الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وإنما اختلفوا فيما يتحقق به الرضا.
فالأدلة على هذا في غاية الشهرة والكثرة.
فرعان: على أن الإجماع لا ينعقد إلا عن سند:
الأول: يجوز الإجماع عن نص وظاهر، وكذا عن الأمارة، أي القياس، لأنها أي الأمارة مبدأ الحكم الشرعي، أي طريق إلى إثباته، فجاز أن يكون سندًا للإجماع كالنص، واختار (الإمام والآمدي) وابن الحاجب أنه واقع أيضًا بدليل أنهم أجمعوا
على تحريم شحم الخنزير قياسًا على لحمه وعلى إراقة الشيرج إذا وقعت فيه فأرة قياسًا على السمن، وعلى إمامة أبي بكر -رضي الله تعالى عنه -قياسًا على تقديمه في الصلاة.
وقيل: جائز ولم يقع.
قيل: عليه: إن الإجماع منعقد على جواز مخالفتها، أي مخالفة الأمارة للمجتهد، فلو جاز الإجماع عنها لزم جواز مخالفته؛ لأن مخالفته الأصل تستدعي مخالفة الفرع، لكن مخالفة الإجماع ممتنعة اتفاقًا.
قلنا: إنما تجوز مخالفة الأمارة قبل أن تصير سند الإجماع، أما بعد ما أجمعوا على حكم الأمارة فلا يجوز مخالفتها بالإجماع لاعتضادها (به.
قيل: اختلف فيها أي في الأمارة هل هي حجة أم لا؟
وذلك مانع عن انعقاد عنها)؛ لأن من لا يعتقد
حجيتها لا يوافق القائل بالحجية، فلا ينعقد الإجماع لمخالفة البعض.
قلنا: ما ذكرتم منقوض بالعموم وخبر الواحد، فإن العلماء اختلفوا في حجية كل واحد منهما مع جواز انعقاد الإجماع عنهما اتفاقًا.
الفرع الثاني:
الإجماع الموافق لحديث، إذا لم نجد للإجماع دليلًا سواه لا يجب أن يكون انعقاد الإجماع ناشئًا عنه أي عن ذلك الحديث، وإن كان الظاهر أنه ناشئ عنه.
خلافًا لأبي (عبد الله) البصري المعتزلي حيث قال: يجب أن
يكون مستنده.
ونقله ابن برهان عن الشافعي (رضي الله تعالى عنه) لأنه لا بد له من سند، وقد تيقنا صلاحيته.
والأصل عدم غيره.
وأوله بعضهم أن ذلك هو الظاهر لا أنه لازم.
وللقاضي عبد الوهاب فيه تفصيل مبين في الأصل.
وقال: إنه إذا كان الخبر متواترًا فلا خلاف في وجوب استناده إليه.
وإنما كان اختيار المصنف أنه لا يجب أن يكون عنه لجواز اجتماع دليلين على مدلول واحد.
فيجوز أن يكون الإجماع عن غير ذلك الحديث.
المسألة الثالثة
لا يشترط انقراض المجمعين في انعقاد إجماعهم وكونه حجة، فإذا اتفقوا ولو حينا لم يجز لهم ولغيرهم مخالفته، وعليه المحققون.
ونقل عن الإمام أحمد رضي الله عنه وابن فورك وسليم الرازي اشتراطه.
والمختار الأول، لأن الدليل السمعي قام على حجية الإجماع بدونه، يعني من غير اشتراط انقراض العصر، لأنه عام يتناول ما انقرض عصره، وما لم ينقرض، ولو في لحظة واحدة، مطلقًا غير مقيد بانقراض العصر.
قيل: لو لم يشترط لم يصح رجوع بعضهم لاستلزام الرجوع
مخالفة الإجماع، لكن الرجوع ثابت.
فقد وافق الصحابة عليًا رضي الله عنهم في منع بيع أم الولد ثم رجع عنه.
ورد ذلك: بالمنع، أي بمنع ثبوت الإجماع قبل الرجوع.
ولا يصح منع ثبوت الرجوع، لأنه ثبت، فقد رواه حماد بن زيد.
المسألة الرابعة
الإجماع لا يشترط التواتر في نقله، بل يجب العمل به، وإن نقل بخبر الواحد لأنه دليل، فجاز التمسك بمظنونه كما يجوز بمعلومه، كالسنة، حيث جاز نقلها بالآحاد.
واختاره الإمام الرازي والآمدي وأتباعهما كابن الحاجب وقيل: ليس بحجة، ونقله الإمام الرازي عن الأكثرين.
المسألة الخامسة
الإجماع إذا عارضه نص أول القابل له منهما، وجمع بينهما به، كما إذا كان أحدهما عامًا، والآخر خاصًا، فيؤول العام بتخصيصه الخاص.
أو كانا خاصين فيحمل أحدهما على الحقيقة والآخر على المجاز جمعًا بين الدليلين.
وإلا، أي وإن لم يكن شيء منهما قابلًا للتأويل تساقطا، إذ رد أحدهما وقبول الآخر ترجيح بلا مرجح وأنه باطل.
هذا كله إذا كانا ظنيين.
أما إذا كانا قطعيين فلا تعارض بينهما.
وكذا لو كان أحدهما قطعيًا، والآخر ظنيًا، بل يعمل بالقطعي لإلغاء المظنون في مقابلة القاطع.
وهنا فوائد في الأصل.
الكتاب الرابع
في
القياس
الكتاب الرابع
في
القياس
هو لغة: تقدير شيء بآخر، لتعلم المساواة والمفارقة بينهما.
فإطلاقه على المساواة مجاز، من باب إطلاق السبب على المسبب.
قال صاحب الأساس: قاس به وعليه وإليه.
وقال العلامة: إنما عدي بعلى ليدل على البناء.
فإن انتقال الصلة للتضمن بعلى فإذا قلت: قست كذا على كذا أي بنيته عليه.
وهو في الاصطلاح: إثبات مثل حكم معلوم في معلوم آخر لاشتراكهما في علة الحكم عند المثبت.
اعلم أن القياس من الأدلة الشرعية.
فلا بد من حكم مطلوب به وله محل ضرورة، والمقصود إثباته فيه، لثبوته في محل آخر يقاس هذا به، فكان هذا فرعًا وذاك أصلاً لحاجته إليه وابتنائه عليه، ولا يمكن ذلك في كل شيئين، بل إذا كان بينهما أمر مشترك ولا كل مشترك، بل مشترك يوجب الاشتراك في الحكم بأن يستلزم الحكم ونسميه علة الحكم.
فلا بد أن يعلم علة الحكم في الأصل، ويعلم ثبوت مثلها في الفرع، إذ ثبوت عينها مما لا يتصور؛ لأن المعنى الشخصي لا يقوم
بعينه بمحلين، وبذلك يحصل ظن مثل الحكم في الفرع وهو المطلوب.
وقيل: بمثل لأن ثبوت عين حكم الأصل مما لا يتصور كما مر في العلة.
واقتصر المصنف على الثاني دون الأول لأنه يعلم منه.
فبهذه المقدمة تحقق اشتمال القياس على أركانه الأربعة، وهي الأصل والفرع، وحكم الأصل، وعلة حكم الأصل.
وقول المصنف: إثبات جنس والمراد به: هو القدر المشترك بين
العلم والاعتقاد والظن.
وقوله: مثل احترز به عن إثبات خلاف حكم معلوم فإنه لا يكون قياسًا. وأشار به إلى أن الحكم الثابت في الفرع ليس هو عين الثابت في الأصل كما تقدم، والمثل تصوره بديهي.
وقوله: حكم غير منون.
وأشار به إلى أحد الأركان الأربعة، وهو حكم الأصل.
والمراد به: نسبة أمر إلى آخر إيجابًا أو سلبًا، فشمل الحكم الشرعي والعقلي واللغوي.
وقوله: "معلوم"، أشار به إلى ركن آخر وهو الأصل.
وقوله: "في معلوم آخر"، أشار به إلى ركن آخر وهو الفرع.
والمراد بالمعلوم: المتصور، فدخل فيه اليقين والاعتقاد والظن، فإن العلم قد يستعمله الفقهاء بمعنى الأعم.
وقال معلوم: لأن القياس يجري في الموجود والمعدوم ممكنًا كان أو
ممتنعًا.
وعبر عن الأصل والفرع بالمعلوم، لئلا يرد السؤال بأنه دور وإن كان جوابًا واضحًا.
وقوله: لاشتراكهما في علة الحكم، أشار به إلى الركن الرابع وهو العلة.
وأخذ العلة في تعريف القياس لا يلزم منه الدور؛ لأن العلة لا يتوقف فهمها على فهم القياس، لأنها تكون في القياس وغيره.
وقوله: "مثل"، مشعر بأنهما استويا في العلة.
وقوله: "عند المثبت"، أي القائس، ليشمل القياس الصحيح
والفاسد.
ولم يعبر: بالمجتهد بل المثبت ليتناول المجتهد والمقلد، كما يقع في المناظرات.
قال الآمدي: وهذا الحد يرد عليه إشكال مشكل لا محيص عنه، وهو أن إثبات الحكم نتيجة القياس، فجعله ركنًا في الحد يقتضي توقف القياس على حكم الفرع المتوقف عليه، فيلزم الدور.
وأجيب بأنه: إنما يقتضي توقف معرفة القياس وتعقل ماهيته، على
معرفة حكم الفرع، وتعقل ماهيته، وهو لا يتوقف على تعقل ماهية القياس لا تعقله ولا حصوله.
بل غاية الأمر أن حصوله يتوقف على حصول القياس، ومثله ليس من الدور في شيء.
وأورد أنه: يخرج عنه قياس الشبه: لأنه ليس فيه علة معينة، لا سيما الشبه الصوري عند من يعتبره، وقياس لا فارق إذ ليس فيه علة عند المجتهد.
وهذا الحد الذي ذكره المصنف أصله للقاضي أبي بكر الباقلاني.
واختاره الإمام الرازي وأتباعه.
واختار الآمدي وابن الحاجب: أنه مساواة فرع لأصل في علة حكمه.
قال الشيخ سعد الدين: القياس وإن كان من أدلة الأحكام مثل الكتاب والسنة، لكن جميع تعاريفه واستعمالاته منبئ عن كونه فعل المجتهد.
فتعريفه بنفس المساواة محل نظر، ولهذا يعبر عنه المحقق بما حصلت فيه المساواة. فعلم من ذلك أن ما ذكره المصنف هو الشائع.
قيل: هذا الحد غير جامع لخروج قياس العكس والتلازم الاقتراني منه.
أما خروج قياس العكس)؛ فلأن المصنف اشترط في القياس تماثل
الحكمين، والحكمان غير متماثلين فيه، كما في قولنا: لو لم يشترط الصوم في صحة الاعتكاف عند الإطلاق، لما وجب الصوم بالنذر كالصلاة، فإنها لما لم تكن شرطًا في صحة الاعتكاف حالة الإطلاق لم تصر شرطًا بالنذر.
فالمطلوب في الفرع، إثبات كون الصوم شرطًا في صحة الاعتكاف. والثابت في الأصل، نفي كون الصلاة شرطًا له.
فالأصل، الصلاة، والفرع: الصوم، والحكم في الأصل: عدم كونها شرطًا في صحة الاعتكاف، والعلة فيه: كونها غير واجبة بالنذر، والحكم الثابت في الفرع: كون الصوم شرطًا في صحة الاعتكاف، والعلة فيه: وجوبه بالنذر، فافترقا حكمًا وعلة. فهو قياس مع عدم صدق الحد عليه.
قلنا: ما سميتموه قياس العكس، هو قياس تلازم، والقياس
لبيان الملازمة والتماثل حاصل على التقدير.
وحاصله: لو لم يشترط، لم يجب بالنذر، واللازم منتف، ودعوى الملازمة لا بد من بيانها بالدليل، فبينها المستدل بأن ما لا يكون شرطًا لشيء، لا يصير شرطًا له بالنذر، قياسًا على الصلاة، فإنها لما لم تكن شرطًا للاعتكاف لم تجب بالنذر.
ولا شك أن على تقدير عدم وجوبه بالنذر، فالمساواة حاصلة بينها وبين الصوم، وإن لم تكن حاصلة في نفس الأمر.
فالخصم: إن اعتمد في إيراد قياس العكس على القياس الذي لبيان الملازمة، فهو غير وارد، لأن الأصل والفرع فيه متماثلان لكن
التماثل حاصل على التقدير كما تقدم.
فإن قوله، إثبات مثل حكم معلوم في معلوم آخر، أعم من أن يكون حقيقة أو تقديرًا، وإن اعتمد في الإيراد على التلازم، فنحن نسلم أنه خارج عن حد القياس، لكن لا يضيرنا ذلك، فإنه ليس بقياس عندنا، لأن أصول الفقه إنما يتكلم فيها على القياس المستعمل في الفقه.
والفقهاء إنما يستعملون قياس العلة.
وأما ما عداه مثل قياس التلازم أي الاستثنائي، والقياس الاقتراني، فلا يضرنا خروجه عن الحد؛ لأنا لا نسميهما قياسًا في هذا الاصطلاح.
وإنما يطلق عليهما لفظ القياس: المناطقة، إذ القياس في عرفهم: قول مؤل من أقوال متى سلمت لزم عنها لذاتها قول آخر.
وما يسميه الأصوليون قياسًا يسميه المناطقة تمثيلاً.
ومثال التلازم: لو كان الوضوء عبادة لوجب فيه النية، لكنه عبادة فيجب فيه النية.
ومثال الاقتراني: الوضوء عبادة وكل عبادة لا بد فيهما من النية فالضوي لا بد فيه من النية.
وفيه أي في كتاب القياس بابان؛ لأن الكلام إما أن يكون في بيان حجيته، أو في بيان أركانه فأفرد لكل منهما بابًا.
وقدم بيان حجيته على أركانه، وإن كان الأركان مقدمًا بالذات لشدة الاهتمام بحجيته.