المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌النوع الأول: ترتيب الحكم على الوصف بالفاء - تيسير الوصول إلى منهاج الأصول - جـ ٥

[ابن إمام الكاملية]

الفصل: ‌النوع الأول: ترتيب الحكم على الوصف بالفاء

وقال غيره: هو ما يدل على علية وصف، بواسطة قرينة من القرائن.

ويسمى التنبيه أيضًا.

وهو خمسة أنواع:

‌النوع الأول: ترتيب الحكم على الوصف بالفاء

.

وهو أن يذكر حكمًا أو وصفًا، وتدخل الفاء على الثاني منها، سواء كان: هو الوصف أو الحكم، وسواء كان ذلك في: لفظ الرسول صلى الله عليه وسلم أو الراوي الفقيه، أو غيره.

وإليه أشار بقوله: ويكون أي: الترتيب بإلقاء في الوصف أو الحكم، وفي لفظ الشارع، أو الراوي.

مثاله: في دخول الفاء على الحكم في كلام الشارع {والسارق

ص: 254

والسارقة فاقطعوا أيديهما}.

ومثال دخول الفاء على الوصف في كلام الرسول صلى الله عليه وسلم: "لا تقربوه طيبًا فإنه يبعث يوم القيامة ملبيًا". وتقدم تخريجه.

ولم يوجد في كلام الرواي مثال دخول الفاء على الوصف، كما قيل.

ومثال دخول الفاء على الحكم في كلام الراوي: "زنى ماعز فرجم". وهو مروي بالمعنى، وحديثه في الصحيحين. لكن مقصود المصنف هذا اللفظ.

قال الزركشي: ولم يرد.

وقال العراقي: لا يعرف أصلاً بهذا اللفظ.

فالأحسن أن يمثل بما رواه أبو داود والترمذي

ص: 255

والنسائي.

عن عمران بن حصين أن النبي صلى الله عليه وسلم "سهى فسجد" وقال الترمذي: حسن غريب، وصححه الحاكم على شرطهما.

قال الآمدي: والوارد في كلام الشارع أقوى في العلية من الوارد في كلام الراوي بلا شك، لاحتمال الغلط، إلا أنه لا ينفي الظهور.

ص: 256

قال: ويشبه أن يكون تقديم العلة أقوى من عكسه.

وجعل المصنف هذا من باب الإيماء، تبع فيه الآمدي.

وجعله ابن الحاجب من باب الصريح.

ولما كان الترتيب السابق، وهو ما فيه الفاء يقتضي العلية.

فرع عليه نفس الترتيب المجرد عن الفاء فقال:

فرع: ترتيب الحكم على الوصف يدل على العلية، وإن لم يكن مناسبًا.

وقيل: يدل ترتيب الحكم على الوصف إذا كان مناسبًا، ونقل عن

ص: 257

الآمدي وابن الحاجب.

لنا: أنه إذا قيل: أكرم الجاهل وأهن العالم، قبح ذلك عرفًا، وليس قبحه لمجرد الأمر بإكرام الجاهل وإهانة العالم، فإنه أي: الأمر بالإكرام للجاهل، قد يحسن لدينه أو شجاعته أو سوابق نعمه.

والأمر بالأهانة قد يحسن لفسق العالم أو بدعته، أو سوء خلقه، ونحو ذلك.

وإذا لم يكن القبح لمجرد الأمر، فهو لسبق التعليل إلى الفهم من جعل الجهل علة للإكرام، والعلة علة للإهانة؛ لأن الأصل عدم علة أخرى.

وإذا سبق إلى الأفهام التعليل مع عدم المناسبة؛ والفاء، لزم أن يكون حقيقة فيه فإن قيل: الدلالة أي: دلالة الترتيب على الوصف الغير المناسب للعلية في هذه الصورة لا تستلزم دلالته في الكل، أي: في كل الصور، لأن المثال الجزئي لا يصحح القضية للكلية لجواز

ص: 258

اختلاف الجزئيات في الأحكام.

قلنا: الترتيب المذكور إذا دل على العلية في هذه الصورة، يجب أن يدل عليها في جميع الصور دفعًا للاشتراك.

إذ لو كان دالاً على غير العلة في بعض الصور لكان مشتركًا بينهما، والأصل عدمه.

ونظر فيه من جهة: أن الترتيب من جملة المركبات، وهي غير موضوعة عنده تبعًا للإمام الرازي، فلا توصف حينئذ باشتراك ولا مجاز؛ لأنهما فرع الوضع.

تنبيه: إذا ذكر الوصف والحكم كلاهما، كان إيماء بالاتفاق.

ص: 259

وهو الذي ذكره المصنف، فإن ذكر أحدهما فقط مثل أن يذكر الوصف صريحًا والحكم مستنبطًا نحو:{وأحل الله البيع} .

فإن حل البيع وصف له قد ذكر، فعلم منه حكمه وهو الصحة، أو ذكر الحكم، والوصف مستنبط، وذلك كثير منه أكثر العلل المستنبة، نحو حرمة الخمر، فالمختار في جمع الجوامع تبعًا للصفي الهندي: أن الأول: وهو ذكر الوصف إيماء دون الثاني: وهو ذكر الحكم، وله زيادة تحقيق في الشرح.

النوع الثاني من الإيماء:

أن يحكم الشارع على شخص بحكم عقب علمه بصفة المحكوم عليه

ص: 260

كقول الأعرابي: واقعت أهلي في رمضان يا رسول الله؟ فقال: "أعتق رقبة". رواه ابن ماجه.

وأصل الحديث بغير هذه الصيغة في الكتب الستة.

فدل الحديث على أن الوقاع علة للإعتاق، وذلك لأن صلاحية جوابه صلى الله عليه وسلم للأعرابي بقوله:"أعتق رقبة". يغلب الظن على كونه جوابًا للأعرابي عن سؤاله، ليحصل غرضه حيث عرض واقعته

ص: 261

عليه، ولئلا يلزم إخلاء السؤال عن الجواب (وتأخير البيان) عن وقت الحاجة. وحينئذٍ فيكون السؤال معادًا فيه -أي: في الجواب- تقديرًا فكأنه اقعت فكفر.

فالتحق هذا النوع م الإيماء بالأول منه في إفادة العلية؛ لأنه في التقدير ترتيب حكم على وصف بلفظ الفاء الذي هو النوع الأول، لكنه دونه في الظهور؛ لأن الفاء هاهنا مقدرة، وهناك محققة، ولاحتمال عدم قصد الجواب، كما يقول العبد: طلعت الشمس، فيقول السيد: اسقني ماء.

كل ذلك وإن بعد فليس بممتنع.

واعلم أن مثل ذلك إذا حذف عنه بعض الأوصاف، وعلل بالباقي سمي "تنقيح المناط".

ص: 262

مثاله: (في قصة الأعرابي، أن يقال): كونه أعرابيًا لا مدخل له في العلة، إذ الهندي والأعرابي حكمهما في الشرع واحد، وكذا كون المحل أهلاً، فإن الزنا أجدر به.

أو يقال: كونه وقاعًا لا مدخل له، فيبقى كونه إفسادًا للصوم.

تنبيه: في أكثر النسخ: "أفطرت يا رسول الله".

قال العراقي: وهو سبق قلم، أو أطلق الأعم وأراد به الأخص.

فإن الوقاع نوع من المفطرات، وقد أصلح في بعض النسخ على الصواب.

ص: 263

النوع الثالث من الإيماء:

أن يذكر الشارع وصفًا لو لم يؤثر في الحكم، يعني لو لم يكن علة له، أي: علامة عليه، لم يفد ذكره.

وحينئذٍ يتعين أن يكون ذلك الوصف علة لذلك الحكم، وإلا وقع في كلام الشارع ما لا فائدة له، وهو باطل.

ومثل له المصنف بأربعة أمثلة؛ لأنه أربعة أقسام:

الأول: إن ذكره واقعًا لسؤال أورده من توهم الاشتراك بين صورتين. مثل ما روي عنه عليه الصلاة والسلام أنه امتنع من الدخول على قوم عندهم كلب، فقيل: له إنك تدخل على قوم وعندهم هرة، زعمًا منه أن الهرة كالكلب في النجاسة.

فقيل: إنه عليه الصلاة والسلام قال دفعًا لزعمه: "إنها ليست بنجسة، إنها من الطوافين عليكم والطوافات".

ص: 264

فلو لم يكن طوفها علة لعدم نجاستها، ودافعًا لسؤال السائل لم يكن لذكره فائدة وكان ذكره عبثًا، لا سيما وهو من الواضحات.

وجمع الهرة -بالياء والنون- مع أنها لا تعقل؛ لأن المراد بها من جنس الطوافين.

واعلم أن هذا الحديث ذكره في "المحصول"، وهو غير معروف هكذا، فإن قصة دخوله على قوم دون قوم رواها أحمد في مسنده، والذي فيه أنه عليه الصلاة والسلام أجاب بقوله:"إن الهرة سبع".

وأما قوله "إنها ليست بنجسة"(إلى آخره).

فإنما ورد عند إصغاء الإناء لتشرب منه، قاله العراقي.

وتقدم تخريجه.

قال: ويجاب عن المصنف بأنه لم يذكر هذه القصة، بل اقتصر

ص: 265

على قوله: "إنها من الطوفين" فاحتمل أن يريد به قوله صلى الله عليه وسلم هذا الكلام عقب إصغاء الإناء لهما، كما هو المعروف.

والتمثيل به على هذا التقدير أيضًا صحيح، وإن قات منه جعله أحد الأقسام الأربعة التي ذكرها في "المحصول" فإنه ليس فيه دفع سؤال.

أورده من توهم الاشتراك بين صورتين.

ثانيهما: أن يذكر الشارع وصفًا في محل الحكم لا حاجة إلى ذكره ابتداء، ولا معنى له لو لم يكن علة، مثل ما روي عن ابن مسعود -رضي الله تعالى عنه- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له ليلة الجن:"ما في إداواتك"؟ قال: نبيذ.

قال: "ثمرة طيبة وماء طهور". رواه أبو داود والترمذي وابن ماجة، زاد الترمذي: فتوضأ به.

ص: 266

قال: ولم يروه غير أبي زيد وهو مجهول، ولا يعرف عنه غير هذا الحديث.

وقال أبو زرعة، وابن عدي: هو حديث ليس بصحيح.

وفي صحيح مسلم عن ابن مسعود رضي الله عنه صريحًا ما ينافي هذه الرواية.

ص: 267

وقال العراقي: ضعيف باتفاق المحدثين.

فوصف المحل، وهو النبيذ بطيب ثمره وطهورية مائه دليل على بقاء طهورية الماء.

قال القرافي: هو غير مطابق؛ لأن ذكره عليه الصلاة والسلام طيب الثمرة ليس إشارة إلى العلة في بقاء الطهورية، بل إلى عدم المانع.

ثالثها: أن يسأل الشارع عن وصف، فإذا أجاب عنه المسئول عنه، أقره عليه، ثم يذكر بعده حكمًا.

وذلك مثل قوله صلى الله عليه وسلم لما سئل عن جواز بيع الرطب بالتمر متساويًا فقال: "أينقص الرطب إذا جف"، قيل: نعم، فقال:"فلا إذن" رواه الأربعة وصححه الترمذي ابن خزيمة والحاكم.

ص: 268

فنبه على أن النقصان علة منع البيع، وكونه مفهومًا من الفاء، وإذا لا ينافي ذلك، إذ لو قدرنا انتفاءهما لبقي فهم التعليل.

رابعها: أن يقر الرسول صلى الله عليه وسلم السائل على حكم ما يشبه المسئول عنه، ثم ينبه على وجه الشبه، فيعلم أن وجه الشبه هو العلة، وذلك مثل ما روي من قوله عليه الصلاة والسلام -لعمر- رضي الله تعالى عنه- وقد سأل عن قبلة الصائم هل يفسد الصوم من غير إنزال؟ :"أرأيت لو تمضت بماء، ثم مججته"- يعني: لفظته "أكنت شاربه؟ " فقال: لا.

فنبه الرسول على ما روي بهذا على أن حكم القبلة في عدم إفسادها للصوم كحكم ما يشبهها، وهو المضمضة.

ص: 269

ووجه الشبه أن كلا منهما مقدمة لم يترتب عليه المقصود، وهو الشرب والإنزال.

تنبيه:

قال الزركشي: المحفوظ من هذا الحديث: "أرأيت لو تمضمضت من الماء وأنت صائم" قال عمر: قلت: لا بأس بذلك. قال: "فمه".

رواه أبو داود والنسائي، وقال: حديث منكر.

وأعله ابن الجوزي "بليث" توهمًا أنه "ابن أبي سليم".

ص: 270

وإنما هو الليث بن سعد الإمام الجليل رضي الله عنه.

ورواه البزار في مسنده، وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين وصححه ابن حبان، وقال الإمام أحمد: حديث ضعيف.

قال العراقي: وقوله "أكنت شاربه"؟ ، لا أعرف له أصلاً.

وقال شيخ الإسلام: وقد وقع التصريح بأنه الليث بن سعد في رواية أبي داود.

ص: 271

وكذا في الروايتين المتقدمتين عن الدارمي. وعبد، وكذا صرح به الهيثم بن كليب في مسنده، ووقع في روايته في آخره، فقلت: لا بأس بذلك، فقال:"ففيم".

وكذا وقع بهذا اللفظ.

وفي رواية عن عيسى بن حماد، ونبه على ذلك أبو داود.

(وقال ابن حزم: صحيح).

ص: 272

النوع الرابع: من الإيماء:

أن يفرق الشارع في الحكم بين شيئين بذكر وصف لأحدهما، فيعلم أن ذلك الوصف علة لذلك الحكم، وإلا لم يكن لتخصيصه بالذكر فائدة.

ومثل له المصنف بمثالين؛ لأنه نوعان:

الأول: أن لا يكون حكم الشيء الآخر، وهو قسيم الموصوف (مذكورًا معه) مثل ما رواه الترمذي والنسائي وابن ماجة عن أبي هريرة مرفوعًا:"القاتل لا يرث".

وفيه إسحاق بن أبي فروة.

ص: 273

قيل: متروك.

وله طرق مبينة في الأصل.

ففي الحديث الفرق بين القاتل وبين سائر الورثة، بذكر القتل الذي يجوز أن يكون مؤثرًا في منع الإرث.

فعلم كون القتل مانعًا من الإرث.

وليس في هذا الخطاب ذكر حكم سائر الورثة.

وثانيهما: أن يكون حكم الشيئين مذكورًا في الخطاب، إما بلفظ الشرط، واقتصر عليه المصنف، لأن بقية الأقسام في معناه مثل قوله صلى الله عليه وسلم: "إذا اختلف الجنسان

ص: 274

فبيعوا كيف شئتم يدًا بيد" رواه مسلم فيعلم منه أن اختلاف الجنسين علة لجواز البيع متفاضلاً.

أو تكون التفرقة بلفظ الغاية، كقوله تعالى:{ولا تقربوهن حتى يطهرن} .

أو بالاستثناء كقوله تعالى: {فنصف ما فرضتم إلا أن يعفون} أو بالاستدراك كقوله تعالى {لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان} .

ص: 275

أو باستئناف أحد الشيئين بذكر صفة من صفاته بعد ذكر الآخر، وتكون تلك الصفة صالحة للعلية.

مثاله ما روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال "للراجل سهم وللفارس سهمان".

قال الزركشي: ولم يرد من لفظ النبي صلى الله عليه وسلم هكذا، وأقرب ما فيه، مبين في الأصل.

(ولكن روى الدارقطني والبيهقي عن أبي كبشة الأنماري حديثًا.

وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ألا إني جعلت للفرس سهمين وللراجل سهمًا".

ص: 276

قال شيخ الإسلام: وهو حيدث غريب، رجاله ثقات، إلا عبد الله ابن بشر تابعي صغير فيه مقال.

وذكر هذه الأقسام الخمسة في المحصول).

النوع الخامس من الإيماء:

النهي عن مفوت الواجب أي: عن فعل يكون مانعًا لما تقدم وجوبه مثل قوله تعالى: {فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع} .

فإنه تعالى لما أوجب علينا السعي وقت نداء الجمعة، وكان البيع في ذلك الوقت مفوتًا لهذا الواجب، وقد نهانا عن البيع فيه، علم أن علة النهي مانعًا من السعي الواجب في ذلك الوقت.

ص: 277

الطريق الثالث من الطرق الدالة على كون الوصف الجامع علة للحكم.

وهو الإجماع في عصر من الأعصار على كونه علة، والظن كاف لما تقدم.

وإنما يتصور الاختلاف في مثله، بأن يكون الإجماع ظنيًا، كالثابت بالآحاد والسكوتي، أو يكون ثبوت الوصف في الأصل في الفرع ظنيًا.

أو يدعي الخصم معارضًا في الفرع.

وذلك كتعليل تقديم الأخ من الأبوين، على الأخ من الأب في الإرث، بامتزاج النسبين.

فأجمعوا على التقديم: بكونه من الأبوين، على كونه من الأب في

ص: 278

الإرث، فيقاس عليه تقدمه في ولاية النكاح، والصلاة عليه وتحمل العاقلة بجامع امتزاج النسبين.

الطريق الرابع من الطرق الدالة على علية الوصف:

وهي المناسبة، وتسمى: الإخالة -بكسر الهمزة، وبالخاء المعجمة- من خال: إذا ظن، لأنه بالنظر إليه يظن أنه علة.

ويسمى تخريج المناط.

لأنه أبدى مناط الحكم، أي علق علته.

وحاصله: تعيين العلة في الأصل بمجرد إبداء المناسبة بينها، وبين الحكم من ذات الأصل لا بنص ولا بغيره كالإسكار للتحريم، فإن النظر في المسكر وحكمه، ووصفه، يعلم منه كون الإسكار مناسبًا لشرع التحريم.

ص: 279

وعرف في جمع الجوامع المناسبة: بتعيين العلة: بإبداء مناسبة

مع الاقتران والسلامة عن القوادح.

وأخرج: بإبداء المناسبة، تعيين العلة بالطرد أو الشبه.

وأراد بالاقتران: مقارنة الحكم للوصف.

وهو من زيادته على ابن الحاجب لبيان اعتماد المناسبة لا لتحقيق ماهيتها وأورد عليه أن معرفة إبداء المناسبة متوقف على معرفتها فكيف يعرف بها.

وأجيب بأن المناسبة في التعريف لغوية، بمعنى الملائمة، فلا دور.

ص: 280

واعلم أنه يتحقق الاستدلال على أن الوصف الذي أبداه هو العلة بعدم ما سواه بطريق السبر.

ولا يكفي أن يقول بحثت فلم أجد غيره، وإلا لزم الاكتفاء به ابتداء ولا قائل به.

وأما المناسب فهو في اللغة: الملائم.

ص: 281

وفي الشرع- قال المصنف- ما يجلب للإنسان نفعًا أو يدفع عنه ضررًا.

أي: الوصف الذي يقتضي إلى ما يجلب للإنسان نفعًا أو يدفع عنه ضررًا.

والنفع: اللذة، أو ما يكون طريقًا إليها.

والضرر: الألم، أو ما يكون طريقًا إليه.

وقيد بالإنسان لتعالى الرب- تعالى- وتقدس عن الضرر أو الانتفاع ونظر فيه من جهة أن فيه تفسير العلة بالحكم.

لأن الوصف المناسب من أقسام العلة، كالقتل يناسب القصاص، والجالب للنفع الدافع للضرر، هو الحكم.

كإيجاب القصاص: جالب لمنفعة بقاء الحياة (ودافع لضرر التعدي) وحكى في المحصول التعريف الذي اختاره المصنف عمن

ص: 282

يعلل أحكام الله- تعالى

وقيل المناسب: هو الوصف الملائم لأفعال العقلاء في العادة، أي: يقصده العقلاء لتحصيل مقصود مخصوص. كما يقال: هذه اللؤلؤة تناسب هذه اللؤلؤة. واختاره في جمع الجوامع، وحكاه في المحصول عمن لا يعلل أحكام الله تعالى، وهو مذهب الأشعري، وهو المعتمد.

وقيل: هو وصف ظاهر منضبط يحصل عقلًا من ترتيب الحكم عليه ما يصلح أن يكون مقصودًا للعقلاء، واختاره الآمدي وابن الحاجب، والمقصود: إما حصول مصلحة أو دفع مفسدة.

وهو- أيك المناسب- حقيقي: إن كانت مناسبته بحيث لا

ص: 283

يزول بالتأمل.

والحقيقي الدنيوي: إن كانت لمصلحة تتعلق بالدنيا.

والدنيوي ضروري: إن انتهت مصلحته إلى حد الضرورة.

وهو قسمان:

- ضروري في نفسه

- ومكمل للضروري

واقتصر المصنف على الأول، وهو أعلى المراتب في إفادة ظن الاعتبار، وذلك كحفظ النفس بالقصاص، وحفظ الدين بالقتال

ص: 284

للكفار، وحفظ العقل بالزجر عن المكسرات، وحفظ المال: الذي به المعاش بالضمان على متلفه، وعقوبة السارق والمحارب، وحفظ النسب بالحد على الزنا؛ لأن المزاحمة في الأبضاع مجلبة للفساد والتقاتل، ومفضية إلى اختلاط الأنساب المؤدي إلى انقطاع تعهد الأولاد المنافي لبقاء النوع وهذه هي الكليات الخمس الضرورية التي روعيت في كل ملة.

وزاد في جمع الجوامع تبعًا للطوافي.

ص: 285

سادسًا: وهو العرض.

فتحريمه معلوم من الدين بالضرورة وحفظه بحد القذف.

ومقتضى كلامه أنه في مرتبة المال.

ويحتمل أن يجعل دون الكليات فيكون من الملحق به.

القسم الثاني: وهو المكمل للضروري: وذلك كحد قليل المسكر وهو لا يزيل العقل، وحفظ العقل حاصل بتحريم المسكر، وإنما حرم القليل للتتميم والتكميل؛ لأن قليله يدعو إلى كثيره، بما

ص: 286

يورث النفس من الطرب المطلوب زيادته بزيادة سببه إلى أن يسكر، ومن حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه.

والمناسب مصلحي: إن كانت مصلحته في محل الحاجة. ولم تنته إلى حد الضرورة، ويسمى الحاجي، وهو أيضًا ينقسم إلى قسمين:

- حاجي في نفسه.

- ومكمل للحاجي.

مثال الحاجي في نفسه: البيع والإجارة والقراض والمساقاة.

ص: 287

فإن المعاوضة: وإن ظنت أنها ضرورية فكل واحد من هذه العقود، ليس بحيث لو لم يشرع لأدى إلى فوات شيء من الضروريات الخمس.

قال المحقق: وهذه ليست في مرتبة واحدة، فإن الحاجة تشتد وتضعف، وبعضها آكد من بعض، وقد يكون بعضها ضروريًا في بعض الصور، كالإجارة في تربية الطفل الذي لا أم له ترضعه، وكشراء المطعوم، والملبوس، فإنه ضروري من قبيل حفظ النفس، ولذلك لم تخل عنه شريعة، وإنما أطلقنا الحاجي عليها باعتبار الأغلب.

مثال المكمل للحاجي: وجوب رعاية الكفاءة ومهر المثل في الولي

ص: 288

إذا زوج الصغيرة.

فإن أصل المقصود من شرع النكاح وإن كان حاصلًا بدونهما لكنه أشد إفضاء إلى دوام النكاح، وهو من مكملات مقصود النكاح.

والمصنف- رحمه الله مثل للمصلحي: بقوله: كنصب الولي للصغير لئلا تضيع حقوقه.

والظاهر أنه من القسم الأول من الحاجي.

والمناسب تحسيني: إذا لم يكن في محل الضرورة ولا الحاجة، ولكن مستحسن في العادات، وفيه تحسين وتزيين، وسلوك منهج أحسن من منهج، وذلك كتحريم القاذورات.

فإن نفرة الطباع عنها لخساستها، مناسب لحرمة تناولها حثًا للناس على مكارم الأخلاق، ومحاسن العادات، والشيم.

ومنه سلب العبد أهلية الشهادة، وإن كان ذا دين وعدالة يغلبان

ص: 289

على ظن صدقه لنقصه عن المناصب الشريفة.

وجعل في جمع الجوامع وغيره: التحسيني قسمان:

أحدهما: أن لا يعارضه شيء من القواعد، كسلب العبد أهلية الشهادة.

ثانيهما: أن يعارض قاعدة معتبرة، كالكتابة.

فإنها جوزت لاستحسانها في العادة، مع مخالفتها للقاعدة في امتناع بيع الإنسان ماله بماله.

والمناسب الأخروي: كتزكية النفس، من تهذيب الأخلاق ورياضة

ص: 290

النفوس المقتضية لشرعية العبادات.

فإن الصلاة مثلًا وضعت للخضوع والتذلل.

والصوم لانكسار النفس بحسب القوى الشهوانية والغضبية، فإذا كانت النفس زكية تؤدي المأمورات وتجتنب المنهيات حصلت لها على السعادة الأخروية. والمناسب الإقناعي: هو الذي يظن في بادئ النظر أنه مناسب، وإذا بحث عنه حق البحث فيزول ذلك الظن، وتظهر عدم مناسبته بالتأمل فيه.

مثاله: تعليل تحريم الخمر والميتة بالنجاسة، ثم يقيس عليه الكلب والخنزير.

فكونه نجسًا يناسب إذلاله، ومقابلته بالمال في البيع إعزاز، والجمع بينهما متناقض.

فهذا وإن كان يظن أنه مناسب، لكنه في الحقيقة ليس كذلك؛

ص: 291

لأن كونه نجسًا معناه أنه لا تجوز الصلاة معه.

وليس بينه وبين امتناع البيع مناسبة.

والمناسبة تفيد العلة إذا اعتبرها، أي: اعتبر نفس العلة الشارع فيه، أي: في نفس الحكم.

وليس المراد باعتباره أن ينص على العلة، أو يومئ إليها، وإلا لم تكن العلة مستفادة من المناسبة، وذلك كالسكر في الحرمة، فإنه مناسب للتحريم حفظًا للعقل.

وعلم أن الشارع لم يعتبر عينة في جنس التحريم، ولا جنسه في عين التحريم، ولا جنسه في جنس التحريم.

ولكن اعتبر النوع في النوع، فإن السكر نوع من الوصف، والتحريم نوع من الحكم.

ص: 292

واعتبر الشارع نوع الوصف (في جنسه، أي: في جنسه الحكم، وذلك، كامتزاج النسبين، فإنه نوع من الوصف، اعتبر في مطلق التقديم على الأخ من الأب وهو جنس الحكم، فإن مطلق التقديم علة جنس لنوعين:

وهما: التقديم في الإرث، والتقديم في ولاية النكاح، كذا شرحه العبري.

وفي الأصل أوضح من ذلك.

أو بالعكس: يعني اعتبر جنس المناسبة في نوع الحكم،

ص: 293

كالمشقة المشتركة بين الحائض والمسافر في سقوط قضاء الصلاة.

فإن المشقة المشتركة بينهما، جنس للمشقتين، وقد اعتبرها الشارع في نوع الحكم، وهو سقوط الصلاة عنهما، أيك القضاء عن الحائض والركعتين عن المسافر.

أو اعتبر الشارع جنسه أي: جنس الوصف في جنسه أي: في جنس الحكم، كإيجاب حد القذف على الشارب، لكون الشارب مظنة القذف، لما رواه النسائي أن عليًّا- رضي الله تعالى عنه- قال في شارب الخمر:«أرى أنه إذا شرب هذى وإذا هذى افترى فيكون عليه حد المفتري ثمانون جلدة» يعني القاذف. «فأمر عمر فجلدة ثمانين» .

فقد أوجبوا حد القذف على شارب الخمر، لا لكونه شارب خمر،

ص: 294

بل إقامة لمظنة القذف، وهو الشرب، مقام القذف قياسًا على إقامة الخلوة بالأجنبية، مقام الوطء في التحريم، لكون الخلوة مظنة الوطء المحرم.

فاعتبرت المظنة التي هي جنس لمظنة الوطء والقذف في الحكم الذي هو جنس لإيجاب حد القذف، وحرمة الوطء.

وإليه أشار بقوله: «والمظنة قد أقيمت مقام المظنون» .

والمراد بالجنس هنا: القريب، لأن اعتبار الجنس البعيد في الجنس البعيد هو المناسب كما سيجيء إن شاء الله تعالى، وأعم أوصاف الحكم- على ما في المحصول- كونه حكمًا.

ثم الحكم ينقسم إلى وجوب، وغيره. والوجوب إلى عبادة، وغيرها.

ص: 295

والعبادة إلى صلاة، وغيرها.

والصلاة إلى نافلة وغيرها.

فما ظهر تأثير في الفرض أخص مما ظهر في الصلاة.

قال: وكذا في جانب الوصف، فأعم الأوصاف كونه يناط به الحكم، ثم المناسب ثم الضروري.

وإنما قلنا: إن المناسبة في هذه الأقسام الأربعة تفيد ظن العلية، لأن الاستقراء في الأحكام الشرعية دل على أن الله- سبحانه وتعالى شرع أحكامه لمصالح العباد، أي: يعقبها حصول الصلاح في العادة.

فإن العلماء في كل زمان تتبعوا الأحكام الشرعية.

فوجدوها مقارنة للحكم، والمصالح غير منفكة عنها.

ص: 296

وهذه الرعاية ليست واجبة على الله- تعالى- لتعاليه، بل تفضلًا وإحسانًا منه- تعالى- لا على سبيل التحتم والوجوب، ولا على أن فعله- تعالى- معللًا بها وقد مر مثله في موضعين من هذا الكتاب.

وإذا كانت مشروعة للمصالح، فحيث ثبت حكم شرعي، وهناك وصف مناسب له يتضمن مصلحة للعبد ولم يوجد غيره من الأوصاف الصالحة للعلية، ظن كونه علة لذلك الحكم، والأصل عدم غيره، فلو لم تكن علة لخلا الحكم عن العلة، والاستقراء ينفيه.

فثبت أن المناسبة تفيد ظن العلية، وظن العلية معمول به قطعًا.

وهنا في الشرح فوائد حسنة.

وعلم من كلام المصنف أن الوصف المناسب إذا ألغاه الشارع أي: بورود الفرع على عكسه، فإنه لا يجوز التعليل به، وهو كذلك بلا

ص: 297

القصوى تبعًا للآمدي، وفيه خلاف سيجيء، وقد اعتبره مالك رضي الله عنه.

وقال ابن الحاجب: المرسل هو الذي لم يعتبره الشارع سواء علم إلغاؤه أو لم الاعتبار والإلغاء.

وحملت كلام المصنف على أحد القسمين، كما عرفت، لأنه الذي اعتبره مالك (وهو الذي) فسره به المصنف في الغاية كما مر.

وقال الإمام الرازي: وذلك إنما يكون بحسب أوصاف هي أخص من كونه وصفًا مصلحيًّا مشهودًا له بالاعتبار.

ولذا عبر عن المناسب المرسل بأنه (الذي اعتبر جنسه في

ص: 299

جنسه، ولم يوجد له أصل يدل على) اعتبار نوعه في نوعه.

وقول المصنف: «والغريب» تقسيم للقسم الأول: وهو المناسب الذي علم اعتباره.

وحاصله: أنه باعتبار تأثير نوع الوصف، أو جنسه في نوع الحكم، أو جنسه، ينقسم إلى:(الغريب والملائم والمؤثر. فالمناسب الغريب: ما أثر هو، أي) نوع الوصف فيه، أي: في نوع الحكم، ولم يؤثر جنسه، أي: جنس الوصف في جنسه، أي: في جنس الحكم.

وسمي به؛ لأنه لم يشهد غير أصله المعين باعتباره.

ص: 300

وذلك كالطعم في الربا.

فإن نوع الطعم، وهو الاقتيات، مؤثر في ربوية البر، ولم يؤثر جنس الطعم في ربوية جنس المطعومات، كمأكول البهائم.

والوصف الملائم: ما أثر نوعه في نوعه وأثر جنسه في جنسه أيضًا.

مثاله: أن يقال: يجب القصاص في القتل بالمثقل، قياسًا على القتل بالمحدد بجامع كونهما جناسة عمد عدوان.

فالحكم مطلق القصاص، وهو جنس يجمع القصاص في النفس وفي الأطراف وغيرهما من القوى.

والوصف جناية العمد العدوان، وأنه جنس يجمع الجناية في النفس وفي الأطراف وفي المال.

وقد اعتبر جنس الجناية في جنس القصاص.

ص: 301

واعتبر نوع الجناية، وهو القتل العمد العدوان في وجوب القتل قصاصًا.

وهذا القسم متفق على قوله.

والوصف المؤثر: ما أثر جنسه أي: جنس الوصف، فيه أي في نوع الحكم كالمشقة في سقوط الصلاة.

هذا ظاهر كلام المصنف، وهو مناف لما في المحصول.

حيث قال: المؤثر: هو أن يكون الوصف مؤثرًا في جنس الحكم. ولما في مختصر المنتهى أيضًا.

ص: 302

وسمي مؤثرًا: لظهور تأثيره في الحكم بالنص أو الإجماع، ولهذا لا يحتاج إلى المناسبة.

قال العبري: ولعل المتن، يعني متن المنهاج:«والمؤثر ما أثر في جنسه» والغلط إنما وقع من الناسخ.

وهنا في الشرح تقسيم الآمدي وابن الحاجب وما توافقا فيه مع الصنف، وما اختلفوا فيه تركته هنا خوف الإطالة.

ص: 303

مسألة

المناسبة لا تبطل بالمعارضة، يعني أن الوصف إذا كان مشتملًا على مصلحة مناسبة لمشروعية الحكم، على وجه يلزم منه وجود مفسدة، فلا تنخرم المناسبة، وهو في ذلك تابع للإمام الرازي.

لأن الفعل المناسب إن تضمن ضررًا أقل من نفعه، أو مساويًا له، فظاهر أنه لا تبطل مناسبته، وإلا يلزم ترجيح المرجوح، أو

ص: 305

الترجيح بلا مرجح، وإن تضمن ضررًا أزيد من نفعه فكذلك لا تبطل مناسبته، إذ لا يصير نفعه غير نفع، لاستحالة انقلاب الحقائق.

وإذا بقي نفع الوصف، بقيت مناسبته وهو المطلوب لكن يندفع مقتضاه. فلا يترتب عليه لكونه مرجوحًا، ولا يلزم منه بطلانه.

واقتصر على الشق الأخير من الترديد؛ لأن عدم بطلان المناسبة على هذا التقدير يستلزم عدم بطلانه على التقديرين الأولين.

وقيل: تنخرم المناسبة إن كان وجود المفسدة مساوية لمصلحته، أو راجحة عليها، واختاره ابن الحاجب والصفي الهندي. وصاحب جمع الجوامع.

واتفقوا على عدم ترتب مقتضاها عليها.

ص: 306

ولذا قال بعضهم: الخلاف لفظي.

وليست الصلاة في الدار المغصوبة مما نحن فيه؛ لأن الكلام في مصلحة ومفسدة لشيء واحد، ومفسدة الغصب لم تنشأ من الصلاة. فإنه لو شغل المكان من غير أن يصلي لأثم.

وكذلك مصلحة الصلاة لم تنشأ من الغصب، فإنه لو أدى في غير المغصوب لصحت.

وإذ قد عرفت أنه لا بد من رجحان المصلحة على المفسدة عند تعارضهما فللترجيح طرق:

فمنها: تفصيلية تختلف باختلاف المسائل وتنشأ من خصوصياتها.

ومنها: طريق إجمالي شامل لجميع المسائل، وهو أنه لو لم يقدم رجحان المصلحة على المفسدة في محل النزاع لزم أن يكون الحكم قد ثبت فيه لا لمصلحة، وهو التعبد، وتقدم.

ص: 307

الطريق الخامس من الطرق الدالة على علية الوصف:

الشبه:

وقد اختلفت عباراتهم في تفسيره: حتى قال إمام الحرمين: لا يتحرر في الشبه عبارة مستمرة في صناعة الحدود.

وقال القاضي أبو بكر الباقلاني: الوصف المقارن للحكم إن ناسبه بالذات، بأن تكون جلبة النفع، أو دفعة الضرر، لكونه ذلك الوصف، لا لأمر آخر، كالسكر (المناسب بالذت) للحرمة؛ لأن زوال العقل يناسب بالذات الحرمة، والمنع من شربه، فهو الوصف المناسب المتفق على قبوله.

ص: 308

أو ناسبه بالتبع أي: بالاستلزام لا بالذات، كالطهارة المناسبة بالتبع لاشتراط النية في قياس الوضوء على التيمم، فإن الطهارة من حيث هي لا تناسب اشتراط النية، وإلا اشترطت في الطهارة عن النجس، لكن تناسبه من حيث إنها عبادة، والعبادة مناسبة بالذات، لاشتراط النية فهو الشبه.

وسمي شبهًا؛ لأن عدم مناسبته للحكم بالذات يقتضي ظن عدم عليته.

ومناسبته بالتبع يقتضي ظن عليته فاشتبه الأمر فيه، وإن لم يناسب الوصف المقارن للحكم، الحكم لا بالذات.

ولا بالتبع: فهو الطرد المردود اتفاقًا، كبناء القنطرة للتطهير مثلًا.

إذا قيل: يصح التطهير بالماء المستعمل؛ لأنه مائع تبنى القنطرة

ص: 309

على جنسه، فأشبه الماء في النهر، فإن بناء القنطرة على الماء، ليس مناسبًا لكونه طهورًا ولا مستلزمًا له.

كذا نقل المصنف عن القاضي، وكذا نقله غيره.

لكن في مختصر التقريب له أن الشبه: إلحاق فرع بأصل لكثرة إشباهه للأصل في الأوصاف من غير أن يعتقد أن الأوصاف التي شابه الفرع فيها الأصل علة لحكم الأصل.

وقيل: الوصف ما لم يناسب الحكم إن علم في الشرع اعتبار جنسه القريب في الجنس القريب لذلك الحكم فهو الشبه.

كما يقال تنحصر الطهارة عن الجنس في الماء كالحدث، لكون كل منهما طهارة مرادة للصلاة.

فإن الوصف، وهو كون الطهارة مرادة للصلاة، لا يناسب تعيين الماء.

ولكن الشرع اعتبر جنسه القريب، وهو الطهارة بالماء المشتركة بين كونها مرادة للصلاة، أو مرادة لمس المصحف، أو للطواف في الجنس القريب، للحكم. وهو العبادة المشروطة بالطهارة.

ص: 310

وإلا أي: والوصف إن لم يعلم في الشرع اعتبار جنسه القريب في الجنس القريب لذلك الحكم فالطرد.

فعلم من التقسيم الأول: أن الشبه هو الوصف المقارن للحكم المناسب له بالتبع، وقد فسروه بأنه الجمع بين الأصل والفرع بما لا يناسب الحكم، ولكن يستلزم المناسب.

ولا يصار إلى الأخذ مع إمكان قياس العلة، كما حكى القاضي أبو بكر إجماع الناس عليه.

وعلم من التقسيم الثاني أنه الوصف الذي ليس بمناسب.

وعلم اعتبار جنسه القريب في جنس الحكم القريب. وقيل: الشبه ما يوهم المناسبة وليس بمناسب.

وهو يشبه الطردي من حيث إنه غير مناسب، ويشبه المناسب من حيث التفات الشرع إليه.

ص: 311

ويتميز عن الطردي بأن الطردي وجوده كالعدم.

ويتميز عن المناسب الذاتي بأن المناسب مناسبته عقلية، وإن لم يرد الشرع. ومثاله في الشرح. وهذا القول نقله الآمدي عن أكثر المحققين. وقد اختلف في قياس الشبه. فحكي عن الشافعي رحمه الله: أنه حجة.

قال: ابن السمعاني: أشار إلى الاحتجاج به في مواضع من كتبه.

ص: 312

ورده القاضي أبو بكر، وأبو إسحاق المروزي والشيرازي.

ونازع في صحة القول به عن الشافعي (رضي الله تعالى عنه).

واعلم أن تعبيره عما ليس بمناسب ولا مستلزم للمناسب بالطرد موافق لتعبير إمام الحرمين والغزالي والإمام وغيرهم.

ص: 313

وعبر الآمدي: بالطردي، وهو المشهور.

فإن الطرد بغير ياء، سيجيء- إن شاء الله تعالى- أنه من الطرق الدالة على العلية على رأي.

واعتبر الشافعي- رضي الله عنه فيما إذا تردد فرع بين أًلين قد أشبه أحدهما في الحكم، والآخر في الصورة المشابهة في الحكم.

ولذا ألحق العبد المقتول بسائر المملوكات، في لزوم قيمته على القاتل وإن زادت على الدية.

والجامع أن كلًّا منهما يباع ويشترى.

واعتبر ابن علية- (هو إبراهيم بن إسماعيل

ص: 314

الجهمي) - المشابهة في الصورة، حتى لا تزاد على الدية.

ونقل عن أبي حنيفة وأحمد- (رضي الله تعالى عنهما).

واعتبر الإمام الرازي: ما يظن استلزمه للحكم، بأن يكون علة للحكم، (أو مستلزمًا لما هو علة له)، سواء كانت العلة المشابهة في الحكم، أو في الصورة لوجوب العمل بالظن.

ص: 315

ولم يعتبر القاضي أبو بكر: قياس الشبه مطلقًا.

قال الإسنوي: أدخل المصنف قياس الاشتباه، في مسألة قياس الشبه؛ لأن فيه مناسبة له.

قال: «ومقتضى كلام المصنف أن القاضي خالف في الشبه، وقياس الاشتباه، وقد أخذ الشارحون بظاهره فصرحوا به» .

وليس كذلك: فقد صرح الغزالي قبل باب أركان القياس من المستصفى، بأن قياس الاشتباه ليس فيه خلاف؛ لأنه متردد بين قياسين متناسبين، ولكن وقع التردد في تعيين أحدهما.

وذكر في البرهان قريبًا منه، انتهى.

وجعل في جمع الجوامع قياس الشبه مراتب.

أعلاها: قياس علة الاشتباه في الحكم والصفة.

وظاهر كلامه، أن المراتب للقائلين بحجيته، فهو موافق للمصنف

ص: 316

في جعله قياس الاشتباه قسم من الشبه.

هذا وقد قال المحقق: إن الشبه يقال لمعنى آخر: وهو الوصف الجامع لآخر، إذا تردد به الفرع بين أصلين.

فالأشبه منهما هو الشبه، كالنفسية والمالية في العبد المقتول بين الحر والفرس، وهو بالحر أشبه؛ إذ مشاركته له في الأوصاف والأحكام أكثر.

وحاصله: تعارض مناسبتين، رجح أحدهما، وليس من الشبه المقصود في شيء.

وأوردناه لنأمن الغلط الناشئ من الاشتراك.

فنبه- رحمه الله تعالى- على أنه قسم من الشبه، وأن لفظ الشبه مشترك بينه وبين ما تقدم، وأنه ليس مما يعد (من مسالك العلة).

وأن الذي يعد غير ذلك.

ص: 317

فالمصنف- رحمه الله تعالى- جمع أنواع الشبه التي تعد من مسالك العلة وغيرها استطرادًا.

وحكايته خلاف القاضي في الجميع قد وافقه فيه صاحب جمع الجوامع كما مر.

وقال العراقي: هذا الخلاف المذكور هو في قياس علية الاشتباه، وهل هو قياس الشبه بعينه أو قسم منه فيه نظر.

والأقرب الثاني.

وكلام المصنف يدل على الأول.

وأما ما أفهمه كلام شيخنا جمال الدين أنه قسم برأسه فمردود.

قال: ومقتضى كلام المصنف أن القاضي لم يعتبر قياس الشبه، ولا قياس الأشباه، إن لم يكن هو إياه، وبه صرح غير واحد.

وقيل: إنه كذلك في مختصر التقريب والإرشاد له، ثم حكى كلام الغزالي وإمام الحرمين المتقدمين.

ص: 318

لنا: على أن الشبه حجة ودليل على علية الوصف: أنه أي الشبه يفيد ظن وجود العلة [في] الوصف، أما على التفسير الأول فلأنه مستلزم للعلة.

وأما على الثاني فلأنه لما ثبت أن الحكم لا بد له من علة.

ورأينا تأثير جنس الوصف في جنس الحكم دون غيره من الأوصاف، كأن ظن إسناده الحكم إليه أقوى من ظن إسناده إلى غيره، وإذا ثبت إفادته للظن فيثبت الحكم لوجوب العمل بالظن.

قال القاضي: الوصف المسمى شبهًا ليس بمناسب للحكم، وإلا لم يكن شبهًا، بل كان مناسبًا، وما ليس بمناسب فهو مردود بالإجماع (فالشبه مردود بالإجماع).

قلنا: دعوى رد ما ليس بمناسب بالإجماع، ممنوع، لأنك ما

ص: 319

تعني بقولك: غير مناسب؟

إن أردت: أنه غير مناسب ولا مستلزم للمناسب فمسلم، وهذا ليس كذلك، وإن أردت أعم، حتى يشمل المستلزم للمناسب فممنوع؛ لأن الإجماع إنما انعقد فيما لم يستلزم المناسب، أما ما استلزمه فليس بمردود بالإجماع، بل هو محل النزاع.

الطريق السادس من الطرق الدالة على علية الوصف: الدوران وسماه ابن الحاجب تبعًا للآمدي، بالطرد، والعكس.

وهو: أن يحدث تعلق الحكم بحدوث وصف، وينعدم بعدمه.

فالوصف هو المدار، والحكم، هو الدائر وقد يوجد الدوران

ص: 320

في محل واحد، كعصير العنب، فإنه كان مباحًا قبل إسكاره، فلما أسكر حرم، فلما زال الإسكار بصيرورته خلًّا عاد الحل.

فدار تعلق التحريم مع الإسكار وجودًا وعدمًا، وقد يكون في محلين كالقمح لما كان مطعومًا جرى فيه الربا، والكتاب لما لم يكن مطعومًا لم يكن فيه ربًا.

وهنا تحقيقات في الأصل.

ص: 321

قال العبري: وأحسن التفاسير، يعني للدوران، تفسير الإمام العلامة النسفي- رحمه الله تعالى- وهو أن الدوران عبارة عن ترتيب الأثر على الشيء الذي له صلوح العلة مرة بعد أخرى.

قال العراقي: والمختار أن التعلق قديم كما تقدم.

وبه قال في المحصول في موضع.

قال السبكي: وهو المختار.

وعند المصنف أنه حادث تبعًا للمحصول في موضع.

قال السبكي: ويجب أن يحمل قولهم بحدوث التعلق على ظهور أثره

ص: 322

لا على وجوده فلا يكون بين الكلامين مخالفة في المعنى.

ومثل ذلك بقول الشخص: أذنت لك أن تبيع عبدي هذا يوم الخميس، فالإذن قبل يوم الخميس موجود متعلق به، وأثره يظهر يوم الخميس.

وهو يفيد علية المدار ظنًّا.

وبه قال الأكثرون: منهم الإمام الرازي.

قال إمام الحرمين: وذهب القاضي أبو الطيب إلى أنه أعلى المسالك المظنونة، وكان يدعي إفضاءه إلى القطع.

ولا يلزم المستدل به بيان انتفاء ما هو أولى منه بإفادة العلية، بل

ص: 323

يصح الاستدلال به مع إمكان الاستدلال بما هو أولى منه، بخلاف ما تقدم في الشبه.

وقيل: يفيد علية المدار قطعًا، وبه قال بعض المعتزلة.

وقيل: لا يفيد علية المدار لا ظنًّا ولا قطعًا.

واختاره الآمدي وابن الحاجب.

لنا على أن الدوران يفيد ظن علية الوصف: أن التعلق الحادث لا بد له من علية إما لحدوثه، أو لكونه الأحكام تابعة للمصالح.

(فعليته إما الوصف المدار، أو غيره) وغير المدار ليس بعلة، لأنه وجد قبله، أي: قبل الحكم، فليس بعلة له للتخلف، أي: لتخلف

ص: 324

معلوله، وهو الحكم عنه.

وإلا أي: وإن لم توجد قبله، فالأصل عدمه، فلا يوجد عند الحكم؛ لأن الأصل بقاء ما كان (على ما كان، وإذا كان معدومًا عند حصول الحكم لا يكون علة له لامتناع اجتماع المعلول مع عدم العلة).

قال العبري: وفيه نظر.

وإذا كان للحكم علة وغير المدار لا يكون علة، ظن كون المدار علة فيكون الدوران مفيدًا لظن العلية، وهو المطلوب.

ولنا أيضًا أن علية بعض المدارات للحكم الدائر مع التخلف، أي: تخلف ذلك الدائر عن ذلك المدار في شيء من الصور لا تجتمع مع عدم علية بعضها الآخر؛ لأن ماهية الدوران من حيث هي:

ص: 325

إما أن تدل على علية المدار للدائر، فيلزم علية هذه المدارات التي فرضنا عدم عليتها، لأنه حيث وجد الدوران، وجد علية المدار للدائر، فلا تجتمع علية بعض المدارات مع عدم علية بعضها.

أو لا تدل ماهية الدوران على علية المدار للدائر، فيلزم عدم علية تلك المدارات التي فرضنا عليتها للتخلف السالم عن المعارض الذي هو مقتضٍ لعدم العلية، وهو تخلف الدائر عن المدار مع سلامته عن المعارض، وهو دلالة ماهية الدوران على العلية.

فإن دلالة ماهية الدوران على العلية يقتضي علية المدار، والتخلف يقتضي عدم عليته فبينهما تنافٍ.

والأول: وهو علية بعض المدارات مع التخلف ثابت بالاتفاق، لأن شرب السقمونيا علة الإسهال مع تخلف الإسهال عنه، فانتفى الثاني، وهو عدم علية بعض المدارات للدائر.

ويلزم من انتفائه علية جميع المدارات، وهو المطلوب.

ص: 326

وقيد عليه بعض المدارات بالتخلف المذكور، ليستدل به على عدم علية تلك، على تقدير عدم دلالة ماهية الدوران على العلية.

وعورض هذا الدليل بمثله، فقيل:

عدم علية بعض المدارات، مع التخلف في شيء من الصور لا تجتمع مع علية البعض.

لأن ماهية الدوران إن دلت على علية المدار كانت المدارات المتخلف عنها الدائرة علة للدليل الدال على عليتها.

وإن لم تدل عليها يلزم عدم علية هذه المدارات بالأصل السالم عن معارضة دلالة الدوران على العلية.

والأول ثابت ككثير من الاتفاقيات، فانتفى الثاني، وهو علية بعض المدارات، فلا يكون شيء منها علة، وهو المطلوب.

وأجيب: بأنا نختار أن الدوران دال على العلية.

قولكم: فيلزم علية تلك المدارات التي تخلف عنها الدائر لوجود

ص: 327

الدليل عليه فاسد، لأنه لا يلزم من وجود الدليل وجود المدلول، لأن المدلول قد لا يثبت لمعارض من مانع أو فقد شرط.

وعلى قولكم: يلزم وجود المدلول بدون الدليل، وهو غير معقول فالترجيح معنا.

قيل: الدوران لا يفيد العلية مطلقًا، لأنه مركب من الاطراد.

وحاصله أنه لا يوجد في صورة بدون حكم، ووجوده بدون الحكم هو النقض، فيكون الاطراد هو السلامة عن النقض.

والنقض أحد مفسدات العلة، والسلامة عن مفسد واحد لا توجب انتفاء كل مفسد، ولا ينتفي الفساد إلا به.

سلمنا، لكن انتفاء كل مفسد لا يكفي في الصحة، فلا بد من مقتض للصحة من علة، وعدم المانع وحده لا يصلح علة،

ص: 328

فعلم أن الطرد لا يؤثر.

والعكس لم يعتبر في العلل الشرعية على الصحيح، لأن عدم العلة مع وجود المعلول لعلة أخرى لا يقدح في علية العلية المعدومة، لجواز أن يكون للمعلول علتان على التعاقب، كالبول واللمس بالنسبة إلى الحدوث فلا يكون شيء منهما دالًا على العلية، فلا يكون الدوران دليلًا على العلة.

قلنا: كون كل واحد من الطرد والعكس، لا يدل على العلية عند انفراده، لا يلزم منه عدم دلالتهما عليها عند الاجتماع.

أعني الدوران، فإنه قد يكون للمجموع ما ليس لأجزائه، لأن المجموع يغاير كل واحد من أجزائه، فجاز أن يثبت لأحد المتغايرين ما لا يثبت للآخر كأجزاء العلة، فإن كلًّا منهما مفردًا غير مؤثر

ص: 329

ومجموعهما مؤثر.

وعليه إشكال، وجوابه في الشرح.

الطريق السابع من الطرق الدالة على علية الوصف: التقسيم الحاصر، والتقسيم الغير الحاصر.

ويعبر عنهما بالسبر والتقسيم، ويعبر عنهما بالسبر فقط.

وهو حصر الأوصاف الموجودة في الأصل الصالحة للعلية.

أي: في بادئ الرأي في عدد، ثم إبطال بعضها.

وهو ما سوى الذي يدعى أنه العلة واحدًا كان أو أكثر.

ص: 330

وعند التحقيق: الحصر راجع إلى التقسيم، والسبر إلى الإبطال.

والسبر لغة: الاختبار.

والتقسيم متقدم عليه في الوجود، لأنه: تعداد الأوصاف التي يتوهم صلاحيتها للتعليل، ثم يسبرها أي: يختبرها ليميز الصالح للتعليل من غيره.

لكن السبر وإن تأخر عن التقسيم فهو متقدم عليه أيضًا، لأنه أولًا يسبر المحل، هل فيه أوصاف أم لا؟

ثم يقسم ثم يسبر ثانيًا.

فقد تقدم السبر في اللفظ في كلامهم باعتبار السبر الأول.

ثم إن كان دائرًا بين النفي والإثبات فهو الحاصر.

ص: 331

كقولنا: ولاية الإجبار في النكاح إما أن لا تعلل بشيء، أو تعلل بالبكارة أو الصغر أو غيرهما.

والكل باطل سوى الثاني، وهو أن تكون الولاية معللة بالبكارة.

فالأول والرابع للإجماع على أن الأحكام الشرعية معللة بعلل، وعلى أن غيرهما ليس بعلة للولاية، والثالث: وهو التعليل بالصغر، (فلأنها لو كانت معللة بالصغر)، لثبتت الولاية في البنت الصغيرة، لثبوت علتها، لكنها لا تثبت لقوله عليه الصلاة والسلام:«الأيم أحق بنفسها» رواه مسلم.

ص: 332

فإنه يدل على نفي ولاية الإجبار عن الثيب صغيرة كانت أو كبيرة.

وإذا بطلت الأقسام- سوى الثاني- كان حقًّا.

فكانت الولاية معللة بالبكارة، وهو المطلوب.

والسبر غير الحاصر: هو الذي لا يكون دائرًا بين النفي والإثبات، ويسمى بالتقسيم المنتشر.

وخالف المصنف في التعبيرين، تنبيهًا على جواز إطلاق كل واحد من السبر والتقسيم، على كل واحد من القسمين.

والأول: قد يفيد القطع بالمطلوب، إذا كان الحصر في الأقسام، وإبطال غير المطلوب قطعيًّا، فيكون حجة في العقليات والشرعيات.

ص: 333

وأما الثاني: فلا يفيد إلا الظن فلا يكون حجة في العقليات، بل في الشرعيات على الأصح.

وذلك مثل أن تقول علة حرمة الربا في البر مثلًا، إما الطعم، أو الكيل، أو القوت أو المال، والكل باطل- سوى الطعم- لكذا فتعين الطعم.

هذا إن لم يتعرض للإجماع على تعليل حكمه، وعلى حصر العلة في الأقسام، فإن تعرض لذلك كان قطعيًّا، قاله في المحصول.

وهنا بحثان:

الأول: أنه يكفي في بيان الحصر إذا منع أن يقول: بحثت، فلم أجد سوى هذه الأوصاف، ويصدق فيه لعدالته وتدينه، وذلك مما يغلب ظن عدم غيره.

ص: 334

الثاني: أن المعترض له أن يبين وصفًا آخر، إذا بينه لزم المستدل إبطاله ولا يلزم انقطاعه.

فإن قيل: السبر غير الحاصر لا يفيد العلية، لأن حرمة الربا مثلًا يجوز أن تكون معللة بعلة، فإن الأحكام منها ما لا يعلل، بدليل أن علية العلة غير معللة، وإلا لزم التسلسل، فتكون هذه كتلك لا علة لها، ولئن سلم أن لها علة، ، فلم لا يجوز أن تكون العلة غير المذكورات؟ .

وما الدليل على الحصر في الأربعة؟

وإليه أشار بقوله: «أو العلة غيرها» .

قلنا جوابًا عن الأول: إنا قد بينا أن الغالب على الأحكام

ص: 335

الشرعية تعليلها بالمصالح تفضلًا وإحسانًا كما مر. فإذًا ظن (التعليل أغلب من ظن) عدم التعليل.

وعن الثاني: أن الأصل عدم غيرها، أي: عدم علة أخرى غير المذكورات، وذلك كاف في حصول الظن بغلبة أحدها.

الطريق الثامن من الطرق الدالة على علية الوصف: الطرد وهو مصدر بمعنى الاطراد، وهو أن يثبت معه، أي: مع الوصف الذي لم يعلم كونه مناسبًا ولا مستلزمًا للمناسب الحكم، فيما عدا المتنازع فيه، أي: في جميع الصور المغايرة لمحل النزاع، .

فيثبت ذلك الحكم مع ذلك الوصف فيه، أي: في محل النزاع.

أيضًا، إلحاقًا للمفرد بالأعم الأغلب.

ص: 336

فإن استقراء الشرع دل على أن النادر في كل باب ملحق بالغالب.

فإذا رأينا الوصف في جميع الصور المغايرة لصورة النزاع مقارنًا للحكم، ثم رأينا الوصف حاصلًا في الفرع، وجب أن نستدل به على ثبوت الحكم فيه إلحاقًا لهذه الصورة الواحدة بسائر الصور.

وقال في جمع الجوامع: هو مقارنة الحكم للوصف، أي: من غير مناسبة، وهو تعريف القاضي أبي بكر، وهو أعم من تعريف المصنف، وقد سبق للمصنف نقله عنه كذلك، ولعله هنا عرف الطرد الذي يختار حجيته دون مطلق الطرد.

ص: 337

وبهذا يشعر قوله: «وقيل تكفي مقارنته في صورة وهو ضعيف» .

لأن الظن لا يحصل إلا بالتكرار.

وما اختاره المصنف من كون الطرد: يثبت الحكم بالشرط المتقدم ذهب إليه الغزالي في شفاء الغليل، والإمام الرازي.

وعزاه لكثير من فقهائنا.

ورده الآمدي وابن الحاجب تبعًا للمستصفى والأكثرين، كما حكاه عنهم إمام الحرمين وغيره.

ص: 338

وبالغ القاضي أبو بكر في الإنكار على القائل به.

وقال ابن السمعاني في القواطع: (قياس المعنى تحقيق، والشبه تقريب، والطرد تحكم.

الطريق التاسع من الطرق) الدالة على علية الوصف: تنقيح المناط: أي تلخيص ما ناط الحكم به، أي ربط الشارع الحكم به وعلقه عليه وهو العلة.

والمناط: اسم مكان الإناطة، من ناط ينوط، إذا علق الشيء بالشيء وألصقه به.

فلما ربط الحكم بالعلة وعلق عليها، سميت مناطًا.

وتنقيح مناط العلة: بأن يبين المستدل إلغاء الفارق بين الأصل

ص: 339

والفرع، وعدم تأثيره.

وحينئذ فيلزم اشتراكهما في الحكم.

مثاله: أن يقال لا فارق بين القتل بالمثقل والمحدد إلا كونه محددًا، وكونه محددًا لا مدخل له في العلية.

لأن المقصود من القصاص: حفظ النفس، فيكون القتل هو العلة، وقد وجد في المثقل فيجب فيه القصاص.

وقد يقال تعريفًا آخر لتنقيح المناط:

العلة إما المشترك بين الأصل والفرع وهو القتل العمد في مثالنا.

أو الميز للأصل عن الفرع، أي: الذي اختص به الأصل،

ص: 340

وهو كونه قتلًا بالمحدد.

والثاني باطل لأن الفارق ملغي، فثبت الأول، وهو أن العلة هو المشترك بينهما فثبت الحكم في الفرع لحصوله فيه.

قال في المحصول: وهذا طريق جيد إلا أنه بعينه طريق السبر والتقسيم من غير تفاوت.

وأجيب: بالفرق بينهما: فإن هنا يتعرض لاختصاصه بالأصل، بخلاف طريق السبر، فإنه لا يتعرض فيه.

ولا يكفي في تنقيح المناط أن يقال: الحكم لا بد له من محل، ومحل الحكم إما المشترك بين الأصل والفرع، أو مميز الأصل عن الفرع لكذا فثبت الأول.

ص: 341

لأنه لا يلزم من ثبوت المحل الذي هو للحكم، ثبوت الحكم الذي هو الحال، إذ يصدق هذا الرجل طويل، ولا يلزم ثبوت الطول لكل رجل، مع الاشتراك في محل الطول الذي هو الرجولية.

وجعل في جمع الجوامع: تنقيح المناط عبارة عن: الاجتهاد في الحذف والتعيين، وتحته قسمان:

أحدهما: أن يدل نص ظاهر على التعليل بوصف، فيحذف خصوص ذلك الوصف عن الاعتبار، ويناط الحكم بالأعم.

الثاني: أن يدل لفظ ظاهر على التعليل بمجموع أوصاف، فيحذف بعضها عن درجة الاعتبار. إما لأنه طردي، لو لثبوت الحكم مع بقية الأوصاف بدونه، ويناط بالباقي.

وجعل إلغاء الفارق، مسلكًا عاشرًا من مسالك العلة.

وقدم تنقيح المناط، لاعتضاده بظاهر في التعليل بمجموع

ص: 342

أوصاف، لكن قد يكون دليل نفي الفارق قطعيًا فيكون أقوى من تنقيح المناط على رأي من غاير بينهما.

ثم ذكر أن إلغاء الفارق والدوران والطرد على القول به ترجع إلى نوع من الشبه، فإنها اشتركت في حصول الظن فيها في الجملة (لا مطلقًا) من غير تعيين جهة المصلحة المقصودة من شرع الحكم، لأنها لا تدرك بواحد منها بخلاف المناسبة وهذا حقيقة الشبه.

واعلم أن الفرق بين تنقيح المناط وتحقيق المناط وتخريج المناط: أن تنقيح المناط قد عرفته.

وأما تحقيق المناط فهو: تحقيق العلة المتفق عليها في الفرع، أي: إقامة الدليل على وجودها فيه، كما إذا اتفقنا على أن العلة في الربا هي القوت، ثم يختلفان في أن التبن هل هو مقتات حتى يجري فيه الربا.

وأما تخريج المناط: فهو استخراج علة معينة للحكم ببعض الطرق

ص: 343

المتقدمة كالمناسبة وغيرها.

مثاله: استخراج الطعم أو القوت أو الكيل بالنسبة إلى تحريم الربا.

وقد قال بتنقيح المناط أكثر منكري القياس.

تنبيهك نبه به المصنف على طريقين آخرين ظن بعض الأصوليين أنهما مفيدان للعلة.

والمختار عدم إفادتهما.

أحدهما: ما قيل: (من أن) هذا الوصف علة، لأنه لا دليل على عدم عليته (وإذا انتفى الدليل على عدم عليته، انتفى عدم عليته وإذا) انتفى عدم عليته، فهو علة لامتناع ارتفاع النقيضين.

ص: 344

قلنا: معارض بمثله، فنقول هذا الوصف ليس بعلة، إذ لو كان علة لوجد دليل على عليته، وإذا لا دليل لعليته فليس بعلة.

وحاصله: أن جعل العجز عن إثبات عدم عليته دليلًا على (عليته ليس بأولى من جعل العجز عن إثبات عليته دليلًا على) عدمها.

الثاني: ما قيل هذا الوصف علة، لأنه لو كان علة لسوينا بين الأصل والفرع، ولو سوينا بينهما لتأتى القياس المأمور به، إذ القياس المأمور به لا يتأتى بدون التسوية بينهما فيكون حمل الوصف على العلة مقدمة لتحقق المأمور به، (وتحقق المأمور به) واجب، فحمل الوصوف على العلية واجب، لما ثبت أن مقدمة الواجب واجب.

ص: 345

قلنا: هو أي هذا القول دور، لأن تأتي القياس المأمور به متوقف على علية هذا الوصف، فلو توقف عليته على تأتي القياس المأمور به لزوم الدور.

الطرف الثاني

فيما يبطل العلية

ص: 346