الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الباب الثاني: في أنواع الإجماع التي اختلف في كونها إجماعًا
وهي قسمان:
قسم أخرج من الإجماع وهو منه.
وقسم أدخل في الإجماع وليس منه.
وفيه مسائل:
الأولى
إذا تكلم المجتهدون جميعهم في مسألة، واختلفوا فيها على قولين فهل لمن يأتي بعدهم من المجتهدين إحداث قول ثالث في تلك المسألة؟
اختلف فيه: منعه الأكثرون، وجزم به في المعالم. وجوزه أهل الظاهر مطلقًا.
والحق أنه، أي أن القول الثالث المحدث إن لم يرفع مجمعًا عليه، جاز إحداثه، لأنه لا محذور فيه.
مثاله: اختلافهم في جواز أكل المذبوح بلا تسمية.
قال بعضهم: يحل مطلقًا.
وقال بعضهم: لا يحل مطلقًا.
فالتفصيل بين العمد والسهو ليس رافعًا لشيء أجمع عليه القائلان الأولان، بل هو موافق في كل قسم منه لقائل.
وإلا، أي: وإن رفع مجمعًا عليه، فلا يجوز، لامتناع مخالفة الإجماع مثاله:
ما قيل في الجد مع الأخ: الميراث للجد، وقيل: الميراث لهما.
فقد اتفق القولان على أن للجد شيئًا من الإرث، فلا سبيل إلى حرمانه.
فإن القول بحرمانه وإعطاء المال كله للأخ قول ثالث رافع لما أجمع عليه الأولان؛ فلا يجوز.
وأما القول الذي نقله ابن حزم في المحلي من أن الجد يحجب
بالإخوة، فيحتمل أنهم أجمعوا بعده على خلافه أو متأخرًا عن الإجماع، فلا يعتد به (كذا قيل. لكن روى عن عبد الرحمن بن غنم أن عمر ذاكره في الجد قال: فقلت له: «إن دون الجد شجرة أخرى فما خرج منها فهو أحق بها» . وهو موقوف حسن، كما قاله شيخ الإسلام. ونقل القول بحرمان الجد أيضًا عن زيد بن ثابت،
وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما وأنهما رجعا إلى المقاسمة).
واختار هذا التفصيل الإمام وأتباعه والآمدي وابن الحاجب.
قيل - من جهة المانعين مطلقًا. إن أهل العصر الأول اتفقوا على عدم القول الثالث، وعلى عدم الأخذ به، فإنهم لما اختلفوا على قولين، فقد أوجب كل من الفريقين الأخذ إما بقوله، أو بقول الآخر، وتجويز القول الثالث يرفع ذلك كله فيكون باطلًا.
قلنا: اتفاقهم على القولين كان مشروطًا بعدمه أي بعدم القول
الثالث، فزال الإجماع بظهور ذلك القول الثالث بزواله أي: بزوال شرطه.
قيل اعتراضًا على هذا الجواب: ما ذكرتم في جواز إحداث القول الثالث وارد على الإجماع الوجداني، يعني الإجماع على القول الواحد، إذ يقال فيه كما قيل في الأول فيجوز خلافه.
قلنا: هذا وإن كان ممكنًا أيضًا في الإجماع الوجداني، لكنهم أجمعوا على عدم اعتباره فيه.
وإليه أشار بقوله: لم يعتبر فيه إجماعًا.
فليس لنا أن نحكم عليهم بوجوب التسوية بين الإجماع الوجداني، والإجماع على القولين، وفيه نظر.
قيل: إظهاره، أي: إظهر القول الثالث يستلزم تخطئة
الأولين.
لأنه إنما يجوز إظهاره إذا كان حقًا؛ لأن الباطل لا يجوز القول به.
ولا يكون حقًا إلا عند كون القولين باطلين إذ الحق واحد.
وحينئذ يلزم إجماع الأمة على الباطل، وأنه غير جائز.
وأجيب عنه: بأن المحذور هو التخطئة للأمة في قول واحد إذا أجمعوا عليه، وأما إذا اختلفوا فيه فلا؛ لأن غاية ذلك تخطئة بعضهم في أمر، وتخطئة البعض الآخر في غير ذلك الأمر، فلم يجتمعوا على ضلالة.
وفيه نظر؛ لأن الأدلة المقتضية لعصمة الأمة من الخطأ شاملة للصورتين، فالتخصيص لا دليل عليه.
وأجيب عن هذا النظر بما فيه نظر، وهو مبين في الأصل.
(قال الكرماني: ولا نظر، إذ باعتبار تواتر القدر المشترك من النصوص، صار ضروريًا من الدين محذورًا به تخطئة الأمة في الإجماع الوجداني، وأما في غيره فلم تضر هذه المرتبة، وعدم المساواة بينهما ظاهر).
تنبيه: صورة هذه المسألة: أن يتكلم كل المجتهدين في المسألة كما سبق.
وصرح به الغزالي في المستصفى.
وأما مجرد نقل القولين في عصر من الأعصار، فلا يكون مانعًا من إحداث الثالث، لأنا لا نعلم هل تكلم الجميع فيها أم لا؟
المسألة الثانية
في مجتهدي الأمة إذا لم يفضلوا بين مسألتين، أي: لم يفرقوا بينهما، بل قال بعضهم بالنفي مثلًا، وبعضهم بالإثبات، فهل يجوز
لمن بعدهم الفصل بينهما أم لا؟
والحق أنهم إن نصوا بعد الفرق بين المسألتين -وعداه بالباء لتضمنه معنى صرحوا- أو لم ينصوا على ذلك.
لكن اتحد الجامع بين المسألتين، لم يجز التفصيل بينهما؛ لأنه رفع مجمعٍ عليه.
مثاله: ما لو قيل بتوريث العمة دون الخالة، أو العكس.
وقد اختلفوا في توريثهما: مع اتفاقهم على أن العلة فيه أو في عدمه، كونهما من ذوي الأرحام.
فتوريث إحداهما دون الأخرى خارق للإجماع؛ لأنه بمثابة قولهم: لا تفصلوا.
وإلا، أي: وإن لم تكن المسألتان مما نصوا على اتحادهما في الحكم، ولا اتحدت العلة، لكن لم يكن من الأمة من فرق بينهما جاز التفصيل بينهما، إذ بذلك لا يصير مخالفًا لما أجمعوا عليه.
غايته أنه موافق لكل من الفريقين في مسألة، والموافقة في مسألة لا توجب عدم المخالفة في غيرها.
وإلا، أي: وإن لم يكن جائزًا لكان يجب على من ساعد، أي:
وافق مجتهدًا في حكم بدليل مساعدته في جميع الأحكام، وذلك باطل.
مثاله: ما قيل: تجب الزكاة في مال الصبي دون الحلي المباح وعليه الشاغعي -رضي الله تعالى عنه.
وقد قيل: يجب فيهما، وقيل: لا يجب فيهما.
الفرق بين هذه المسألة والتي قبلها أن هذه فيما إذا كان محل الحكم متعددًا، وتلك فيما إذا كان متحدًا، قاله القرافي وغيره.
وجمع بينهما ابن الحاجب لقربهما في المعنى.
قيل -من جهة المانعين مطلقًا: الأمة أجمعوا على الاتحاد في
الحكم في المسألتين، فالفصل بينهما مخالف للإجماع، فلا يجوز.
قلنا: ليس عدم التفصيل إجماع على اتحاد الحكم، إذ هو عين الدعوى ونتبرع ونقول: لا يدل عليه، لأن عدم القول بالتفصيل، غير القول بالتفصيل.
أو نقول: لا محذور في مخالفة هذا الإجماع، فإن الواقع منهم ليس هو التنصيص على الاتحاد، بل الاتحاد في فتواهم، وهو لا يمنع من الفصل، فإن ذلك عين الدعوى.
قيل: يجوز التفصيل بين المسألتين مطلقًا.
إذ لو لم يجز لم يقع، لكنه وقع، إذ قال الثوري: الجماع ناسيًا
يفطر، والأكل ناسيًا لا يفطر، وكان بعضهم على أنه لا يفطر مطلقًا جماعًا وغير جماع. وبعضهم بفطر مطلقًا.
ففرق الثوري بين المسألتين مع اتحادهما في الجامع وهو الإفطار ناسيًا.
قلنا: ليس قول الثوري بدليل، ولا حجة على غيره، حتى يجوز التمسك به، ويجوز كونه من المخالفين في هذه المسألة، للمختار.
الثالثة
يجوز الاتفاق من أهل العصر على الحكم بعد الاختلاف منهم فيه. واختاره الإمام الرازي، وابن الحاجب، خلافًا للصيرفي. ونقل عن القاضي.
وقيل: إن لم يستقر الخلاف جاز، وإلا فلا واختاره إمام الحرمين والآمدي.
لنا على الجواز: الإجماع من الصحابة (رضي الله تعالى عنه) على أن الخلافة لأبي بكر رضي الله عنه بعد الاختلاف منهم. رواه
البيهقي (في سننه) وغيره.
وقد روى تقاعد بعضهم عن ذلك زمانًا، ثم وافق كما هو مبين في الشرح.
وذلك يقتضي أن الإجماع وقع بعد استقرار الخلاف، وهو يدل على الجواز عند عدم استقرار الخلاف من باب أولى، فدليل المصنف مطابق
لدعواه فإنها (أعم، من أن يكون بعد استقرار الخلاف أو قبله).
والصيرفي له في الاحتجاج على مذهبه ما سبق في المسألة الأولى.
من أن الاختلاف الأول إجماع منهم على جواز الأخذ بأي واحد من القولين.
والاتفاق بعده ينافي ذلك الإجماع، فلو جاز وقوعه لزم رفع الإجماع. وهو باطل، لما تقدم في النسخ.
وجوابه: ما سبق: وهو أن الإجماع على التخيير كان مشروطًا بعدم الاتفاق، فإذا اتفقوا فيزول بزوال شرطه.
ولما كان الجواب يعلم مما سبق اكتفي به.
المسألة الرابعة
إذ اختلف أهل العصر على قولين، ثم حدث بعدهم مجتهدون آخرون وحصل منهم الاتفاق على أحد قولي الأولين بعد ما استقر خلاف الأولين، وقال كل بمذهب.
وذلك كالاتفاق على حرمة بيع أم الولد مع أن عليًا وابن مسعود وجابرًا رضي الله عنهم وغيرهم كانوا يقولون بالجواز.
وكاتفاقهم على حرمة نكاح المتعة، وهو نكاح المرأة إلى مدة.
مع أن ابن عباس كان يفتي بالجواز، بعد استقراء خلاف الصحابة في المسألتين.
فهو إجماع وحجة، وبه قال الإمام الرازي، وأتباعه (وصححه النووي في شرح مسلم).
خلافًا لبعض الفقهاء والمتكلمين، حيث قالوا: إنه يمتنع حصوله،
منهم الإمام أحمد رضي الله عنه وإمام الحرمين والأشعري والغزالي والآمدي.
وقال بعضهم: لا أثر لهذا الإجماع، وهو مذهب الشافعي، كما نقله الغزالي، وابن برهان.
قال ابن الحاجب: والحق أنه بعيد إلا في القليل من المسائل.
وصحح في جمع الجوامع: الامتناع إن طال الزمان، والجواز إذا قرب.
وحكي عن إمام الحرمين.
قال الآمدي: ولا نسلم حصول الإجماع في المثال الأول، لأن الشيعة يقولون بالجواز.
قلت: وهو مذهب داود وأحد قولي الشافعي -رضي الله تعالى عنه. ونقل الماوردي عن ابن عباس رضي الله عنهما الرجوع عن جواز نكاح المرأة إلى مدة، وأفتى بالتحريم، والله أعلم.
لنا: على أن هذا الاتفاق إجماع وحجة، هو أنه أي هذا
الاتفاق سبيل المؤمنين، وكل ما هو سبيل المؤمنين يجب اتباعه لما سبق.
قيل: إثبات هذا الحكم المختلف فيه بهذا الاتفاق رد للخلاف عند التنازع إلى الإجماع؛ لأن الرد إليه رد إلى غير الكتاب والسنة، وهو غير جائز، لقوله تعالى:{فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول} .
فقد أوجب الرد إلى كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم -لا إلى الإجماع.
قلنا: زال شرط وجوب رد النزاع إلى الكتاب، وذلك لأن وجوب رد النزاع إلى الكتاب مشروط بوجود النزاع، فلما زال الشرط، وهو النزاع بين العصر الثاني زال المشروط وهو الرد إلى الكتاب، وفيه نظر.
فالأحسن أن يجاب بأن الرد إلى الإجماع رد إلى الكتاب.
قيل: لو كان اتفاق أهل العصر الثاني على أحد قولي العصر الأول حجة، لكان اتفاق التابعين على أحد قولي الصحابة حجة، وكان الأخذ بقول الفريق الثاني من الصحابة غير جائز؛ لأنه مخالف لما وجب إتباعه، لكنه اهتداء، لما روي عنه صلى الله عليه وسلم -أنه قال:«أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم» .
روى عن طرق كثيرة.
(وقال ابن حزم: موضوع).
قال البيهقي: مشهور المتن وأسانيده ضعيفة.
قال الزركشي: لكن يتقوى طرقه بعضها ببعض، لاسيما وقد احتج به الإمام أحمد - رضي الله عنه.
قال أبو يعلى: واحتجاجه يدل على صحته عنده، وله شواهد في الصحيح فدل الحديث على حصول الاهتداء بالاقتداء بقول كل واحد
منهم سواء حصل بعد ذلك اتفاق أم لا، والتقييد خلاف الظاهر.
قلنا: هذا الخطاب كان مع العوام الذين كانوا في عصرهم، إذ الخطاب إنما يكون مع الحاضرين، فلا يتناول من بعدهم، فلا يكون الخطاب متناولًا لخواص أهل العصر الثاني، وإذا لم يكونوا مخاطبين به لم يبق فيه دلالة على مدعاكم.
ونبه على هذه الثلاثة بقوله: (في عصرهم) وليس الخطاب مع مجتهدي الصحابة رضي الله عنهم لأن المجتهد، لا يقلد المجتهد، ولأن قول الصحابي ليس بحجة، على ما سيأتي.
(على أن ابن عبد البر: فسر الحديث بالنقل؛ لأن جميعهم ثقات
مأمونون عدول).
قيل: اختلافهم في العصر الأول إجماع منهم على التخيير بين قولين، بمعنى أنه يجوز الأخذ بكل واحد منهما، فلو كان اتفاق العصر الثاني على أحدهما إجماعًا مانعًا من الأخذ بخلافه؛ لزم تعارض الإجماعين وهو باطل، إذ يلزم بطلان أحدهما.
قلنا: قولكم: أن اختلاف العصر الأول، إجماع منهم على التخيير، ممنوع، لأن كل واحد من الفريقين، يعتقد خطأ الآخر، ويمنع عن الأخذ بقوله.
وفي بعض النسخ: قلنا: زال لزوال شرطه، يعني الإجمال الأول على التخيير كان مشروطًا بعدم الإجماع الثاني، فلما حصل الإجماع الثاني زال الأول لزوال شرطه.
المسألة الخامسة
أهل العصر إذا اختلفوا في حكم على قولين، فماتت إحدى الطائفتين، أو ارتدت -والعياذ بالله تعالى -فإنه يصير في قول الباقين منهم حجة، لكونه قول كل الأمة الآن، وقول كل الأمة حجة كما مر، وبه جزم الإمام وأتباعه، وزادوا على المصنف التصريح بكونه إجماعًا أيضًا، وهو يؤخذ من تعليله.