الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فرعان على عدم قبول الخبر المرسل:
الأول:
المرسل يقبل بأحد أمور تغلب على الظن صدقه: وذلك إذا تأكد بقول الصحابي أو فعله، فإن الظن يقوى عنده، وكأن فتوى الصحابي وفعله، يدل على أن له أصلاً في الشريعة.
وقد احتج بعضهم بالمرسل، وبعضهم بقول الصحابي، فإذا اجتمعا تأكد أحدهما بالآخر.
وفتوى أكثر أهل العلم، أي: وتأكد بفتوى أكثر أهل العلم فيقبل لما سبق.
واقتصر المصنف على هذين.
وكذا إذا كان من مراسيل الصحابة كما مر.
وكذا إذا أسنده غير المرسل، وإن كان ذلك الإسناد ضعيفًا.
وكذا إذا عرف من حال الراوي الذي أرسله أنه لا يرسل إلا عن من يقبل قوله كمراسيل سعيد بن المسيب.
وهذه الستة نص عليها الشافعي رضي الله عنه -ونقلها عنه الإمام والآمدي ما عدا الأول.
وزاد غيرهما القياس.
وزاد بعضهم أن ينتشر من غير نكير، أو ينضم إليه عمل أهل العصر به.
وفائدة قبول المرسل: إذا تأكد بمسند آخر أو قياس الترجيح عند تعارض الأحاديث، فيرجح ما تقوى بالمرسل.
وربما يكون المسند ضعيفًا فلا يثبت الحكم به وحده ولا بالمرسل وحده.
فإذا تقوى أحدهما بالآخر ثبت الحكم، ولا يلزم من ذلك ضعف المجموع؛ لأنه قد يتحصل من اجتماع الضعيفين قوة مفيدة للظن.
قال العراقي: إذا تأكد المرسل بأحد هذه الأمور الأربعة، يعني
قول الصحابي، أو فتوى أكثر أهل العلم، أو يسنده غير مرسله، أو يرسله من أخذ العلم عن غير شيوخ المرسل الأول، فإنما يقبل بثلاثة شروط:
أحدها: أن يكون مرسله من كبار التابعين، وأما صغار التابعين فلا يقبل مرسلهم وإن تأكد.
ثانيها: أن يعرف من حاله أنه لا يرسل إلا عن ثقة بأن يكون إذا سئل عمن اتهمه لا يسمي إلا ثقة.
ثالثها: أن يكون إذا شارك الحفاظ المتقين، إما أن يوافقهم، أو ينقص لفظه عن لفظهم، هذا هو مذهب الشافعي رضي الله عنه، الذي ذكره في الرسالة فاعتمده، فإني لم أر من الأصوليين من حرر هكذا. انتهى.
الفرع الثاني:
إن أرسل الراوي خبره مرة، ثم أسند ذلك الخبر أخرى. أو
وقفه على الصحابي ثم رفعه قبل، وبه جزم الإمام وأتباعه؛ لأن تأكده بإسناده يغلب ظن صدقه.
وقيل: لا؛ لأن إهماله ذكر الرواة يدل على الضعف في روايته، إما لضعف رجاله أو لنوع من التدليس فيه.
وجوابه: أن تركه اسم الراوي قد يكون لنسيان
كذا شرحه الأصفهاني، والعبري
وقال الإسنوي: إن هذه الصورة لا إشكال في قبولها.
وبه جزم الإمام وأتباعه.
وأما إذا كان الراوي من شأنه إرسال الأحاديث، إذا رواها فاتفق إن روى حديثًا مسندًا، ففي قبوله مذهبان في المحصول والحاصل من غير ترجيح.
وهي مسألة الكتاب، فافهم ذلك.
أرجحهما عند المصنف قبوله لوجود شرطه.
وعلى هذا قال الشافعي -رضي الله تعالى عنه -كما في المحصول: لا أقبل شيئًا من حديثه، إلا إذا قال فيه: حدثني، أو سمعت، دون غيرهما من الألفاظ الموهمة.
وفي المحصول: أن الراوي (إذا سمى) الأصل باسم لا يعرف به فهو كالمرسل، ونقل عن إمام الحرمين مثله.
الرابعة
يجوز نقل الخبر بالمعنى، للعارف بمدلولات الألفاظ، ومواقع الكلام بأن يأتي بلفظ (بدل آخر) مساوٍ له في المراد منه وفهمه،
لأن المقصود المعنى، واللفظ آلة له.
وبه قال الجمهور، ومنهم الأئمة الأربعة.
وسواء في الجواز: نسي الراوي اللفظ أم لا.
خلافًا لابن سيرين محمد.
(كما نقله عنه الترمذي والبيهقي).
حيث قال: بعدم جواز نقل الحديث بالمعنى مطلقًا.
واختاره ثعلب وغيره.
ورواه ابن السمعاني عن ابن عمر رضي الله عنهما، وعزاه صاحب التحصيل للشافعي (رضي الله تعالى) عنه.
قال العراقي: وهو وهم قبيح نبهت عليه لئلا يغتر به.
أما غير العارف فلا يجوز له بغير اللفظ قطعًا.
لنا: على جواز نقل الخبر بالمعنى: أن الترجمة للأخبار بالفارسية جائزة إجماعًا، فبالعربية أولى؛ لأنه أقرب نظمًا وأوفى بمقصود تلك اللغة من لغة أخرى.
وفيه نظر.
فالأحسن أن يستدل بما رواه ابن مندة عن النبي صلى الله عليه وسلم -أنه جوزه بشرط أن لا يحل حرامًا ولا يحرم حلالاً، وأصاب
المعنى، وهو مبين في الشرح مع فوائد أخرى.
قيل: نقل الخبر بالمعنى يؤدي إلى طمس الحديث، أي: محو معناه واندراسه، فإننا نقطع باختلاف (العلماء، في معاني الألفاظ،
وتفاوتهم، في تنبيه بعضهم على ما لا ينتبه له الآخر.
فإذا قدر) النقل بالمعنى مرتين، أو ثلاثًا، ووقع.
في كل مرة أدنى تغيير حصل بالتكرر تغيير كثير واختل المقصود بالكلية.
قلنا: لما تطابقا -أي: توافق المنقول إليه -والأصل في الجلاء والخفاء وتأدية المعنى من غير تفاوت بينهما لم يكن ذلك -أي: النقل طمسًا للحديث -ويكون ناقل الخبر بالمعنى مؤديًا له كما سمعه. وإن اختلفت الألفاظ.
أما عند تغيرٍ ما، فإنه لا يجوز بالاتفاق.
وليس من محل الخلاف: ما تعبدنا بألفاظه، كالأذان، والتشهد، والتكبير، والتسليم، وجعل الماوردي: محل الخلاف في الصحابي،
وقطع في غيره بالمنع.
وفيه نظر.
ويجوز حذف بعض الخبر، ورواية الباقي، إذا كان مستقلاً في الأصح.
(فائدة:
العمل بالقراءة الشاذة: وهي ما نقل آحادًا.
مثل ما أخرجه الحاكم وقال: صحيح الإسناد عن أبي العالية قال: في قراءة أبي بن كعب: "فصيام ثلاثة أيام متتابعات" جائز.
كما نص عليه الشافعي -رضي الله تعالى عنه -في مختصر البويطي.
في باب الرضاع، وفي باب تحريم الجمع، حيث قال: إنه حجة.
وجزم به الشيخ أبو حامد، والمارودي، والقاضي أبو الطيب، والقاضي حسين، والمحاملي وابن يونس وكذا
الرافعي في باب حد السرقة، وهو قول أبي حنيفة -رضي الله تعالى عنه.
واختار ابن الحاجب عدم الاحتجاج بها.
ونقله الآمدي عن الشافعي (رضي الله تعالى عنه).
وقال في البرهان: إنه ظاهر مذهب الشافعي (رحمه الله تعالى) وجزم النووي في شرح مسلم بما قاله.
وقال الإسنوي: وما قالوه جميعه خلاف مذهب الشافعي (رضي الله تعالى عنه)(وخلاف قول جمهور أصحابه).
والذي وقع للإمام مستنده: عدم إيجابه للتابع في كفارة اليمين بالصوم مع قراءة ابن مسعود، السابقة.
وعدم الإيجاب يجوز أن يكون لعدم ثبوت ذلك عند الشافعي -
رضي الله تعالى عنه -أو لقيام معارض).