الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الباب الأول: في بيان أنه -أي القياس- حجة
وفيه مسائل:
الأولى
في الدليل عليه
يجب العمل به، أي بالقياس المذكور في الأمور الشرعية شرعًا.
وقال القفال الشاشي وأبو الحسين البصري: (يجب العمل به عقلاً وشرعًا وقال القاساني والنهرواني يجب العمل به، حيث
كانت العلة منصوصة بصريح اللفظ أو إيمائه أو كان الفرع بالحكم أولى من الأصل كتحريم الضرب على تحريم التأفيف.
قلا: وليس للعقل هنا مدخل لا في الوجوب ولا في عدمه.
وداود الظاهري أنكر التعبد به، أي لم يرد في الشرع ما يدل على العمل بالقياس وإن جاز عقلاً.
ونقل ابن حزم والآمدي عن داود منع غير الجلي ولو كان مساويًا.
أما الجلي. وهو. ما كان الملحق أولى بالحكم من الملحق به فغير ممتنع.
ونقل الإمام الرازي عنه إحالته عقلاً.
وقال بعضهم: داود إن قال بالجلي لا يسميه قياسًا.
وأحاله الشيعة أي الإمامية منهم، والنظام.
أما الزيدية من الشيعة: فإنهم قائلون بأنه حجة.
وفي المحصول وغيره: أن النظام قال بإحالته في شرعنا فقط.
وسيجئ للمصنف أن القياس الجلي لم ينكره أحد.
وأن النظام يقول: إن التنصيص على العلة أمر بالقياس فيكون كمذهب القاساني.
تنبيه: قال ابن عساكر: بلغني أن القفال كان قائلاً بالاعتزال ثم رجع إلى مذهب الأشعري.
فالنقل عنه بأنه يوجب القياس عقلاً ونحوه مما لا يأتي إلا على
قواعد المعتزلة.
قال الزركشي: فحين رجع لا بد وأن يكون رجع عنه ويسقط ذكره عنه.
والقاساني -قيده الذهبي بإهمال السين، وغيره بها وبالمعجمة وهو من أصحاب داود.
وقال ابن باطيش: وانتقل إلى مذهب الشافعي (رضي الله تعالى عنه) والنهرواني قال الزركشي: الظاهر أنه محرف وأصله الياء لا الواو.
ونهرين من قرى بغداد.
واستدل أصحابنا على أن العمل بالقياس واجب شرعًا بوجوه أربعة، لانحصار الأدلة هنا فيها:
الأول: أنه أي القياس مجاوزة بالحكم عن الأصل إلى الفرع.
والمجاوزة: عن شيء إلى غيره اعتبار؛ لأنه مشتق من العبور، والعبور حقيقة في المجاوزة بالنقل والاستعمال، فالقياس اعتبار، وهو أي الاعتبار مأمور، في قوله تعالى:{فاعتبروا يا أولى الأبصار} .
فالقياس مأمور به، والأمر للوجوب، فالاعتبار واجب (فالقياس واجب) والمعني بوجوبه وجوب العمل به وهو المطلوب.
قيل عليه: المراد بالاعتبار هنا: الاتعاظ، لا القياس، فإن
القياس الشرعي لا يناسب صدر الآية، لأنه يصير معنى الآية: يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين فقيسوا الذرة على البر.
وهو في غاية الركاكة، فيصان كلام الله -تعالى- عنه.
قلنا: المراد من الاعتبار في الآية: هو القدر المشترك بين القياس والاتعاظ وهو نفس المجاوزةن والاتعاظ مجاوزة من حال الغير إلى حال نفسه.
وكون صدر الآية غير مناسب للقياس بخصوصه لا يسلتزم عدم مناسبته للقدر المشترك بينه وبين الاتعاظ.
قيل: لا يلزم من الأمر بالاعتبار الكلي، الذي هو القدر المشترك،
الأمر بالقياس الذي هو جزئي منه؛ لأن الدال على الكلي، لا يدل على الجزئي بخصوصه، إذ الأعم لا يدل على الأخص.
قلنا: بلى، سلمنا: أن الدال على الكلي من حيث هو دال عليه، لا يدل على الجزئي.
ولكن لم لا يجوز أن يدل عليه بقرينة تلحقه وها هنا كذلك، فإن الاعتبار الدال على المجاوزة دال على جميع الجزئيات، بقرينة لحوق العموم به، وهو جواز الاستثناء فإنه دليل العموم، إذ لو قال: اعتبروا إلا الاعتبار الفلاني لا يخطأ لغة.
وفيه نظر: لأنه إنما يصح الاستثناء في مفعول الاعتبار، لا
في مفهوم الاعتبار.
لأن الفعل في سياق الإثبات لا عموم له.
والنزاع إنما وقع في مفهوم الاعتبار لا في مفعوله.
وأيضًا: لو صح لاطرد في سائر الكليات، ولا يوجد كلي إلا وهو يدل على جميع الجزيئات وهذا باطل.
بل الجواب: أن الأمر بالماهية الكلية يقتضي التخيير بين الجزيئات عند عدم القرينة؛ لأن الكلية في ضمن جزئي من جزيئاتها، فإذا ثبت التخيير جاز العمل بالقياس، وجواز العمل به مستلزم
لوجوبه، لأن كل من قال بالجواز قال بالوجوب كذا قيل.
قيل: وإن سلم أن الآية تدل على الأمر بالقياس لكن الدلالة ظنية، (ومسألة حجية القياس علمية)، فلا يجوز إثباتها بها؛ لأن التمسك بالعموم والاشتقاق إنما يفيد الظن.
والشارع إنما أجاز الظن في المسائل العلمية وهي الفروع بخلاف الأصول لفرط الاهتمام بها.
قلنا: المقصود من كون القياس حجة إنما هو العمل به لا مجرد الاعتقاد، كأصول الدين، فيكفي الظن وإن كانت علمية، لكونها وسيلة إلى العمل وهو المطلوب.
قال العراقي: هذا رأي أبي الحسين وطائفة، أن دلالة السمع على القياس ظنية.
والأكثرون على أنها قطعية.
الوجه الثاني من الأدلة على وجوب العمل بالقياس:
وهو قصة معاذ وأبي موسى (رضي الله تعالى عنهما).
أما قصة معاذ: فرواها أبو داود والترمذي.
وفيها أنه عليه الصلاة والسلام قال له: "فإن لم تجد في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا في كتاب الله -تعالى-؟ قال: أجتهد برأيي ولا آلو، فضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم صدره وقال: "الحمد لله الذي وفق رسولَ رسولِ الله لما يرضي رسول الله".
فدل ذلك على أن القياس حجة.
قال الترمذي: وليس إسناده بمتصل).
وقال ابن حزم: لا يجوز الاحتجاج بحديث معاذ لسقوطه وضعف سنده.
وقال القاضي أبو الطيب: هو حديث صحيح.
وكذا أثبته غيره، وأجاب عن قدحه.
وفيه كلام متسع في الشرح.
وأما قصة أبي موسى: قال الزركشي: فإنما ورد عن عمر.
أخرجه الدارقطني ثم البيهقي في سننهما.
وقد جمع في المحصول بين قصة معاذ وأبي موسى، وتبعه المصنف والشراح ورفعوها إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقد علمت ما فيه.
قيل: ما ذكرتم من العمل بالقياس إنما كان جائزًا في حياة النبي صلى الله عليه وسلم قبل استقراء الشرع، ونزول قوله تعالى: - {اليوم أكملت لكم دينكم} لأنه لم تكن النصوص (إذ ذاك وافية بجميع الأحكام، وأما بعد كمال الدين ونزول الآية، فالعمل) بالقياس متعذر لوجود النص على جميع الأحكام.
قلنا: الدليل دل على كون القياس حجة مطلقًا والأصل عدم التخصيص بوقت دون وقت.
والمراد من الإكمال في الآية إنما هو إكمال الأصول أي أصول الدين والكليات لا بيان جميع الفروع مفصلة لعدم النص على جميع
الفروع؛ فيكون القياس حجة في زماننا لإثبات تلك الفروع.
الوجه الثالث من الأدلة:
أن أبا بكر -رضي الله تعالى عنه- قال في الكلالة: "أقول برأيي: الكلالة: ما عدا الوالد والولد".
رواه البيهقي في سننه.
والرأي: هو القياس إجماعًا.
وعمر -رضي الله تعالى عنه أمر أبا موسى في عهده بالقياس.
رواه الدارقطني والبيهقي كما تقدم.
وقال عمر رضي الله عنه في الجد: "أقضي برأيي".
وقال له عثمان: "إن اتبعت رأيك فسديد وإن تتبع رأي الشيخ قبلك فنعم الرأي كان".
رواه بمعناه البيهقي وابن أبي خيثمة.
وقال علي -رضي الله تعالى عنه-: "اجتمع رأيي ورأي عمر-
رضي الله تعالى عنه- في (أمهات الأولاد) أن أعتقهن" إلى آخره.
رواه سعيد بن منصور في سننه، عن عبيدة السلماني.
ورواه ابن أبي خيثمة من طرق.
وقاس ابن عباس -رضي الله تعالى عنهما- الجد على ابن الابن في الحجب للإخوة.
رواه سعيد بن منصور في سننه.
وذكره البخاري تعليقًا مجزومًا به.
فثبت صدور القياس بما ذكر وبغيره من الوقائع الكثيرة، المشهورة الصادرة عن أكابر الصحابة وغيرهم، التي لا ينكرها إلا معاند، وهي وإن كانت آحادًا فبينها قدر مشترك، وهو العمل بالقياس، وذلك متواتر، ولم ينكر أحد ذلك عليهم، وإلا أي لو أنكر لاشتهر إنكاره أيضًا.
ونقل إلينا، لأنهم نقلوا الاختلاف في الفروع، فالاختلاف في الأصول العظيمة أولى بالنقل.
وحيث لم ينقل إلينا، علم أنه لا يوجد وسكوت الباقين من الصحابة الذين كانوا ينقادون للحق، ولا يمنعهم عن الإنكار رغبة ولا رهبة
مع تكرره وإشاعته وعظمته دليل قطعي على أنهم راضون به، والعلم القطعي حاصل بأن العمل بها كان لظهورها (لا لخصوصيًا) تها كسائر الظواهر، فكان إجماعًا على العمل بالقياس فيكون حجة.
قيل: لا نسلم عدم الإنكار، (فقد نقل الإنكار) عمن ذكرتم وعن غيرهم، فإنهم ذموه أيضًا، فقد روى عن بن حميد أن أبا بكر رضي الله عنه قال:"أي أرضي تقلني وأي أسماء تظلني إن قلت في آية من كتاب الله تعالى بغير ما أراد".
وروى أبو داود عن علي رضي الله عنه: أنه قال: "لو كان الدين بالرأي لكان أسفل الخف ألى بالمسح من أعلاه".
وروى الطبراني في معجمه الكبير عن ابن مسعود رضي الله عنه: "لا تقيسوا أشياء".
وروى مجالد عن عمر رضي الله عنه: "إياكم وأصحاب الرأي فإنهم أعداء السنن" الحديث.
قلنا: إنما ذموا وأنكروا حيث فقد شرطه أي شرط القياس، فإن عملهم بالقياس في الصور الغير المحصورة قطعي، فيحمل على القياس الصحيح، والذم على الفاسد توفيقًا بين النقلين وجمعًا بين الأدلة.
وهنا أسئلة مع أجوبتها في الشرح.
هذا: وقول أبي بكر -رضي الله تعالى عنه- في تفسير القرآن بالرأي. الذي هو منهي عنه، إذ لا مجال للعقل فيه بخلاف الفروع.
وم عمر -رضي الله تعالى عنه- حيث ترك الأحاديث وعمل بالقياس ولا شك أن العمل به مشروط بعدم النصوص.
الوجه الرابع من الأدلة على وجوب العمل بالقياس:
إن ظن تعليل الحكم في الأصل بعلة توجد في الفرع.
فوجب ظن الحكم في الفرع ضرورة، لوجود ما ظن عليته فيه.
وحينئذ يلزم الجزم بثبوت الحكم في الفرع؛ لأن حكم الفرع إذا كان مظنونًا، كان نقيضه هو عدم الحكم موهومًا، والنقيضان لا يمكن العمل بهما، وإلا اجتمعا، ولا يمكن الترك لهما، وإلا ارتفعا، والعمل بالمرجوح وهو العدم الموهوم، مع وجود الراجح وهو الظن، بوجوده فيه ممتنع عقلاً وشرعًا، فتعين العمل بالراجح، وهو الظن بوجود الحكم فيه، ولا معنى لوجوب العمل بالقياس إلا هذا، وفيه نظر مبين في تعريف الفقه.
وإنما لم يعمل القاضي بقول شاهد واحد في غير الزنا وشاهدين
فيه إذا غلب على ظنه الصدق؛ لأن العمل بالظن إنما يجب فيما لا يقتضي القاطع خلافه.
أما ما يقتضي القاطع خلافه فلا، بل لا يجوز.
والقائلون بعدم حجية القياس في الشرع: احتجوا بوجوه ستة:
الأل: قوله تعالى: {يا آيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله} فإنه يدل على أن العمل بالقياس منهي عنه، لكونه تقديمًا بين يدي الله ورسوله، لكونه قولاً بغير الكتاب والسنة.
وكذا قوله تعالى: {وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون} .
لأن العمل به قول بالظن الذي هو غير العلم لكونه متوقفًا على أمور لا يقطع بوجودها فيكون قولاً بما لا يعلم.
وكذا قوله تعالى: {ولا تقف ما ليس لك به علم} .
وقوله تعالى: {ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين} .
دل على اشتمال الكتاب على الأحكام كلها، فالحكم الثابت بالقياس، إن دل عليه الكتاب، لم يجز إثباته بالقياس، لأن شرطه فقد النص، وإن لم يدل عليه الكتاب لم يكن حكمًا شرعيًا فلا يكون القياس الدال عليه حجة.
وقوله تعالى: {إن الظن لا يغني من الحق شيئًا} دل على أن
مقتضى القياس ليس بحق؛ لأن القياس ظن فلا يغني شيئًا.
قلنا: الجواب عن الآية الأولى: إنه لما أمر الله -تعالى- ورسوله بالقياس لم يكن القول به تقديمًا بين يدي الله ورسوله.
ولما كان هذا معلومًا من استدلال المصنف أولاً اكتفى به.
والجواب عن الآية الرابعة: أنا لا نسلم أن المراد به القرآن، بل اللوح المحفوظ.
وإن سلم، فإنه يستحيل أن يكون المراد منها اشتمال الكتاب على جميع الأحكام الشرعية من غير واسطة.
فإنه خلاف الواقع، بل المراد دلالتها عليها من حيث الجملة بوسط أو بغيره وحينئذ فلا يلزم من ذلك عدم الاحتياج إليه؛ لأن الكتاب
على هذا التقدير لا يدل على بعضها إلا بواسطة إلينا، فيكون محتاجًا إليه.
وهذا الجواب يعلم من قول المصنف أولاً جوابًا عن شبهة.
قلنا: المراد الأصول لعدم النص على جميع الفروع، فلم يذكره هنا اكتفاء بما تقدم.
وأما الجواب عن بقية الآيات: فهو قوله: الحكم مقطوع به لما تقدم من الأدلة، والظن وقع في طريقه الموصل إليه.
وتقدم مثله في حد الفقه.
وإذا كان القياس مقطوعًا به، فلا يكون تقديمه بين يدي الله ورسوله.
الوجه الثاني لهم:
قوله عليه الصلاة والسلام: "تعمل هذه الأمة برهة بالكتاب، وبرهة بالسنة، برهة بالقياس، فإذا فعلوا ذلك فقد ضلوا".
فإنه يدل على أن العمل بالقياس ضلال فلا يجوز.
والحديث رواه ابن حزم في رسالته الكبرى عن أبي هريرة رضي الله عنه ولا يقوم به حجة؛ لأن في بعض رواته من كذبه ابن معين.
وترك أبو حاتم حديثه.
وقال أبو زرعة: ليس هو عندي ممن يكذب، وإنما كان يوضع له الحديث فيحدث به.
الوجه الثالث لهم:
ذم بعض الصحابة له أي القياس، كما مر من غير نكير من الباقين، فكان إجماعًا على منعه.
قلنا: الحديث والإجماع على تقدير صحتهما معارضان بمثلهما.
أما الحديث فبحديث معاذ رضي الله عنه.
وأما الإجماع فبالإجماع على جواز العمل به، فيجب التوفيق بينهما، بأن يحمل الأمر به والعمل، على القياس الصحيح، والنهي وذمه على القياس الفاسد، كما مر.
الوجه الرابع لهم:
نقل الإمامية عن الشيعة إنكاره، أي إنكار العمل بالقياس عن العترة، أي أهل البيت، وإجماعهم حجة.
قلنا: هذا النقل معارض بنقل الزيدية عن الشيعة عن العترة أنهم أجمعوا على العمل بالقياس، هذا وقد تقدم أن إجماع العترة ليس بحجة فالمصنف تنزل).
الوجه الخامس لهم:
أنه أي العمل بالقياس يؤدي إلى الخلاف والمنازعة بين المجتهدين للاستقراء، ولأنه تابع للأمارات، وهي مختلفة، فكيف يجوز العمل به، وقد قال تعالى:{ولا تنازعوا فتفشلوا} فوجب أن يكون ممنوعًا.
قلنا: الآية إنما وردت في الآراء والحروب لقرينة قوله تعالى: {فتفشلوا وتذهب ريحكم} .
وأما التنازع في الأحكام فجائز لقوله -عليه الصلاة السلام- "اختلاف أمتي رحمة". قال الخطابي والبيهقي: روي عن النبي صلى الله عليه وسلم (وهو يدل على أن له أصلاً).
قال الشيخ زين الدين العراقي: وأسنده في المدخل من حديث ابن عباس رضي الله عنهما بلفظ: "اختلاف أصحابي لكم رحمة".
وإسناده ضعيف.
وأجاب في المحصول: بأن هذا الدليل بعينه قائم في الأدلة العقلية، فجوابهم جوابنا.
الوجه السادس وعليه اعتمد النظام:
أن الشارع فضل بين الأزمنة والأمكنة في الشرف، وبين الصلاة في القصر.
ففضل ليلة القدر، والأشهر الحرم على غيرها.
وفضل مكة والمدينة (وبيت المقدس).
وقصره في الرباعية من الصلوات دون غيرها مع استواء الزمان والمكان والصلوات متماثلات في الحقيقة، فلم يجمع بين المتماثلات بل فرق بينها.
وجمع بين الماء والتراب في التطهير وهما مختلفان؛ إذ الماء منظف والتراب مشوه فلم يفرق بينهما.
وأوجب التعفف، أي غض البصر على الحرة الشوهاء.
شعرها وبشرتها مع أن الطبع لا يميل إليها، دون الأمة الحسناء التي يميل الطبع إليها، مع أن علة التعفف موجودة في صورة الأمة الحسناء.
تنبيه: في أكثر النسخ: وأوجب التعفف على الحرة الشوهاء، (وشرحه العبري هكذ ا: وأوجب التعفف على الحرة الشوهاء) ولم يوجبه على الأمة الحسناء.
وهو مطابق لما في أكثر النسخ، وفيه نظر من جهة المعنى.
وفي بعض النسخ: "عن" بدل "على".
وشرحه الأصفهاني: على ما شرحته أولاًا بناء على ما في بعض النسخ التي فيها "عن"، وعلى النسختين ينبغي أن يشرح كما شرحته أولاً.
أما إذا كانت النسخة "عن" فواضح وأما على جعلها "على" فكذلك.
فإن "على" تأتي بمعنى "عن" وكذلك قطع سارق القليل، دون غاصب الكثير، مع أن تلك العلة موجودة في الغصب، فلم يعتبر استلزام العلة الحكم، وجلد بقذف الزنا، وشرط فيه أي: في إثباته شهادة أربعة، دون الكفر الذي هو أغلظ منه؛ إذ لا يجلد بالقذف به ولا يشترط في إثباته شهادة أربع، فلم يعتبر أولوية القياس.
وذلك أي: جميع ما تقدم من هذه المعاني ينافي القياس.
إذ مداره على إبداء المعنى، وعلى إلحاق صورة بأخرى تماثلها في ذلك المعنى، وعلى التفريق بين المتماثلات، والجمع بين المختلفات لا يأتي ذلك.
قلنا: القياس إنما يسوغ الشرع حيث عرف المعنى، أي: العلة الجامعة مع انتفاء المعارض، وغالب الأحكام من هذا القبيل.
وما ذكر من الصور، نادر لا يقدح في حصول الظن الغالب.
هذا، وشيء من ذلك غير معلوم فيما ذكر من الصور (لجواز عدم صلاحية) ما توهتمتوه في المتماثلات جامعًا لكونه جامعًا، أو وجود المعارض له، إما في الأصل أو في الفرع، وإما في الجمع بين المختلفات، فلجواز اشتراك المختلفات، في معنى جامع، هو العلة للحكم في الكل، فإن المختلفات لا يمتنع اشتراكهما في صفات ثبوتية وأحكام.
وأيضًا: فيجوز اختصاص كل بعلة تقتضي حكم المخالف الآخر، فإن العلل المختلفة لا يمتنع أن توجب في المحال المختلفة حكمًا واحدًا.
المسألة الثانية
قال النظام، وأبو الحسين البصري، وبعض الفقهاء، كالإمام أحمد رضي الله عنه والشيخ أبو إسحاق، وأبو بكر الرازي: إن التنصيص من الشارع على العلة في الحكم أمر بالقياس مطلقًا، سواء كانت تلك العلة علة للفعل، كأكرم زيدًا لعلمه، أو علة للترك كحرمة الخمر لإسكارها،
فيتعدى الحكم إلى غير محل النص، وإن لم يرد ما يوجب التعبد بالقياس؛ لأنه لا فائدة لذكر العلة إلا ذلك.
وقال الجمهور: ومنهم الإمام الرازي، والآمدي لا يكون أمرًا مطلقًا بل لا بد من دليل يدل عليه.
ونقله الآمدي عن أكثر الشافعية وهو المختار.
واكتفى المصنف بالدليل عليه؛ لأنه مشعر باختياره.
وفي المستصفى عن النظام: أن التنصيص على العلة يقتضي تعميم الحكم في جميع مواردها بطريق عموم اللفظ لا بالقياس.
وفرق أبو عبد الله البصري المعتزلي، بين الفعل والترك، فجعله أمرًا
به في جانب الترك دون الفعل.
لنا: على أن التنصيص على العلة ليس أمرًا بالقياس.
أن الشارع إذا قال مثلا: حرمت الخمر لكونها مسكرة.
يحتمل أن تكون عليه الحرمة هو الإسكار مطلقًا، حيث يثبت التحريم في كل ما يسكر، ويكون أمرًا بالقياس كما ذهبتم إليه.
ويحتمل أن تكون علية التحريم هو إسكارها أي: إسكار الخمر بحيث يكون قيد الإضافة إلى الخمر معتبرًا في العلة، فلا يثبت به التحريم في (كل ما) يسكر، لجواز اختصاص إسكارها بترتب مفسدة عليه، دون إسكار النبيذ.
وإذا احتمل الأمران فلا يتعدى التحريم إلى غيرها إلا عند ورود الأمر بالقياس، وإذا ثبت ذلك في جانب الترك ثبت في جانب الفعل قطعًا.
فإن قيل: الاحتمال الثاني ساقط بحسب العرف، إذ الأغلب على الظن عرفًا عدم التقييد بالمجمل الذي نص على عليته، وإذا ثبت سقوط التقييد في العرف ثبت سقوطه في الشرع.
لما روي عنه عليه الصلاة والسلام: "ما رأه المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن".
وهذا الحديث لا يعرف إلا موقوفًا.
وإذا كان ساقطًا شرعًا كانت العلة هي الإسكار مطلقًا، فكان أمرًا
بالقياس، ويحتمل أن يريد أن الأغلب في العلل تعديتها دون تقييدها بمحل الحكم بالاستقراء.
قلنا: النزاع في أن التنصيص على العلة هل يستقل بإفادة وجوب القياس وما ذكرتم يقتضي أنه لا بد أن يضم إليه أن الغالب عدم تقييد العلة بالمحل فالتنصيص وحده لا يفيد.
أو يقول: مجرد التنصيص على العلة لا يلزم منه الأمر بالقياس، ما
لم يدل دليل على وجوب إلحاق الفرع بالأصل.
فإن قيل: الاحتمال الذي ذكرتموه، وهو كون العلة إسكار الخمر، مخصوص بالمثال المذكور، ولا يأتي دليلكم في غيره، مثلاً، لو قال الشارع: علة الحرمة في الخمر الإسكار، لا يدفع الاحتمال الذي فيه التقييد وتثبت الحرمة في كل صورة.
قلنا: فيثبت الحكم هنا في كل الصور بالنص لا بالقياس، إذ القياس يقتضي ثبوت الحكم في الفرع بغير النص المثبت لحكم الأصل.
وإذا امتنع القياس امتنع الأمر به.
قال أبو عبد الله البصري: من ترك أكل شيء لأذاه، دل على تركه كل مؤذ بخلاف من تصدق على فقير لفقره، أو لمثوبة.
فإنه لا يدل على تصدقه على كل فقير وتحصيل كل مثوبة.
وجوابه: أن فهم التعميم في الأول لقرينة التأذي، وكون ترك المؤذي مطلقًا مركوزًا في الطباع، وخصوصية ذلك المؤذي ملغاة عقلاً، بخلاف الأحكام، فإنها قد تختص بمحالها بأمور لا تدرك.
المسألة الثالثة
القياس إما قطعي، أو ظني، فيكون الفرع بالحكم أولى، كتحريم
الضرب على تحريم التأفيف، أو مساويًا كقياس الأمة على العبد في السراية، أو أدون كقياس البطيخ على البر في الربا.
اعلم أن الكلام هنا في مقامين:
أحدهما: القياس، والثاني: الحكم الذي في الأصل.
فالقياس الذي هو الإلحاق قسمان: قطعي، وظني.
والقطعي: يتوقف على العلم بعلة الحكم، وحصول مثل تلك العلة في الفرع.
فإذا علمها المجتهد، علم ثبوت الحكم في الفرع، سواء كان ذلك الحكم مقطوعًا به، أو مظنونًا.
ومثل له الإمام الرازي بقياس تحريم الضرب على تحريم التأفيف.
فإنا نعلم أن العلة هي الأذى، ويعلم وجودها في الضرب، ولكن الحكم هنا ظني؛ إذ دلالة اللفظ -عند الإمام- لا تفيد إلا الظن.
فعلى هذا القياس قطعي والحكم ظني.
وحاصله: أنا قطعنا بإلحاق هذا الفرع لذلك الأصل في حكمه المظنون.
والقياس الظني: هو أن يكون إحدى مقدمتيه أو كلتيهما مظنونة، كقياس السفرجل على البر في الربا.
فإن الحكم بأن العلة هي الطعم ليس مقطوعًا به لجواز كونها الكيل أو القوت وإلى هذا كله أشار المصنف بقوله: "القياس: إما قطعي أو
ظني".
أما الحكم الذي في الأصل وهو الثاني، فإن كان قطعيًا، فيستحيل أن يكون الحكم في الفرع أولى منه، كما في المحصول.
وإن لم يكن قطعيًا سواء كان القياس قطعيًا أم لم يكن، فثبوت الحكم قد يكون أولى من ثبوته في الأصل، أو مساويًا، أو دونه.
فالأول: كقياس تحريم الضرب، على تحريم التأفيف؛ لأن الأذى فيه أكثر.
والثاني: كقياس الأمة على العبد في سراية العتق من
البعض إلى الكل، فهما متساويان في هذا الحكم لتساويهما في علته، وهو تشوف الشارع إلى العتق.
وهذان القياسان يسميان بالقياس في معنى الأصل، والقياس الجلي وهو: ما يقطع فيه بنفي تأثير الفارق بين الأصل والفرع.
الثالث: وهو الأدون -فهي الأقيسة التي يستعملها الفقهاء في مباحثهم، كقياس البطيخ على البر في باب الربا، بجامع الطعم، فإنه العلة -عندنا- في الأصل، ويحتمل ما قيل: إنها القوت أو الكيل، وليس في البطيخ إلا الطعم فثبوت الحكم فيه أدون من
ثبوته في البر المشتمل على الأوصاف الثلاثة.
فأدونيه القياس من حيث الحم لا من حيث العلة.
إذ لا بد من تمامها فظهر بذلك أنه ليس المراد بأدون أن لا توجد فيه العلة بتمامها، بل أن تكون العلة في الأصل ظنية كما مر.
وحينئذ فلا اعتراض على المصنف في تقسيمه الفرع إلى أولى ومساو وأدون.
ولا منافاة بينه وبين قول المحصول: يشترط أن لا يكون بين العلتين تفاوت.
تنبيه: جعل المصنف تحريم الضرب، وغيره من أمثلة فحوى الخطاب من القياس يوهم منافاته لما تقدم له أن اللفظ دل بالالتزام وقد مر في المفاهيم تحقيقه وجعله قياسًا.
نقله في البرهان عن معظم الأصوليين، ونص عليه الشافعي -رضي الله تعالى عنه- في الرسالة.
وقال الصفي الهندي: لا منافاة بينهما، فقد يكون الحكم ثابتًا بالمفهوم وبالقياس معًا.
ووجهه بعضهم: بأن المفهوم مسكوت عنه، والقياس إلحاق مسكوت عنه بمنطوق ولكن الأول هوا لمعتمد قاله العراقي فليتأمل.
قيل: إن تحريم التأفيف يدل على تحريم أنواع الأذى التي منها الضرب عرفًا لأن المنع من التأفيف منقول بالعرف عن موضوعه اللغوي إلى المنع من أنواع الأذى، وإذا كان كذلك، كان تحريم الضرب مستفادًا من النص عرفًا لا من القياس.
ويكذبه، أي: يدفعه قول الملك للجلاد، إذا استولى على عدوه: خذ هذا الرجل اقتله ولا تستخف به، فإنه نفى الاستخفاف وأمر بالقتل.
ولو ثبت نقل تحريم التأفيف بالعرف إلى تحريم الضرب، لما حسن من الملك ذلك، لكنه حسن، فبطل النقل.
فعلم أن تحريم الضرب مستفاد من القياس لا من النص.
وفيه نظر فإن الكلام في التأفيف لا في الاستخفاف.
ولأن النهي عن الاستخفاف والتأفيف دلالته على تحريم القتل ظاهرة.
فغاية ذلك أنه صرح بمخالفة الظاهر، والتصريح بخلاف الظاهر جائز، فالأولى أن يجاب بمنع النقل.
قيل: تحريم الضرب لو ثبت قياسًا على حرمة التأفيف.
لما قال به، أي: بحرمة الضرب منكرة أي: منكر القياس.
واللازم منتف، لأن حرمة الضرب متفق عليها.
قلنا: القياس القطعي لم ينكر، لأنه لجلائه لا يمكن إنكاره.
فلذلك لم يقع الاختلاف فيه، فحرمة الضرب مستفادة من القياس الجلي الذي لم ينكره أحد، وإنما أنكروا القياس الخفي فقط.
قيل: نفي الأدنى يدل على نفي الأعلى عرفًا، كقولهم: فلان لا يملك الحبة، فإنه يدل عرفًا على أنه لا يملك درهمًا ولا دينارًا ولا غيرهما.
وكقولهم: فلان لا يملك النقير ولا القطمير، فإنه يدل عرفًا على أنه لا يملك شيئًا من غير نظر إلى القياس.
(وإذا كان نفي الأدنى يدل على نفي الأعلى، كان تحريم التأفيف دالاً على تحريم الضرب) عرفًا.
فكان تحريم الضرب مستفادًا من الآية لا من القياس.
قلنا: أما الأول وهو قولهم: فلان لا يملك الحبة، فلأن نفي الجزء وهو الحبة يستلزم نفي الكل، فدل فيه نفي الأدنى على نفي الأعلى بخلاف التأفيف، فإنه ليس جزء من الضرب، فظهر الفرق بينهما.
وأما الثاني: وهو قولهم: فلان لا يملك النقير ولا القطمير، فلأ، النقل فيه ضرورة، يعني أنه إنما يدل بحسب العرف على أنه لا يملك شيئًا لضرورة، وهي أن النقير هو النقرة التي في ظهر النواة، والقطمير شق النواة، كما في المحصول. أو القشرة الرقيقة التي عليها، كما في الصحاح.
ولا يمكن حملها على الحقيقة، فنقل إلى العرف (وهو عدم تملك شيء) لضرورة امتناع الحمل على الحقيقة، ولا ضرورة هنا، أي: لا ضرورة في دعوى النقل في التأفيف لجواز الحمل على حقيقته اللغوية، فظهر الفرق.
المسألة الرابعة
القياس يجري في جميع الشرعيات، ويجوز التمسك به فيها.
حتى في الحدود، كإيجاب قطع النباش، قياسًا على السارق بجامع أخذ مال الغير خفية من حرز.
وحتى في الكفارات، كإيجابها على القاتل عمدًا، قياسًا على قتل الخطأ (بجامع القتل) بغير حق.
وحتى في الرخص، كقياس غير الحجر، على الحجر في جواز الاستنجاء به، بجامع الجامد الطاهر القالع.
وحتى في التقديرات، كقياس نفقة الزوجة على الكفارة في تقديرها على الموسر بمدين،
كما في فدية الحج، والمعسر بمد كما في كفارة الوقاع، بجامع أن كلا منهما مال يجب في الشرع ويستقر في الذمة.
وأصل التفاوت من قوله تعالى: {لينفق ذو سعة من سعته} الآية.
وهذا كله إذا وجدت شرائط القياس فيها، وهو مذهب الشافعي -
رضي الله تعالى عنه- كما قال الإمام الرازي.
وإنما قلنا: يجري القياس في الحدود والكفارات والرخص والتقديرات وسائر الشرعيات.
إذا وجدت شرائط القياس فيها، لعموم الدلائل الدالة على العمل بالقياس، نحو قوله تعالى:{فاعتبروا} وغيره مما تقدم، فإنها عامة، غير مختصة بنوع.
وصحح الآمدي وابن الحاجب: أن القياس لا يجري في جميع الأحكام؛ لأنه ثبت فيها ما لا يعقل معناه، كضرب الدية على
العاقلة.
وقال المحقق: قال في المحصول: النزاع في أنه هل في الشرع جمل من الأحكام لا يجري فيها القياس، أو ينظر في كل مسألة، مسألة هل يجري فيها القياس أم لا؟
ولو كان المراد ذلك لم ينفه هذا الدليل، والظاهر أنه المراد، (فإن ما) نفاه مما ينبغي أن لا يختلف فيه اثان.
ومنع أبو حنيفة -رضي الله تعالى عنه- في الحدود والكفارات والرخص والتقديرات.
قال: لأنها لا يدرك المعنى فيها.
وأجيب: بأنه يدرك في بعضها فيجري فيه القياس.
ويجري القياس حتى في العقليات عند أكثر المتكلمين.
إذا تحقق فيها جامع عقلي، بالعلة، أو الحد، أو الشرط، أو الدليل، عندهم.
فالجمع بالعلة أقواها.
مثاله: العالمية في المخلوق معللة بالعلم، فكذا في الخالق تعالى.
ومثال الجمع بالحد: حد العالم غائبًا بمن له العلم قياسًا على الشاهد.
ومثال الشرط: العالم في الغائب مشروط بالحياة قياسًا على الشاهد.
ومثال الدليل: إتقان الفعل وأحكامه، يدلان على إرادة الفاعل
وعلمه في الغائب قياسًا على الشاهد.
ويجري القياس حتى في اللغات عند أكثر الأدباء، كما نقله ابن جني في الخصائص عنهم واختاره هو والمازني، والفارسي من أهل العربية، وهو اختيار القاضي أبي بكر وابن سريج وغيرهم.
قال الإمام الرازي هنا: هو الحق.
قال: وذهب أكثر أصحابنا، وأكثر الحنفية إلى المنع.
واختاره الآمدي وابن الحاجب وجزم به في المحصول في
موضع: "وليس الخلاف فيما ثبت تعميمه بالنقل كالرجل والضارب، أو بالاستقراء كرفع الفاعل ونصب المفعول، إنما الخلاف في تسمية مسكوت عنه، أي: معنى لم يعلم بالنقل ولا بالاستقراء.
إنه من أفراد مسمى ذلك الاسم باسم إلحاقًا له، بمعنى سمي بذلك الاسم، لمعنى تدور التسمية معه وجودًا وعدمًا، فيرى أنه ملزوم التسمية، فأينما وجد (ثبتت التسمية به كتسمية النبيذ خمرًا، إلحاقًا له بالعقار لمعنى هو التخمير للعقل المشترك) بينهما الذي دار معه التسمية.
فما لم يوجد في ماء العنب لا يسمى خمرًا بل عصيرًا، وإذا وجد فيه يسمى به، وإذا زال عنه لم يسم به بل خلا إلا أن يثبت في هذا المثال
نقل أو استقراء. فيخرج عن محل النزاع، فلا يكون المثال مطابقًا ولا يضر، فإن المثال يراد للتفهيم لا للتحقيق.
وليكن هذا على ذكرٍ منك ينفعك في مواضع.
ودليل المسألة يطلب من الشرح.
دون الأسباب، فإن القياس لا يجري فيها، وهو المشهور كما في المحصل وصححه الآمدي وابن الحاجب.
وذهب أكثر الشافعية كما قاله الآمدي إلى الجواز.
قال: والخلاف يجري في الشروط.
قال ابن برهان: وفي المحال أيضًا، فقال: يجوز القياس في الأسباب والشروط والمحال عندنا خلافًا لأبي حنيفة.
مثاله في السبب: قياس اللواط على الزنا بجامع إيلاج فرج في فرج محرم شرعًا، مشتهى طبعًا.
ومنع المصنف هنا لا ينافي قياس اللائط على الزاني في وجوبه.
الحد؛ لأن ذلك في الحكم، وهذا في كون اللواط سببًا.
والسبب غير الحكم.
ودون العادات، يعني فلا يجري القياس في الأمور التي ترجع إلى
العادة والخلقة كأقل الحيض أو النفاس أو الحمل وأكثره.
لأنها تختلف باختلاف الأشخاص والأزمنة والأحوال والأزمان وعدم انضباطها وعدم العلم بأسبابها، فيرجع فيها إلى قول الصادق.
وهذا الحم منقول في المحصول عن الشيخ أبي إسحاق الشيرازي، لكنه فصل في شرح اللمع بين ما لا يكون عليه أمارة كأقل الحيض وأكثره، فلا يجري فيه القياس، لأن أسبابها غير معلومة لا قطعًا ولا ظنًا.
وبين ما عليه أمارة فيجوز إثباته بالقياس، كالخلاف في الشعر هل له علة الروح أم لا؟
وذكر الماوردي والروياني: أن الصحيح جواز القياس في المقادير
كأقل الحيض وأكثره، لأنه قد يدرك.
وجمع بعضهم بينهما: بحمل الأول على الحيض من حيث الجملة، الثاني في الأشخاص المعينة.
قال في جمع الجوامع: والصحيح أن القياس حجة إلا في الأمور العادية والخلقية وإلا في كل الأحكام، وإلا القياس على منسوخ أي: فلا يجوز فيها.