الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بَابٌ فِي إِنْكَارِ أَهْلِ الْعِلْمِ مَا يَجِدُونَهُ مِنَ الْأَهْوَاءِ وَالْبِدَعِ
2398 -
أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسَدٍ، نا أَحْمَدُ بْنُ الْمَكِّيِّ ثنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، ثنا الْقَعْنَبِيُّ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ عَمِّهِ أَبِي سُهَيْلِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ قَالَ:«مَا أَعْرِفُ شَيْئًا مِمَّا أَدْرَكْتُ النَّاسَ عَلَيْهِ إِلَّا النِّدَاءَ بِالصَّلَاةِ»
2399 -
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ، ثنا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ، ثنا أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ، ثنا أَبُو بِشْرٍ بَكْرُ بْنُ خَلَفٍ خَتَنُ الْمُقْرِئِ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ الْبُرْسَانِيُّ، ثنا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي رَوَّادٍ، قَالَ: سَمِعْتُ الزُهْرِيَّ، يَقُولُ: دَخَلْنَا عَلَى أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ بِدَمْشقَ وَهُوَ وَحْدَهُ، وَهُوَ يَبْكِي، فَقُلْتُ: مَا يُبْكِيكَ؟ قَالَ: «لَا أَعْرِفُ شَيْئًا مِمَّا أَدْرَكْتُ إِلَّا هَذِهِ الصَّلَاةَ، وَقَدْ ضُيِّعَتْ»
⦗ص: 1222⦘
2400 -
قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: «لَوْ خَرَجَ عَلَيْكُمْ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مَا عَرَفُوا مِنْكُمْ إِلَّا قِبْلَتَكُمْ»
2401 -
أَخْبَرَنَا يَعِيشُ بْنُ سَعِيدٍ الْوَرَّاقُ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، ثنا الْفِرْيَابِيُّ، قَالَ: نا عَبَّاسٌ الْعَنْبَرِيُّ، ثنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، قَالَ:" قَدِمَ عَلَيْنَا ابْنُ شِهَابٍ قَدْمَةً، فَقُلْتُ لَهُ: طَلَبْتَ الْعِلْمَ حَتَّى إِذَا كُنْتَ وِعَاءً مِنْ أَوْعِيَتِهِ تَرَكْتَ الْمَدِينَةَ وَنَزَلَتْ كَدَاءَ فَقَالَ: كُنْتُ أَسْكُنُ الْمَدِينَةَ وَالنَّاسُ نَاسٌ فَلَمَّا تَغَيَّرَ النَّاسُ تَرَكْتُهُمْ "
2402 -
وَذَكَرَ يَعْقُوبُ بْنُ شَبِيبَةَ بْنِ الصَّلْتِ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ الْأَصْبَهَانِيِّ، قَالَ: أنا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ الْوَلِيدِ، قَالَ: قَالَ لِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ: " أَلَمْ أُخْبَرْ أَنَّ النَّاسَ يُضْرَبُونَ إِذَا صَلَّوْا عَلَى الْجَنَائِزِ فِي الْمَسْجِدِ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: فَوَاللَّهِ مَا صُلِّيَ عَلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رضي الله عنه إِلَّا فِي الْمَسْجِدِ "
2403 -
أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ بِشْرٍ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي دُلَيْمٍ، ثنا ابْنُ وَضَّاحٍ، ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ السَّرْحِ، ح وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي ثنا مُحَمَّدُ بْنُ فُطَيْسٍ، ثنا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، ح وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي دُلَيْمٍ، ثنا عُمَرُ بْنُ أَبِي تَمَّامٍ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ، قَالُوا أنا أَبُو ضَمْرَةَ أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ، قَالَ: سَمِعْتُ هِشَامَ بْنَ عُرْوَةَ، يَقُولُ: " لَمَّا اتَّخَذَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ قَصْرَهُ بِالْعَقِيقِ قَالَ لَهُ النَّاسُ: قَدْ جَفَوْتَ عَنْ مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: إِنِّي رَأَيْتُ مَسَاجِدَكُمْ لَاهِيَةً وَأَسْوَاقَكُمْ لَاغِيَةً وَالْفَاحِشَةَ فِي فِجَاجِكُمْ عَالِيَةً، فَكَانَ فِيمَا هُنَالِكَ عَمَّا أَنْتُمْ فِيهِ عَافِيَةٌ،
2404 -
زَادَ أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ فِي حَدِيثِهِ عَنِ ابْنِ أَبِي دُلَيْمٍ، عَنِ ابْنِ وَضَّاحٍ، قَالَ لِي أَبُو الطَّاهِرِ أَحْمَدُ بْنُ عَمْرٍو وَسَمِعْتُ غَيْرَ أَنَسِ بْنِ عِيَاضٍ يَقُولُ: عُوتِبَ عُرْوَةُ فِي ذَلِكَ فَقَالَ: وَمَنْ بَقِيَ، إِنَّمَا بَقِيَ شَامِتٌ بِنَكْبَةٍ أَوْ حَاسِدٌ عَلَى نِعْمَةٍ"
2405 -
وَذَكَرَ الزُّبَيْرُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ هَذَا الْخَبَرَ عَنْ أَنَسِ بْنِ عِيَاضٍ أَبِي ضَمْرَةَ اللَّيْثِيِّ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ مِثْلَهُ سَوَاءً إِلَى قَوْلِهِ: عَافِيَةٌ، وَزَادَ قَالَ: وَحَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ عَمْرٍو عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ
⦗ص: 1224⦘
هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ أَنَّ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ قَالَ فِي قَصْرِهِ بِالْعَقِيقِ حِينَ فَرَغَ مِنْ بِنَائِهِ
[البحر الوافر]
بَنَيْنَاهُ فَأَحْكَمْنَا بِنَاهُ
…
بِحَمْدِ اللَّهِ فِي خَيْرِ الْعَقِيقِ
تُرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْهِ شَزَرًا
…
يَلُوحُ لَهُمْ عَلَى وَضَحِ الطَّرِيقِ؟
فَسَاءَ الْكَاشِحِينَ وَكَانَ غَيْظًا
…
لِأَعْدَائِي وَسُرَّ بِهِ صَدِيقِي
يَرَاهُ كُلُّ مُخْتَلِفٍ وَسَارٍ
…
وَمُعْتَمِرٍ إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ
2406 -
قَالَ الزُّبَيْرُ: وَأَنْشَدَنِي هَذِهِ الْأَبْيَاتِ عَمِّي مُصْعَبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَمُصْعَبُ بْنُ عُثْمَانَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ إِلَّا الْبَيْتَ الْأَخِيَرَ"
2407 -
قَالَ الزُّبَيْرُ: وَحَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ:" يَا بَنِيَّ تَعَلَّمُوا الشِّعْرَ قَالَ: وَرُبَّمَا قَالَ الْأَبْيَاتَ يُنْشِئُهَا مِنْ عِنْدِهِ ثُمَّ يَعْرِضُهَا عَلَيْنَا "
2408 -
قَالَ الزُّبَيْرُ وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَسَنٍ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ حَمْزَةَ، عَنْ كَثِيرِ بْنِ زَيْدٍ، عَنِ الْمُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ ابْنِ أَبِي رَبِيعَةَ، " أَنَّهُ مَرَّ بِعُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ وَهُوَ يَبْنِي قَصْرَهُ بِالْعَقِيقِ فَقَالَ لَهُ: أَرَدْتَ الْهَرَبَ يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ؟ قَالَ: لَا، وَلَكِنَّهُ ذُكِرَ لِي أَنَّهُ سَيُصِيبُهَا عَذَابٌ يَعْنِي الْمَدِينَةَ فَقُلْتُ: إِنْ أَصَابَهَا شَيْءٌ كُنْتُ مُتَنَحِيًا عَنْهَا"
2409 -
قَالَ أَبُو عُمَرَ: " لَهُ أَشْعَارٌ كَثِيرَةٌ حِسَانٌ، رحمه الله، مِنْهَا قَوْلُهُ:
[البحر البسيط]
صَارَ الْأَسَافِلُ بَعْدَ الذُّلِّ أَسْنِمَةً
…
وَصَارَتِ الرُّءُوسُ بَعْدَ الْعِزِّ أَذْنَابَا
لَمْ تَبْقَ مَأْثَرَةٌ يَعَتَدُّهَا رَجُلٌ
…
إِلَّا التَّكَاثُرُ أَوْرَاقًا وَأَذْهَابَا"
2410 -
أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ بِشْرٍ، ثنا ابْنُ أَبِي دُلَيْمٍ، ثنا ابْنُ وَضَّاحٍ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ إِسْمَاعِيلَ الصَّدَفِيُّ، قَالَ أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، قَالَ: أَخْبَرَنِي رَجُلٌ " أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ فَوَجَدَهُ يَبْكِي، فَقَالَ لَهُ: مَا يُبْكِيكَ؟ وَارْتَاعَ لِبُكَائِهِ فَقَالَ لَهُ: أَمُصِيبَةٌ دَخَلَتْ عَلَيْكَ؟ فَقَالَ: لَا، وَلَكِنِ اسْتُفْتِيَ مَنْ لَا عِلْمَ لَهُ وَظَهَرَ فِي الْإِسْلَامِ أَمْرٌ عَظِيمٌ، قَالَ رَبِيعَةُ: وَلَبَعْضُ مَنْ يُفْتِي هَا هُنَا أَحَقُّ بِالسَّجْنِ مِنَ السُّرَّاقِ "
2411 -
وَأَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ، قَالَ: أنا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ، ثنا ابْنُ وَضَّاحٍ، ثنا دُحَيْمٌ، ثنا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ مَرْوَانَ بْنِ جَنَاحٍ، عَنْ يُونُسَ بْنِ مَيْسَرَةَ، عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ، قَالَ: " مَا لِي أَرَى عُلَمَاءَكُمْ يَمُوتُونَ، وَجُهَّالَكُمْ لَا يَتَعَلَّمُونَ؟ لَقَدْ خَشِيتُ أَنْ يَذْهَبَ الْأَوَّلُ وَلَا يَتَعَلَّمَ الْآخِرُ، وَلَوْ أَنَّ الْعَالِمَ طَلَبَ الْعِلْمَ لَازْدَادَ عِلْمًا، وَلَوْ أَنَّ الْجَاهِلَ طَلَبَ الْعِلْمَ لَوَجَدَ الْعِلْمَ قَائِمًا، مَا لِي أَرَاكُمْ شِبَاعًا مِنَ الطَّعَامِ جِيَاعًا مِنَ الْعِلْمِ؟
2412 -
وَقَالَ أَبُو حَازِمٍ: صَارَ النَّاسُ فِي زَمَانِنَا يَعِيبُ الرَّجُلُ مَنْ هُوَ فَوْقَهُ فِي الْعِلْمِ لِيُرِيَ النَّاسَ أَنَّهُ لَيْسَ بِهِ
⦗ص: 1226⦘
حَاجَةٌ إِلَيْهِ، وَلَا يُذَاكِرُ مَنْ هُوَ مِثْلُهُ وَيُزْهُو عَلَى مَنْ هُوَ دُونَهُ فَذَهَبَ الْعِلْمُ وَهَلَكَ النَّاسُ "
2413 -
حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ، ثنا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ، ثنا أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ، ثنا مُصْعَبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ثنا الدَّرَاوَرْدِيُّ، قَالَ:" إِذَا قَالَ مَالِكٌ: عَلَى هَذَا أَدْرَكْتُ أَهْلَ الْعِلْمِ بِبَلَدِنَا، وَالْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا، فَإِنَّمَا يُرِيدُ رَبِيعَةَ وَابْنَ هُرْمُزَ "
بَابٌ فِي فَضْلِ النَّظَرِ فِي الْكُتُبِ وَحَمْدِ الْعِنَايَةِ بِالدَّفَاتِرِ
2414 -
وَسُئِلَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْبُخَارِيُّ: مَا الْبَلَاذِرُ؟ قَالَ: إِدَامَةُ النَّظَرِ فِي الْكُتُبِ
2415 -
حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَحْيَى، وَخَلَفُ بْنُ أَحْمَدَ، وَغَيْرُهُمْ، قَالُوا: نا أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ حَزْمٍ، ثنا أَبُو جَعْفَرٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَلَامَةَ الطَّحَاوِيُّ، قَالَ أَحْمَدُ بْنُ أبي عِمْرَانَ، قَالَ: " كُنْتُ عِنْدَ أَبِي أَيُّوبَ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ شُجَاعٍ وَقَدْ تَخَلَّفَ فِي مَنْزِلِهِ فَبَعَثَ غُلَامًا مِنْ غِلْمَانِهِ إِلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَعْرَابِيِّ صَاحِبِ الْغَرِيبِ يَسْأَلُهُ الْمَجِيءَ إِلَيْهِ، فَعَادَ إِلَيْهِ الْغُلَامُ فَقَالَ: قَدْ سَأَلْتُهُ ذَلِكَ فَقَالَ لِي: عِنْدِي قَوْمٌ مِنَ الْأَعْرَابِ فَإِذَا قَضَيْتُ أَرَبِي مِنهُمْ أَتَيْتُ، قَالَ الْغُلَامُ: وَمَا رَأَيْتُ عِنْدَهُ أَحَدًا إِلَّا أَنَّ بَيْنَ يَدَيْهِ كُتُبًا يَنْظُرُ فِيهَا فَيَنْظُرُ
⦗ص: 1228⦘
فِي هَذَا مَرَّةً وَفِي هَذَا مَرَّةً، ثُمَّ مَا شَعَرْنَا حَتَّى جَاءَ فَقَالَ لَهُ أَبُو أَيُّوبَ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، سُبْحَانَ اللَّهِ الْعَظِيمِ، تَخَلَّفْتَ عَنَّا وَحَرَمْتَنَا الْأُنْسَ بِكَ، وَلَقَدْ قَالَ لِيَ الْغُلَامُ إنَّهُ مَا رَأَى عِنْدَكَ أَحَدًا، وَقُلْتَ: أَنَا مَعَ قَوْمٍ مِنَ الْأَعْرَابِ، فَإِذَا قَضَيْتُ أَرَبِي مَعَهُمْ أَتَيْتُ" فَقَالَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ:
[البحر الطويل]
لَنَا جُلَسَاءُ مَا نَمَلُّ حَدِيثَهُمْ
…
أَلِبَّاءُ مَأْمُونُونُ غَيْبًا وَمَشْهَدَا
يُفِيدُونَنَا مِنْ عِلْمِهِمْ عِلْمَ مَا مَضَى
…
وَعَقْلًا وَتَأْدِيبًا وَرَأْيًا مُسَدَّدَا
بِلَا فِتْنَةٍ تُخْشَى وَلَا سُوءِ عِشْرَةٍ
…
وَلَا يُتَّقَى مِنْهُمْ لِسَانًا وَلَا يَدَا
فَإِنْ قُلْتَ أَمْوَاتٌ فَلَا أَنْتَ كَاذِبٌ
…
وَإِنْ قُلْتَ أَحْيَاءٌ فَلَسْتَ مُفَنَّدَا.
2416 -
قِيلَ لِأَبِي الْعَبَّاسِ أَحْمَدَ بْنِ يَحْيَى ثَعْلَبٍ: " تَوَحَّشْتَ مِنَ النَّاسِ جِدًّا، فَلَوْ تَرَكْتَ لُزُومَ الْبَيْتِ بَعْضَ التَّرْكِ وَبَرَزْتَ لِلنَّاسِ كَانُوا يَنْتَفِعُونَ بِكَ وَيَنْفَعُكَ اللَّهُ بِهِمْ، فَسَكَتَ سَاعَةً ثُمَّ أَنْشَأَ يَقُولُ:
[البحر الخفيف]
إِنْ صَحِبْنَا الْمُلُوكَ تَاهُوا عَلَيْنَا
…
وَاسْتَخَفُّوا كِبْرًا بِحَقِّ الْجَلِيسِ
أَوْ صَحِبْنَا التُّجَّارَ صِرْنَا إِلَى الْبُؤْسِ
…
وَعدْنَا إِلَى عِدَادِ الْفُلُوسِ
فَلَزِمْنَا الْبُيُوتَ نَسْتَخْرِجُ الْعِلْمَ
…
وَنَمْلَأُ بِهِ بُطُونَ الطُّرُوسِ
⦗ص: 1229⦘
2417 -
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ فِي شِعْرٍ لَهُ:
[البحر البسيط]
أَقْبَلْتُ أَهْرَبُ لَا آلُو مُبَاعَدَةً
…
فِي الْأَرْضِ مِنْهُمْ فَلَمْ يُحَصِّنِي الْهَرَبُ
لَمَّا رَأَيْتُ بَأَنِّي لَسْتُ مُعْجِزَهُمْ
…
فَوْتًا وَلَا هَرَبًا فَرَيْتُ أَحْتَجِبُ
فَصِرْتُ فِي الْبَيْتِ مَستُورًا تُحَدِّثُنِي
…
عَنْ عِلْمِ مَا غَابَ عَنِّي فِي الْوَرَى الْكُتُبُ
فَرْدًا تُخْبِرُنِي الْمَوْتَى وَتَنْطِقُ لِي
…
فَلَيْسَ لِي فِي أُنَاسٍ غَيْرِهِمْ إِرَبُ
لِلَّهِ مِنْ جُلَسَاءٍ لَا جَلِيسُهُمْ
…
وَلَا خَلِيطُهُمْ لِلسُّوءِ مُرْتَقِبُ
لَا بَادِرَاتِ الْأَذى يَخْشَى رَفِيقُهُمُ
…
وَلَا يُلَاقِيهِ مِنْهُمْ مَنْطِقٌ ذَرِبُ
أَبْقَوْا لَنَا حِكَمًا تَبْقَى مَنَافِعُهَا
…
آخِرَ اللَّيَالِي عَلَى الْأَيَّامِ وَانْشَعَبُوا
إِنْ شِئْتُ مِنْ مُحْكَمِ الْآثَارِ تَرْفَعُهَا
…
إِلَى النَّبِيِّ ثِقَاتٌ خِيرَةٌ نُجُبُ
أَوْ شِئْتُ مِنْ عَرَبٍ عِلْمًا لِأَوَّلِهِمْ
…
فِي الْجَاهِلِيَّةِ تُنْبِئُنِي بِهَا الْعَرَبُ
أَوْ شِئْتُ مِنْ سِيَرِ الْأَمْلَاكِ مِنْ عَجَمٍ
…
تُنْبِي وَتُخْبِرُ كَيْفَ الرَّأْيُ وَالْأَدَبُ؟
حَتَّى كَأَنِّي قَدْ شَاهَدْتُ عَصْرَهُمُ
…
وَقَدْ مَضَتْ دُونَهُمْ مِنْ دَهْرِهم حِقَبُ
مَا مَاتَ قَوْمٌ إِذَا أَبْقَوْا لَنَا أَدَبًا
…
وَعِلْمَ ودِينٍ وَلَا بَانُوا وَلَا ذَهَبُوا
2418 -
ذَكَرَ الْجَاحِظُ هَذِهِ الْأَبْيَاتِ عَلَى نَسَقٍ غَيْرِ هَذَا مَعَ زِيَادَةٍ وَتَغْيِيرِ نَظْمِ بَعْضِ الْأَبْيَاتِ وَهِيَ:
أَقْبَلْتُ أَهْرُبُ لَا آلُو مُبَاعَدَةً
…
فِي الْأَرْضِ مِنْهُمْ فَلَمْ يُحْصِنِّي الْهَرَبُ
فَقَصَرَ أَوْسٌ فَمَا وَالَتْ حَنَادِقُهُ
…
فَلَا النَّوَاوِيسُ فَالْمَاخُورُ فَالْخِرَبُ
فَأَيُّمَا مَوْئِلٍ مِنْهَا اعْتَصَمْتُ بِهِ
…
فَمِنْ وَرَائِي حَثِيثًا مِنْهُمُ الطَّلَبُ
لَمَّا رَأَيْتُ بِأَنِّي لَسْتُ مُعْجِزَهُمْ
…
فَوْتًا وَلَا هَرَبًا فَرَيْتُ أَحْتَجِبُ
فَصِرْتُ فِي الْبَيْتِ مَسْتُورًا بِهِ
…
جَدَلًا جَارِي الْبَرَاءِ لَا شَكْوَى وَلَا شَغَبُ
فَرْدًا تُحَدِّثُنِي الْمَوْتَى وَتَنْطِقُ لِي
…
عَنْ عِلْمِ مَا غَابَ عَنِّي مِنْهُمُ الْكُتُبُ
هُمْ مُؤْنِسُونَ وَآلَافٌ عُنِيتُ بِهِمْ
…
فَلَيْسَ لِي فِي أُنَاسٍ غَيْرِهِمْ إِرَبُ
لِلَّهِ مِنْ جُلَسَاءٍ لَا جَلِيسُهُمُ
…
وَلَا خَلِيطُهُمُ لِلسُّوءِ مُرْتَقِبُ
⦗ص: 1230⦘
لَا بَادِرَاتِ الْأَذَى يَخْشَى رَفِيقُهُمُ
…
وَلَا يُلَاقِيهِ مِنْهُمْ مَنْطِقٌ ذَرِبُ
أَبْقَوْا لَنَا حِكَمًا تَبْقَى مَنَافِعُهَا
…
أُخْرَى اللَّيَالِي عَلَى الْأَيَّامِ وَانْشَعَبُوا
فَأَيُّمَا أَدَبٍ مِنْهُمْ مَدَدْتُ يَدِي
…
إِلَيْهِ فَهُوَ قَرِيبٌ مِنْ يَدِي كُتُبُ
إِنْ شِئْتُ مِنْ مُحْكَمِ الْآثَارِ يَرْفَعُهَا
…
إِلَى النَّبِيِّ ثِقَاتٌ خِيَرٌ نُجُبُ
أَوْ شِئْتُ مِنْ عَرَبٍ عِلْمًا بِأَوَّلِهِمْ
…
فِي الْجَاهِلِيَّةِ تُنَبِّئُنِي بِهَا الْعَرَبُ
أَوْ شِئْتُ مِنْ سِيَرِ الْأَمْلَاكِ مِنْ عَجَمٍ
…
تُنْبِي وَتُخْبِرُ كَيْفَ الرَّأْيُ وَالْأَدَبُ
حَتَّى كَأَنِّي قَدْ شَاهَدْتُ عَصْرَهُمُ
…
وَقَدْ مَضَتْ دُونَهُمْ مِنْ دَهْرِهِمْ حِقَبُ
يَا قَائِلًا قَصَّرْتَ فِي الْعِلْمِ بِهَيْبَةٍ
…
أَمْسَى إِلَى الْجَهْلِ فِيمَا قَالَ يَنْتَسِبُ
إِنَّ الْأَوَائِلَ قَدْ بَاتُوا بِعِلْمِهِمْ خِلَافَ
…
قَوْلِكَ مَا بَانُوا وَمَا ذَهَبُوا
مَا مَاتَ مِثْلُ امْرِيء أَبْقَى لَنَا أَدَبًا
…
يَكُونُ مِنْهُ إِذَا مَاتَ يَكْتَسِبُ
2419 -
وَمِمَّا يُحْفَظُ قَدِيمًا:
[البحر الكامل]
نِعْمَ الْمُحَدِّثُ وَالْجلِيسُ كِتَابُ
…
تَخْلُو بِهِ إِنْ مَلَّكَ الْأَصْحَابُ
لَا مُفْشِيًا سِرًّا وَلَا مُتَكَبِّرًا
…
وَتُفَادُ مِنْهُ حِكْمَةٌ وَصَوَابُ
2420 -
وَأَنْشَدَنِي أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ رحمه الله:
وَأَلَذُّ مَا طَلَبَ الْفَتَى بَعْدَ التُّقَى
…
عِلْمٌ هُنَاكَ يَزِينُهُ طَلَبُهُ
وَلِكُلِّ طَالِبِ لَذَّةٍ مُتَنَزِّهٍ
…
وَأَلَذُّ نُزْهَةِ عَالِمٍ كُتُبُهِ
2421 -
وَسَأَلَنِي أَنْ أَزِيدَهُ فِيهَا فَزِدْتُهُ بِحَضْرَتِهِ:
[البحر الكامل]
يُسْلِي الْكِتَابُ هُمُومَ قَارِئِهِ
…
وَيَبِينُ عَنْهُ إِذَا قَرَأَ نَصَبُهُ
نِعْمَ الْجَلِيسُ إِذَا خَلَوْتَ بِهِ
…
لَا مَكْرُهُ يُخْشَى وَلَا شَغَبُهُ
2422 -
وَقَالَ بَعْضُ الْبَصْرِيِّينَ:
الْعِلْمُ آنَسُ صَاحِبٍ
…
أَخْلَوُ بِهِ فِي وَحْدَتِي
فَإِذَا اهْتَمَمْتُ فَسَلْوَتِي
…
وَإِذَا خَلَوْتُ فَلَذَّتِي
وَيُرْوَى: وَإِذَا نَشِطْتُ فَلَذَّتِي.
⦗ص: 1231⦘
2423 -
وَأَنْشَدَنِي مُحَمَّدُ بْنُ هَارُونَ الدِّمَشْقِيُّ لِنَفْسِهِ أَوْ لِغَيْرِهِ:
[البحر الوافر]
لَمِحْبَرَةٌ تُجَالِسُنِي نَهَارِي
…
أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أُنْسِ الصَّدِيقِ
وَرِزْمَةُ كَاغِدٍ فِي الْبَيْتِ عِنْدِي
…
أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ عَدْلِ الدَّقِيقِ
وَلَطْمَةُ عَالِمٍ فِي الْخَدِّ مِنِّي
…
أَلَذُّ إِلَيَّ مِنْ شُرْبِ الرَّحِيقِ
2424 -
وَقَالَ أَبُو عَمْرِو بْنُ الْعَلَاءِ: " مَا دَخَلْتُ عَلَى رَجُلٍ قَطُّ وَلَا مَرَرْتُ بِبَابِهِ فَرَأَيْتُهُ يَنْظُرُ فِي دَفْتَرٍ وَجَلِيسُهُ فَارِغٌ إِلَّا حَكَمْتُ عَلَيْهِ وَاعْتَقَدْتُ أَنَّهُ أَفْضَلُ مِنْهُ عَقْلًا،
2425 -
وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ لَا يُجَالِسُ النَّاسَ وَنَزَلَ الْمَقْبَرَةَ فَكَانَ لَا يَكَادُ يُرَى إِلَّا وَفِي يَدِهِ دَفْتَرٌ، فَسُئِلَ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: لَمْ أَرْ قَطُّ أَوْعَظَ مِنْ قَبْرٍ وَلَا أَمْتَعَ مِنْ دَفْتَرٍ وَلَا أَسْلَمَ مِنْ وَحْدَةٍ،
2426 -
وَرُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ اللُّؤْلُؤِيِّ إِنْ صَحَّ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: لَقَدْ غَبَرَتْ لِي أَرْبَعُونَ عَامًا مَا قُمْتُ وَلَا نِمْتُ إِلَّا وَالْكِتَابُ عَلَى صَدْرِي،
2427 -
وَأُنْشِدْتُ لِعَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ إِدْرِيسَ الْوَزِيرِ الْجُرَيْرِيِّ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ مُطَوَّلَةٍ:
[البحر الكامل]
وَاعْلَمْ بِأَنَّ الْعِلْمَ أَرْفَعُ رُتْبَةً
…
وَأَجَلُّ مُكْتَسَبٍ وَأَسْنَى مَفْخَرِ
فَاسْلُكْ سَبِيلَ الْمُقْتَنِينَ لَهُ تَسُدْ
…
إِنَّ السِّيَادَةِ تُقْتَنَى بِالدَّفْتَرِ
وَالْعَالِمُ الْمَدْعُوُّ حَبْرًا إِنَّمَا
…
سَمَّاهُ بِاسْمِ الْحَبْرِ حَمْلُ الْمِحْبَرِ
وَبِضَمْرِ الْأَقْلَامِ يَبْلُغُ أَهْلُهَا
…
مَا لَيْسَ يُبْلَغُ بِالْجِيَادِ الضُّمَّرِ
وَقَدْ أَكْثَرَ أَهْلُ الْعِلْمِ وَالْأَدَبِ فِي جَمْعِ مَا فِي هَذَا الْبَابِ مِنَ الْمَنْظَومِ وَالْمَنْثُورِ فَرَأَيْتُ الِاقْتِصَارَ مِنْ ذَلِكَ عَلَى الْقَلِيلِ أَوْلَى مِنَ الْإِكْثَارِ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ وَهُوَ حَسْبِي وَنِعْمَ الْوَكِيلُ