبالغة في النهي؛ كقوله تعالى:{اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ} [التوبة: 80].
7 -
هذا الحكم في عموم البقاع، عدا مكة المكرمة، ففيها خلاف سيأتي إن شاء الله تعالى.
8 -
ظاهر الخبر أنَّ الوعيد خاص بالمار، لا بالواقف والقاعد والمضطجع، وهذا قول الجمهور.
قال ابن القيم: ولا تبطل بالوقوف قدامه ولا الجلوس، ذكره المجد،
واختاره الشيخ تقي الدين.
أمّا الإمام مالك، فقال: لا يصلي إلى النائم، ولكن السنة ثابتة بجواز اعتراض النائم، ومنها قصة عائشة.
9 -
إذا لم يكن للمصلي سترة، فما مقدار ما يجب البعد عنه عند المرور؟
قالت الحنفية والمالكية: يحرم من موضع قدمه إلى موضع سجوده، وعند الشافعية والحنابلة: ثلاثة أذرع من قدم المصلي.
وقال الموفق: لا أعلم حد البعيد في ذلك ولا القريب، وقال: الصحيح تحديد ذلك بما إذا مشى إليه المصلي، ودفع المار بين يديه، فتقيد بدلالة الإجماع بما يقرب منه.
10 -
سترة الإمام هي سترة لمن خلفه من المأمومين، بإجماع العلماء؛ لأنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم صلَّى إلى سترة، ولم يأمر أصحابه باتخاذ سترة أخرى لهم، لما في البخاري (76)، ومسلم (504) من حديث ابن عباس قال:"أقبلت راكبًا على حمار أتان، والنبي صلى الله عليه وسلم يصلي بالناس بمنىً إلى غير جدارٍ، فمررتُ بين يدي بعض أهل الصف، فنزلت وأرسلت الأتان ترتع، فدخلت في الصف، فلم ينكر عليَّ أحد".
11 -
المشهور من مذهب الإمام أحمد: أنَّه لا بأس أن يصلي بمكة، بل بالحرم كله إلى غير سترة؛ وذلك لما روى الإمام أحمد (26699)، وأبو داود (2016)؛ والنسائي (2959)، وابن ماجه (2958) عن المطلب بن أبي وداعة:"أنَّه رأى النبي صلى الله عليه وسلم يصلي مما يلي باب بني سهم، والناس يمرون بين يديه، وليس بينهما سترة".
والحديث في إسناده مجهول، وضعَّفه الألباني.
وقد جاء في الصحيحين: "أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم صلَّى بمزدلفة إلى غير سترة"، ومحققو العلماء يرون جواز المرور، والحديث ليس معارضًا للأحاديث
الصحيحة في تحريم المرور، وإنّما هو مخصِّص لها.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: لو صلَّى المصلي في المسجد الحرام، والناس يطوفون أمامه، لم يكره؛ سواء مرَّ من أمامه رجل أو امرأة.
وقال الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ: كان صلى الله عليه وسلم يصلي ويمر بين يديه الطائفون، وبقية الحرم كذلك عند الأصحاب، وأصل ذلك أنَّه من خصائص الحرم؛ لأنَّها بلد شأنها الازدحام، وجمع الخلق.
* فائدة:
استحب العلماء الدنو من السترة، بألا يزيد ما بين المصلي وبينها إلَاّ قدر مكان السجود؛ لما روى أبو داود (695) عن سهل بن أبي حثمة الأنصاري أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قال:"إذا صلَّى أحدكم إلى سترة، فليدن منها، لا يقطع الشيطان عليه صلاته".
وقد جاء في صحيح البخاري من حديث سهل بن سعد قال: "كان بين مصلى النبي صلى الله عليه وسلم وبين الجدار ممر الشاة".
***
183 -
وَعنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالتْ: "سُئِلَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ عَنْ سُتْرَةِ المُصَلِّي فَقَالَ: مِثْلُ مُؤْخِرَةِ الرَّحْل". أَخرَجَهُ مُسْلِمٌ (1).
ــ
* مفردات الحديث:
- غزوة تبوك: تبوك إحدى مدن المقاطعة الشمالية للمملكة العربية السعودية، تبعد عن المدينة المنورة شمالًا بنحو (680) كيلو متر، وغزوة تبوك في السنة التاسعة من الهجرة، ولم يلق فيها النبي صلى الله عليه وسلم عدوًّا.
- مؤخرة الرَّحْل: -بضم الميم وسكون الهمزة وكسر الخاء المعجمة، ويقال: بفتح الخاء مع شدها وفتح الهمزة-: هي العود الذي يكون في آخر الرحل، يستند إليه الراكب، وهي نحو ثلثي الذراع.
- الرحل: -بفتح الراء وسكون الحاء المهملة-: هو ما يوضع على ظهر البعير للركوب، ويسمى: الكُوْر، بضم الكاف وسكون الواو.
* ما يؤخذ من الحديث:
1 -
مشروعية السترة للمصلي؛ لما تقدم من فوائدها التي تعود على صيانة الصلاة وحفظها، وعلى الابتعاد عما ينقصها، وعلى درء الإثم عن المار، وعدم التسبب فيما يشق عليه ويحرجه.
2 -
أن تكون بقدر مؤخرة الرحل، في طولها وعرضها، إن أمكن.
3 -
إن لم يجد المصلي هذا، فتكون بعصا ونحوه.
4 -
فإن لم يوجد فبخطٍّ يكون أمامه؛ كما سيأتي في حديث أبي هريرة؛ فالقصد
(1) مسلم (500).
أن يأتي المصلي بما يقدر عليه وما يستطيعه، فإنَّ الله تعالى لا يكلف نفسًا إِلَّا وسعها.
5 -
أنَّ مشروعية السترة تكون في الحضر والسفر، وفي الفضاء والبناء.
6 -
أنَّ مشروعية السترة متقررة لدى الصحابة رضي الله عنهم من قبل غزوة تبوك، في السنة التاسعة من الهجرة.
***
184 -
وَعَنْ سَبْرَةَ بْنِ مَعْبَدٍ الجُهَنِيِّ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "لِيَسْتَتِرْ أَحَدُكُمْ فِي الصَّلَاةِ وَلَوْ بِسَهْمٍ". أَخْرَجهُ الحَاكِمُ (1).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث صحيح؛ رواه الإمام أحمد في مسنده (14916)، قال الهيثمي: رجال أحمد رجال الصحيح، ورواه الحاكم، وقال: صحيح على شرط مسلم.
* مفردات الحديث:
- ليستتر: ليجعل له سترة حال صلاته.
- بسهم: -بفتح السين المهملة وسكون الهاء-: هو عود دقيق من الخشب يُجعل في طرفه نصل، يرمى به عن القوس.
* ما يؤخذ من الحديث:
1 -
استحباب السترة أمام المصلي؛ لحفظ صلاته من النقصان، أو البطلان، والاستحباب هو مذهب الجمهور.
2 -
الأفضل في السترة أن تكون كمؤخرة الرَّحل -كما تقدم- فإن لم يجد ذلك ولا أقل منه، جعل ولو سهمًا، والسهم هو: عود دقيق من الخشب، يغرز في طرفه نصل يرمى به.
3 -
الحرص على وضع السترة، ولو من أدق الأشياء وأقلها، لأجل إشعار النفس بأنَّ أمام العينين حدًّا عن مجاوزة النظر، فلا يتبعه القلب بأفكاره ووساوسه، وليجعل بينه وبين المارين حدًّا، يميز به موضع حرم صلاته من مكان
(1) الحاكم (1/ 252).
مرورهم.
4 -
ظاهر الحديث أنَّه لا يعدل إلى السهم، إلَاّ بعد ألا يجد سترة كافية؛ كمؤخرة الرحل، أو ما هو دونها.
5 -
الأفضل الدنو من السترة، وأن تكون عند موضع سجوده؛ لتحد من تجاوُز نظره إلى ما وراء مكان السجود، ولئلا يحتجز مساحة أكبر من حاجته، فيضيق على المارين، ولئلا يعرض صلاته للنقص، أو القطع ممن يمر بينه وبينها.
***
185 -
وَعَنْ أَبي ذَرٍّ الغِفَارِيِّ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "يَقْطَعُ صَلَاةَ الرَّجُلِ: المَرْأةٌ، والحِمَارُ، وَالكَلْبُ الأَسْوَدُ
…
" الحديثَ، وفِيهِ: "الكَلْبُ الأسْوَدُ شَيْطَانٌ". أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (1). ولَهُ عَنْ أِبي هُرَيْرَةَ نَحْوُهُ، دُونَ "الكَلْبِ" (2)، وَلأبِي دَاوُدَ وَالنَّسَائِيِّ عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ نَحْوُهُ دُونَ آخرِهِ، وقَيَّدَ المَرْأَةَ بِالحَائِضِ (3).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث في أصله صحيح، إلَاّ أنَّ قول المؤلف في رواية أبي هريرة:"إنَّه في مسلم دون الكلب"، وهمٌ منه رحمه الله فإنَّه موجود في مسلم بلفظ:"يقطع الصلاة: المرأة والحمار والكلب"، أما تقييد المرأة بالحائض، فرجَّح جمهور المحدثين أنَّها موقوفة على ابن عباسٍ، ولم يصح رفعها.
* مفردات الحديث:
- يقطع الصلاة: يبطلها.
- الحمار: حيوان داجن من الفصيلة الخيلية، يستخدم للحمل، والركوب، والأنثى حمارة، جمعه: حُمُرٌ وَحَمِيرٌ، وجمع الحمارة حمائر.
- الكلب: كل سبع عقور، وغلب على النابح حتى صار حقيقة لغوية، لا تحتمل غيره، وجمع الكلب: كُلُب وكِلَاب، والأنثى: كَلْبَة، وجمعها: كَلْبَات.
- المرأة: فاعل "يقطع"؛ أي: مرور المرأة
…
إلخ.
(1) مسلم (510).
(2)
مسلم (511).
(3)
أبو داود (703)، والنسائي (750).
والمرأة: بوزن "تمرة"، بفتح الميم وسكون الراء ثم همزة مفتوحة، تأنيث "المرء"، وهو الرجل، ويجوز نقل فتح الهمزة إلى الراء، ثم تحذف الهمزة إلى الراء، ثم تحذف الهمزة، فتصير "مَرَة" بوزن "سنة".
قال في اللسان: للعرب في المرأة ثلاث لغات: يقال: هي امرأته، ومرأته، ومرته والمراد بالمرأة هنا: البالغة.
* ما يؤخذ من الحديث:
1 -
المصلي إذا لم يجعل له سترة لصلاته، يكون أعلاها بقدر مؤخرة الرحل، وأدناها كسهم واحد، أو خط في الأرض أمامه -فإنَّه يفسد صلاته، ويبطلها مرور واحد من ثلاثة أشياء: المرأة، والحمار، والكلب الأسود البهيم.
2 -
إِنْ وضع سترة في قِبلته فلا يضره مرور شيء من ورائها، ولو كان واحدًا من هذه الأشياء الثلاثة؛ لأنَّ السترة حددت مكان مصلاه، وجعلت لصلاته حِمًى، لا يضره من مرَّ وارءها.
3 -
زيادة أبي داود والنسائي عن ابن عباس، بتقييد المرأة بالحائض -غير صحيحة، ولو كانت هذه الزيادة صحيحة، لقيدت هذه الزيادة حديث مسلم المطلق بعموم المرأة، ولكن الزيادة ضعيفة، فيبقى الحديث على إطلاقه.
قال ابن العربي: إنَّه لا حجة لمن قيد الحكم بالحائض؛ لأنَّ الحديث ضعيف، وليست حيضة المرأة في يدها ولا رجلها.
4 -
خصَّ الكلب الأسود من بين سائر الكلاب؛ لأنَّه شيطان، فإنَّ راوي الحديث أبا ذر رضي الله عنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله: فما بال الأسود، من الأحمر، من الأصفر، من الأبيض؟ فقال:"الكلب الأسود شيطان".
5 -
مرور الشيطان يبطل الصلاة؛ لأنَّه علة القطع في الكلب الأسود.
6 -
الشياطين أعطاهم الله القدرة على التشكل والتكيف على الصورة التي
يريدونها، فيمكن حمل هذا الحديث على ظاهره، وأنَّ الشيطان يأتي بصورة هذا اللون من الكلاب؛ ليفسد على المسلم صلاته.
7 -
استحباب وضع السترة أمام المصلي؛ لتقي صلاته من النقص، أو من البطلان، فهي حصانة للصلاة، وسور لها من آفات نقصها وفسادها.
8 -
أنَّ أعلى السترة وأفضلها هي أن تكون بقدر مؤخرة الرحل، فإن لم يجد ذلك عرض ما استطاع عرضه، ولو بخط في الأرض، كما سيأتي إن شاء الله تعالى.
9 -
الحكمة في قطع هذه الأشياء -والله أعلم- هي ما يأتي:
المرأة: موضع فتنة وانشغال قلب، بما يتنافى مع مكانة الصلاة ومقامها؛ ولذا جاء في صحيح مسلم (1403) من حديث جابر بن عبد الله؛ أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قال:"إنَّ المرأة إذا أقبطت، أقبلت في صورة شيطان، فإذا رأى أحدُكم امرأةً، فأعجبته فليأتِ أهله؛ فإنَّ معها مثل الذي معها".
10 -
قَرْنُ المرأة مع هذين الحيوانين النجسين ليس لخستها، وإنما هو لمعنى آخر، ترغب المرأة أن تكون متصفة به؛ لما فيها من الجاذبية، وميل القلوب إليها، ولكنه مُنَافٍ للعبادة.
11 -
الحمار: لعل له صلة بالشياطين؛ وأنها ترغب قربه، وتأتي أمكنته، ولذا جاء في البخاري (2303) من حديث أبي هريرة أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم قال:"إذا سمعتم نهاق الحمير، فتعوذوا بالله من الشيطان؛ فإنَّها رأت شيطانًا" وللحمار صوت منكر، قال تعالى:{إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ (19)} [لقمان: 19]، فالمصلي معرَّض لنهيقه المنكر، الذي قد يواصله المرة بعد الأخرى، حتى يسبب اختلال الصلاة.
12 -
الكلب: إما أن يكون هو الشيطان جاء بصورة كلب، والشيطان قمة الشر والفساد، وإما أن يكون هلذا الحيوان النجس القذر، الذي لا يكفي في إزالة نجاسته إلَاّ تكرير الماء واستعمال التراب، وصاحب اللون الأسود
منها هو أشدها وأعتاها، فهو من الشياطين المتمردة، ولذا جاء الحديث الصحيح بقتله.
* خلاف العلماء:
ذهب الأئمة الثلاثة إلى: أنَّ المرور بين يدي المصلي لا يبطل الصلاة، ولو كان المارُّ امرأةً أو حمارًا أو كلبًا أسود؛ لما روى أبو داود (719) من حديث أبي سعيدة أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قال:"لا يقطع الصلاة شيء، وادرؤوا ما استطعتم". وحملوا الحديث على أنَّ المراد نقص الأجر لا الإبطال، و"لأنَّ زينب بنت أبي سلمة مرت بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم فلم تقطع صلاته". [رواه أحمد (25984)، وابن ماجه (948) بإسناد حسن].
ولما روى أحمد وأبو داود عن الفضل بن العباس قال: "أتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم-ونحن في بادية، فصلى في الصحراء ليس بين يديه سترة، وحمار لنا وكلبة يعبثان بين يديه، فما بالى بذلك".
ولأنَّ الشيطان عرض له صلى الله عليه وسلم في قبلته.
قال النووي: جمهور العلماء من السلف والخلف، على أنَّه لا يبطل الصلاة مرور شيء، ولم يأمر النبي صلى الله عليه وسلم أحدًا بإعادة الصلاة من أجل ذلك، وتأولوا أنَّ المراد نقص الصلاة، بشغل القلب بهذه الأشياء.
وهذه الرواية هي المشهورة من مذهب الحنابلة، عدا الكلب الأسود، جزم بها الخرقي، وصاحب "الوجيز"، قال في "المغني": هي المشهورة، وصححها في "تصحيح الفروع" وغيره، وجزم بها في "التنقيح" و"الإقناع" و"المنتهى" وغيرها.
أما الكلب الأسود: فإنَّه له يقطع الصلاة، رواية واحدة عند الحنابلة.
وذهب الإمام أحمد في إحدى الروايتين عنه، إلى: أنَّ المرأة والحمار أيضًا يقطعانها ويفسدانها، وهو مذهب الظاهرية في الثلاثة: المرأة، والحمار،
والكلب الأسود.
قال ابن حزم: ويقطع صلاة المصلي كونُ كلب بين يديه مارًّا أو غير مار، وكون الحمار بين يديه كذلك أيضًا، وكون المرأة بين يدي الرجل صغيرة أو كبيرة.
وممن اختار قطع الصلاة بهذه الأشياء الثلاثة شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم، وقال: قد صحَّ عنه صلى الله عليه وسلم أنَّه يقطع الصلاة: المرأة، والحمار، والكلب الأسود، ثبت ذلك من رواية أبي ذر وأبي هريرة وابن عباس وعبد الله بن مغفل.
والذي عارض هذا الحديث قسمان: صحيح غير صريح، وصريح غير صحيح، فلا يترك لمعارض هذا شأنه.
وقال الشيخ: مذهب أحمد وجماعة من أصحابه قطع الصلاة بالمرأة، والحمار، والكلب الأسود، قال: والصواب أنَّ مرور المرأة، والحمار، والكلب الأسود، يقطع الصلاة. واختاره صاحب "المغني".
وقال الشيخ محمَّد بن إبراهيم آل الشيخ: تبطل الصلاة بمرور المرأة، والحمار، والكلب الأسود، إذا كان إمامًا أو منفردًا، في صلاة فرض أو نفل، هذا إذا كان المرور بين المصلي، وبين سترته إن كان له سترة، أو بين يديه بقدر ثلاثة أذرع من قدمه.
وحجة القائلين. ببطلان الصلاة من مرور الثلاثة: حديث الباب، وهو حجة قوية لا يدفعها شيء.
* فائدة:
النساء لا يقطع مرور بعضهن صلاة بعض، وهو صريح حديث أبي ذر:"يقطع صلاة الرجل المسلم" فالقطع خاص بالرجال، وهو مما يقوي المعنى الذي ذكرناه عن سبب قطع المرأة صلاة الرجل.
وقال في "الإنصاف": ظاهر كلام الأصحاب أنَّ الصغيرة التي لا يصدق عليها أنَّها امرأة، لا تبطل الصلاة بمرورها، وهو ظاهر الأخبار.
186 -
وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ إِلَى شيْءً يَسْتُرُهُ مِنَ النَّاسِ، فأَرَادَ أحَدٌ أن يَجْتَازَ بَيْنَ يَدَيْهِ فَلْيَدْفَعْهُ، فإن أبَى فَلْيُقَاتِلْهُ؛ فَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ" مُتَّفَقٌ عليْهِ، وفِي رِوَايَةٍ:"فإنَّ معَهُ القَرِينَ"(1).
ــ
* مفردات الحديث:
- القرين: -بفتح القاف ثم راء مهملة مكسورة ثم ياء فنون-: هو المقارن المصاحب من شياطين الجن.
- يجتاز: بالجيم؛ من: الجواز، وهو المرور.
- شيطان: مشتقٌّ إمّا من: "شَطَن" إذا بعُد؛ لبعد الشيطان عن الحق، وعن رحمة الله، فتكون النون أصلية، وإما مشتق من:"شاط" إذا احترق، فوزنه: فعلان، وكل عاتٍ متمرد من الجن أو الإنس فهو شيطان، قال تعالى:{شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ} [الأنعام: 112].
قال القرطبي: ويحتمل أن يكون معناه: الحامل له على ذلك الشيطان، لقوله صلى الله عليه وسلم:"فإنَّ معه قرين".
-فإن أبى: "إنَّ" شرطية، وفعل الشرط "أبى".
- فليقاتله: الفاء رابطة للجزاء، و"اللام" الساكنة الجازمة، و"يقاتله" مجزوم بلام الأمر، فإنَّ هذه الرواية جاءت على صيغة الأمر للحاضر، وهي جواب وجزاء "إنْ" الشرطية.
- إنَّما هو شيطان: تعليل لمشروعية قتاله، والشيطان هو المارد، وإطلاقه على
(1) البخاري (509)، مسلم (505، 506).
الإنس شائع سائغ، قال تعالى:{شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ}
* ما يؤخذ من الحديث:
1 -
استحباب وضع السترة بين يدي المصلي، فرضًا كانت الصلاة أو نفلًا، إمامًا أو منفردًا، أما المأموم فسترة الإمام سترة له؛ لِما روى البخاري (2797) ومسلم (1841) من حديث أبي هريرة؛ أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قال:"إنَّما الإمام جُنَّة".
قال ابن عبد البر: لا خلاف بين العلماء أنَّ المأموم لا يضره من مرَّ بين يديه.
قال الشيخ عثمان بن قائد النجدي: إنَّ سترة الإمام تقوم مقام سترة المأموم في الأمور الثلاثة، التي تفيدها السترة، وهي:
(أ) عدم البطلان بمرور الكلب الأسود ونحوه.
(ب) وعدم استحباب رد المار بين يدي المصلي.
(ج) وعدم الإثم على المار بينه وبين قبلته، وهو ظاهر الأخبار.
2 -
إذا وضع المصلي أمامه سترة تحفظ صلاته، واحتاط لها، فإن اعتدى أحد بعد ذلك، فاراد أن يجتاز بين يديه فليدفعه، فإن أبى فليقاتله، فإنَّما هو شيطان، فإن لم يضع بين يديه سترة، فليس له دفعه؛ لأنَّ التفريط منه بتركها.
3 -
جواز مقاتلة من أراد المرور بين المصلي وسترته؛ لأنَّه صائل ومعتدٍ.
4 -
المقاتلة هنا تحمل على منعه من المرور، فإن أبى الرجوع فله قتاله.
قال القرطبي: يدفعه بالإشارة ولطيف المنع، فإن لم يمتنع دفعه دفعًا أشد من الأول، وأجمعوا على أنَّه لا يقاتله بالسلاح.
5 -
قال الشيخ المباركفوري: الحكمة في مشروعية السترة: أنَّ العبد إذا قام يصلي فإنَّ الرحمة تواجهه؛ لما روى أحمد (20823) وأبو داود، (945) والترمذي (379) بإسناد جيد من حديث أبي ذر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"إذا قام أحدكم في الصلاة، فلا يمسح الحصى؛ فإنَّ الرحمة تواجهه".
وفي البخاري (1129)، ومسلم (546):"إنَّ كنتَ فاعلًا، فواحدة".
واتَّفق أهل العلم على كراهته، فإذا وضع المصلي أمامه السترة، فمرَّ أحدٌ من ورائها، فإنَّ الرحمة لا تزاحم، فلا يقع خلل ونقص لصلاته.
6 -
حكى ابن حامد الإجماع على استحباب السترة؛ واستحباب الدنو منها، قال البغوي: استحب أهل العلم الدنو من السترة، بحيث يكون بينه وبينها قدر إمكان السجود، وكذلك بين الصفوف.
7 -
قال في "شرح الزاد" وغيره: ويستحب انحرافه عن السترة قليلاً، ويجعلها على حاجبه الأيمن أو الأيسر، ولا يصمد لها صمدًا؛ لِما روى أبو داود عن المقداد:"ما رأيته صلَّى إلى عود أو عُمُد أو شجرة، إلَاّ جعله على حاجبه الأيمن أو الأيسر". وسدًّا لذريعة التشبه بالسجود لغير الله تعالى.
8 -
هذا الحديث دليل على عظم إثم المار وجرمه، حتى إنَّ بعض العلماء ومنهم ابن القيم عد ذلك من الكبائر.
9 -
كما أنَّه دليل على استحباب صيانة الصلاة مما ينقصها، ويذهب بكمالها.
10 -
المارّ هذا هو من شياطين الإنس، الذين يفسدون على الناس صلاتهم وعباداتهم، أو أنَّ الشيطان الذي هو صاحبه وقرينه، يقويه ويحضه على أذية الناس، وفساد عباداتهم.
11 -
أنَّ مدافعة المار تكون بالأسهل، فيكون بالمنع، فإن لم يُفِدْ فليدفعه، فإن لم يُفِدْ فبالمقاتلة اليدوية، ولا ينتقل إلى العنف إلَاّ بعد نفاد وسائل اللين، وهذا عام في جميع مدافعة الصائل، ما لم يخش المباغتة، فيستعمل أحسن وسائل الوقاية.
12 -
قال النووي: لا أعلم أحدًا من الفقهاء قال بوجوب هذا الدفع، بل صرَّحوا بأنَّه مندوب.
187 -
وَعَنْ أبِي هُريْرَة رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: "إذَ صَلَّى أَحَدُكُمْ، فَلْيَجْعَلْ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ شيْئًا، فإنْ لَمْ يَجِدْ فَلْيَنْصِبْ عَصًا، فَإَنْ لَم يَكُنْ فَلْيَخُطَّ خَطًّا، ثُمَّ لا يَضُرُّهُ مَنْ مَرَّ بَيْنَ يَديْهِ". أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ، وَصَحَّحَهُ ابنُ حِبَّانَ، ولَمْ يُصِبْ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ مُضْطَرِبٌ، بَلْ هُوَ حَسَنٌ (1).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث حسن.
قال الحافظ: الحديث حسن، وصححه ابن حبان، وصححه الإمام أحمد وابن المديني، كما صححه الدارقطني، وقال البيهقي: لا بأس بالعمل به إن شاء الله تعالى.
قال ابن عبد البر: أشار إلى ضعفه سفيان بن عيينة والشافعي والبغوي وغيرهم، وردَّ ذلك الحافظ ابن حجر، وقال: إنَّه حسن.
* مفردات الحديث:
- فَلْيَنْصِب: بكسر الصاد؛ أي: يرفع ويقيم.
- عصا: مقصورة، مؤنثة، والتثنية: عصوان، مما يدل على أنَّ أصله الواو.
- تلقاء: بكسر التاء وسكون اللام آخره مد.
قال في "محيط المحيط": اسم من: اللقاء، ويُتَوسع فيه فيُستعمل ظرفًا لمكان اللقاء والمقابلة، فينصب على الظرفية.
(1) أحمد (2/ 249)، ابن ماجه (943)، ابن حبان (2361).
قلتُ: كما في هذا الحديث.
- فليخطّ: يقال: خطَّ يخطُّ خَطًّا؛ أي: رسم علامةً، وجمع الخط: خطوط.
قال في "المصباح": خطَّ على الأرض: أَعْلَمَ عَلامةً، وهو المراد هنا من الخط أمام المصلي؛ ليكون سترة له.
* ما يؤخذ من الحديث:
1 -
استحباب السترة بين يدي المصلي وتأكدها؛ لكثرة الأمر فيها.
2 -
أنَّ السترة تكون بأي شيء بارز، يكون تلقاء وجه المصلي، يمنع المارين من المرور في قِبْلته، ومكان سجوده.
3 -
فإن لم يجد شيئًا بارزًا، يكون بقدر مؤخرة رحل الراكب، فوق قتب البعير، إن لم يجد هذا، انتقل إلى ما دونه.
4 -
إن لم يجد شيئًا، فلينصب عصا؛ فقد جاء في البخاري (473) ومسلم (503) من حديث أبي جحيفة:"أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم صلَّى بهم بالبطحاء، وبين يديه عنزة". والعنزة عصا في طرفها حديدة دقيقة، ويجوز وضع العصا في الأرض، والأفضل أن يكون عرضًا، حتى يحيط بمكان المصلي، ويستر جميع جهته القبلية.
5 -
إن لم يجد العصا خطَّ خطًّا، ويكون عرضًا، والأفضل أن يكون مقوسًا؛ كالمحراب.
قال أبو داود: سمعت أحمد يقول عن الخط: مثل الهلال.
6 -
أنَّ المصلي إذا وضع السترة من أي نوع من هذه الأنواع، فإنَّه لا يضر صلاته شيء، ولا ينقصها، ولا يبطلها من مرَّ بين يديه من ورائها.
7 -
أما المفهوم: فإنَّه إذا لم يضع سترة، فإنَّ صلاته تنقص، أو تبطل بمرور المار بالقرب منه.
8 -
صريح الحديث: أنَّه لا يضع السترة الدنيا حتى لا يجد التي أعلى منها، وأنَّها
مبنية على الحديث الشريف: "إذا أمرتكم بأمرٍ، فأتوا منه ما استطعتم". [رواه البخاري (7288)].
9 -
الصلاة عبادة جليلة، وهي الصلة بين العبد وربه، فإذا وقف المصلي فإنه يناجي الله تعالى، والمرور أمامه يخل بهلذه المناجاة، ويقطع هذا الاتصال الإلهي بانشغال القلب، فاحتيط للصلاة بهذه الوقاية.
* فائدة:
هذا إذا كان المصلي إمامًا أو منفردًا، أما المأموم فسترة الإمام سترة له؛ لأنَّه صلى الله عليه وسلم كان يصلي إلى سترة دون أصحابه، واتَّفق المصلون خلفه على أنَّهم مصلون إلى سترة، فلا يضرهم مرور شيء بين أيديهم؛ ففي البخاري (493) ومسلم (504) عن ابن عباس قال:"أقبلت على حمار أتان، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بالناس، فمررت بين يدي بعض الصف، فلم ينكر ذلك علي أحد".
قال ابن عبد البر: لا خلاف بين العلماء أنَّ المأموم لا يضره من مر بين يديه.
* * *
188 -
وَعنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "لَا يَقْطَعُ الصَّلَاةَ شَيْءٌ، وَادْرَؤوا مَا اسْتَطَعْتُمْ". أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَفِي سنَدِهِ ضَعْفٌ (1).
ــ
* درجة الحديث:
الحديث حسن.
وبعضهم ضعَّفه؛ لأنَّ فيه مجالد بن سعيد، وهو سيء الحفظ، وقد اضطرب فيه، فمرَّة رفعه، ومرَّة أوقفه، والموقوف أشبه بالصواب، ثم إنَّ شطره الأول مع ضعْفه يعارض الحديث الصحيح، في أنَّ المرأة وما ذكر معها تقطع الصلاة، وأما الشطر الثاني منه فصحيح المعنى، يشهد له حديث أبي سعيد في الصحيحين:"إذا صلَّى أحدكم إلى شيء يستره من الناس، فأراد أحد أن يجتاز بين يديه فليدفعه، فإن أبى فليقاتله؛ فإنَّما هو شيطان". وهذا لفظ البخاري.
والحديث له طرق وشواهد موقوفة أيضًا عن عثمان وعلي وابن عمر وعائشة وجابر، ومن الشواهد ما هو إسناده صحيح، ومنها ما هو حسن، كما بيَّنه ابن حجر في "الدراية"، وتقدم قبل عدة صفحات بحث المسألة، وذكر فيها أدلة من قال بأنه لا يقطع الصلاة شيء، وذكر هناك شواهد لهذا الحديث، مما تقويه وتجعله محتجًّا به، ولهذا قال ابن الهمام في "فتح القدير": له طرق لا ينزل بها عن رتبة الحسن، بل حديث عائشة في الصحيحين في صلاته صلى الله عليه وسلم وهي معترضة، يعارض حديثهم في إبطال الصلاة.
(1) أبو داود (719).
* مفردات الحديث:
- لا يقطعُ الصلاةَ شيء: هذا عامٌّ مخصوصٌ بالأمور الثلاثة التي مرَّت في حديث أبي ذر، والتخصيص اصطلاحًا: هو إخراج بعض أفراد العام.
- ادرؤوا ما استطعتم: يقال: درأه يدرؤه، إذا دفعه، والمعنى: ادفعوا المار أمام قبلتكم قدر استطاعتكم، وليكن الدفعُ بأسهل ما يغلب على الظن دفعه به.
* ما يؤخذ من الحديث:
1 -
ظاهر هذا الحديث أنَّ الصلاة لا يقطعها أيُّ مار أمام المصلي، ولو لم يكن للمصلي سترة.
2 -
أمر الشارع بدرء المار أمام المصلي بقدر استطاعته.
3 -
الحديث معارِض لحديث أبي ذر، الذي فيه أنَّ الصلاة يقطعها: المرأة والحمار والكلب الأسود، فأوَّل جمهور العلماء حديث أبى ذر على نقص الصلاة، بشغل القلب بمرور الثلاثة المذكورة أمام المصلي.
وأما هذا الحديث: فظاهره عدم بطلان الصلاة، وإن نقص ثوابها بالمرور.
4 -
أما على القول الصحيح الذي تقدم من أنَّ الثلاثة تبطل الصلاة، فيكون حديث أبي ذر مخصِّصًا لهذا الحديث، فإن لم يكن التخصيص، عدلنا إلى ترجيح حديث أبي ذر في مسلم على هذا الحديث الضعيف، الذي لا تقوم به حجة لو سلم من المعارِض، فكيف وقد عارضه حديث في صحيح مسلم؟! والله أعلم.
* فائدة:
السترة: مشروعة للمصلي، وكره العلماء استقبال: نارٍ، وسراجٍ، وصورةٍ، ونجاسةٍ، وبابٍ مفتوحٍ، ونائمٍ، وكافرٍ، وغير ذلك.
* * *