المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌باب ذكر الدليل من أقاويل السلف على أن الاختلاف خطأ وصواب «يلزم طالب الحجة عنده، وذكر بعض ما خطأ فيه بعضهم بعضا وأنكره بعضهم على بعض عند اختلافهم، وذكر معنى قوله صلى الله عليه وسلم» أصحابي كالنجوم - جامع بيان العلم وفضله - جـ ٢

[ابن عبد البر]

فهرس الكتاب

- ‌بَابُ الْعِبَارَةِ عَنْ حُدُودِ عِلْمِ الدِّيَانَاتِ وَسَائِرِ الْعُلُومِ الْمُتَصَرِّفَاتِ بِحَسَبِ تَصَرُّفِ الْحَاجَاتِ وَسَائِرِ الْعُلُومِ الْمُنْتَحِلَاتِ عِنْدَ جَمِيعِ أَهْلِ الْمَقَالَاتِ. قَالَ أَبُو عُمَرَ رضي الله عنه: " حَدُّ الْعِلْمِ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ وَالْمُتَكَلِّمِينَ فِي هَذَا الْمَعْنَى هُوَ مَا اسْتَيْقَنْتَهُ وَتَبَيَّنْتَهُ وَكُلُّ مَنِ اسْتَيْقَنَ شَيْئًا وَتَبَيَّنَهُ فَقَدْ عَلِمَهُ

- ‌بَابٌ مُخْتَصَرٌ فِي مُطَالَعَةِ كُتُبِ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالرِّوَايَةِ عَنْهُمْ

- ‌بَابُ مَنْ يَسْتَحِقُّ أَنْ يُسَمَّى فَقِيهًا أَوْ عَالِمًا حَقِيقَةً لَا مَجَازًا، وَمَنْ يَجُوزُ لَهُ الْفُتْيَا عِنْدَ الْعُلَمَاءِ

- ‌بَابُ مَا يَلْزَمُ الْعَالِمَ إِذَا سُئِلَ عَمَّا لَا يَدْرِيهِ مِنْ وُجُوهِ الْعِلْمِ

- ‌بَابُ اجْتِهَادِ الرَّأْيِ عَلَى الْأُصُولِ عِنْدَ عَدَمِ النُّصُوصِ فِي حِينِ نُزُولِ النَّازِلَةِ

- ‌بَابٌ: نُكْتَةٌ يُسْتَدَلُّ بِهَا عَلَى اسْتِعْمَالِ عُمُومِ الْخِطَابِ فِي السُّنَنِ وَالْكِتَابِ وَعَلَى إِبَاحَةِ تَرْكِ ظَاهِرِ الْعُمُومِ لِلِاعْتِبَارِ بِالْأُصُولِ

- ‌بَابٌ فِي خَطَأِ الْمُجْتَهِدِينَ مِنَ الْحُكَّامِ وَالْمُفْتِينَ

- ‌بَابُ نَفْيِ الِالْتِبَاسِ فِي الْفَرْقِ بَيْنَ الدَّلِيلِ " وَالْقِيَاسِ وَذِكْرِ مَنْ ذَمَّ الْقِيَاسَ عَلَى غَيْرِ أَصْلٍ وَمَا يَرُدُّهُ مِنَ الْقِيَاسِ أَصْلٌ قَالَ أَبُو عُمَرَ رحمه الله: " لَا خِلَافَ بَيْنَ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ وَسَائِرِ أَهْلِ السُّنَّةِ، وَهُمْ أَهْلُ الْفِقْهِ وَالْحَدِيثِ فِي نَفْيِ الْقِيَاسِ فِي التَّوْحِيدِ وَإِثْبَاتِهِ فِي الْأَحْكَامِ إِلَّا دَاوُدَ بْنَ عَلِيِّ بْنِ

- ‌بَابُ جِامِعِ بَيَانِ مَا يَلْزَمُ النَّاظِرَ فِي اخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ قَالَ أَبُو عُمَرَ: " اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي هَذَا الْبَابِ عَلَى قَوْلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّ اخْتِلَافَ الْعُلَمَاءِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنَ الْأَئِمَّةِ، رحمهم الله، رَحْمَةٌ وَاسِعَةٌ وَجَائِزٌ لِمَنْ نَظَرَ فِي اخْتِلَافِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنْ يَأْخُذَ بِقَوْلِ

- ‌بَابُ ذِكْرِ الدَّلِيلِ مِنْ أَقَاوِيلِ السَّلَفِ عَلَى أَنَّ الِاخْتِلَافَ خَطَأٌ وَصَوَابٌ «يَلْزَمُ طَالِبُ الْحُجَّةِ عِنْدَهُ، وَذِكْرُ بَعْضِ مَا خَطَّأَ فِيهِ بَعْضُهُمْ بَعْضًا وَأَنْكَرَهُ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ عِنْدَ اخْتِلَافِهِمْ، وَذِكْرُ مَعْنَى قَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم» أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ

- ‌بَابُ ذِكْرِ مَنْ ذَمَّ الْإِكْثَارَ مِنَ الْحَدِيثِ دُونَ التَّفَهُّمِ لَهُ وَالتَّفَقُّهِ فِيهِ

- ‌بَابُ مَا جَاءَ فِي ذَمِّ الْقَوْلِ فِي دِينِ اللَّهِ تَعَالَى بِالرَّأْيِ وَالظَّنِّ وَالْقِيَاسِ عَلَى غَيْرِ أَصْلٍ وَعَيْبِ الْإِكْثَارِ مِنَ الْمَسَائِلِ دُونَ اعْتِبَارٍ

- ‌بَابُ حُكْمِ قَوْلِ الْعُلَمَاءِ بَعْضِهِمْ فِي بَعْضٍ

- ‌بَابُ تَدَافُعِ الْفَتْوَى وَذَمِّ مَنْ سَارَعَ إِلَيْهَا

- ‌بَابُ رُتَبِ الطَّلَبِ وَكَشْفِ الْمَذْهَبِ قَالَ أَبُو عُمَرَ رحمه الله: " طَلَبُ الْعِلْمِ دَرَجَاتٌ وَمَنَاقِلُ وَرُتَبٌ لَا يَنْبَغِي تَعَدِّيهَا وَمَنْ تَعَدَّاهَا جُمْلَةً فَقَدْ تَعَدَّى سَبِيلَ السَّلَفِ رحمهم الله وَمَنْ تَعَدَّى سَبِيلَهُمْ عَامِدًا ضَلَّ، وَمَنْ تَعَدَّاهُ مُجْتَهِدًا زَلَّ فَأَوَّلُ الْعِلْمِ حِفْظُ كِتَابِ اللَّهِ عز وجل وَتَفَهُّمُهُ وَكُلُّ مَا يُعِينُ عَلَى فَهْمِهِ

- ‌بَابٌ فِي الْعَرْضِ عَلَى الْعَالِمِ وَقَوْلِ: أَخْبَرَنَا وَحَدَّثَنَا وَاخْتِلَافِهِمْ فِي ذَلِكَ وَفِي الْإِجَازَةِ وَالْمُنَاوَلَةِ

- ‌بَابٌ فِيمَنْ تَأَوَّلَ الْقُرْآنَ وَتَدَبَّرَهُ وَهُوَ جَاهِلٌ بِالسُّنَّةِ قَالَ أَبُو عُمَرَ: «أَهْلُ الْبِدَعِ أَجْمَعُ أَضْرَبُوا عَنِ السُّنَّةِ وَتَأَوَّلُوا الْكِتَابَ عَلَى غَيْرِ مَا بَيَّنَتِ السُّنَّةُ، فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الْخُذْلَانِ وَنَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ وَالْعِصْمَةَ بِْرَحْمَتِهِ، وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم التَّحْذِيرُ عَنْ ذَلِكَ فِي

- ‌بَابُ فَضْلِ السُّنَّةِ وَمُبَايَنَتِهَا لِسَائِرِ أَقْوَالِ عُلَمَاءِ الْأُمَّةِ

- ‌بَابُ ذِكْرِ بَعْضِ مَنْ كَانَ لَا يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِلَّا وَهُوَ عَلَى وُضُوءٍ

- ‌بَابٌ فِي إِنْكَارِ أَهْلِ الْعِلْمِ مَا يَجِدُونَهُ مِنَ الْأَهْوَاءِ وَالْبِدَعِ

الفصل: ‌باب ذكر الدليل من أقاويل السلف على أن الاختلاف خطأ وصواب «يلزم طالب الحجة عنده، وذكر بعض ما خطأ فيه بعضهم بعضا وأنكره بعضهم على بعض عند اختلافهم، وذكر معنى قوله صلى الله عليه وسلم» أصحابي كالنجوم

1716 -

أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ، وَسَعِيدُ بْنُ عُثْمَانَ قَالَا: نا أَحْمَدُ بْنُ دُحَيْمٍ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّيْبُلِيُّ، ثنا أَبُو عُبَيْدِ اللَّهِ الْمَخْزُومِيُّ، ثنا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، ثنا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ قَالَ: قُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ، إِنَّ نَوْفًا الْبِكَالِيَّ يَزْعُمُ أَنَّ مُوسَى صَاحِبَ الْخَضِرِ لَيْسَ بِمُوسَى بَنِي إِسْرَائِيلَ قَالَ: كَذَبَ، حَدَّثَنِي أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَذَكَرَ الْحَدِيثَ بِطُولِهِ "

⦗ص: 914⦘

1717 -

قَالَ أَبُو عُمَرَ: قَدْ رَدَّ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رضي الله عنه قَوْلَ الصَّحَابَةِ فِي الرِّدَّةِ وَقَالَ: " وَاللَّهِ لَوْ مَنَعُونِي عِقَالًا، أَوْ قَالَ: عَنَاقًا، مِمَّا أَعْطَوْهُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لَجَاهَدْتُهُمْ عَلَيْهِ "

1718 -

وَقَطَعَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رضي الله عنه اخْتِلَافَ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي التَّكْبِيرِ عَلَى الْجَنَائِزِ وَقَصَرَهُمْ عَلَى أَرْبَعٍ

1719 -

وَسَمِعَ سَلْمَانُ بْنُ رَبِيعَةَ وَزَيْدُ بْنُ صُوحَانَ الصُّبَيَّ بْنَ مَعْبَدٍ مُهِلًّا بِالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ مَعًا فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: لَهَذَا أَضَلُّ مِنْ بَعِيرِ أَهْلِهِ، فَأُخْبِرَ بِذَلِكَ عُمَرُ فَقَالَ: لَوْ لَمْ تَقُولَا شَيْئًا هُدِيتَ لِسُنَّةِ نَبِيِّكَ صلى الله عليه وسلم،

1720 -

وَرَدَّتْ عَائِشَةُ رضي الله عنها قَوْلَ أَبِي هُرَيْرَةَ: تَقْطَعُ الْمَرْأَةُ الصَّلَاةَ وَقَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يُصَلِّي وَأَنَا مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ» ،

1721 -

وَرَدَّتْ قَوْلَ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنه: الْمَيِّتُ يُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ، وَقَالَتْ: وَهَمَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَوْ أَخْطَأَ أَوْ نَسِيَ

⦗ص: 915⦘

1722 -

وَكَذَلِكَ قَالَتْ لَهُ فِي عُمَرِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِذْ زَعَمَ ابْنُ عُمَرَ أَنَّهُ اعْتَمَرَ أَرْبَعَ عُمَرَ فَقَالَتْ عَائِشَةُ: هَذَا وَهْمٌ مِنْهُ عَلَى أَنَّهُ قَدْ شَهِدَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عُمَرَهُ كُلَّهَا مَا اعْتَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِلَّا ثَلَاثًا

1723 -

وَأَنْكَرَ ابْنُ مَسْعُودٍ رضي الله عنه عَلَى أَبِي هُرَيْرَةَ قَوْلَهُ: «مَنْ غَسَلَ مَيِّتًا فَلْيَغْتَسِلْ وَمَنْ حَمَلَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ» وَقَالَ فِيهِ قَوْلًا شَدِيدًا وَقَالَ: " يَا أَيُّهَا النَّاسُ لَا تَنْجَسُوا مِنْ مَوْتَاكُمْ

1724 -

وَقِيلَ لِابْنِ مَسْعُودِ: إِنَّ سَلْمَانَ بْنَ رَبِيعَةَ وَأَبَا مُوسَى الْأَشْعَرِيَّ قَالَا فِي بِنْتٍ وَبِنْتِ ابْنٍ وَأُخْتٍ: إِنَّ الْمَالَ بَيْنَ الْبِنْتِ وَالْأُخْتِ نِصْفَانِ، وَلَا شَيْءَ لِبِنْتِ الِابْنِ وَقَالَا لِلسَّائِلِ: وَائْتِ ابْنَ مَسْعُودٍ فَإِنَّهُ سَيُتَابِعُنَا فَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: {قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ} بَلْ أَقْضِي فِيهَا بِقَضَاءِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لِلْبِنْتِ النِّصْفُ وَلِابْنَةِ الِابْنِ السُّدُسُ تَكْمِلَةً لِلثُّلُثَيْنِ، وَمَا بَقِيَ فَلِلْأُخْتِ

⦗ص: 916⦘

1725 -

وَأَنْكَرَ جَمَاعَةُ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم عَلَى عَائِشَةَ رَضَاعَ الْكَبِيرِ وَلَمْ تَأْخُذْ وَاحِدَةٌ مِنْهُنَّ بِقَوْلِهَا فِي ذَلِكَ

1726 -

وَأَنْكَرَ ذَلِكَ أَيْضًا ابْنُ مَسْعُودٍ عَلَى أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ وَقَالَ لَهُ: إِنَّمَا الرَّضَاعَةُ مَا أَنْبَتَ اللَّحْمَ وَالدَّمَ فَرَجَعَ أَبُو مُوسَى إِلَى قَوْلِهِ،

1727 -

وَأَنْكَرَ ابْنُ عَبَّاسٍ عَلَى عَلِيٍّ أَنَّهُ أَحْرَقَ الْمُرْتَدِّينَ بَعْدَ قَتْلِهِمْ، وَقِيلَ: قَبْلَ قَتْلِهِمْ وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَاحْتَجَّ ابْنُ عَبَّاسٍ بِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاضْرِبُوا عُنُقَهُ» فَبَلَغَ ذَلِكَ عَلِيًّا فَأَعْجَبَهُ قَوْلُهُ، قَالَ أَبُو عُمَرَ: لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لَمْ يَقُلْ فَاضْرِبُوا عُنَقَهُ ثُمَّ أَحْرِقُوهُ،

1728 -

وَرُفِعَ إِلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رضي الله عنه أَنَّ شُرَيْحًا قَضَى فِي رَجُلٍ وَجَدَ آبِقًا فَأَخَذَهُ ثُمَّ أَبَقَ مِنْهُ أَنَّهُ يَضْمَنُ الْعَبْدَ فَقَالَ عَلِيٌّ: «أَخْطَأَ شُرَيْحٌ وَأَسَاءَ الْقَضَاءَ بَلْ يَحْلِفُ بِاللَّهِ لَأَبِقَ مِنْهُ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ وَلَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ»

⦗ص: 917⦘

1729 -

وَعَنْ عُمَرَ فِي الْجَارِيَةِ النُّوبِيَّةِ الَّتِي جَاءَتْ حَامِلًا إِلَى عُمَرَ فَقَالَ لِعَلِيٍّ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ: مَا تَقُولَانِ؟ فَقَالَا: أَقَضَاءٌ غَيْرُ قَضَاءِ اللَّهِ تَلْتَمِسُ؟ قَدْ أَقَرَّتْ بِالزِّنَا فَحُدَّهَا وَعُثْمَانُ سَاكِتٌ فَقَالَ عُمَرُ لِعُثْمَانَ رضي الله عنه: مَا تَقُولُ؟ فَقَالَ: أُرَاهَا تَسْتَهِلُّ بِهِ وَإِنَّمَا الْحَدُّ عَلَى مَنْ عَلِمَهُ فَقَالَ عُمَرُ: الْقَوْلُ مَا قُلْتَ مَا الْحَدُّ إِلَّا عَلَى مَنْ عَلِمَهُ،

1730 -

وَقِيلَ لِابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنه: إِنَّ عَلِيًّا يَقُولُ: لَا تُؤْكُلُ ذَبَائِحُ نَصَارَى الْعَرَبِ؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَتَمَسَّكُوا مِنَ النَّصْرَانِيَّةِ إِلَّا بِشُرْبِ الْخَمْرِ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: تُؤْكَلُ ذَبَائِحُهُمْ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: {وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ} [المائدة: 51] ،

1731 -

وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنه فِي الَّذِي تَوَالَى عَلَيْهِ رَمَضَانَانِ بَدَنَتَانِ مُقَلَّدَتَانِ، فَأُخْبِرَ ابْنُ عَبَّاسٍ بِقَوْلِهِ فَقَالَ:«وَمَا لِلْبُدْنِ وَهَذَا؟ يُطْعِمُ سِتِّينَ مِسْكِينًا» فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: صَدَقَ ابْنُ عَبَّاسٍ امْضِ لِمَا أَمَرَكَ بِهِ،

1732 -

وَقَالَ عَلِيٌّ رضي الله عنه: «الْمُكَاتَبُ يُعْتَقُ مِنْهُ إِذَا عَجَزَ بِقَدْرِ مَا أَدَّى» ، فَقَالَ زَيْدٌ:«هُوَ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ دِرْهَمٌ» وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ: «إِذَا أَدَّى الثُّلُثَ فَهُوَ غَرِيمٌ» وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ إِذَا أَدَّى الشَّطْرَ فَلَا رِقَّ عَلَيْهِ " وَقَالَ شُرَيْحٌ: «إِذَا أَدَّى قِيمَتَهُ فَهُوَ غَرِيمٌ» وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودِ أَيْضًا مِثْلُهُ وَقَالَ زَيْدٌ، وَابْنُ عُمَرَ، وَعُثْمَانُ، وَعَائِشَةُ، وَأُمُّ سَلَمَةَ:«هُوَ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ دِرْهَمٌ»

ص: 913

1733 -

وَرَوَى وَكِيعٌ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ قَالَ: سَأَلْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنَةٍ وَابْنَيْ عَمٍّ أَحَدُهُمَا أَخٌ لِأُمٍّ فَقَالَ: لِلِابْنَةِ النِّصْفُ، وَمَا بَقِيَ فَلِابْنِ الْعَمِّ الَّذِي لَيْسَ بِأَخٍ لِأُمٍّ

⦗ص: 918⦘

قَالَ: وَسَأَلْتُ عَطَاءً، فَقَالَ: أَخْطَأَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، «لِلِابْنَةِ النِّصْفُ وَمَا بَقِيَ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ» قَالَ يَحْيَى بْنُ آدَمَ: وَالْقَوْلُ عِنْدَنَا قَوْلُ عَطَاءٍ؛ لِأَنَّ الِابْنَةَ وَالْأُخْتَ لَا تَحْجِبُ الْعَصَبَةَ وَلَمْ تَزِدْهُ الْأُمُّ إِلَّا قُرْبًا

ص: 917

1734 -

وَذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ قَالَ: قُلْتُ لِلشَّعْبِيِّ، إِنَّ إِبْرَاهِيمَ قَالَ فِي الرَّجُلِ يَكُونُ لَهُ الدَّيْنُ عَلَى رَجُلٍ إِلَى أَجَلٍ فَيَضَعُ لَهُ بَعْضًا وَيُعَجِّلُ لَهُ بَعْضًا: إِنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ، وَكَرِهَهُ الْحَكَمُ فَقَالَ الشَّعْبِيُّ: أَصَابَ الْحَكَمُ وَأَخْطَأَ إِبْرَاهِيمُ "

1735 -

وَقِيلَ لِسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: " إِنَّ الشَّعْبِيَّ يَقُولُ: الْعُمْرَةُ تَطَوُّعٌ، فَقَالَ: أَخْطَأَ الشَّعْبِيُّ "،

1736 -

وَذُكِرَ لِسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ قَوْلُ شُرَيْحٍ فِي الْمُكَاتَبِ فَقَالَ: أَخْطَأَ شُرَيْحٌ "

ص: 918

1737 -

حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ قَالَ: نا قَاسِمٌ، ثنا أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ، ثنا عَاصِمٌ، ثنا شُعْبَةُ، قَالَ قَتَادَةُ: أَخْبَرَنِي قَالَ: قُلْتُ لِسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، إِنَّ شُرَيْحًا قَالَ: يُبْدَأُ بِالْمُكَاتَبَةِ قَبْلِ الدَّيْنِ أَوْ يُشْرَكُ بَيْنَهُمَا، شَكَّ شُعْبَةُ قَالَ ابْنُ الْمُسَيِّبِ، " أَخْطَأَ شُرَيْحٌ وَإِنْ كَانَ قَاضِيًا؛ قَالَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ: يُبْدَأُ بِالدَّيْنِ "

ص: 918

1738 -

وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، ثنا قَاسِمٌ، ثنا أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ، ثنا ابْنُ الْأَصْبَهَانِيِّ، ثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنْ مُغِيرَةَ قَالَ: مَا رَأَيْتُ الشَّعْبِيَّ، وَحَمَّادًا تَمَارَيَا فِي شَيْءٍ إِلَّا غَلَبَهُ حَمَّادٌ إِلَّا هَذَا، سُئِلَ عَنْ الْقَوْمِ

⦗ص: 919⦘

يَشْتَرِكُونَ فِي قَتْلِ الصَّيْدِ وَهُمْ حُرُمٌ فَقَالَ حَمَّادٌ: عَلَيْهِمْ جَزَاءٌ وَاحِدٌ، وَقَالَ الشَّعْبِيُّ:«عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ جَزَاءٌ» ثُمَّ قَالَ الشَّعْبِيُّ: «أَرَأَيْتَ لَوْ قَتَلُوا رَجُلًا أَلَمْ يَكُنْ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ كَفَّارَةٌ؟» فَظَهَرَ عَلَيْهِ الشَّعْبِيُّ "

ص: 918

1739 -

وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنِ الثَّوْرِيِّ:" فِي رَجُلٍ قَالَ لِرَجُلٍ: بِعْنِي نِصْفَ دَارِكَ مِمَّا يَلِي دَارِي، قَالَ: هَذَا بَيْعٌ مَرْدُودٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يُدْرَى أَيْنَ يُنْتَهَى بَيْعُهُ؟ وَلَوْ قَالَ: أَبِيعُكَ نِصْفَ الدَّارِ أَوْ رُبْعَ الدَّارِ جَازَ " قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِمَعْمَرٍ فَقَالَ: هَذَا قَوْلٌ سَوَاءٌ كُلُّهُ لَا بَأْسَ بِهِ

ص: 919

1740 -

وَرَوَى هَمَّامٌ، عَنْ قَتَادَةَ، أَنَّ إِيَاسَ بْنَ مُعَاوِيَةَ، " أَجَازَ شَهَادَةَ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ فِي الطَّلَاقِ، قَالَ قَتَادَةُ: فَسُئِلَ الْحَسَنُ، عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: «لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ النِّسَاءِ فِي الطَّلَاقِ» قَالَ: فَكُتِبَ إِلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بِقَوْلِ الْحَسَنِ وَقَضَاءِ إِيَاسٍ فَكَتَبَ عُمَرُ أَصَابَ الْحَسَنُ وَأَخْطَأَ إِيَاسٌ" قَالَ أَبُو عُمَرَ: " هَذَا كَثِيرٌ فِي كُتُبِ الْعُلَمَاءِ وَكَذَلِكَ اخْتِلَافُ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنَ الْمُخَالِفِينَ وَمَا رَدَّ فِيهِ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ لَا يَكَادُ أَنْ يُحِيطُ بِهِ كِتَابٌ فَضْلًا أَنْ يُجْمَعَ فِي بَابٍ، وَفِيمَا ذَكَرْنَا مِنْهُ دَلِيلٌ عَلَى مَا عَنْهُ سَكَتْنَا وَفِي رُجُوعِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ وَرَدِّ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ دَلِيلٌ وَاضِحٌ عَلَى أَنَّ اخْتِلَافَهُمْ عِنْدَهُمْ خَطَأٌ وَصَوَابٌ وَلَوْلَا ذَلِكَ كَانَ يَقُولُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ: جَائِزٌ مَا قُلْتَ أَنْتَ، وَجَائِزٌ مَا قُلْتُ أَنَا وَكِلَانَا نَجْمٌ يُهْتَدَى بِهِ فَلَا عَلَيْنَا شَيْءٌ مِنَ اخْتِلَافِنَا، قَالَ أَبُو عُمَرَ: وَالصَّوَابُ مِمَّا اخْتُلِفَ فِيهِ وَتَدَافَعَ وَجْهٌ وَاحِدٌ وَلَوْ كَانَ الصَّوَابُ فِي وَجْهَيْنِ مُتَدَافِعَيْنِ مَا خَطَّأَ السَّلَفُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا فِي اجْتِهَادِهِمْ وَقَضَايَاهُمْ

⦗ص: 920⦘

وَفَتْوَاهُمْ، وَالنَّظَرُ يَأْبَى أَنْ يَكُونَ الشَّيْءُ ضِدُّهُ صَوَابًا كُلَّهُ

1741 -

وَلَقَدْ أَحْسَنَ الْقَائِلُ

[البحر الرجز]

إِثْبَاتُ ضِدَّيْنِ مَعًا فِي حَالِ

أَقْبَحُ مَا يَأْتِي مِنَ الْمُحَالِ،

1742 -

وَمَنْ تَدَبَّرَ رُجُوعَ عُمَرَ رضي الله عنه إِلَى قَوْلِ مُعَاذٍ فِي الْمَرْأَةِ الْحَامِلِ وَقَوْلِهِ: لَوْلَا مُعَاذٌ هَلَكَ عُمَرُ عَلِمَ صِحَّةَ مَا قُلْنَا

1743 -

وَكَذَلِكَ رَجَعَ عُثْمَانُ فِي مِثْلِهَا إِلَى قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ،

1744 -

وَرُوِيَ أَنَّهُ رَجَعَ فِي مِثْلَهَا إِلَى قَوْلِ عَلِيٍّ

1745 -

وَرُوِيَ أَنَّ عُمَرَ إِنَّمَا رَجَعَ فِيهَا إِلَى قَوْلِ عَلِيٍّ وَلَيْسَ كَذَلِكَ إِنَّمَا رَجَعَ إِلَى قَوْلِ مُعَاذٍ فِي الَّتِي أَرَادَ رَجْمَهَا حَامِلًا فَقَالَ لَهُ مُعَاذٌ: لَيْسَ لَكَ عَلَى مَا فِي بَطْنِهَا سَبِيلٌ

1746 -

وَرَجَعَ إِلَى قَوْلِ عَلِيٍّ رضي الله عنه فِي الَّتِي وَضَعَتْ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ"

ص: 919

1746 -

وَرَوَى قَتَادَةُ، عَنِ أَبِي حَرْبِ بْنِ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ رُفِعَ إِلَى عُمَرَ رضي الله عنه امْرَأَةٌ وَلَدَتْ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ فَهَمَّ عُمَرُ بِرَجْمِهَا فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ رضي الله عنه: " لَيْسَ ذَلِكَ لَكَ قَالَ اللَّهُ عز وجل: {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ} [البقرة: 233] وَقَالَ: {وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا} [الأحقاف: 15] لَا رَجْمَ عَلَيْهَا «فَخَلَّى عُمَرُ عَنْهَا فَوَلَدَتْ مَرَّةً أُخْرَى لِذَلِكَ الْحَدِّ» ذَكَرَهُ عَفَّانُ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ زُرَيْعٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ

1747 -

وَرَجَعَ عُثْمَانُ عَنْ حَجْبِهِ الْأَخِ بِالْجَدِّ إِلَى قَوْلِ عَلِيٍّ رضي الله عنهما، وَرَجَعَ عُمَرُ وَابْنُ مَسْعُودٍ عَنْ مُقَاسَمَةِ الْجَدِّ إِلَى السُّدُسِ إِلَى قَوْلِ زَيْدٍ فِي مُقَاسَمَتِهِ إِلَى الثُّلُثِ،

⦗ص: 921⦘

1748 -

وَرَجَعَ عَلِيٌّ رضي الله عنه عَنْ مَوَافَقَتِهِ عُمَرَ فِي عِتْقِ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ وَقَالَ لَهُ عَبِيدَةُ السَّلْمَانِيُّ: رَأَيُكَ مَعَ عُمَرَ أَحَبُّ إِلِيَّ مِنْ رَأْيِكَ وَحْدَكَ وَتَمَادَى عَلِيٌّ عَلَى ذَلِكَ فَأَرَقَّهُنَّ،

1749 -

وَرَجَعَ ابْنُ عُمَرَ إِلَى قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما فِيمَنْ تَوَالَى عَلَيْهِ رَمَضَانَانِ،

1750 -

وَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رضي الله عنه: رُدُّوا الْجَهَالَاتِ إِلَى السُّنَّةِ،

1751 -

وَفِي كِتَابِ عُمَرَ إِلَى أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ: «لَا يَمْنَعْكَ قَضَاءٌ قَضَيْتَهُ بِالْأَمْسِ رَاجَعْتَ فِيهِ نَفْسَكَ وَهُدِيتَ فِيهِ لِرُشْدِكَ أَنْ تَرْجِعَ فِيهِ إِلَى الْحَقِّ؛ فَإِنَّ الْحَقَّ قَدِيمٌ، وَالرُّجُوعُ إِلَى الْحَقِّ أَوْلَى مِنَ التَّمَادِي فِي الْبَاطِلِ» ،

1752 -

وَرُوِيَ عَنْ مُطَرِّفِ بْنِ الشِّخِّيرِ أَنَّهُ قَالَ: " لَوْ كَانَتِ الْأَهْوَاءُ كُلُّهَا وَاحِدَةً لَقَالَ الْقَائِلُ: لَعَلَّ الْحَقَّ فِيهِ، فَلَمَّا تَشَعَّبَتْ وَتَفَرَّقَتْ عَرَفَ كُلُّ ذِي عَقْلٍ أَنَّ الْحَقَّ لَا يَتَفَرَّقُ «،

1753 -

وَعَنْ مُجَاهِدٍ» {وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفَيْنِ} [هود: 118] قَالَ: أَهْلُ الْبَاطِلِ {إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ} [هود: 119] قَالَ: أَهْلُ الْحَقِّ لَيْسَ فِيهِمُ اخْتِلَافٌ "

ص: 920

1754 -

وَقَالَ أَشْهَبُ، سَمِعْتُ مَالِكًا رحمه الله يَقُولُ:«مَا الْحَقُّ إِلَّا وَاحِدٌ، قَوْلَانِ مُخْتَلِفَانِ لَا يَكُونَانِ صَوَابًا جَمِيعًا، مَا الْحَقُّ وَالصَّوَابُ إِلَّا وَاحِدٌ» قَالَ أَشْهَبُ: وَبِهِ يَقُولُ اللَّيْثُ قَالَ أَبُو عُمَرَ: " الِاخْتِلَافُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ عِنْدَ أَحَدٍ عَلِمْتُهُ مِنْ فُقَهَاءِ الْأُمَّةِ إِلَّا مَنْ لَا بَصَرَ لَهُ وَلَا مَعْرِفَةَ عِنْدَهُ، وَلَا حُجَّةَ فِي قَوْلِهِ، قَالَ الْمُزَنِيُّ: " يُقَالُ لِمَنْ جَوَّزَ الِاخْتِلَافَ وَزَعَمَ أَنَّ الْعَالِمَيْنِ إِذَا اجْتَهَدَا فِي الْحَادِثَةِ فَقَالَ أَحَدُهُمَا: حَلَالٌ وَقَالَ الْآخَرُ حَرَامٌ فَقَدْ أَدَّى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا جَهْدَهُ وَمَا كُلِّفَ، وَهُوَ فِي اجْتِهَادُهُ مُصِيبٌ الْحَقَّ، أَبِأَصْلٍ قُلْتَ هَذَا أَمْ بِقِيَاسٍ؟ فَإِنْ قَالَ: بِأَصْلٍ، قِيلَ لَهُ: كَيْفَ يَكُونُ أَصْلًا وَالْكِتَابُ أَصْلٌ يَنْفِي الْخِلَافَ، وَإِنْ قَالَ بِقِيَاسٍ قِيلَ: كَيْفَ تَكُونُ الْأُصُولُ تَنْفِي الْخِلَافَ، وَيَجُوزُ لَكَ أَنْ تَقِيسَ عَلَيْهَا جَوَازَ الْخِلَافِ؟ هَذَا مَا لَا يُجَوِّزُهُ عَاقِلٌ فَضْلًا عَنْ عَالِمٍ وَيُقَالُ لَهُ: أَلَيْسَ إِذَا ثَبَتَ حَدِيثَانِ مُخْتَلِفَانِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي مَعْنًى وَاحِدٍ فَأَحَلَّهُ أَحَدُهُمَا وَحَرَّمَهُ الْآخَرُ وَفِي كِتَابِ اللَّهِ أَوْ فِي سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم دَلِيلٌ عَلَى إِثْبَاتِ أَحَدِهِمَا وَنَفْيِ الْآخَرِ أَلَيْسَ يَثْبُتُ الَّذِي يُثْبِتُهُ الدَّلِيلُ وَيُبْطِلُ الْآخَرَ وَيُبْطِلُ الْحُكْمَ بِهِ، فَإِنْ خَفِيَ الدَّلِيلُ عَلَى أَحَدِهِمَا وَأُشْكِلَ الْأَمْرُ فِيهِمَا وَجَبَ الْوُقُوفُ فَإِذَا قَالَ: نَعَمْ وَلَا بُدَّ مِنْ نَعَمْ، وَإِلَّا خَالَفَ جَمَاعَةَ الْعُلَمَاءِ، قِيلَ لَهُ: فَلِمَ لَا تَصْنَعْ هَذَا بِرَأْيِ الْعَالِمَيْنِ الْمُخْتَلِفَيْنِ؟ فَتُثْبِتُ مِنْهُمَا مَا أَثْبَتَهُ الدَّلِيلُ وَتُبْطِلُ مَا أَبْطَلَهُ الدَّلِيلُ؟ " قَالَ أَبُو عُمَرَ: مَا أَلْزَمَهُ الْمُزَنِيُّ عِنْدِي لَازِمٌ؛ فَلِذَلِكَ ذَكَرْتُهُ وَأَضَفْتُهُ إِلَى قَائِلِهِ؛ لِأَنَّهُ يُقَالُ: إِنَّ مِنْ بَرَكَةِ الْعِلْمِ أَنْ تُضِيَفَ الشَّيْءَ إِلَى قَائِلِهِ، وَهَذَا بَابٌ يَتَّسِعُ فِيهِ الْقَوْلُ وَقَدْ جَمَعَ الْفُقَهَاءُ مِنْ أَهْلِ النَّظَرِ فِي هَذَا وَطَوَّلُوا وَفِيمَا لَوَّحْنَا مَقْنَعٌ وَنِصَابٌ كَافٍّ لِمَنْ فَهِمَهُ وَأَنْصَفَ نَفْسَهُ وَلَمْ يُخَادِعْهَا بِتَقْلِيدِ الرِّجَالِ "

ص: 922

1755 -

حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ بِشْرٍ ثنا ابْنُ أَبِي دُلَيْمٍ، ثنا ابْنُ وَضَّاحٍ قَالَ: سَمِعْتُ سُحْنُونَ يَقُولُ: قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ، مَنْ صَلَّى خَلْفَ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ يُعِيدُ فِي الْوَقْتِ قُلْتُ لِسُحْنُونَ: مَا تَقُولُ أَنْتَ؟ قَالَ: أَقُولُ: إِنَّ الْإِعَادَةَ ضَعِيفَةٌ، قُلْتِ لَهُ: إِنَّ أَصْبَغَ بْنَ الْفَرَجِ يَقُولُ: يُعِيدُ أَبَدًا فِي الْوَقْتِ وَبَعْدَهُ إِذَا صَلَّى خَلْفَ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ وَالْبِدَعِ، فَقَالَ سُحْنُونُ: لَقَدْ جَاءَ مَنْ رَأَى الْإِعَادَةَ عَلَيْهِمْ فِي الْوَقْتِ وَبَعْدَهُ بِبِدْعَةٍ أَشَدَّ مِنْ بِدْعَةِ صَاحِبِ الْبِدْعَةِ " قَالَ أَبُو عُمَرَ: " مِنْ أَصْحَابِنَا: مِنْ رَدِّ بَعْضِهِمْ لِقَوْلِ بَعْضٍ بِدَلِيلٍ وَبِغَيْرِ دَلِيلٍ شَيْءٌ لَا يَكَادُ يُحْصَى كَثْرَةً، وَلَوْ تَقَصَيْتُهُ لَقَامَ مِنْهُ كِتَابٌ كَبِيرٌ أَكْبَرُ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا وَلَكِنِّي رَأَيْتُ الْقَصْدَ إِلَى مَا يَلْزَمُ أَوْلَى وَأَوْجَبَ فَاقْتَصَرْنَا عَلَى الْحُجَّةِ عِنْدَنَا، وَبِاللَّهِ عِصْمَتُنَا وَتَوْفِيقُنَا وَهُوَ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ الْمُسْتَعَانُ، وَقَالَ الْمُزَنِيُّ رحمه الله فِي قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:

1756 -

«أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ» قَالَ: إِنْ صَحَّ هَذَا الْخَبَرُ فَمَعْنَاهُ فِيمَا نَقَلُوا عَنْهُ وَشَهِدُوا بِهِ عَلَيْهِ فَكُلُّهُمْ ثِقَةٌ مُؤْتَمَنٌ عَلَى مَا جَاءَ بِهِ لَا يَجُوزُ عِنْدِي غَيْرُ هَذَا وَأَمَّا مَا قَالُوا فِيهِ بِرَأْيِهِمْ فَلَوْ كَانُوا عِنْدَ أَنْفُسِهِمْ كَذَلِكَ مَا خَطَّأَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا وَلَا أَنْكَرَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَا رَجَعَ مِنْهُمْ أَحَدٌ إِلَى قَوْلِ صَاحِبِهِ فَتَدَبَّرْ "

ص: 923

1757 -

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعِيدٍ، قِرَاءَةً مِنِّي عَلَيْهِ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ أَحْمَدَ بْنِ يَحْيَى، حَدَّثَهُمْ قَالَ: نا أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ أَيُّوبَ الرَّقِّيُّ قَالَ: قَالَ لَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ الْخَالِقِ، سَأَلْتُمْ عَمَّا يُرْوَى عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم مِمَّا فِي أَيْدِي

⦗ص: 924⦘

الْعَامَّةِ يَرْوُونَهُ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّمَا مَثَلُ أَصْحَابِي كَمَثَلِ النُّجُومِ» أَوْ «أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ فَأَيُّهَا اقْتَدَوَا اهْتَدَوْا» ، هَذَا الْكَلَامُ لَا يَصِحُّ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ رَوَاهُ عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ زَيْدٍ الْعَمِّيُّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَرُبَّمَا رَوَاهُ عَبْدُ الرَّحِيمِ عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَأَسْقَطَ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ بَيْنَهُمَا وَإِنَّمَا أَتَى ضَعْفُ هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ قِبَلِ عَبْدِ الرَّحِيمِ بْنِ زَيْدٍ؛ لِأَنَّ أَهْلَ الْعِلْمِ قَدْ سَكَتُوا عَنِ الرِّوَايَةِ لِحَدِيثِهِ، وَالْكَلَامُ أَيْضًا مُنْكَرٌ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم،

1758 -

وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ «عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ بَعْدِي عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ» وَهَذَا الْكَلَامُ يُعَارِضُ حَدِيثَ عَبْدِ الرَّحِيمِ لَوْ ثَبَتَ فَكَيْفَ وَلَمْ يَثْبُتْ؟ وَالنَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم لَا يُبِيحُ الِاخْتِلَافَ بَعْدَهُ مِنْ أَصْحَابِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ، هَذَا آخِرُ كَلَامِ الْبَزَّارِ "

ص: 923

1759 -

قَالَ أَبُو عُمَرَ: قَدْ رَوَى أَبُو شِهَابٍ الْحَنَّاطُ، عَنْ حَمْزَةَ الْجَزَرِيِّ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «إِنَّمَا أَصْحَابِي مِثْلُ النُّجُومِ فَبِأَيِّهِمْ أَخَذْتُمْ بِقَوْلِهِ اهْتَدَيْتُمْ» وَهَذَا إِسْنَادٌ لَا يَصِحُّ، وَلَا يَرْوِيهِ عَنْ نَافِعٍ مَنْ يُحْتَجُّ بِهِ وَلَيْسَ كَلَامُ الْبَزَّارِ بِصَحِيحٍ عَلَى كُلِّ حَالٍ؛ لِأَنَّ الِاقْتِدَاءَ بِأَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم مُنْفَرِدِينَ إِنَّمَا هُوَ لَمِنْ جَهِلَ مَا يَسْأَلُ عَنْهُ، وَمَنْ كَانَتْ هَذِهِ حَالُهُ فَالتَّقْلِيدُ لَازِمٌ لَهُ وَلَمْ يَأْمُرْ أَصْحَابَهُ أَنْ يَقْتَدِيَ بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ إِذَا تَأَوَّلُوا تَأْوِيلًا سَائِغًا جَائِزًا مُمْكِنًا فِي الْأُصُولِ، وَإِنَّمَا كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ نَجْمٌ جَائِزٌ أَنْ يَقْتَدِيَ بِهِ الْعَامِّيُّ الْجَاهِلُ بِمَعْنَى مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ مِنْ دِينِهِ وَكَذَلِكَ سَائِرُ الْعُلَمَاءِ مَعَ الْعَامَّةِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ،

⦗ص: 925⦘

وَقَدْ رُوِيَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ إِسْنَادٌ غَيْرُ مَا ذَكَرَ الْبَزَّارُ "

ص: 924

1760 -

حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُمَرَ قَالَ: نا عَبْدُ بْنُ أَحْمَدَ، ثنا عَلِيُّ بْنُ عُمَرَ، ثنا الْقَاضِي أَحْمَدُ بْنُ كَامِلٍ، ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوْحٍ، ثنا سَلَّامُ بْنُ سُلَيْمٍ، ثنا الْحَارِثُ بْنُ غُصَيْنٍ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ بِأَيِّهِمُ اقْتَدَيْتُمُ اهْتَدَيْتُمْ» ، قَالَ أَبُو عُمَرَ:«هَذَا إِسْنَادٌ لَا تَقُومُ بِهِ حُجَّةٌ؛ لِأَنَّ الْحَارِثَ بْنَ غُصَيْنٍ مَجْهُولٌ»

ص: 925

1761 -

حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ، ثنا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ، ثنا أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، ثنا سَعِيدُ بْنُ عَامِرٍ قَالَ: نا شُعْبَةُ، عَنِ الْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ قَالَ:«لَيْسَ أَحَدٌ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ إِلَّا يُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ وَيُتْرَكُ إِلَّا النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم»

ص: 925

1762 -

حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ الْقَاسِمِ، ثنا ابْنُ أَبِي الْعَقِبِ بِدِمَشْقَ ثنا أَبُو زُرْعَةَ، ثنا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، قَالَ: قَالَ لِي سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ:«لَيْسَ أَحَدٌ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ إِلَّا وَهُوَ يُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ وَيُتْرَكُ إِلَّا النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم»

ص: 925

1763 -

حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَحْيَى، ثنا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، ثنا أَحْمَدُ بْنُ دَاوُدَ، ثنا سُحْنُونُ بْنُ سَعِيدٍ، ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ قَالَ: سَمِعْتُ سُفْيَانَ، يُحَدِّثُ عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، أَنَّهُ قَالَ:«لَيْسَ أَحَدٌ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِلَّا وَهُوَ يُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ وَيُتْرَكُ»

ص: 926

1764 -

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُطَرِّفٍ، ثنا سَعِيدُ بْنُ عُثْمَانَ، وَسَعِيدُ بْنُ خُمَيْرٍ قَالَا: نا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ: أنا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ:«لَيْسَ أَحَدٌ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِلَّا وَهُوَ يُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ وَيُتْرَكُ»

ص: 926

1765 -

وَأَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ، ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ الْبَصْرِيُّ بِمَكَّةَ ، ثنا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الصَّبَّاحِ الزَّعْفَرَانِيُّ، ثنا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ:«لَيْسَ أَحَدٌ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِلَّا يُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ وَيُتْرَكُ» قَالَ أَبُو عُمَرَ: «وَافَقَ الْحَسَنُ الزَّعْفَرَانِيُّ، وَيُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى بْنِ وَهْبٍ فِي إِسْنَادِ هَذَا الْحَدِيثِ وَخَالَفَهُمُ ابْنُ أَبِي عُمَرَ وَكِلَا الْحَدِيثَيْنِ صَحِيحٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ وَجَازَ أَنْ يَكُونَ عِنْدَ ابْنِ عُيَيْنَةَ هَذَا الْحَدِيثُ، عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ الْجَزَرِيِّ، وَابْنِ أَبِي نَجِيحٍ

⦗ص: 927⦘

جَمِيعًا عَنْ مُجَاهِدٍ»

ص: 926

1766 -

أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، ثنا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ، ثنا أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ، ثنا الْغِلَابِيُّ، ثنا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ قَالَ: قَالَ سُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ: «لَوْ أَخَذْتَ بِرُخْصَةِ كُلِّ عَالِمٍ اجْتَمَعَ فِيكَ الشَّرُّ كُلُّهُ»

ص: 927

1767 -

وَذَكَرَهُ الطَّبَرِيُّ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ غَسَّانَ بْنِ الْمُفَضَّلِ قَالَ: أَخْبَرَنِي خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ قَالَ: قَالَ لِي سُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ: " إِنْ أَخَذْتَ بِرُخْصَةِ كُلِّ عَالِمٍ اجْتَمَعَ فِيكَ الشَّرُّ كُلُّهُ قَالَ أَبُو عُمَرَ: «هَذَا إِجْمَاعٌ لَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ»

ص: 927

بَابُ مَا تُكْرَهُ فِيهِ الْمُنَاظَرَةُ وَالْجِدَالُ وَالْمِرَاءُ قَالَ أَبُو عُمَرَ: " الْآثَارُ كُلُّهَا فِي هَذَا الْبَابِ الْمَرْوِيَّةُ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم إِنَّمَا وَرَدَتْ فِي النَّهْيِ عَنِ الْجِدَالِ وَالْمِرَاءِ فِي الْقُرْآنِ،

1768 -

وَرَوَى سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، وَأَبُو سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ:«الْمِرَاءُ فِي الْقُرْآنِ كُفْرٌ» وَلَا يَصِحُّ فِيهِ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم غَيْرُ هَذَا بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ، وَالْمَعْنَى إِنَّمَا يَتَمَارَى اثْنَانِ فِي آيَةٍ يَجْحَدُهَا أَحَدُهُمَا وَيَدْفَعُهَا وَيَصِيرُ فِيهَا إِلَى الشَّكِّ، فَذَلِكَ هُوَ الْمِرَاءُ الَّذِي هُوَ الْكُفْرُ، وَأَمَّا التَّنَازُعُ فِي أَحْكَامِ الْقُرْآنِ وَمَعَانِيهِ فَقَدْ تَنَازَعَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي كَثِيرٍ مِنْ ذَلِكَ وَهَذَا يُبَيِّنُ لَكَ أَنَّ الْمِرَاءَ الَّذِي هُوَ الْكُفْرُ، هُوَ الْجُحُودُ وَالشَّكُّ، كَمَا قَالَ عز وجل:{وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ} [الحج: 55] وَالْمِرَاءُ وَالْمُلَاحَاةُ غَيْرُ جَائِزٍ شَيْءٌ مِنْهُمَا، وَهُمَا مَذْمُومَانِ بِكُلِّ لِسَانٍ وَنَهَى السَّلَفُ رَضِيَ اللَّهُ

ص: 928

عَنْهُمْ عَنِ الْجِدَالِ فِي اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ وَفِي صِفَاتِهِ وَأَسْمَائِهِ، وَأَمَّا الْفِقْهُ فَأَجْمَعُوا عَلَى الْجِدَالِ فِيهِ وَالتَّنَاظُرِ؛ لِأَنَّهُ عِلْمٌ يُحْتَاجُ فِيهِ إِلَى رَدِّ الْفُرُوعِ عَلَى الْأُصُولِ لِلْحَاجَةِ إِلَى ذَلِكَ وَلَيْسَ الِاعْتِقَادَاتُ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ اللَّهَ عز وجل لَا يُوصَفُ عِنْدَ جَمَاعَةِ أَهْلِ السُّنَّةِ إِلَّا بِمَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ أَوْ وَصَفَهُ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، أَوْ أَجْمَعَتِ الْأُمَّةُ عَلَيْهِ وَلَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ فَيُدْرَكُ بِقِيَاسٍ أَوْ بِإِنْعَامِ نَظَرٍ،

⦗ص: 931⦘

1769 -

وَقَدْ نُهِينَا عَنِ التَّفَكُّرِ فِي اللَّهِ وَأُمِرْنَا بِالتَّفَكُّرِ فِي خَلْقِهِ الدَّالِّ عَلَيْهِ، وَلِلْكَلَامِ فِي ذَلِكَ مَوْضِعٌ غَيْرُ هَذَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ، وَالدِّينُ الَّذِي هُوَ الْإِيمَانُ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْبَعْثِ بَعْدَ الْمَوْتِ لِلْيَومِ الْآخِرِ وَقَدْ وَصَلَ إِلَى الْعَذْرَاءِ فِي خِدْرِهَا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ "

ص: 929

1770 -

قَرَأْتُ عَلَى سَعِيدِ بْنِ نَصْرٍ، أَنَّ قَاسِمَ بْنَ أَصْبَغَ، حَدَّثَهُمْ ثنا ابْنُ وَضَّاحٍ، ثنا مُوسَى بْنُ مُعَاوِيَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ قَالَ: حَدَّثَنَا سَلَّامُ بْنُ أَبِي مُطِيعٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، قَالَ: قَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، «مَنْ جَعَلَ دِينَهُ غَرَضًا لِلْخُصُومَاتِ أَكْثَرَ التَّنَقُّلَ»

ص: 931

1771 -

وَبِهِ عَنِ ابْنِ مَهْدِيٍّ، ثنا هُشَيْمٌ، عَنِ الْمُغِيرَةِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: كَانُوا يَكْرَهُونَ التَّلَوُّنَ فِي الدِّينِ،

⦗ص: 932⦘

1772 -

قَالَ: وَنا هُشَيْمٌ، عَنِ الْعَوَّامِ بْنِ حَوْشَبٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ فِي قَوْلِهِ {فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ} قَالَ:«الْخُصُومَاتُ وَالْجِدَالُ فِي الدِّينِ»

ص: 931

1773 -

قَالَ: وَنا هُشَيْمُ بْنُ بَشِيرٍ، عَنِ الْعَوَّامِ بْنِ حَوْشَبٍ قَالَ:«إِيَّاكُمْ وَالْخُصُومَاتِ فِي الدِّينِ؛ فَإِنَّهَا تُحْبِطُ الْأَعْمَالَ»

ص: 932

1774 -

قَالَ وَنا ابْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَمْرٍو الْأَوْزَاعِيِّ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ:«إِذَا رَأَيْتَ قَوْمًا يَتَنَاجَوْنَ فِي دِينِهِمْ دُونَ الْعَامَّةِ فَاعْلَمْ أَنَّهُمْ عَلَى تَأْسِيسِ ضَلَالَةٍ»

ص: 932

1775 -

قَالَ: وَنا سُفْيَانُ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ خَالِدِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: دَخَلَ أَبُو مَسْعُودٍ عَلَى حُذَيْفَةَ فَقَالَ: اعْهِدْ إِلَيَّ، قَالَ: أَوَلَمْ يَأْتِكَ الْيَقِينُ؟ قَالَ: بَلَى فَإِنَّ الضَّلَالَةَ حَقٌّ الضَّلَالَةِ أَنْ تَعْرِفَ مَا كُنْتَ تُنْكِرُ، وَتُنْكِرَ مَا كُنْتَ تَعْرِفُ، وَإِيَّاكَ وَالتَّلَوُّنَ فِي دِينِ اللَّهِ؛ فَإِنَّ دِينَ اللَّهِ وَاحِدٌ "،

1776 -

وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: «بَلَغَنِي أَنَّ اللَّهَ عز وجل إِذَا أَرَادَ بِقَوْمٍ شَرًّا أَلْزَمَهُمُ الْجَدَلَ وَمَنَعَهُمُ الْعَمَلَ»

ص: 933

1777 -

وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ، ثنا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ، ثنا أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ، ثنا يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ، ثنا عُثْمَانُ بْنُ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ، عَنْ بَكْرِ بْنِ مُضَرَ قَالَ:«إِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ شَرًّا أَلْزَمَهُمُ الْجَدَلَ وَمَنَعَهُمُ الْعَمَلَ»

ص: 933

1778 -

وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ، ثنا قَاسِمٌ، ثنا أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ، ثنا الْحَوْطِيُّ، ثنا أَشْعَثُ بْنُ شُعْبَةَ قَالَ: سَمِعْتُ الْفَزَارِيَّ قَالَ: سُئِلَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، عَنْ قِتَالِ أَهْلِ صِفِّينَ فَقَالَ:«تِلْكَ دِمَاءٌ كَفَّ اللَّهُ عَنْهَا يَدِي لَا أُرِيدُ أَنْ أُلَطِّخَ بِهَا لِسَانِي»

ص: 934

1779 -

وَذَكَرَ سُنَيْدٌ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ، عَنِ الْعَوَّامِ بْنِ حَوْشَبٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى {فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ} [المائدة: 14] قَالَ: «الْخُصُومَاتُ بِالْجَدَلِ فِي الدِّينِ»

1780 -

قَالَ: وَقَالَ مُعَاوِيَةُ بْنُ عَمْرٍو: «إِيَّاكُمْ وَهَذِهِ الْخُصُومَاتِ؛ فَإِنَّهَا تُحْبِطُ الْأَعْمَالَ»

ص: 935

1781 -

وَرَوَى سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي حَفْصَةَ، عَنْ أَبِي يَعْلَى مُنْذِرِ بْنِ يَعْلَى الثَّوْرِيِّ، عَنِ ابْنِ الْحَنَفِيَّةِ قَالَ:«لَا تَنْقَضِي الدُّنْيَا حَتَّى تَكُونَ خُصُومَاتُهُمْ فِي رَبِّهِمْ»

1782 -

وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رضي الله عنه: «لَا يَزَالُ أَمْرُ هَذِهِ الْأُمَّةِ مُتَقَارِبًا حَتَّى يَتَكَلَّمُوا فِي الْوِلْدَانِ وَالْقَدَرِ»

ص: 935

1783 -

وَقَدْ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ ثنا أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ النِّجَادُ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مُحَمَّدٍ الرَّقَاشِيُّ قَالَ: ثنا حُسَيْنُ بْنُ حَفْصٍ الْأَصْبَهَانِيُّ

⦗ص: 936⦘

قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَكُونَ خُصُومَاتُ النَّاسِ فِي رَبِّهِمْ» قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: " فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَعَلِيِّ بْنِ الْمَدِينِيِّ فَقَالَ: لَيْسَ هَذَا بِشَيْءٍ إِنَّمَا أَرَادَ حَدِيثَ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَنَفِيَّةِ «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَكُونَ خُصُومَاتِهِمْ فِي رَبِّهِمْ»

1784 -

وَقَالَ الْهَيْثَمُ بْنُ جَمِيلٍ: " قُلْتُ لِمَالِكِ بْنِ أَنَسٍ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، الرَّجُلُ يَكُونُ عَالِمًا بِالسُّنَّةِ أَيُجَادِلُ عَنْهَا؟ قَالَ:«لَا وَلَكِنْ يُخْبِرُ بِالسُّنَّةِ فَإِنْ قُبِلَتْ مِنْهُ وَإِلَّا سَكَتَ»

ص: 935

1785 -

أَخْبَرَنِي عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ، ثنا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ، ثنا أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ، قَالَ: قَالَ لِي مُصْعَبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: " نَاظَرَنِي إِسْحَاقُ بْنُ أَبِي إِسْرَائِيلَ فَقَالَ: لَا أَقُولُ كَذَا وَلَا أَقُولُ غَيْرَهُ يَعْنِي فِي الْقُرْآنِ فَنَاظَرْتُهُ، فَقَالَ: لَمْ أَقِفْ عَلَى الشَّكِّ وَلَكِنِّي أَقُولُ كَمَا قَالَ: اسْكُتْ كَمَا سَكَتَ الْقَوْمُ قَالَ: فَأَنْشَدْتُهُ هَذَا الشَّعْرَ فَأَعْجَبَهُ وَكَتَبَهُ وَهُوَ شِعْرٌ قِيلَ مُنْذُ أَكْثَرَ مِنْ عِشْرِينَ سِنَةً:

[البحر الوافر]

أَأَقْعُدُ بَعْدَمَا رَجَفَتْ عِظَامِي

وَكَانَ الْمَوْتُ أَقْرَبَ مَا يَلِينِي

⦗ص: 937⦘

أُجَادِلُ كُلَّ مُعْتَرِضٍ خَصِيمٍ

وَأَجْعَلُ دِينَهُ غَرَضًا لَدِينِي

فَأَتْرُكُ مَا عَلِمْتُ لَرَأْيِ غَيْرِي

وَلَيْسَ الرَّأْيُ كَالْعِلْمِ الْيَقِينِ

وَمَا أَنَا وَالْخُصُومَةُ وَهْيَ لَبْسٌ

تُصْرَفُ فِي الشِّمَالِ إِلَى الْيَمِينِ

وَقَدْ سُنَّتْ لَنَا سُنَنٌ قِوَامٌ

يَلُحْنَ بِكُلِّ فَجٍّ أَوْ وَجِينِ

وَكَانَ الْحَقُّ لَيْسَ بِهِ خَفَاءٌ

أَغَرَّ كَغُرَّةِ الْفَلَقِ الْمُبِينِ

وَمَا عِوَضٌ لَنَا مِنْهَاجُ جَهْمٍ

بِمِنْهَاجِ ابْنِ آمِنَةَ الْأَمِينِ

فَأَمَّا مَا عَلِمْتُ فَقَدْ كَفَانِي

وَأَمَّا مَا جَهِلْتُ فَجَنِّبُونِي

فَلَسْتُ بِمُكَفِّرٍ أَحَدًا يُصَلِّي

وَمَا أُحَرِّمُكُمْ أَنْ تُكَفِّرُونِي

وَكُنَّا إِخْوَةً نَرْمِي جَمِيعًا

فَنَرْمِي كُلَّ مُرْتَابٍ ظَنِينِ

فَمَا بَرِحَ التَّكَلُّفُ أَنْ رَمَتْنَا

بِنَشَانٍ وَاحِدٍ فَوقَ الشُّئُونِ

فَأَوْشَكَ أَنْ يَخِرَّ عِمَادُ بَيْتٍ

وَيْنَقَطِعَ الْقَرِينُ مِنَ الْقَرِينِ

قَالَ أَبُو عُمَرَ: «كَانَ مُصْعَبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الزُّبَيْرِيُّ شَاعِرًا مُحْسِنًا، ذَكَرَ لَهُ ابْنُ أَخِيهِ الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ أَشْعَارًا حِسَانًا يَرْثِي بِهَا أَبَاهُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مُصْعَبِ بْنِ ثَابِتٍ وَهَذَا الشَّعْرُ عِنْدَهُمْ لَهُ لَا شَكَّ فِيهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ»

ص: 936

1786 -

حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ، ثنا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ، ثنا أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ مُصْعَبَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الزُّبَيْرِيَّ يَقُولُ: كَانَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ يَقُولُ: «الْكَلَامُ فِي الدِّينِ أَكْرَهُهُ وَكَانَ أَهْلُ بَلَدِنَا يَكْرَهُونَهُ وَيَنْهَوْنَ عَنْهُ نَحْوَ الْكَلَامِ فِي رَأْيِ جَهْمٍ وَالْقَدَرِ وَكُلِّ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، وَلَا أُحِبُّ الْكَلَامَ إِلَّا فِيمَا تَحْتَهُ عَمَلٌ فَأَمَّا الْكَلَامُ فِي الدِّينِ وَفِي اللَّهِ عز وجل فَالسُّكُوتُ أَحَبُّ إِلَيَّ؛ لِأَنِّي رَأَيْتُ أَهْلَ بَلَدِنَا يَنْهَوْنَ عَنِ الْكَلَامِ فِي الدِّينِ إِلَّا مَا تَحْتَهُ عَمَلٌ» قَالَ أَبُو عُمَرَ: " قَدْ بَيَّنَ مَالِكٌ رحمه الله أَنَّ الْكَلَامَ فِيمَا تَحْتَهُ عَمَلٌ هُوَ الْمُبَاحُ عِنْدَهُ وَعِنْدَ أَهْلِ بَلَدِهِ يَعْنِي الْعُلَمَاءَ مِنْهُمْ رضي الله عنهم، وَأَخْبَرَ أَنَّ الْكَلَامَ فِي الدِّينِ نَحْوَ الْقَوْلِ فِي صِفَاتِ اللَّهِ وَأَسْمَائِهِ وَضَرَبَ مَثَلًا فَقَالَ: نَحْوَ رَأْيِ جَهْمٍ، وَالْقَدَرِ وَالَّذِي قَالَهُ مَالِكٌ عَلَيْهِ جَمَاعَةُ الْفُقَهَاءِ وَالْعُلَمَاءِ قَدِيمًا وَحَدِيثًا مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَالْفَتْوَى، وَإِنَّمَا خَالَفَ ذَلِكَ أَهْلُ الْبِدَعِ الْمُعْتَزِلَةُ وَسَائِرُ الْفِرَقِ، وَأَمَّا الْجَمَاعَةُ عَلَى مَا قَالَ مَالِكٌ إِلَّا أَنْ يُضْطَرَّ أَحَدٌ إِلَى الْكَلَامِ فَلَا يَسَعُهُ السُّكُوتُ إِذَا طَمِعَ بِرَدِّ الْبَاطِلِ وَصَرْفِ صَاحِبِهِ عَنْ مَذْهَبِهِ أَوْ خَشِيَ ضَلَالَ عَامَّةٍ أَوْ نَحْوَ هَذَا،

1787 -

قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: سَمِعْتُ مِنَ جَابِرٍ الْجُعْفِيِّ كَلَامًا خَشِيتُ أَنْ يَقَعَ عَلَيَّ وَعَلَيْهِ الْبَيْتُ

ص: 938

1788 -

وَقَالَ: يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى: سَمِعْتُ الشَّافِعِيَّ، يَوْمَ نَاظَرَهُ حَفْصٌ الْفَرْدُ قَالَ لِي:«يَا أَبَا مُوسَى لَأَنْ يَلْقَى اللَّهَ عز وجل الْعَبْدُ بِكُلِّ ذَنْبٍ مَا خَلَا الشِّرْكَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ يَلْقَاهُ بِشَيْءٍ مِنَ الْكَلَامِ» لَقَدْ سَمِعْتُ مِنَ حَفْصٍ كَلَامًا لَا أَقْدِرُ أَنْ أَحْكِيَهُ

ص: 939

1789 -

حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ قَاسِمٍ نا الْحَسَنُ بْنُ رَشِيقٍ نا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَلَامَةَ نا يُونُسُ بْنُ عُبْدِ الْأَعْلَى قَالَ: ذَكَرَ لِيَ الشَّافِعِيُّ، رحمه الله، كَثِيرًا مِمَّا جَرَى بَيْنَهُ وَبَيْنَ حَفْصٍ الْفَرْدِ يَوْمَ كَلَّمَهُ ثُمَّ قَالَ لِيَ «اعْلَمْ أَنِّي اطَّلَعْتُ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ عَلَى شَيْءٍ مَا ظَنَنْتُهُ قَطُّ، وَلَئِنْ يُبْتَلَى الْمَرْءُ بِكُلِّ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ مَا عَدَا الشِّرْكِ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَنْظُرَ فِي الْكَلَامِ»

⦗ص: 940⦘

1790 -

وَذَكَرَ السَّاجِيُّ أَنَّ حُسَيْنَ الْكَرَابِيسِيَّ قَالَ: سُئِلَ الشَّافِعِيُّ عَنْ شَيْءٍ مِنَ الْكَلَامِ فَغَضِبَ وَقَالَ: سَلْ عَنْ هَذَا حَفْصًا الْفَرْدَ وَأَصْحَابَهُ أَخْزَاهُمُ اللَّهُ

ص: 939

1791 -

حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ قَاسِمٍ قَالَ نا الْحَسَنُ بْنُ رَشِيقٍ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ سُفْيَانَ نا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: سَمِعْتُ الْجَارُودِيُّ يَقُولُ: " مَرِضَ الشَّافِعِيُّ رحمه الله بِمِصْرَ مَرْضَةً ثَقُلَ فِيهَا، فَدَخَلَ عَلَيْهِ قَوْمٌ مِنْهُمْ حَفْصٌ الْفَرْدُ، فَكُلٌّ مِنْهُمْ يَقُولُ لَهُ: مَنْ أَنَا، حَتَّى قَالَ لَهُ حَفْصٌ الْفَرْدُ: مَنْ أَنَا يَا أَبَا عَبْدَ اللَّهِ فَقَالَ: أَنْتَ حَفْصٌ الْفَرْدُ لَا حَفِظَكَ اللَّهُ وَلَا كَلَاكَ وَلَا رَعَاكَ حَتَّى تَتُوبَ مِمَّا أَنْتَ فِيهِ "

ص: 940

1792 -

حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ قَاسِمٍ نا الْحَسَنُ بْنُ رَشِيقٍ نا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى الْفَارِسِيُّ نا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ قَالَ: سَمِعْتُ الشَّافِعِيَّ يَقُولُ: «لَوْ عَلِمَ النَّاسُ مَا فِي الْكَلَامِ فِي الْأَهْوَاءِ لَفَرُّوا مِنْهُ كَمَا يُفَرُّ مِنَ الْأَسَدِ»

ص: 941

1793 -

حَدَّثَنَا خَلَفُ نا الْحَسَنُ نا سَعِيدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ زَكَرِيَّا نا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ: سَمِعْتُ الشَّافِعِيَّ يَقُولُ: " إِذَا سَمِعْتَ الرَّجُلَ يَقُولُ: الِاسْمُ غَيْرُ الْمُسَمَّى أَوِ الِاسْمُ الْمُسَمَّى فَاشْهَدْ عَلَيْهِ أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ وَلَا دِينَ لَهُ "

ص: 941

1794 -

حَدَّثَنَا خَلَفُ نا الْحَسَنُ نا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْأَنْمَاطِيُّ وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْغَمْرِيُّ قَالَا: نا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الزَّعْفَرَانِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ الشَّافِعِيَّ يَقُولُ: «حُكْمِي فِي أَهْلِ الْكَلَامِ أَنْ يُضْرَبُوا بِالْجَرِيدِ وَيُطَافُ بِهِمْ فِي الْعَشَائِرَ وَالْقَبَائِلَ، هَذَا جَزَاءُ مَنْ تَرَكَ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ وَأَخَذَ فِي الْكَلَامِ»

ص: 941

1795 -

وَذَكَرَ السَّاجِيُّ عَنْ أَبِي ثَوْرٍ قَالَ: قُلْتُ لِلشَّافِعِيُّ رحمه الله: ضَعْ فِي الْكَلَامِ شَيْئًا فَقَالَ: «مَنْ تَرَدَّى فِي الْكَلَامِ لَمْ يُفْلِحْ»

⦗ص: 942⦘

1796 -

وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ رحمه الله: «لَا يُفْلِحُ صَاحِبُ كَلَامٍ أَبَدًا، وَلَا تَكَادُ تَرَى أَحَدًا نَظَرَ فِي الْكَلَامِ إِلَّا وَفِي قَلْبِهِ دَغَلٌ»

1797 -

وَقَالَ مَالِكٌ: «أَرَأَيْتَ إِنْ جَاءَ مَنْ هُوَ أَجْدَلُ مِنْهُ أَيَدَعُ دِينَهُ كُلَّ يَوْمٍ لِدَيْنٍ جَدِيدٍ؟»

ص: 941

1798 -

وَذَكَرَ ابْنُ أَبِي خَيْثَمَةَ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ شُجَاعٍ الْبَلْخِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ الْحَسَنَ بْنَ زِيَادٍ اللُّؤْلُؤِيَّ، وَقَالَ لَهُ رَجُلٌ فِي زُفَرَ بْنِ الْهُذَيْلِ:" أَكَانَ يَنْظُرُ فِي الْكَلَامِ؟ فَقَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ مَا أَحْمَقَكَ مَا أَدْرَكْتُ مَشْيَخَتَنَا زُفَرَ وَأَبَا يُوسُفَ، وَأَبَا حَنِيفَةَ، وَمَنْ جَالَسْنَا وَأَخَذْنَا عَنْهُمْ يُهِمُّهُمْ غَيْرُ الْفِقْهِ وَالِاقْتِدَاءِ بِمَنْ تَقَدَّمَهُمْ "

1799 -

وَرُوِّينَا أَنَّ طَاوُسًا وَوَهْبَ بْنَ مُنَبِّهٍ الْتَقَيَا، فَقَالَ طَاوُسٌ لِوَهْبٍ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، بَلَغَنِي عَنْكَ أَمْرٌ عَظِيمٌ فَقَالَ: مَا هُوَ؟ قَالَ: تَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ حَمَلَ قَوْمَ لُوطٍ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ، قَالَ: أَعُوذُ بِاللَّهِ ثُمَّ سَكَتَ قَالَ: فَقُلْتُ: هَلِ اخْتَصَمَا؟ قَالَ: لَا " قَالَ أَبُو عُمَرَ: «أَجْمَعَ أَهْلُ الْفِقْهِ وَالْآثَارِ مِنْ جَمِيعِ الْأَمْصَارِ أَنَّ أَهْلَ الْكَلَامِ أَهْلُ بِدَعٍ وَزَيْغٍ وَلَا يُعَدُّونَ عِنْدَ الْجَمِيعِ فِي طَبَقَاتِ الْفُقَهَاءِ، وَإِنَّمَا الْعُلَمَاءُ أَهْلُ الْأَثَرِ وَالتَّفَقُّهِ فِيهِ وَيَتَفَاضَلُونَ فِيهِ بِالْإِتْقَانِ وَالْمَيْزِ وَالْفَهْمِ»

ص: 942

1800 -

حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ثنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ بَكْرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدَ بْنَ أَحْمَدَ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ خُوَازٍ مِنْدَادٌ الْمِصْرِيُّ الْمَالِكِيُّ فِي كِتَابِ الْإِجَارَاتِ مِنْ كِتَابِهِ فِي الْخِلَافِ قَالَ مَالِكٌ:

⦗ص: 943⦘

" لَا تَجُوزُ الْإِجَارَةُ فِي شَيْءٍ مِنْ كُتُبِ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ وَالْبِدَعِ وَالتَّنْجِيمِ، وَذَكَرَ كُتُبًا ثُمَّ قَالَ: وَكُتُبُ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ وَالْبِدَعِ عِنْدَ أَصْحَابِنَا هِيَ كُتُبُ أَصْحَابِ الْكَلَامِ مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ وَغَيْرِهِمْ، وَتُفْسَخُ الْإِجَارَةُ فِي ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ كُتُبُ الْقَضَاءِ بِالنُّجُومِ وَعَزَائِمِ الْجِنِّ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ " وَقَالَ فِي كِتَابِ الشَّهَادَاتِ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِ مَالِكٍ: لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ أَهْلِ الْبِدَعِ وَأَهْلِ الْأَهْوَاءِ قَالَ: أَهْلُ الْأَهْوَاءِ عِنْدَ مَالِكٍ وَسَائِرِ أَصْحَابِنَا هُمْ أَهْلُ الْكَلَامِ فَكُلُّ مُتَكَلِّمٍ فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ وَالْبِدَعِ أَشْعَرِيًّا كَانَ أَوْ غَيْرَ أَشْعَرِيٍّ وَلَا تُقْبَلُ لَهُ شَهَادَةٌ فِي الْإِسْلَامِ وَيُهْجَرُ وَيُؤَدَّبُ عَلَى بِدْعَتِهِ، فَإِنْ تَمَادَى عَلَيْهَا اسْتُتِيبَ مِنْهَا " قَالَ أَبُو عُمَرَ:«لَيْسَ فِي الِاعْتِقَادِ كُلِّهِ فِي صِفَاتِ اللَّهِ وَأَسْمَائِهِ إِلَّا مَا جَاءَ مَنْصُوصًا فِي كِتَابِ اللَّهِ أَوْ صَحَّ عَنْ رَسُولِ صلى الله عليه وسلم أَوْ أَجْمَعَتْ عَلَيْهِ الْأُمَّةُ وَمَا جَاءَ مِنْ أَخْبَارِ الْآحَادِ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ أَوْ نَحْوِهِ يَسْلَمُ لَهُ وَلَا يُنَاظَرُ فِيهِ»

ص: 942

1801 -

أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، نا قَاسِمٌ، ثنا أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ، ثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ نَجْدَةَ، ثنا بَقِيَّةُ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ قَالَ: كَانَ مَكْحُولٌ وَالزُّهْرِيُّ يَقُولَانِ: «ارْوُوا هَذِهِ الْأَحَادِيثَ كَمَا جَاءَتْ وَلَا تُنَاظِرُوا فِيهَا»

1802 -

وَقَدْ رُوِّينَا عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَسُفْيَانَ بْنِ سَعِيدٍ الثَّوْرِيِّ، وَسُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، وَمَعْمَرِ بْنِ رَاشِدٍ فِي الْأَحَادِيثِ فِي الصِّفَاتِ أَنَّهُمْ كُلَّهُمْ قَالُوا:

⦗ص: 944⦘

أَمِرُّوهَا كَمَا جَاءَتْ. قَالَ أَبُو عُمَرَ نَحْوَ حَدِيثِ التَّنَزُّلِ وَحَدِيثِ، «إِنَّ اللَّهَ عز وجل خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ» ، «وَأَنَّهُ يُدْخِلُ قَدَمَهُ فِي جَهَنَّمَ» ، وَأَنَّهُ يَضَعُ السَّمَوَاتِ عَلَى أُصْبُعٍ، وَأَنَّ قُلُوبَ بَنِي آدَمَ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ يُقَلِّبُهَا كَيْفَ يَشَاءُ، وَإِنَّ رَبَّكُمْ لَيْسَ بِأَعْوَرَ، وَمَا كَانَ مِثْلَ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ وَقَدْ شَرَحْنَا الْقَوْلَ فِي هَذَا الْبَابِ مِنْ جِهَةِ النَّظَرِ وَالْأَثَرِ وَبَسَطْنَاهُ فِي كِتَابِ التَّمْهِيدِ عِنْدَ ذِكْرِ حَدِيثِ التَّنَزُّلِ، فَمَنْ أَرَادَ الْوُقُوفَ عَلَيْهِ تَأَمَّلَهُ هُنَاكَ عَلَى أَنِّي أَقُولُ: لَا خَيْرَ فِي شَيْءٍ مِنْ مَذَاهِبِ أَهْلِ الْكَلَامِ كُلِّهِمْ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ "

ص: 943

1803 -

حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ، ثنا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ، ثنا أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ، نا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُونُسَ قَالَ: حَدَّثَنَا زَائِدَةُ بْنُ قُدَامَةَ، عَنْ هِشَامٍ قَالَ: كَانَ الْحَسَنُ، يَقُولُ:«لَا تُجَالِسُوا أَهْلَ الْأَهْوَاءِ وَلَا تُجَادِلُوهُمْ وَلَا تَسْمَعُوا مِنْهُمْ»

ص: 944

1804 -

حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، نا الْحَسَنُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ بَحْرٍ، نا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نا سُنَيْدٌ، نا مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ جَعْفَرٍ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ فُقَهَاءِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ قَالَ:" إِنَّ اللَّهَ تبارك وتعالى عَلِمَ عِلْمًا عَلَّمَهُ الْعِبَادَ وَعَلِمَ عِلْمًا لَمْ يُعَلِّمْهُ الْعِبَادَ، فَمَنْ تَطَلَّبَ الْعِلْمَ الَّذِي لَمْ يُعَلِّمْهُ الْعِبَادَ لَمْ يَزْدَدْ مِنْهُ إِلَّا بُعْدًا، قَالَ: وَالْقَدَرُ مِنْهُ "

ص: 945

1805 -

حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ قَاسِمٍ، نا مُحَمَّدُ بْنُ الْقَاسِمِ بْنِ شَعْبَانَ، نا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ يُونُسَ، نا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ، نا شُجَاعُ بْنُ الْوَلِيدِ، نا خُصَيْفٌ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ:«مَا لَمْ يَعْرِفْهُ الْبَدْرِيُّونَ فَلَيْسَ مِنَ الدِّينِ»

1806 -

وَقَالَ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ: «النَّاظِرُ فِي الْقَدَرِ كَالنَّاظِرِ فِي عَيْنِ الشَّمْسِ، كُلَّمَا ازْدَادَ نَظَرًا ازْدَادَ حَيْرَةً»

⦗ص: 946⦘

قَالَ أَبُو عُمَرَ: مَا جَاءَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم مِنْ نَقْلِ الثِّقَاتِ وَجَاءَ عَنِ الصَّحَابَةِ وَصَحَّ عَنْهُمْ فَهُوَ عِلْمٌ يُدَانُ بِهِ، وَمَا أُحْدِثَ بَعْدَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ أَصْلٌ فِيمَا جَاءَ عَنْهُمْ فَبِدْعَةٌ وَضَلَالَةٌ وَمَا جَاءَ فِي أَسْمَاءِ اللَّهِ أَوْ صِفَاتِهِ عَنْهُمْ سَلِمَ لَهُ، وَلَمْ يُنَاظَرْ فِيهِ كَمَا لَمْ يُنَاظَرُوا. قَالَ أَبُو عُمَرَ:«رَوَاهَا السَّلَفُ وَسَكَتُوا عَنْهَا وَهُمْ كَانُوا أَعْمَقَ النَّاسِ عِلْمًا وَأَوْسَعَهُمْ فَهْمًا وَأَقَلَّهُمْ تَكَلُّفًا وَلَمْ يَكُنْ سُكُوتُهُمْ عَنْ عِيٍّ فَمَنْ لَمْ يَسَعْهُ مَا وَسِعَهُمْ فَقَدْ خَابَ وَخَسِرَ»

ص: 945

1807 -

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَلِيفَةَ، نا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، نا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ الْوَاسِطِيُّ، نا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِيُّ، نا حَكَّامُ بْنُ سَلْمٍ الرَّازِيُّ، عَنْ عَمْرِو بْنِ قَيْسٍ، عَنْ عَبْدِ رَبِّهِ قَالَ: كَانَ الْحَسَنُ فِي مَجْلِسٍ فَذُكِرَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: «إِنَّهُمْ كَانُوا أَبَرَّ هَذِهِ الْأُمَّةِ قُلُوبًا وَأَعْمَقَهَا عِلْمًا وَأَقَلَّهَا تَكَلُّفًا، قَوْمٌ اخْتَارَهُمُ اللَّهُ عز وجل لِصُحْبَةِ نَبِيِّهِ صلى الله عليه وسلم فَتَشَبَّهُوا بِأَخْلَاقِهِمْ وَطَرَائِقِهِمْ فَإِنَّهُمْ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ عَلَى الْهُدَى الْمُسْتَقِيمِ»

ص: 946

1808 -

حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ ثنا قَاسِمٌ، ثنا ابْنُ وَضَّاحٍ ثنا مُوسَى بْنُ مُعَاوِيَةَ، ثنا ابْنُ مَهْدِيٍّ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَوْنٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ:«لَمْ يُدَّخَرْ لَكُمْ شَيْءٌ خُبِّئَ عَنِ الْقَوْمِ لِفَضْلٍ عِنْدَكُمْ»

ص: 946

1809 -

حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، نا الْحَسَنُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ بَحْرٍ، نا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نا سُنَيْدٌ، نا يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّا، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ حُذَيْفَةَ، أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ:«اتَّقُوا اللَّهَ يَا مَعْشَرَ الْقُرَّاءِ وَخُذُوا طَرِيقَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، فَلَعَمْرِي لَئِنِ اتَّبَعْتُمُوهُ لَقَدْ سَبَقْتُمْ سَبْقًا بَعِيدًا، وَلَئِنْ تَرَكْتُمُوهُ يَمِينًا وَشِمَالًا لَقَدْ ضَلَلْتُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا»

ص: 947

1811 -

قَالَ: ونا سُنَيْدٌ قَالَ: نا يَحْيَى بْنُ الْيَمَانِ، عَنِ الْحَجَّاجِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ أَبِي غَالِبٍ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «مَا ضَلَّ قَوْمٌ بَعْدَ هُدًى إِلَّا لُقِّنُوا الْجَدَلَ» ثُمَّ قَرَأَ: {مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ} [الزخرف: 58]" قَالَ أَبُو عُمَرَ: " وَتَنَاظَرَ الْقَوْمُ وَتَجَادَلُوا فِي الْفِقْهِ وَنُهُوا عَنِ الْجِدَالِ فِي الِاعْتِقَادِ؛ لِأَنَّهُ يَؤُولُ إِلَى الِانْسِلَاخِ مِنَ الدِّينِ أَلَا تَرَى مُنَاظَرَةَ بِشْرٍ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى {مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ} [المجادلة: 7] قَالَ: " هُوَ بِذَاتِهِ فِي كُلِّ مَكَانٍ فَقَالَ لَهُ خَصْمُهُ: فَهُوَ فِي قَلَنْسُوَتِكَ وَفِي حَشِّكَ وَفِي جَوْفِ حِمَارِكَ، تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يَقُولُونَ «حَكَى ذَلِكَ وَكِيعٌ وَأَنَا وَاللَّهِ أَكْرَهُ أَنْ أَحْكِيَ كَلَامَهُمْ قَبَّحَهُمُ اللَّهُ، فَعَنْ هَذَا وَشِبْهِهِ نَهَى الْعُلَمَاءُ وَأَمَّا الْفِقْهُ فَلَا يُوصَلُ إِلَيْهِ وَلَا يُنَالُ أَبَدًا دُونَ تَنَاظُرٍ فِيهِ وَتَفَهُّمٍ لَهُ»

ص: 948

1812 -

وَذَكَرَ ابْنُ وَهْبٍ فِي جَامِعِهِ قَالَ: سَمِعْتُ سُلَيْمَانَ بْنَ بِلَالٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَبِيعَةَ، يُسْأَلُ: لِمَ قُدِّمَتِ الْبَقَرَةُ وَآلُ عِمْرَانَ وَقَدْ نَزَلَ قَبْلَهُمَا بِضْعٌ وَثَمَانُونَ سُورَةً وَإِنَّمَا نَزَلَتَا بِالْمَدِينَةِ؟ فَقَالَ رَبِيعَةُ: «قَدْ قُدِّمَتَا وَأُلِّفَ الْقُرْآنُ عَلَى عِلْمٍ مِمَّنْ أَلَّفَهُ، وَقَدِ اجْتَمَعُوا عَلَى الْعَمَلِ بِذَلِكَ فَهَذَا مِمَّا نَنْتَهِي إِلَيْهِ وَلَا نَسْأَلُ عَنْهُ»

ص: 949

1813 -

أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ فُطَيْسٍ، قَالَ: نا يَحْيَى بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: نا عِيسَى بْنُ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ قَالَ: نا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: " وَايْمِ اللَّهِ إِنْ كُنَّا لَنَلْتَقِطُ السُّنَنَ مِنْ أَهْلِ الْفِقْهِ وَالثِّقَةِ وَنَتَعَلَّمُهَا شَبِيهًا بِتَعَلُّمِنَا آيِ الْقُرْآنِ، وَمَا بَرِحَ مَنْ أَدْرَكْنَا مِنْ أَهْلِ الْفِقْهِ وَالْفَضْلِ مِنْ خِيَارِ أَوَّلِيَّةِ النَّاسِ يَعِيبُونَ أَهْلَ الْجَدَلِ وَالتَّنْقِيبِ وَالْأَخْذِ بِالرَّأْيِ، وَيَنْهَوْنَ عَنْ لِقَائِهِمْ وَمُجَالَسَتِهِمْ وَيُحَذِّرُونَا مُقَارَبَتَهُمْ أَشَدَّ التَّحْذِيرِ وَيُخْبِرُونَ أَنَّهُمْ أَهْلُ ضَلَالٍ وَتَحْرِيفٍ لِتَأْوِيلِ كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَنِ رَسُولِهِ،

⦗ص: 950⦘

وَمَا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حَتَّى كَرِهَ الْمَسَائِلَ وَنَاحِيَةَ التَّنْقِيبِ وَالْبَحْثِ وَزَجَرَ عَنْ ذَلِكَ وَحَذَّرَهُ الْمُسْلِمِينَ فِي غَيْرِ مَوْطِنٍ حَتَّى كَانَ مِنْ قَوْلِهِ كَرَاهِيَةً لِذَلِكَ:

1814 -

«ذَرُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ، فَإِنَّمَا هَلَكَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِسُؤَالِهِمْ وَاخْتِلَافِهِمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ، فَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَاجْتَنِبُوهُ وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ فَخُذُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ»

1815 -

وَلَقَدْ أَحْسَنَ الْقَائِلُ:

[البحر البسيط]

قَدْ نَقَّرَ النَّاسُ حَتَّى أَحْدَثُوا بِدَعًا

فِي الدِّينِ بِالرَّأْيِ لَمْ تُبْعَثْ بِهِ الرُّسُلُ

حَتَّى اسْتَخِفَّ بِدِينِ اللَّهِ أَكْثَرُهُمْ

وَفِي الَّذِي حُمِّلُوا مِنْ دِينِهِ شُغُلُ

⦗ص: 951⦘

1816 -

قَالَ مُصْعَبٌ الزُّبَيْرِيُّ: «مَا رَأَيْتُ أَحَدًا مِنْ عُلَمَائِنَا يُكَرِّمُونَ أَحَدًا مَا يُكَرِّمُونَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ حَسَنٍ» وَعَنْهُ رَوَى مَالِكٌ حَدِيثَ السَّدْلِ

ص: 949

1817 -

قَرَأْتُ عَلَى عَبْدِ الْوَارِثِ بْنِ سُفْيَانَ أَنَّ قَاسِمَ بْنَ أَصْبَغَ أَخْبَرَهُمْ ، ثنا بَكْرُ بْنُ حَمَّادٍ: نا مُسَدَّدُ بْنُ مُسَرْهَدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى يَعْنِي الْقَطَّانَ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ عَتِيقٍ، عَنْ طَلْقِ بْنِ حَبِيبٍ، عَنِ الْأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:«أَلَا هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُونَ ثَلَاثًا»

1818 -

حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ، ثنا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ، نا ابْنُ وَضَّاحٍ، نا مُحَمَّدُ بْنُ نُمَيْرٍ، ثنا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ عَتِيقٍ، عَنْ طَلْقِ بْنِ حَبِيبٍ، عَنِ الْأَحْنَفِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَذَكَرَهُ وَلَمْ يَقُلْ ثَلَاثًا

ص: 951

1819 -

أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ، نا أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ، نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْقَرَوِيُّ، نا زَكَرِيَّا بْنُ يَحْيَى قَالَ: سَمِعْتُ الْأَصْمَعِيَّ يَقُولُ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حَسَنِ بْنِ حَسَنٍ، «الْمِرَاءُ يُفْسِدُ الصَّدَاقَةَ الْقَدِيمَةَ وَيَحِلُّ الْعُقْدَةَ الْوَثِيقَةَ، وَأَقَلُّ مَا فِيهِ أَنْ تَكُونَ الْمُغَالَبَةُ، وَالْمُغَالَبَةُ أَمْتَنُ أَسْبَابِ الْقَطِيعَةِ»

ص: 952

1820 -

حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ زَكَرِيَّا، قَالَا: نا أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ، ثنا أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ، ثنا مَرْوَانُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى قَالَ: حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ قَالَ: سَمِعْتُ مِسْعَرًا يَقُولُ يُخَاطِبُ ابْنَهُ كِدَامًا:

[البحر الكامل]

إِنِّي مَنَحْتُكَ يَا كِدَامُ نَصِيحَتِي

فَاسْمَعْ لِقَوْلِ أَبٍ عَلَيْكَ شَفِيقِ

أَمْا الْمُزَاحَةُ وَالْمِرَاءُ فَدَعْهُمَا

خُلُقَانِ لَا أَرْضَاهُمَا لِصَدِيقِ

إِنِّي بَلَوْتُهَمَا فَلَمْ أَحْمَدْهُمَا

لِمُجَاوِرٍ جَارًا وَلَا لِرَفِيقِ

وَالْجَهْلُ يُزْرِي بِالْفَتَى فِي قَوْمِهِ

وَعُرُوقُهُ فِي النَّاسِ أَيُّ عُرُوقِ «

وَقَدْ رَوَيْتُ هَذَا الْخَبَرَ لِمِسْعَرِ بْنِ كِدَامٍ مِنْ وُجُوهٍ فَاقْتَصَرْتُ مِنْهَا عَلَى مَا حَضَرَنِي ذِكْرُهُ»

ص: 952

بَابُ إِتْيَانِ الْمُنَاظَرَةِ وَالْمُجَادَلَةِ وَإِقَامَةِ الْحُجَّةِ " قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [البقرة: 111] وَقَالَ: {لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ} وَالْبَينَةُ مَا بَانَ مِنَ الْحَقِ، وَقَالَ: {إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا} [يونس: 68] قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: مِنْ حُجَّةٍ قَالُوا: وَالسُّلْطَانُ: الْحُجَّةُ وَقَالَ اللَّهُ جَلَّ وَعَزَّ {قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ} [الأنعام: 149] ، وَقَالَ: {يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا} [النحل: 111] "

ص: 953

1821 -

حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ الْقَاسِمِ، نا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَزِيدَ الْحَلَبِيُّ الْقَاضِي، نا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ سَهْلٍ الْمَرْوَزِيُّ، قَالَ: نا مُحَمَّدُ بْنُ حُمَيْدٍ الرَّازِيُّ، ثنا مِهْرَانُ بْنُ أَبِي عُمَرَ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ عُبَيْدٍ الْمُكْتِبِ، عَنِ الْفُضَيْلِ بْنِ عَمْرٍو، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، فِي قَوْلِهِ {الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ} [يس: 65] قَالَ:

⦗ص: 954⦘

كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَضَحِكَ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ وَقَالَ: «هَلْ تَدْرُونَ مِمَّ ضَحِكْتُ؟» وَذَكَرَ شَيْئًا، ثُمَّ قَالَ:" فِي مُجَادَلَةِ الْعَبْدِ رَبَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَقُولُ: يَا رَبِّ، أَلَمْ تُجِرْنِي مِنَ الظُّلْمِ؟ قَالَ: بَلَى قَالَ: فَإِنِّي لَا أُجِيزُ عَلَيَّ الْيَوْمَ شَاهِدًا إِلَّا مِنْ نَفْسِي قَالَ: {كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا} [الإسراء: 14] كَذَا قَالَ وَيَخْتِمُ عَلَى فِيهِ وَيُقَالُ لِأَرْكَانِهِ: انْطِقِي، فَتَنْطِقُ بِأَعْمَالِهِ ثُمَّ يُخَلَّى بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْكَلَامِ فَيَقُولُ: بُعْدًا لَكُنَّ، فَعَنْكُنَّ كُنْتُ أُنَاضِلُ " وَقَالَ: «إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ» وَقَالَ: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ} [البقرة: 258] يَقُولُ: فَانْقَطَعَ وَخُصِمَ وَلَحِقَهُ الْبُهْتُ عِنْدَ أَخْذِ الْحُجَّةِ لَهُ وَوَصَفَ اللَّهُ عز وجل خُصُومَةَ إِبْرَاهِيمَ عليه السلام قَوْمَهُ وَرَدَّهُ عَلَيْهِمْ وَعَلَى أَبِيهِ فِي عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ {إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ} [الأنبياء: 52] إِلَى قَوْلِهِ {أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ} [الأنبياء: 67] الْآيَاتِ كُلَّهَا وَنَحْوَ هَذَا فِي سُورَةِ الظُّلَّةِ {إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ} [الشعراء: 71] فَحَادُوا عَنْ جَوَابِ سُؤَالِهِ هَذَا إِذِ انْقَطَعُوا وَعَجَزُوا عَنِ الْحُجَّةِ فَقَالُوا {بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ} [الشعراء: 74] وَهَذَا لَيْسَ بِجَوَابٍ عَنْ هَذَا

⦗ص: 955⦘

السُّؤَالِ وَلَكِنَّهُ حَيْدَةٌ وَهَرَبٌ عَمَّا لَزِمَهُمْ وَهُوَ ضَرْبٌ مِنَ الِانْقِطَاعِ، وَقَالَ عز وجل:{وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ} [الأنعام: 83] قَالُوا: بِالْعِلْمُ وَالْحُجَّةُ، وَقَالَ فِي قِصَّةِ نُوحٍ عليه السلام:{قَالُوا يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا} [هود: 32] الْآيَاتِ إِلَى قَوْلِهِ {وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ} [هود: 35] وَقَالَ فِي قِصَّةِ مُوسَى عليه السلام {قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى} [طه: 49] الْآيَاتِ إِلَى قَوْلِهِ {تَارَةً أُخْرَى} [طه: 55] وَكَذَلِكَ قَوْلُ فِرْعَوْنَ {وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ} [الشعراء: 23] إِلَى قَوْلِهِ {أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ} [الشعراء: 30] يَعْنِي وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِحُجَّةٍ وَاضِحَةٍ أَدْحَضُ بِهَا حُجَّتَكَ، وَقَالَ عز وجل {قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ قُلِ اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ} [يونس: 34] إِلَى قَوْلِهِ {أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ} [يونس: 35] فَهَذَا كُلُّهُ تَعْلِيمٌ مِنَ اللَّهِ عز وجل لِلسَّؤَالِ وَالْجَوَابِ وَالْمُجَادَلَةِ وَجَادَلَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَهْلَ الْكِتَابِ وَبَاهَلَهُمْ بَعْدَ الْحُجَّةِ قَالَ اللَّهُ عز وجل: {إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ} [آل عمران: 59] الْأَيَةَ ثُمَّ قَالَ: {فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ} [آل عمران: 61] الْآيَةَ،

⦗ص: 956⦘

1822 -

وَقَالَ صلى الله عليه وسلم: «إِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ» الْحَدِيثَ

⦗ص: 957⦘

1823 -

وَجَادَلَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رضي الله عنه الْيَهُودَ فِي جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ عليهما السلام، قَالَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ: كَانَ لِعُمَرَ أَرْضٌ بِأَعْلَى الْمَدِينَةِ فَكَانَ يَأْتِيهَا وَكَانَ طَرِيقُهُ عَلَى مَوْضِعِ مُدَارَسَةِ الْيَهُودِ وَكَانَ كُلَّمَا مَرَّ دَخَلَ عَلَيْهِمْ فَسَمِعَ مِنْهُمْ وَأَنَّهُ دَخَلَ عَلَيْهِمْ ذَاتَ يَوْمٍ فَقَالُوا: يَا عُمَرُ، مَا مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ أَحَدٌ أَحَبَّ إِلَيْنَا مِنْكَ، إِنَّهُمْ يَمُرُّونَ بِنَا فَيُؤْذَونَنَا وَتَمُرُّ بِنَا فَلَا تُؤْذِينَا، وَإِنَّا لَنَطْمَعُ فِيكَ فَقَالَ لَهُمْ عُمَرُ: أَيُّ يَمِينٍ فِيكُمْ أَعْظَمُ؟ قَالُوا: الرَّحْمَنُ، قَالَ: فَبِالرَّحْمَنِ الَّذِي أَنْزَلَ التَّوْارَةَ عَلَى مُوسَى بِطُورِ سَيْنَاءَ، أَتَجِدُونَ مُحَمَّدًا عِنْدَكُمْ نَبِيًّا، فَسَكَتُوا قَالَ: تَكَلَّمُوا مَا شَأْنُكُمْ؟ وَاللَّهِ مَا سَأَلْتُكُمْ وَأَنَا شَاكٌ فِي شَيْءٍ مِنْ دِينِي، فَنَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ فَقَامَ رَجُلٌ مِنْهُمْ فَقَالَ: أَخْبِرُوا الرَّجُلَ أَوْ لَأُخْبِرَنَّهُ قَالُوا: نَعَمْ إِنَّا لَنَجِدُهُ مَكْتُوبًا عِنْدَنَا وَلَكِنَّ صَاحِبَهُ مِنَ الْمَلَائِكَةِ الَّذِي يَأْتِيهِ بِالْوَحْيِ هُوَ جِبْرِيلُ، وَجِبْرِيلُ عَدُوُّنَا وَهُوَ صَاحِبُ كُلِّ قِتَالٍ وَعَذَابٍ وَخَسْفٍ وَلَوْ أَنَّهُ كَانَ وَلِيُّهُ مِيكَائِيلَ لَآمَنَّا بِهِ، فَإِنَّ مِيكَائِيلَ صَاحِبُ كُلِّ رَحْمَةٍ وَكُلِّ غَيْثٍ قَالَ: فَأُنْشِدُكُمُ الرَّحْمَنَ الَّذِي أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى أَيْنَ مِيكَائِيلُ وَأَيْنَ جِبْرِيلُ مِنَ اللَّهِ عز وجل؟ قَالُوا: جِبْرِيلُ عَنْ يَمِينِهِ وَمِيكَائِيلُ عَنْ يَسَارِهِ، قَالَ عُمَرُ: فَأَشْهَدُ أَنَّ الَّذِيَ هُوَ عَدُوٌّ لِلَّذِي عَنْ يَمِينِهِ عَدُوٌّ لِلَّذِي عَنْ يَسَارِهِ، وَالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لِلَّذِي عَنْ يَسَارِهِ عَدُوٌّ لِلَّذِي عَنْ يَمِينِهِ، وَأَنَّهُ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لَهُمَا فَإِنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ، ثُمَّ رَجَعَ عُمَرُ لِيُخْبِرَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَوَجَدَ جِبْرِيلَ عليه السلام قَدْ سَبَقَهُ بِالْوَحْيِ، فَدَعَاهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فَقَرَأَ عَلَيْهِ {قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبَشَرَى لِلْمُؤْمِنِينَ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ} [البقرة: 97] الْآيَاتِ، فَقَالَ عُمَرُ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ، لَقَدْ جِئْتُ وَمَا أُرِيدُ إِلَّا أَنْ أُخْبِرَكَ، فَهَذَا مِمَّا صَدَّقَ اللَّهُ عز وجل فِيهِ قَوْلَ عُمَرَ «وَاحْتِجَاجَهُ، وَهُوَ بَابٌ مِنَ الِاحْتِجَاجِ لَطِيفٌ مَسْلُوكٌ عِنْدَ أَهْلِ النَّظَرِ وَتَرَكْنَا إِسْنَادَ هَذَا الْخَبَرِ وَسَائِرِ مَا أَوْرَدْنَاهُ مِنَ الْأَخْبَارِ فِي هَذَا الْبَابِ وَالْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ وَبَعْدَهُ؛ لِشُهْرَتِهَا فِي التَّفَاسِيرِ وَالْمُصَنَّفَاتِ،

⦗ص: 958⦘

1824 -

وَأَخْبَرَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم» أَنَّ آدَمَ احْتَجَّ مَعَ مُوسَى عليهما السلام فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى " وَقَالَ جَلَّ عَزَّ {هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ} [الحج: 19] فَأَثْنَى عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَهْلِ الْحَقِّ وَذَمَّ أَهْلَ الْكُفْرِ وَالْبَاطِلِ، قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَعُبَيْدَةَ بْنِ الْحَارْثِ، وَعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَعُتْبَةَ وَشَيْبَةَ ابْنَيْ رَبِيعَةَ، وَالْوَلِيدِ بْنِ عُتْبَةَ

ص: 953

1825 -

حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، ثنا أَحْمَدُ بْنُ الْفَضْلِ الدَّيْنَوَرِيُّ، ثنا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الرَّافِعِيُّ، قَالَ حَدَّثَنَا صَاحِبُ بْنُ سُلَيْمَانَ، ثنا وَكِيعٌ، ثنا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ أَبِي هَاشِمٍ الرُّمَّانِيِّ، عَنْ أَبِي مِجْلَزٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ عَبَّادٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا ذَرٍّ، يَقُولُ: " أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَاتُ {هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا} [الحج: 19] فِي رَبِّهِمْ إِلَى قَوْلِهِ {صِرَاطِ الْحَمِيدِ} [الحج: 24] فِي هَؤُلَاءِ الرَّهْطِ السِّتَّةِ يَوْمَ بَدْرٍ فِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ،

⦗ص: 959⦘

وَحَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَعُبَيْدَةَ بْنِ الْحَارْثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَعُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، وَشَيْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، وَالْوَلِيدِ بْنِ عُتْبَةَ "

1826 -

وَتَجَادَلَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَوْمَ السَّقِيفَةِ وَتَدَافَعُوا وَتَقَرَّرُوا وَتَنَاظَرُوا حَتَّى صَارَ الْحَقُّ فِي أَهْلِهِ

1827 -

وَتَنَاظَرُوا بَعْدَ مُبَايَعَةِ أَبِي بَكْرٍ فِي أَهْلِ الرِّدَّةِ وَفِي فُصُولٍ يَطُولُ ذِكْرُهَا،

1828 -

وَاحْتَجُّوا عَلَى أَبِي بَكْرٍ بِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَإِذَا قَالُوهَا حَقَنُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلَّا بِحَقِّهَا وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ» ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ رضي الله عنه: «مِنْ حَقِّهَا الزَّكَاةُ، وَاللَّهِ لَأُقَاتِلَنَّ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الصَّلَاةِ

⦗ص: 960⦘

وَالزَّكَاةِ وَلَوْ مَنَعُونِي عَنَاقًا، وَيُرْوَى عِقَالًا لَقَاتَلْتُهُمْ عَلَيْهِ» فَبَانَ لِعُمَرَ وَغَيْرِهِ مِنَ الصَّحَابَةِ رضي الله عنهم الَّذِينَ خَالَفُوا أَبَا بَكْرٍ فِي ذَلِكَ أَنَّ الْحَقَّ مَعَهُ، فَتَابَعُوهُ، وَكَذَا يَجِبُ عَلَى مَنْ خَالَفَ صَاحِبَهُ وَنَاظَرَهُ أَنْ يَنْصَرِفَ إِلَيْهِ إِذَا بَانَ لَهُ الْحَقُّ فِي قَوْلِهِ، وَقَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم:«إِلَّا بِحَقِّهَا» مِثْلُ قَوْلِ اللَّهِ عز وجل: {وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ} [الأنعام: 151] "

ص: 958

1829 -

وَحَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ بِشْرٍ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي دُلَيْمٍ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ وَضَّاحٍ، ثنا ابْنُ مَاهَانَ، ثنا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ أَيُّوبَ الطَّائِيِّ، عَنْ قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ، قَالَ: لَمَّا جَمَعَ أَبُو بَكْرٍ رضي الله عنه أَهْلَ الرِّدَّةِ قَالَ: «اخْتَارُوا مِنِّي حَرْبًا مُجْلِيَةً أَوْ سِلْمًا مُخْزِيَةً» قَالُوا: أَمَّا الْحَرْبُ الْمُجْلِيَةُ فَقَدْ عَرَفْنَاهَا فَمَا السِّلْمُ الْمُخْزِيَةُ، قَالَ:«تَدُونَ قَتْلَانَا وَلَا نَدِي قَتْلَاكُمْ» فَقَامَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رضي الله عنه فَقَالَ: قَتْلَانَا قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يُودَوْنَ، وَنَنْزِعُ عَنْكُمُ الْحَلْقَةَ وَالْكُرَاعَ، يَعْنِي السِّلَاحَ وَالْخَيْلَ، قَالَ ابْنُ مَاهَانَ قَالَ: وَتَلْزَمُونَ أَذْنَابَ الْإِبِلِ حَتَّى يُرِيَ اللَّهُ خَلِيفَةَ رَسُولِهِ وَالْمُؤْمِنِينَ مَا شَاءَ "

⦗ص: 961⦘

1830 -

وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبيِ دُلَيْمٍ، ثنا ابْنُ وَضَّاحٍ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ مَسْعُودٍ، ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، ثنا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، ثنا قَيْسُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ، فَذَكَرَ مِثْلَهُ

ص: 960

1831 -

حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ، ثنا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، ثنا الْحُمَيْدِيُّ، ثنا سُفْيَانُ، ثنا شُعْبَةُ، عَنْ عَاصِمِ ابْنِ بَهْدَلَةَ، عَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ، قَالَ: " قُلْتُ لِحُذَيْفَةَ صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ؟ فَقَالَ: أَنْتَ تَقُولُ: صَلَّى فِيهِ يَا أَصْلَعُ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، بَيْنِي وَبَيْنَكَ الْقُرْآنُ، قَالَ حُذَيْفَةُ: هَاتِ مَنِ احْتَجَّ بِالْقُرْآنِ فَقَدْ أَفْلَحَ فَقَرَأْتُ عَلَيْهِ {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى} [الإسراء: 1] فَقَالَ حُذَيْفَةُ: أَيْنَ تَجِدُهُ صَلَّى مِنْهُ؟ «وَذَكَرَ الْحَدِيثَ»

⦗ص: 962⦘

1832 -

وَنَاظَرَ عَلِيٌّ رضي الله عنه الْخَوَارِجَ حَتَّى انْصَرَفُوا

1833 -

وَنَاظَرَهُمُ ابْنُ عَبَّاسٍ رضي الله عنه أَيْضًا بِمَا لَا مَدْفَعَ فِيهِ مِنَ الْحُجَّةِ مِنْ نَحْوِ كَلَامِ عَلِيٍّ وَلَوْلَا شُهْرَةُ ذَلِكَ وَخَشْيَةُ طُولِ الْكِتَابِ بِهِ لَاجْتَلَبْتُ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِهِ "

ص: 961

1834 -

حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ شَاكِرٍ، ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عُثْمَانَ، ثنا سَعِيدُ بْنُ حُمَيْرٍ وَسَعِيدُ بْنُ عُثْمَانَ، قَالَا: نا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَالِحٍ، ثنا النَّضْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، ثنا عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو زُمَيْلٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ عَبَّاسٍ رضي الله عنه، قَالَ: " لَمَّا اجْتَمَعَتِ الْحَرُورِيَّةُ يَخْرُجُونَ عَلَى عَلِيٍّ رضي الله عنه قَالَ: جَعَلَ يَأْتِيهِ الرَّجُلُ يَقُولُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ الْقَوْمُ خَارِجُونَ عَلَيْكَ، قَالَ: دَعْهُمْ حَتَّى يَخْرُجُوا، فَلَمَّا كَانَ ذَاتَ يَوْمٍ قُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أَبْرِدْ بِالصَّلَاةِ فَلَا تَفُتْنِي حَتَّى آتِيَ الْقَوْمَ قَالَ: فَدَخَلْتُ عَلَيْهِمْ وَهُمْ قَائِلُونَ فَإِذَا هُمْ مُسْهَمَةٌ وُجُوهُهُمْ مِنَ السَّهَرِ، قَدْ أَثَّرَ السُّجُودُ فِي جِبَاهِهِمْ كَأَنَّ أَيْدِيَهُمْ ثَفِنُ الْإِبِلِ عَلَيْهِمْ قُمُصٌ مُرَحَّضَةٌ فَقَالُوا: مَا جَاءَ بِكَ يَا ابْنَ عَبَّاسٍ؟ وَمَا هَذِهِ الْحُلَّةُ عَلَيْكَ؟ قَالَ: قُلْتُ: مَا تَعِيبُونَ مِنِّي فَلَقَدْ رَأَيْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَحْسَنَ مَا يَكُونُ مِنْ ثِيَابِ الْيَمَنِيَّةِ، قَالَ: ثُمَّ قَرَأْتُ هَذِهِ الْآيَةَ

⦗ص: 963⦘

{قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لَعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ} [الأعراف: 32] فَقَالُوا: مَا جَاءَ بِكَ؟ قُلْتُ: جِئْتُكُمْ مِنْ عِنْدِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَلَيْسَ فِيكُمْ مِنْهُمْ أَحَدٌ، وَمِنْ عِنْدِ ابْنِ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَعَلَيْهِمْ نَزَلَ الْقُرْآنُ، وَهُمْ أَعْلَمُ بِتَأْوِيلِهِ جِئْتُ لِأُبَلِّغَكُمْ عَنْهُمْ وَأُبَلِّغَهُمْ عَنْكُمْ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا تُخَاصِمُوا قُرَيْشًا فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: {بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ} [الزخرف: 58] فَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلَى فَلَنُكَلِّمَنَّهُ قَالَ: فَكَلَّمَنِي مِنْهُمْ رَجُلَانِ أَوْ ثَلَاثَةٌ قَالَ: قُلْتُ: مَاذَا نَقَمْتُمْ عَلَيْهِ؟ قَالُوا: ثَلَاثًا فَقُلْتُ: مَا هُنَّ؟ قَالُوا: حَكَّمَ الرِّجَالَ فِي أَمْرِ اللَّهِ وَقَالَ اللَّهُ عز وجل: {إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ} [الأنعام: 57] قَالَ: قُلْتُ: هَذِهِ وَاحِدَةٌ وَمَاذَا أَيْضًا؟ قَالَ: فَإِنَّهُ قَاتَلَ فَلَمْ يَسْبِ وَلَمْ يَغْنَمْ، فَلَئِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ مَا حَلَّ قِتَالُهُمْ وَلَئِنْ كَانُوا كَافِرِينَ لَقَدْ حَلَّ قِتَالُهُمْ وَسِبَاهُمْ، قَالَ: قُلْتُ: وَمَاذَا أَيْضًا؟ قَالُوا: وَمَحَا نَفْسَهُ مِنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فَهُوَ أَمِيرُ الْكَافِرِينَ، قَالَ: قُلْتُ: أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مَا يَنْقُضُ قَوْلَكُمْ هَذَا، أَتَرْجِعُونَ؟ قَالُوا: وَمَا لَنَا لَا نَرْجِعُ؟ قُلْتُ: أَمَّا قَوْلُكُمْ: حَكَّمَ الرِّجَالَ فِي أَمْرِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عز وجل قَالَ فِي كِتَابِهِ {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ} [المائدة: 95] وَقَالَ فِي الْمَرْأَةِ وَزَوْجِهَا {وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا} [النساء: 35] فَصَيَّرَ اللَّهُ تَعَالَى ذَلِكَ إِلَى حُكْمِ الرِّجَالِ فَنَشَدْتُكُمُ اللَّهَ أَتَعْلَمُونَ حُكْمَ الرِّجَالِ فِي دِمَاءِ الْمُسْلِمِينَ وَفِي إِصْلَاحِ ذَاتِ بَيْنِهِمْ أَفْضَلَ أَوْ فِي دَمِ أَرْنَبٍ ثَمَنُ رُبْعِ دِرْهَمٍ، وَفِي بُضْعِ امْرَأَةٍ؟ قَالُوا: بَلَى هَذَا أَفْضَلُ، قَالَ: أَخَرَجْتُ مِنْ هَذِهِ؟ قَالُوا: نَعَمْ قَالَ: وَأَمَّا قَوْلُكُمْ: قَاتَلَ فَلَمْ يَسْبِ وَلَمْ يَغْنَمْ، أَفَتَسْبُونَ أُمَّكُمْ عَائِشَةَ؟ رضي الله عنها، فَإِنْ قُلْتُمْ: نَسْبِيهَا فَنَسْتَحِلَّ مِنْهَا مَا نَسْتَحِلُّ مِنْ غَيْرِهَا

⦗ص: 964⦘

فَقَدْ كَفَرْتُمْ وَإِنْ قُلْتُمْ: لَيْسَتْ بِأُمِّنَا فَقَدْ كَفَرْتُمْ فَأَنْتُمْ تَرَدَّدُونَ بَيْنَ ضَلَالَتَيْنِ، أَخَرَجْتُ مِنْ هَذِهِ؟ قَالُوا: بَلَى، قَالَ: وَأَمَّا قَوْلُكُمْ: مَحَا نَفْسَهُ مِنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ فَأَنَا آتِيكُمْ بِمَنْ تَرْضَوْنَ، إِنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ حِينَ صَالَحَ أَبَا سُفْيَانَ وَسُهَيْلَ بْنَ عَمْرٍو قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:" اكْتُبْ يَا عَلِيُّ: هَذَا مَا صَالَحَ عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ. . . . " فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ وَسُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو: مَا نَعْلَمُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ، وَلَوْ نَعْلَمُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ مَا قَاتَلْنَاكَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:" اللَّهُمَّ إِنَّكَ تَعْلَمُ أنِّي رَسُولُكَ، امْحُ يَا عَلِيُّ وَاكْتُبْ: هَذَا مَا صَالَحَ عَلَيْهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَأَبُو سُفْيَانَ وَسُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو " قَالَ: فَرَجَعَ مِنْهُمْ أَلْفَانِ وَبَقِيَ بَقِيَّتُهُمْ فَخَرَجُوا فَقُتِلُوا أَجْمَعِينَ "

ص: 962

1835 -

حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى، ثنا بَكْرُ بْنُ سَهْلٍ، ثنا نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنِ أَبِي الْبَخْتَرِيِّ، وَالشَّعْبِيِّ، وَأَصْحَابِ عَلِيٍّ، عَنْ عَلِيٍّ رضي الله عنه " أَنَّهُ لَمَّا ظَهَرَ عَلَى أَهْلِ الْبَصْرَةِ يَوْمَ الْجَمَلِ جَعَلَ لَهُمْ مَا فِي عَسْكَرِ الْقَوْمِ مِنَ السِّلَاحِ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُمْ غَيْرَ ذَلِكَ فَقَالُوا: كَيْفَ تَحِلُّ لَنَا دِمَاؤُهُمْ وَلَا تَحِلُّ لَنَا أَمْوَالُهُمْ وَلَا نِسَاؤُهُمْ؟ قَالَ: هَاتُوا سِهَامَكُمْ وَأَقْرِعُوا عَلَى عَائِشَةَ، فَقَالُوا: نَسْتَغْفِرُ اللَّهَ فَخَصَمَهُمْ عَلِيٌّ رضي الله عنه وَعَرَّفَهُمْ أَنَّهَا إِذَا لَمْ تَحِلَّ لَمْ يَحِلَّ بَنُوهَا " وَالصَّحِيحُ أَنَّ عَلِيًّا عليه السلام لَمْ يَغْنَمْ شَيْئًا مِنْ أَمْوَالِ أَهْلِ الْجَمَلِ وَصِفِّينَ

⦗ص: 965⦘

إِلَّا أَنَّ السِّلَاحَ أَمَرَ بِنَزْعِهَا مِنْهُمْ وَنَقْلِهَا

ص: 964

1836 -

أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى، ثنا بَكْرُ بْنُ سَهْلٍ، ثنا نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ، ثنا عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ كَثِيرِ بْنِ دِينَارٍ، قَالَ: نا هِشَامُ بْنُ يَحْيَى الْغَسَّانَيُّ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ:" خَرَجَتْ عَلَيَّ الْحَرُورِيَّةُ بِالْمَوْصِلِ فَكَتَبْتُ إِلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بِمَخْرَجِهِمْ، فَكَتَبَ إِلَيَّ يَأْمُرُنِي بِالْكَفِّ عَنْهُمْ وَأَنْ أَدْعُوَ رِجَالًا مِنْهُمْ فَأَجْعَلَهُمْ عَلَى مَرَاكِبَ مِنَ الْبَرِيدِ حَتَّى يَقْدَمُوا عَلَى عُمَرَ فَيُجَادِلَهُمْ فَإِنْ يَكُونُوا عَلَى الْحَقِّ اتَّبَعَهُمْ وَإِنْ يَكُنْ عُمَرُ عَلَى الْحَقِّ اتَّبَعُوهُ، وَأَمَرَنِي أَنْ أَرْتَهِنَ مِنْهُمْ رِجَالًا وَأَنْ أُعْطِيَهُمْ رَهْنًا يَكُونُ فِي أَيْدِيهِمْ حَتَّى تَنْقَضِيَ الْأُمُورُ، وَأَجَلُهُمْ فِي سَيْرِهِمْ وَمُقَامِهِمْ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ، فَلَمَّا قَدِمُوا عَلَى عُمَرَ أَمَرَ بِنُزُولِهِمْ ثُمَّ أَدْخَلَهُمْ عَلَيْهِ فَجَادَلَهُمْ حَتَّى إِذَا لَمْ يَجِدْ لَهُمْ حُجَّةً رَجَعَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ وَنَزَعُوا عَنْ رَأْيِهِمْ وَأَجَابُوا عُمَرَ وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ: لَسْنَا نُجِيبُكَ حَتَّى تُكَفِّرَ أَهْلَ بَيْتِكَ وَتَلْعَنَهُمْ وَتَبْرَأَ مِنْهُمْ، فَقَالَ عُمَرُ، " إِنَّهُ لَا يَسَعُكُمْ فِيمَا خَرَجْتُمْ لَهُ إِلَّا الصِّدْقُ، أَعْلِمُونِي هَلْ تَبَرَّأْتُمْ مِنْ فِرْعَوْنَ وَلَعَنْتُمُوهُ أَوْ ذَكَرْتُمُوهُ فِي شَيْءٍ مِنْ أُمُورِكِمْ؟ قَالُوا: لَا، قَالَ: فَكَيْفَ وَسِعَكُمْ تَرْكُهُ، وَلَمْ يَصِفِ اللَّهُ عز وجل عَبْدًا بِأَخْبَثَ مِنْ صِفَتِهِ إِيَّاهُ، وَلَا يَسَعُنِي تَرْكُ أَهْلِ بَيْتِي وَمِنْهُمُ الْمُحْسِنُ وَالْمِسِيءُ وَالْمُخْطِئُ وَالْمُصِيبُ " وَذَكَرَ الْحَدِيثَ

ص: 965

1837 -

أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ قَالَ: نا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى، ثنا بَكْرُ بْنُ سَهْلٍ، ثنا نُعَيْمٌ، ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سُلَيْمٍ أَحَدِ بَنِي رَبِيعَةَ بْنِ حَنْظَلَةَ بْنِ عَدِيٍّ قَالَ: بَعَثَنِي وَعَوْنَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، إِلَى خَوَارِجَ خَرَجَتْ بِالْجَزِيرَةِ فَذَكَرَ الْخَبَرَ فِي مُنَاظَرَةِ عُمَرَ الْخَوَارِجَ، وَفِيهِ قَالُوا: خَالَفْتَ أَهْلَ بَيْتِكَ وَسَمَّيْتَهُمُ الظَّلَمَةَ، فَإِمَّا أَنْ يَكُونُوا عَلَى الْحَقِّ أَوْ يَكُونُوا عَلَى الْبَاطِلِ، فَإِنْ زَعَمْتَ أَنَّكَ عَلَى الْحَقِّ وَهُمْ عَلَى الْبَاطِلِ فَالْعَنْهُمْ وَتَبْرَأْ مِنْهُمْ، فَإِنْ فَعَلْتَ فَنَحْنُ مِنْكَ وَأَنْتَ مِنَّا، وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَلَسْتَ مِنَّا وَلَسْنَا مِنْكَ، فَقَالَ عُمَرُ:" إِنِّي قَدْ عَلِمْتُ أَنَّكُمْ لَمْ تَتْرُكُوا الْأَهْلَ وَالْعَشَائِرَ وَتَعَرَّضْتُمُ لِلْقَتْلَ وَالْقِتَالَ إِلَّا وَأَنْتُمْ تَرَوْنَ أَنَّكُمْ مُصِيبُونَ، وَلَكِنَّكُمْ أَخْطَأْتُمْ وَضَلَلْتُمْ وَتَرَكْتُمُ الْحَقَّ، أَخْبِرُونِي عَنِ الدِّينِ أَوَاحِدٌ أَوِ اثْنَانِ؟ قَالُوا: بَلْ وَاحِدٌ، قَالَ: فَيَسَعُكُمْ فِي دِينِكُمْ شَيْءٌ يَعْجِزُ عَنِّي؟ قَالُوا: لَا، قَالَ: أَخْبِرُونِي عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ مَا حَالُهُمَا عِنْدَكُمْ؟ قَالُوا: أَفْضَلُ أَسْلَافِنَا أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ قَالَ: أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لَمَّا تُوُفِّيَ ارْتَدَّتِ الْعَرَبُ فَقَاتَلَهُمْ أَبُو بَكْرٍ فَقَتَلَ الرِّجَالَ وَسَبَى الذُّرِّيَّةَ وَالنِّسَاءَ؟ قَالُوا: بَلَى، قَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: فَلَمَّا تُوُفِّيَ أَبُو بَكْرٍ وَقَامَ عُمَرُ رَدَّ النِّسَاءَ وَالذَّرَارِيَّ عَلَى عَشَائِرِهِمْ؟ قَالُوا: بَلَى، قَالَ عُمَرُ: فَهَلْ تَبَرَّأَ عُمَرُ مِنْ أَبِي بَكْرٍ وَلَعَنَهُ بِخِلَافِهِ إِيَّاهُ؟ قَالُوا: لَا، قَالَ: فَتَتَوَلَّوْنَهُمَا عَلَى اخْتِلَافِ سِيرَتِهِمَا؟ قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ عُمَرُ: «فَمَا تَقُولُونَ فِي بِلَالِ بْنِ مِرْدَاسٍ؟» قَالُوا: مِنْ خَيْرِ أَسْلَافِنَا بِلَالُ بْنُ مِرْدَاسٍ قَالَ: " أَفْلَسْتُمْ قَدْ عَلِمْتُمْ أَنَّهُ لَمْ يَزَلْ كَافًّا عَنِ الدِّمَاءِ وَالْأَمْوَالِ وَقَدْ لَطَّخَ أَصْحَابُهُ أَيْدِيَهُمْ فِي الدِّمَاءِ والْأَمْوَالِ فَهَلْ تَبَرَّأَتْ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ مِنَ الْأُخْرَى أَوْ لَعَنَتْ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى؟ قَالُوا: لَا قَالَ: فَتَتَوَلَّوْنَهُمَا جَمِيعًا عَلَى اخْتِلَافِ سِيرَتِهِمَا؟ " قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ عُمَرُ: " فَأَخْبِرُونِي

⦗ص: 967⦘

عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ وَهْبٍ الرَّاسِبِيِّ حِينَ خَرَجَ مِنَ الْبَصْرَةِ هُوَ وَأَصْحَابُهُ يُرِيدُونَ أَصْحَابَكُمْ بِالْكُوفَةِ فَمَرُّوا بِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَبَّابٍ فَقَتَلُوهُ وَبَقَرُوا بَطْنَ جَارِيَتِهِ، ثُمَّ عَدَوْا عَلَى قَوْمٍ مِنْ بَنِي قَطِيعَةَ فَقَتَلُوا الرِّجَالَ وَأَخَذُوا الْأَمْوَالَ وَغَلُّوا الْأَطْفَالَ فِي الْمَرَاجِلِ وَتَأَوَّلُوا قَوْلَ اللَّهِ عز وجل {إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا} [نوح: 27] ثُمَّ قَدِمُوا عَلَى أَصْحَابِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ وَهُمْ كَافُّونَ عَنِ الْفُرُوجِ وَالدِّمَاءِ والْأَمْوَالِ فَهَلْ تَبَرَّأَتْ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ مِنَ الْأُخْرَى أَوْ لَعَنَتْ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى؟ " قَالُوا: لَا، قَالَ عُمَرُ:«فَتَتَوَلَوْنَهُمَا عَلَى اخْتِلَافِ سِيرَتِهِمَا؟» قَالُوا: نَعَمْ قَالَ عُمَرُ: «فَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا بَيْنَهُمْ فِي السِّيرَةِ وَالْأَحْكَامِ وَلَمْ يَتَبَرَّأْ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ عَلَى اخْتِلَافِ سِيرَتِهِمْ وَوَسِعَهُمْ وَوَسِعَكُمْ ذَلِكَ وَلَا يَسَعُنِي حِينَ خَالَفْتُ أَهْلَ بَيْتِي فِي الْأَحْكَامِ وَالسِّيرَةِ حَتَّى أَلْعَنَهُمْ وَأَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ، أَخْبِرُونِي عَنِ اللَّعْنِ أَفَرْضٌ هُوَ عَلَى الْعِبَادِ؟» قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ عُمَرُ لِأَحَدِهِمَا «مَتَى عَهْدُكَ بِلَعْنِ فِرْعَوْنَ؟» قَالَ: مَا لِي بِذَلِكَ عَهْدٌ مُنْذُ زَمَانٍ فَقَالَ عُمَرُ: «هَذَا رَأْسٌ مِنْ رُءُوسِ الْكُفْرِ لَيْسَ لَهُ عَهْدٌ بِلَعْنِهِ مُنْذُ زَمَانٍ، وَأَنَا لَا يَسَعُنِي أَنْ لَا أَلْعَنَ مَنْ خَالَفْتُهُمْ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي» وَذَكَرَ تَمَامَ الْخَبَرِ

1838 -

قَالَ أَبُو عُمَرَ: هَذَا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ رحمه الله، وَهُوَ مِمَّنْ جَاءَ عَنْهُ التَّغْلِيظُ فِي النَّهْيِ عَنِ الْجِدَالِ فِي الدِّينِ وَهُوَ الْقَائِلُ: مَنْ جَعَلَ دِينَهُ غَرَضًا لِلْخُصُومَاتِ أَكْثَرَ التَّنَقُّلَ، فَلَمَّا اضْطُرَّ وَعَرَفَ الْفَلَحَ فِي قَوْلِهِ وَرَجَا أَنْ يَهْدِيَ اللَّهُ بِهِ لَزِمَهُ الْبَيَانُ فَبَيَّنَ وَجَادَلَ، وَكَانَ أَحَدَ الرَّاسِخِينَ فِي الْعِلْمِ رحمه الله،

⦗ص: 968⦘

1839 -

وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: كُلُّ مُجَادِلٍ عَالِمٌ وَلَيْسَ كُلُّ عَالِمٍ مُجَادِلًا، يَعْنِي أَنَّهُ لَيْسَ كُلُّ عَالِمٍ تَتَأَتَّى لَهُ الْحُجَّةُ وَيَحْضُرُهُ الْجَوَابُ وَيُسْرِعُ إِلَيْهِ الْفَهْمُ بِمَقْطَعِ الْحُجَّةِ، وَمَنْ كَانَتْ هَذِهِ خِصَالُهُ فَهُوَ أَرْفَعُ الْعُلَمَاءِ وَأَنْفَعُهُمْ مُجَالَسَةً وَمُذَاكَرَةً، وَاللَّهُ يُؤْتِي فَضْلَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ،

1840 -

قَالَ أَبُو إِبْرَاهِيمَ الْمُزَنِيُّ لِبَعْضِ مُخَالِفِيهِ فِي الْفِقْهِ: مِنْ أَيْنَ قُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا، وَلِمَ قُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا؟ فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ: قَدْ عَلِمْتَ يَا أَبَا إِبْرَاهِيمَ أَنَّا لَسْنَا لِمِّيَّةً، فَقَالَ الْمُزَنِيُّ: إِنْ لَمْ تَكُونُوا لِمِّيَّةً فَأَنْتُمْ أَذِنْ فِي عِمِّيَّةٍ "

ص: 966

1841 -

أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا يُوسُفُ بْنُ أَحْمَدَ إِجَازَةً عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ الْعُقَيْلِيِّ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَتَّابِ بْنِ الْمُرَبَّعِ، قَالَ: سَمِعْتُ الْعَبَّاسَ بْنَ عَبْدِ الْعَظِيمِ الْعَنْبَرِيَّ أَخْبَرَنِي، قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَجَاءَهُ عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ رَاكِبًا عَلَى دَابَّةٍ، قَالَ: فَتَنَاظَرَا فِي الشَّهَادَةِ وَارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمَا حَتَّى خِفْتُ أَنْ يَقَعَ بَيْنَهُمَا جَفَاءٌ وَكَانَ أَحْمَدُ يَرَى الشَّهَادَةَ وَعَلِيٌّ يَأْبَى وَيَدْفَعُ، فَلَمَّا أَرَادَ عَلِيٌّ الِانْصِرَافَ قَامَ أَحْمَدُ فَأَخَذَ بِرِكَابِهِ، وَسَمِعْتُ أَحْمَدَ فِي ذَلِكَ الْمَجْلِسُ يَقُولُ:«لَا تَنْظُرْ بَيْنَ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ وَنَكِلُهُمْ إِلَى اللَّهِ عز وجل، وَالْحُجَّةُ فِي ذَلِكَ حَدِيثُ حَاطِبٍ»

⦗ص: 969⦘

قَالَ أَبُو عُمَرَ: كَانَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ رحمه الله يَرَى الشِّهَادَةَ بِالْجَنَّةِ لِمَنْ شَهِدَ بَدْرًا أَوِ الْحُدَيْبِيَةَ أَوْ لِمَنْ جَاءَ فِيهِ أَثَرٌ مَرْفُوعٌ عَلَى مَا كَانَ مِنْهُمْ مِنْ سَفْكِ دِمَاءِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، وَكَانَ عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ يَأْبَى ذَلِكَ وَلَا يُصَحِّحُ فِي ذَلِكَ أَثَرًا وَأَمَّا تَنَاظُرُ الْعُلَمَاءِ وَتَجَادُلُهُمْ فَإِنَّ مَسَائِلَ الْأَحْكَامِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ فَأَكْثَرُ مِنْ أَنْ تُحْصَى، وَسَنَذْكُرُ مِنْهَا شَيْئًا يُسْتَدَلُّ بِهِ،

1842 -

قَالَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ لَعَلِيٍّ رضي الله عنهما فِي الْمُكَاتَبِ: أَكُنْتَ رَاجِمَهُ لَوْ زَنَى؟ قَالَ: لَا، قَالَ: فَكُنْتَ تُجِيزُ شَهَادَتَهُ؟ قَالَ: لَا قَالَ: فَهُوَ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ دِرْهَمٌ وَقَدْ ذَكَرَ مَعْمَرٌ عَنْ قَتَادَةَ أَنَّ عَلِيًّا رضي الله عنه قَالَ فِي الْمُكَاتَبِ: يُوَرَّثُ بِقَدْرِ مَا أَدَّى وَيُجْلَدُ بِقَدْرِ مَا أَدَّى، وَيُعْتَقُ بِقَدْرِ مَا أَدَّى، وَيَكُونُ دَيْنُهُ بِقَدْرِ مَا أَدَّى. وَاحْتَجَّ زَيْدٌ أَيْضًا عَلَى مَنْ خَالَفَهُ مِنَ الصَّحَابَةِ إِذْ خَاصَمُوهُ فِي ذَلِكَ

⦗ص: 970⦘

بِأَنَّ الْمُكَاتَبِينَ كَانُوا يَدْخُلُونَ عَلَى أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ مَا بَقِيَ عَلَى أَحَدٍ مِنْ كِتَابَتِهِ شَيْءٌ، وَبِقَوْلِ زَيْدٍ: يَقُولُ فُقَهَاءُ الْأَمْصَارِ،

1843 -

وَنَاظَرَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ أَبَاهُ فِي الْمَالِ الَّذِي أَعْطَاهُ إِيَّاهُ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ هُوَ وَأَخَاهُ وَقَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ: لَوْ تَلَفَ الْمَالُ ضَمَنَّاهُ فَلَنَا رِبْحُهُ بِالضَّمَانِ،

1844 -

وَقَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ فِي الْحَامِلِ تَلِدُ وَلَدًا وَيَبْقَى فِي بَطْنِهَا وَلَدٌ آخَرُ: إِنَّ لِزَوْجِهَا الرَّجْعَةَ عَلَيْهَا، وَقَالَ عِكْرِمَةُ: لَا رَجْعَةَ لَهُ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّها قَدْ وَضَعَتْ فَقَالَ لَهُ سُلَيْمَانُ: أَيَحِلُّ لَهَا أَنْ تَتَزَوَّجَ؟ قَالَ: لَا قَالَ: خَصِمَ الْعَبْدُ

1845 -

وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لِيَتَّقِ اللَّهَ زَيْدٌ أَيَجْعَلُ وَلَدَ الْوَلَدِ بِمَنْزِلَةِ الْوَلَدِ وَلَا يَجْعَلُ أَبَا الْأَبِ بِمَنْزِلَةِ الْأَبِ؟ إِنْ شَاءَ بَاهَلْتُهُ عِنْدَ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ.

1846 -

وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: " مَنْ شَاءَ بَاهَلْتُهُ أَنَّ الظِّهَارَ لَيْسَ مِنَ الْأَمَةِ إِنَّمَا قَالَ اللَّهُ عز وجل {مِنْ نِسَائِهِمْ} [البقرة: 226] ". وَقِيلَ لِمُجَاهِدٍ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ: أَلَيْسَ اللَّهُ عز وجل يَقُولُ {وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ} [المجادلة: 3] أَفَلَيْسَ الْأَمَةُ مِنَ النِّسَاءِ؟ فَقَالَ مُجَاهِدٌ: قَدْ قَالَ اللَّهُ {وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ} [البقرة: 282] أَفَلَيْسَ الْعَبْدُ مِنَ الرِّجَالِ؟ أَفَتَجُوزُ شَهَادَتُهُ؟ يَقُولُ: كَمَا كَانَ الْعَبْدُ مِنَ الرِّجَالِ غَيْرَ الْمُرَادِ بِالشَّهَادَةِ، فَكَذَلِكَ الْأَمَةُ مِنَ النِّسَاءِ غَيْرُ الْمُرَادِ بِالظِّهَارِ، وَهَذَا عَيْنُ الْقِيَاسِ "

⦗ص: 971⦘

1847 -

وَنَاظَرَ أَبُو هُرَيْرَةَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلَامٍ فِي السَّاعَةِ الَّتِي فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ عَلَى حَسَبِ مَا ذَكَرَهُ مَالِكٌ فِي مُوَطَّئِهِ،

1848 -

وَنَاظَرَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ رَبِيعَةَ فِي أَصَابِعِ الْمَرْأَةِ،

1849 -

وَنَاظَرَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ أَبَا عُبَيْدَةَ فِي حَدِيثِ الطَّاعُونِ، قَوْلَهُ: أَرَأَيْتَ لَوَ كَانَتْ لَكَ إِبِلٌ هَبَطْتَ بِهَا وَادِيًا، الْحَدِيثَ، وَهُو أَكْثَرُ مِنْ أَنْ يُحْصَى، وَفِي قَوْلِ اللَّهِ عز وجل {فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ} [آل عمران: 66] دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الِاحْتِجَاجَ بِالْعِلْمِ مُبَاحٌ شَائِعٌ لِمَنْ تَدَبَّرَ، وَمِنَ مَلِيحِ الِاحْتِجَاجِ وَالْكَرِّ عَلَى الْخَصِمِ مَا

⦗ص: 972⦘

1850 -

رَوَى حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنِ الْأَزْرَقِ بْنِ قَيْسٍ أَنَّ الْأَحْنَفَ بْنَ قَيْسٍ كَانَ يَكْرَهُ الصَّلَاةَ فِي الْمَقْصُورَةِ فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: يَا أَبَا بَحْرٍ لِمَ لَا تُصَلِّي فِي الْمَقْصُورَةِ؟ قَالَ لَهُ الْأَحْنَفُ: وَأَنْتَ لِمَ تُصَلِّي فِيهَا؟ قَالَ: لَا أَتْرُكُ، قَالَ الْأَحْنَفُ: فَكَذَلِكَ لَا أَصَلِّي فِيهَا وَهَذَا ضَرْبٌ مِنَ الِاحْتِجَاجِ وَإِلْزَامِ الْخَصِمِ بَدِيعٌ،

1851 -

وَقَالَ الْمُزَنِيُّ: لَا تَعْدُو الْمُنَاظَرَةُ إِحْدَى ثَلَاثٍ إِمَّا تَثْبِيتٌ لِمَا فِي يَدِهِ أَوِ انْتِقَالٌ مِنْ خَطَأٍ كَانَ عَلَيْهِ أَوِ ارْتِيَابٌ فَلَا يُقَدَّمُ مِنَ الدِّينِ عَلَى شَكٍّ، قَالَ: وَكَيْفَ يُنْكِرُ الْمُنَاظَرَةَ مَنْ لَمْ يَنْظُرْ فِيمَا لَهُ بِرَدِّهَا قَالَ؟ وَحَقُّ الْمُنَاظَرَةِ أَنْ يُرَادَ بِهَا اللَّهُ عز وجل وَأَنْ يُقْبَلَ مِنْهَا مَا يَتَبَيَّنُ،

1852 -

وَقَالُوا: لَا تَصِحُّ الْمُنَاظَرَةُ وَيَظْهَرُ الْحَقُّ بَيْنَ الْمُتَنَاظِرَيْنِ حَتَّى يَكُونَا مُتَقَارِبَيْنِ أَوْ مُتَسَاوِيَيْنِ فِي مَرْتَبَةٍ وَاحِدَةٍ مِنَ الدِّينِ وَالْفَهْمِ وَالْعَقْلِ وَالْإِنْصَافِ وَإِلَّا فَهُوَ مِرَاءٌ وَمُكَابَرَةٌ "

ص: 968

1853 -

قَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ عِمْرَانَ، سَمِعْتُ أَسَدَ بْنَ الْفُرَاتِ، يَقُولُ:" بَلَغَنِي أَنَّ قَوْمًا كَانُوا يَتَنَاظَرُونَ بِالْعِرَاقِ فِي الْعِلْمِ فَقَالَ قَائِلٌ: مَنْ هَؤُلَاءِ؟ فَقِيلَ لَهُ: قَوْمٌ يَقْتَسِمُونَ مِيرَاثَ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم "

ص: 972

1854 -

وَذَكَرَ ابْنُ مُزَيْنٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عِيسَى، عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ، عَنْ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، «رَأَيْتُ مُلَاحَاةَ الرِّجَالِ تَلْقِيحًا لِأَلْبَابِهِمْ»

ص: 972

1856 -

أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ سَعِيدٍ، نا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مِقْسَمٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا أَحْمَدَ بْنَ بُلَيْلٍ الزَّعْفَرَانِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا عُبَيْدٍ الْقَاسِمَ بْنَ سَلَّامٍ يَقُولُ: مَا نَاظَرْتُ قَطُّ رَجُلًا مُفَنِّنًا فِي الْعُلُومِ إِلَّا غَلَبْتُهُ، وَلَا نَاظَرَنِي رَجُلٌ ذُو فَنٍّ وَاحِدٍ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا غَلَبَنِي فِيهِ

ص: 973

1857 -

أَخْبَرَنَا خَلَفُ بْنُ قَاسِمٍ، ثنا الْحَسَنُ بْنُ رَشِيقٍ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ رَمَضَانَ بْنِ شَاكِرٍ قَالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ يَقُولُ: مَا رَأَيْتُ أَحَدًا يُنَاظِرُ الشَّافِعِيَّ إِلَّا رَحِمْتُهُ، لِمَا أَرَى مِنْ مَقَامِهِ بَيْنَ يَدَيِ الشَّافِعِيِّ

ص: 973

1858 -

أَخْبَرَنَا خَلَفٌ، ثنا عِيسَى، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ آدَمَ قَالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ يَقُولُ: لَوْ رَأَيْتَ الشَّافِعِيَّ يُنَاظِرُ لَظَنَنْتَ أَنَّهُ سَبُعٌ يَأْكُلُكَ

ص: 974

1859 -

حَدَّثَنَا خَلَفٌ، ثنا الْحَسَنُ، نا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ آدَمَ قَالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ قَالَ: الشَّافِعِيُّ عَلَّمَ النَّاسَ الْحُجَجَ

1860 -

قَالَ: وَسَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ يَقُولُ: رَحِمَ اللَّهُ الشَّافِعِيَّ، لَوْلَاهُ مَا عَرَفْتُ مَا الْقِيَاسُ قَالَ: وَالرَّدُّ عَلَى غَيْرِ الشَّافِعِيِّ لِمَنْ حَاوَلَهُ سَهْلٌ عَلَيْهِ، وَالرَّدُّ عَلَيْهِ صَعْبٌ مَرَامُهُ

ص: 974

بَابُ فَسَادِ التَّقْلِيدِ وَنَفْيِهِ وَالْفَرَقِ بَيْنِ التَّقْلِيدِ وَالِاتِّبَاعِ " قَدْ ذَمَّ اللَّهُ تبارك وتعالى التَّقْلِيدَ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنْ كِتَابِهِ فَقَالَ: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ} [التوبة: 31]

1861 -

وَرُوِيَ عَنْ حُذَيْفَةَ وَغَيْرِهِ، قَالَ «لَمْ يَعْبُدُوهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ أَحَلُّوا لَهُمْ وَحَرَّمُوا عَلَيْهِمْ فَاتَّبَعُوهُمْ»

ص: 975

1862 -

وَقَالَ عَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ: أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَفِي عُنُقِي صَلِيبٌ فَقَالَ لِي: " يَا عَدِيَّ بْنَ حَاتِمٍ: «أَلْقِ هَذَا الْوَثَنَ مِنْ عُنُقِكَ» . وَانْتَهَيْتُ إِلَيْهِ وَهُوَ يَقْرَأُ سُورَةَ بَرَاءَةٍ حَتَّى أَتَى عَلَى هَذِهِ الْآيَةِ {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ} [التوبة: 31] قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا لَمْ نَتَّخِذْهُمْ أَرْبَابًا،

⦗ص: 976⦘

قَالَ: «بَلَى، أَلَيْسَ يُحِلُّونَ لَكُمْ مَا حُرِّمَ عَلَيْكُمْ فَتُحِلُّونَهُ، وَيُحَرِّمُونَ عَلَيْكُمْ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ فَتُحَرِّمُونَهُ؟» فَقُلْتُ: بَلَى، قَالَ:«تِلْكَ عِبَادَتُهُمْ»

ص: 975

1863 -

حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ، ثنا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ، ثنا ابْنُ وَضَّاحٍ، ثنا يُوسُفُ بْنُ عَدِيٍّ، ثنا أَبُو الْأَحْوَصِ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ أَبِي الْبَخْتَرِيِّ، فِي قَوْلِهِ عز وجل {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ} [التوبة: 31] قَالَ:

⦗ص: 977⦘

أَمَا إِنَّهُمْ لَوْ أَمَرُوهُمْ أَنْ يَعْبُدُوهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا أَطَاعُوهُمْ وَلَكِنَّهُمْ أَمَرُوهُمْ فَجَعَلُوا حَلَالَ اللَّهِ حَرَامَهُ وَحَرَامَهُ حَلَالَهُ فَأَطَاعُوهُمْ فَكَانَتْ تِلْكَ الرَّبُوبِيَّةَ "

ص: 976

1864 -

قَالَ: وَنا ابْنُ وَضَّاحٍ، نا مُوسَى بْنُ مُعَاوِيَةَ، نا وَكِيعٌ، نا سُفْيَانُ، وَالْأَعْمَشُ، جَمِيعًا عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي الْبَخْتَرِيِّ، قَالَ: قِيلَ لِحُذَيْفَةَ فِي قَوْلِهِ {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ} [التوبة: 31]" أَكَانُوا يَعْبُدُونَهُمْ؟ قَالَ: لَا، وَلَكِنْ كَانُوا يُحِلُّونَ لَهُمُ الْحَرَامَ فَيُحِلُّونَهُ وَيُحَرِّمُونَ عَلَيْهِمُ الْحَلَالَ فَيُحَرِّمُونَهُ " وَقَالَ عز وجل {وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ} [الزخرف: 24] فَمَنَعَهُمُ الِاقْتِدَاءُ بِآبَائِهِمْ مِنْ قَبُولِ الِاهْتِدَاءِ فَقَالُوا: {إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ} [سبأ: 34] وَفِي هَؤُلَاءِ وَمِثْلِهِمْ قَالَ اللَّهُ عز وجل: {إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ} [الأنفال: 22] وَقَالَ: {إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوَا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهُمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ} وَقَالَ اللَّهُ عز وجل عَائِبًا لِأَهْلِ الْكُفْرِ وَذَامًّا لَهُمْ: {مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ} [الأنبياء: 52] وَقَالَ {إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا} [الأحزاب: 67] وَمِثْلُ هَذَا فِي الْقُرْآنِ كَثِيرٌ مِنْ ذَمِّ تَقْلِيدِ الْآبَاءِ وَالرُّؤَسَاءِ،

⦗ص: 978⦘

قَالَ أَبُو عُمَرَ: وَقَدِ احْتَجَّ الْعُلَمَاءُ بِهَذِهِ الْآيَاتِ فِي إِبْطَالِ التَّقْلِيدِ وَلَمْ يَمْنَعْهُمْ كُفْرُ أَؤلْئِكَ مِنَ جِهَةِ الِاحْتِجَاجِ بِهَا؛ لِأَنَّ التَّشْبِيهَ لَمْ يَقَعْ مِنْ جِهَةِ كُفْرِ أَحَدِهِمَا وَإِيمَانِ الْآخَرِ وَإِنَّمَا وَقَعَ التَّشْبِيهُ بَيْنَ التَّقْلِيدَيْنِ بِغَيْرِ حُجَّةٍ لِلْمُقَلِّدِ كَمَا لَوْ قَلَّدَ رَجُلٌ فَكَفَرَ وَقَلَّدَ آخَرُ فَأَذْنَبَ وَقَلَّدَ آخَرَ فِي مَسْأَلَةِ دُنْيَاهُ فَأَخْطَأَ وَجْهَهَا، كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مَلُومًا عَلَى التَّقْلِيدِ بِغَيْرِ حُجَّةٍ؛ لِأَنَّ كُلَّ ذَلِكَ تَقْلِيدٌ يُشْبِهُ بَعْضُهُ بَعْضًا وَإِنِ اخْتَلَفَتِ الْآثَامُ فِيهِ، وَقَالَ اللَّهُ عز وجل {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ} [التوبة: 115] وَقَدْ ثَبَتَ الِاحْتِجَاجُ بِمَا قَدَّمْنَا فِي الْبَابِ قَبْلَ هَذَا وَفِي ثُبُوتِهِ إِبْطَالُ التَّقْلِيدِ أَيْضًا، فَإِذَا بَطَلَ التَّقْلِيدُ بِكُلِّ مَا ذَكَرْنَا وَجَبَ التَّسْلِيمُ لِلْأُصُولِ الَّتِي يَجِبُ التَّسْلِيمُ لَهَا وَهِيَ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ أَوْ مَا كَانَ فِي مَعْنَاهُمَا بِدَلِيلٍ جَامِعٍ بَيْنَ ذَلِكَ "

ص: 977

1865 -

أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ، ثنا قَاسِمُ بْنُ أَصْبُغَ، ثنا أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ مُحَمَّدٍ الْعُثْمَانَيُّ، بِالْمَدِينَةِ ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، ثنا كَثِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ الْمُزَنِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «إِنِّي لَأَخَافُ عَلَى أُمَّتِي مِنْ بَعْدِي أَعْمَالًا ثَلَاثَةً» قَالُوا: وَمَا هِيَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ:«أَخَافُ عَلَيْهِمْ مِنْ زَلَّةِ الْعَالِمِ، وَمِنْ حَكَمٍ جَائِزٍ، وَمِنْ هَوًى مُتَّبَعٍ»

ص: 978

1867 -

حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ، ثنا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ، ثنا ابْنُ وَضَّاحٍ ثنا مُوسَى بْنُ مُعَاوِيَةَ، ثنا ابْنُ مَهْدِيٍّ، عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ أَبِي حُصَيْنٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ زِيَادِ بْنِ حُدَيْرٍ، قَالَ: قَالَ عُمَرُ رضي الله عنه: " ثَلَاثٌ يَهْدِمْنَ الدِّينَ: زَلَّةُ الْعَالِمِ، وَجِدَالُ مُنَافِقٍ بِالْقُرْآنِ، وَأَئِمَّةٌ مُضِلُّونَ "

ص: 979

1868 -

وَبِهِ عَنِ ابْنِ مَهْدِيٍّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ حَيَّانَ، عَنِ الْحَسَنِ، قَالَ: قَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ: «إِنَّ مِمَّا أَخْشَى عَلَيْكُمْ زَلَّةَ الْعَالِمِ، وَجِدَالَ الْمُنَافِقِ بِالْقُرْآنِ، وَالْقُرْآنُ حَقٌّ، وَعَلَى الْقُرْآنِ مَنَارٌ كَأَعْلَامِ الطَّرِيقِ»

ص: 980

1869 -

أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ، قَالَ: أنا أَبُو الْحُسَيْنِ أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ الْآدَمَيُّ، قَالَ حَدَّثَنَا عَبَّاسٌ الدُّورِيُّ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ الْعَبْدِيُّ، قَالَ حَدَّثَنَا مُجَالِدٌ، عَنْ عَامِرٍ، عَنْ زِيَادِ بْنِ حُدَيْرٍ، قَالَ: قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رضي الله عنه، " ثَلَاثٌ يَهْدِمْنَ الدِّينَ: زَيْغَةُ الْعَالِمِ وَجِدَالُ مُنَافِقٍ بِالْقُرْآنِ، وَأَئِمَّةٌ مُضِلُّونَ "

1870 -

وَذَكَرَ ابْنُ مُزَيْنٍ، عَنْ أَصْبَغَ، عَنْ جَرِيرٍ الضَّبِّيِّ، عَنِ الْمُغِيرَةِ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ زِيَادِ بْنِ حُدَيْرٍ، قَالَ: أَتَيْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رضي الله عنه، فَذَكَرَ مَعْنَاهُ

ص: 980

1871 -

قَالَ: وَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ، ثنا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَنَّ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ كَانَ يَقُولُ فِي مَجْلِسِهِ كُلَّ يَوْمٍ، قَلَّ مَا يُخْطِئُهُ أَنْ يَقُولَ ذَلِكَ:" اللَّهُ حَكَمٌ قِسْطٌ هَلَكَ الْمُرْتَابُونَ إِنَّ وَرَاءَكُمْ فِتَنًا يَكْثُرُ فِيهَا الْمَالُ وَيُفْتَحُ فِيهِ الْقُرْآنُ حَتَّى يَقْرَأَهُ الْمُؤْمِنُ وَالْمُنَافِقُ وَالْمَرْأَةُ وَالصَّبِيُّ وَالْأَسْوَدُ وَالْأَحْمَرُ فَيُوشِكُ أَحَدُكُمْ أَنْ يَقُولَ: قَدْ قَرَأْتُ الْقُرْآنَ فَمَا أَظُنُّ أَنْ تَتَّبِعُونِي، حَتَّى ابْتَدَعَ لَهُمْ غَيْرَهُ، فَإِيَّاكُمْ وَمَا ابْتُدِعَ؛ فَإِنَّ كُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَإِيَّاكَ وَزَيْغَةَ الْحَكِيمِ؛ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَتَكَلَّمُ عَلَى لِسَانِ الْحَكِيمِ بِكَلِمَةِ الضَّلَالَةِ، وَإِنَّ الْمُنَافِقَ قَدْ يَقُولُ كَلِمَةَ الْحَقِّ فَتَلَقَّوَا الْحَقَّ عَمَّنْ جَاءَ بِهِ؛ فَإِنَّ عَلَى الْحَقِّ نُورًا قَالُوا: وَكَيْفَ زَيْغَةُ الْحَكِيمِ؟ قَالَ: هِيَ الْكَلِمَةُ تُرَوِّعُكُمْ وَتُنْكِرُونَهَا وَتَقُولُونَ: مَا هَذِهِ؟ فَاحْذَرُوا زَيْغَتَهُ وَلَا يَصُدَّنَّكُمْ عَنْهُ، فَإِنَّهُ يُوشِكُ أَنْ يَفِيءَ وَأَنْ يُرَاجِعَ الْحَقَّ، وَإِنَّ الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ مَكَانَهُمَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، فَمَنِ ابْتَغَاهُمَا وَجَدَهُمَا "

ص: 981

1872 -

حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ، ثنا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ وَضَّاحٍ، ثنا مُوسَى بْنُ مُعَاوِيَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ مَهْدِيٍّ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَمَةَ، قَالَ: قَالَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ " يَا مَعْشَرَ الْعَرَبِ كَيْفَ تَصْنَعُونَ بِثَلَاثٍ؟ دُنْيَا تَقْطَعُ أَعْنَاقَكُمْ، وَزَلَّةِ عَالِمٍ وَجِدَالِ مُنَافِقٍ بِالْقُرْآنِ، فَسَكَتُوا فَقَالَ: أَمَّا الْعَالِمُ فَإِنِ اهْتَدَى فَلَا تُقَلِّدُوهُ دِينَكُمْ، وَإِنِ افْتُتِنَ فَلَا تَقْطَعُوا مِنْهُ أَنَاتَكُمْ؛ فَإِنَّ الْمُؤْمِنَ يُفْتَتَنُ ثُمَّ يَتُوبُ، وَأَمَّا الْقُرْآنُ فَلَهُ مَنَارٌ كَمَنَارِ الطَّرِيقِ لَا يَخْفَى عَلَى أَحَدٍ، فَمَا عَرَفْتُمْ مِنْهُ فَلَا تَسْأَلُوا عَنْهُ، وَمَا شَكَكْتُمْ فَكِلُوهُ إِلَى عَالِمِهِ، وَأَمَّا الدُّنْيَا فَمَنْ جَعَلَ اللَّهُ الْغِنَى فِي قَلْبِهِ فَقَدْ أَفْلَحَ، وَمَنْ لَا فَلَيْسَ بِنَافِعَتِهِ دُنْيَاهُ "

ص: 982

1873 -

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أنا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ يَحْيَى، ثنا أَبُو سَعِيدٍ الْبَصْرِيُّ بِمَكَّةَ ثنا الْحَسَنُ بْنُ عَفَّانَ الْعَامِرِيُّ، ثنا حُسَيْنٌ الْجُعْفِيُّ، عَنْ زَائِدَةَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ أَبِي الْبَخْتَرِيُّ، قَالَ: قَالَ سَلْمَانُ رضي الله عنه «كَيْفَ أَنْتُمْ عِنْدَ ثَلَاثٍ؟ زَلَّةِ عَالِمٍ وَجِدَالِ مُنَافِقٍ بِالْقُرْآنِ، وَدُنْيَا تَقْطَعُ أَعْنَاقَكُمْ، فَأَمَّا زَلَّةُ الْعَالِمِ فَإِنِ اهْتَدَى فَلَا تُقَلِّدُوهُ دِينَكُمْ، وَأَمَّا مُجَادَلَةُ مُنَافِقٍ بِالْقُرْآنِ فَإِنَّ لِلْقُرْآنِ مَنَارًا كَمَنَارِ الطَّرِيقِ، فَمَا عَرَفْتُمْ مِنْهُ فَخُذُوا وَمَا لَمْ تَعْرِفُوهْ فَكِلُوهُ إِلَى اللَّهِ، وَأَمَّا دُنْيَا تَقْطَعُ أَعْنَاقَكُمْ فَانْظُرُوا إِلَى مَنْ هُوَ دُونَكُمْ وَلَا تَنْظُرُوا إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقَكُمْ» وَشَبَّهَ الْعُلَمَاءُ زَلَّةَ الْعَالِمِ بِانْكِسَارِ السَّفِينَةِ؛ لِأَنَّهَا إِذَا غَرِقَتْ غَرِقَ مَعَهَا خَلْقٌ كَثِيرٌ

⦗ص: 983⦘

وَإِذَا ثَبَتَ وَصَحَّ أَنَّ الْعَالِمَ يُخْطِئُ وَيَزِلُّ لَمْ يَجُزْ لِأَحَدٍ أَنْ يُفْتِيَ وَيَدِينَ بِقَوْلٍ لَا يَعْرِفُ وَجْهَهُ

ص: 982

1874 -

حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَحْيَى، ثنا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، ثنا أَحْمَدُ بْنُ دَوَادَ، ثنا سُحْنُونُ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: سَمِعْتُ سُفْيَانَ بْنَ عُيَيْنَةَ يُحَدِّثُ عَنْ عَاصِمِ ابْنِ بَهْدَلَةَ، عَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ:«اغْدُ عَالِمًا أَوْ مُتَعَلِّمًا وَلَا تَغْدُ إِمَّعَةً فِيمَا بَيْنَ ذَلِكَ»

ص: 983

1874 -

قَالَ ابْنُ وَهْبٍ: فَسَأَلْتُ سُفْيَانَ، عَنِ الْإِمَّعَةِ، فَحَدَّثَنِي عَنْ أَبِي الزَّعْرَاءِ، عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ:«كُنَّا نَعُدُّ الْإِمَّعَةَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ الَّذِي يُدْعَى إِلَى الطَّعَامِ فَيُذْهَبُ مَعَهُ بِغَيْرِهِ وَهُوَ فِيكُمُ الْيَوْمَ الْمُحْقِبُ دِينَهُ الرِّجَالَ»

ص: 983

1875 -

وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، ثنا سَعِيدُ بْنُ أَحْمَدَ، ثنا أَسْلَمُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، ثنا يُونُسُ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَاصِمِ ابْنِ بَهْدَلَةَ، عَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ

⦗ص: 984⦘

بْنِ مَسْعُودٍ، أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ:«اغْدُ عَالِمًا أَوْ مُتَعَلِّمًا وَلَا تَغْدُوَنَّ إِمَّعَةً فِيمَا بَيْنَ ذَلِكَ»

ص: 983

1876 -

وَبِهِ عَنْ يُونُسَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: وَحَدَّثَنِي أَبُو الزَّعْرَاءِ، عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، أَنَّهُ قَالَ:«كُنَّا نَدْعُو الْإِمَّعَةَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ الَّذِي يُدْعَى إِلَى الطَّعَامِ فَيُذْهَبُ مَعَهُ بِآخَرَ وَهُوَ فِيكُمُ الْيَوْمَ الْمُحْقِبُ دِينَهُ الرِّجَالَ» وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُطَرِّفٍ، ثنا سَعِيدٌ، وَسَعِيدٌ قَالَا: نا يُونُسُ، فَذَكَرَ الْخَبَرَيْنِ جَمِيعًا بِإِسْنَادِهِمَا سَوَاءً

ص: 984

1877 -

أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي ثنا مُحَمَّدُ بْنُ قَاسِمٍ، ثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ يُونُسَ الْبَغْدَادِيُّ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْأَسَدِيُّ، ثنا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنِ الْمُثَنَّى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ الرِّيَاحِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: " وَيْلٌ لِلْأَتْبَاعِ مِنْ عَثَرَاتِ الْعَالِمِ، قِيلَ: كَيْفَ ذَلِكَ؟ قَالَ: يَقُولُ الْعَالِمُ شَيْئًا بِرَأْيِهِ ثُمَّ يَجِدُ مَنْ هُوَ أَعْلَمُ بِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مِنْهُ فَيَتْرُكُ قَوْلَهُ ذَلِكَ ثُمَّ يَمْضِي الْأَتْبَاعُ "

1878 -

وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رضي الله عنه لِكُمَيْلِ بْنِ زِيَادٍ النَّخَعِيِّ وَهُوَ حَدِيثٌ مَشْهُورٌ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ يُسْتَغْنَى عَنِ الْإِسْنَادِ لِشُهْرَتِهِ عِنْدَهُمْ: " يَا كُمَيْلُ بْنَ زِيَادٍ، إِنَّ هَذِهِ الْقُلُوبَ أَوْعِيَةٌ فَخَيْرُهَا أَوْعَاهَا لِلْخَيْرِ، وَالنَّاسُ ثَلَاثَةٌ: فَعَالِمٌ رَبَّانِيُّ، وَمُتَعَلِّمٌ عَلَى سَبِيلِ نَجَاةٍ، وَهَمَجٌ رِعَاعٌ أَتْبَاعُ كُلِّ نَاعِقٍ لَمْ يَسْتَضِيئُوا بِنُورِ الْعِلْمِ، وَلَمْ يَلْجَئُوا إِلَى رُكْنٍ وَثِيقٍ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ هَا هُنَا

⦗ص: 985⦘

لَعِلْمًا، وَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى صَدْرِهِ، لَوْ أَصَبْتَ لَهُ حَمَلَةً، بَلَى لَقَدْ أَصَبْتَ لَقِنًا غَيْرَ مَأْمُونٍ يَسْتَعْمِلُ الدُّنْيَا لِلدِّينِ وَيَسْتَظْهِرُ بِحُجَجِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى كِتَابِهِ وَبِنِعَمِهِ عَلَى مَعَاصِيهِ أُفٍّ لِحَامِلِ حَقٍّ لَا بَصِيرَةَ لَهُ يَنْقَدِحُ الشَّكُّ فِي قَلْبِهِ بِأَوَّلِ عَارِضٍ مِنْ شُبْهَةٍ، لَا يَدْرِي أَيْنَ الْحَقُّ؟ إِنْ قَالَ أَخْطَأَ وَإِنْ أَخْطَأَ لَمْ يَدْرِ مَشْغُوفٌ بِمَا لَا يَدْرِي حَقِيقَتَهُ، فَهُوَ فِتْنَةٌ لِمَنِ فُتِنَ بِهِ وَإِنَّ مِنَ الْخَيْرِ كُلِّهِ مَنْ عَرَّفَهُ اللَّهُ دِينَهُ وَكَفَى بِالْمَرْءِ جَهْلًا أَنْ لَا يَعْرِفَ دِينَهُ "

ص: 984

1879 -

أَخْبَرَنَا أَبُو نَصْرٍ هَارُونُ بْنُ مُوسَى، ثنا أَبُو عَلِيٍّ إِسْمَاعِيلُ بْنُ الْقَاسِمِ الْبَغْدَادِيُّ، ثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ الْأَنْبَارِيِّ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الْمَدِينِيُّ، ثنا أَبُو الْفَضْلِ الرَّبْعِيُّ الْهَاشِمِيُّ، ثنا نَهْشَلُ بْنُ دَارِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنِ الْحَارِثِ الْأَعْوَرِ، قَالَ: سُئِلَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رضي الله عنه عَنْ مَسْأَلَةٍ، فَدَخَلَ مُبَادِرًا ثُمَّ خَرَجَ فِي حِذَاءٍ وَرِدَاءٍ وَهُوَ مُبْتَسِمٌ، فَقِيلَ لَهُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّكَ كُنْتَ إِذَا سُئِلْتَ عَنِ الْمَسْأَلَةِ تَكُونُ فِيهَا كَالسِّكَّةِ الْمُحْمَاةِ قَالَ: " إِنِّي كُنْتُ حَاقِنًا وَلَا رَأْيَ لِحَاقِنٍ وَأَنْشَأَ يَقُولُ:

⦗ص: 986⦘

[البحر المتقارب]

إِذَا الْمُشْكِلَاتُ تَصَدَّيْنُ لِي

كَشَفْتُ حَقَائِقَهَا بِالنَّظَرْ

فَإِنْ بَرِقَتْ فِي مُخَيَّلِ الصَّوَابِ

عَمْيَاءُ لَا يُجَلِّيهَا الْبَصَرْ

مُقَنَّعَةٌ بِغُيُوبِ الْأَمُورِ

وَضَعْتُ عَلَيْهَا صَحِيحَ الْفِكَرْ

لِسَانًا كَشَقْشَقَةِ الْأَرْحَبِيِّ

أَوْ كَالْحُسَامِ الْيَمَانِيِّ الذَّكَرْ

وَقَلْبًا إِذَا اسْتَنْطَقَتْهُ الْفَنُ

ونُ أَبَرَّ عَلَيْهَا بِوَاهٍ دُرَرْ

وَلَسْتُ بِإِمَّعَةٍ فِي الرِّجَالِ

يُسَائِلُ هَذَا وَذَا مَا الْخَبَرْ

وَلَكِنَّنِي مِذْرَبُ الْأَصْغَرَيْنِ

أُبَيِّنُ مَعَ مَا مَضَى مَا غَبَرْ

قَالَ أَبُو عَلِيٍّ: الْمُخَيَّلُ السَّحَابُ يُخَالُ فِيهِ الْمَطَرُ، وَالشَّقَّشْقَةُ مَا يُخْرِجُهُ الْفَحْلُ مِنْ فِيهِ عِنْدَ هَيَاجِهِ، وَمِنْهُ قِيلَ لِخُطَبَاءِ الرِّجَالِ: شَقَاشِقُ وَأَبَرَّ: زَادَ عَلَى مَا تَسْتَنْطِقُهُ، والْإِمَّعَةُ: الْأَحْمَقُ الَّذِي لَا يَثْبُتُ عَلَى رَأْيٍ، وَالْمِذْرَبُ: الْحَادُّ، وَأَصْغَرَاهُ: قَلْبُهُ وَلِسَانُهُ"

ص: 985

1880 -

قَالَ أَبُو عُمَرَ: مِنَ الشَّقَاشِقِ مَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي دُلَيْمٍ ثنا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ أَبِي تَمَّامٍ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ، ثنا أَبُو ضَمْرَةَ أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ، ثنا حُمَيْدٌ، عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ

⦗ص: 987⦘

عَنْهُ، رَأَى رَجُلًا يَخْطُبُ فَأَكْثَرَ فَقَالَ عُمَرُ «إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُطَبِ مِنْ شَقَاشِقِ الشَّيْطَانِ»

ص: 986

1881 -

حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ، وَيَعِيشُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَا: نا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ، ثنا بَكْرُ بْنُ حَمَّادٍ، ثنا بِشْرُ بْنُ حُجْرٍ، قَالَ: أنا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْوَاسِطِيُّ، عَنْ عَطَاءٍ يَعْنِي ابْنَ السَّائِبِ، عَنْ أَبِي الْبَخْتَرِيِّ، عَنْ عَلِيٍّ رضي الله عنه، قَالَ:«إِيَّاكُمْ وَالِاسْتِنَانَ بِالرِّجَالِ؛ فَإِنَّ الرَّجُلَ يَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ ثُمَّ يَنْقَلِبُ لَعِلْمِ اللَّهِ فِيهِ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ فَيَمُوتُ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ فَيَنْقَلِبُ لَعِلْمِ اللَّهِ فِيهِ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَيَمُوتُ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَإِنْ كُنْتُمْ لَا بُدَّ فَاعِلِينَ فَبِالْأَمْوَاتِ لَا بِالْأَحْيَاءِ»

⦗ص: 988⦘

1882 -

وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رضي الله عنه: «أَلَا لَا يُقَلِّدَنَّ أَحَدُكُمْ دِينَهُ رَجُلًا إِنْ آمَنَ آمَنَ وَإِنْ كَفَرَ كَفَرَ، فَإِنَّهُ لَا أُسْوَةَ فِي الشَّرِّ»

ص: 987

1883 -

وَأَنْشَدَ الصُّولِيُّ عَنِ الْمَرَاغِيِّ، قَالَ: أنشدنا أَبُو الْعَبَّاسِ الطَّبَرِيُّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الطَّبَرِيِّ، قَالَ: أَنْشَدَنِي الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رضي الله عنه لِنَفْسِهِ وَكَانَ أَفْضَلَ أَهْلِ بَيْتِهِ وَزَمَانِهِ فِي وَقْتِهِ:

[البحر المتقارب]

تُرِيدُ تَنَامُ عَلَى ذِي الشَّبَهْ

وَعَلَّكَ إِنْ نِمْتَ لَمْ تَنْتَبِهْ

فَجَاهِدْ وَقَلِّدْ كِتَابَ الْإِلَهِ

لِتَلْقَى الْإِلَهَ إِذَا مِتَّ بِهْ

فَقَدْ قَلَّدَ النَّاسُ رُهْبَانَهُمْ

وَكُلٌّ يُجَادِلُ عَنْ رَاهِبِهْ

وَلِلْحَقِّ مُسْتَنْبِطٌ وَاحِدٌ

وَكُلٌّ يَرَى الْحَقَّ فِي مُذْهَبِهْ

فَفِيمَا أَرَى عَجَبٌ غَيْرَ أَنَّ

بَيَانَ التَّفَرُّقِ مِنْ أَعْجَبِهْ"

1884 -

وَثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم مِمَّا قَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي كِتَابِنَا هَذَا أَنَّهُ قَالَ: «يَذْهَبُ الْعُلَمَاءُ ثُمَّ يَتَّخِذُ النَّاسُ رُءُوسًا جُهَّالًا يُسْأَلُونَ فَيُفْتُونَ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَيَضِلُّونَ وَيُضِلُّونَ» وَهَذَا كُلُّهُ نَفْيٌ لِلتَّقْلِيدِ وَإِبْطَالٌ لَهُ لِمَنْ فَهِمَهُ وَهُدِيَ لِرُشْدِهِ"

ص: 988

1885 -

وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُطَرِّفٍ، ثنا سَعِيدُ بْنُ

⦗ص: 989⦘

عُثْمَانَ، وَسَعِيدُ بْنُ خُمَيْرٍ، قَالَا: نا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، ثنا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، قَالَ: اضْطَجَعَ رَبِيعَةُ مُقَنِّعًا رَأْسَهُ وَبَكَى فَقِيلَ لَهُ: مَا يُبْكِيكَ؟ فَقَالَ: «رِيَاءٌ ظَاهِرٌ وَشَهْوَةٌ خَفِيَّةٌ وَالنَّاسُ عِنْدَ عُلَمَائِهِمْ كَالصِّبْيَانِ فِي حُجُورِ أُمَّهَاتِهِمْ، مَا نَهَوْهُمْ عَنْهُ انْتَهَوْا وَمَا أَمَرُوهُمْ بِهِ ائْتَمَرُوا»

1886 -

وَقَالَ أَيُّوبُ رحمه الله: «لَيْسَ تَعْرِفُ خَطَأَ مُعَلِّمِكَ حَتَّى تُجَالِسَ غَيْرَهُ»

1887 -

وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُعْتَزِّ: «لَا فَرْقَ بَيْنَ بَهِيمَةٍ تُقَادُ وَإِنْسَانٍ يُقَلِّدُ» وَهَذَا كُلُّهُ لِغَيْرِ الْعَامَّةِ؛ فَإِنَّ الْعَامَّةَ لَا بُدَّ لَهَا مِنْ تَقْلِيدِ عُلَمَائِهَا عِنْدَ النَّازِلَةِ تَنْزِلُ بِهَا؛ لِأَنَّهَا لَا تَتَبَيَّنُ مَوْقِعَ الْحُجَّةِ وَلَا تَصِلُ لِعَدَمِ الْفَهْمِ إِلَى عِلْمِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْعِلْمَ دَرَجَاتٌ لَا سَبِيلَ مِنْهَا إِلَى أَعْلَاهَا إِلَّا بِنَيْلِ أَسْفَلِهَا، وَهَذَا هُوَ الْحَائِلُ بَيْنَ الْعَامَّةِ وَبَيْنَ طَلَبِ الْحُجَّةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، وَلَمْ تَخْتَلِفِ الْعُلَمَاءُ أَنَّ الْعَامَّةَ عَلَيْهَا تَقْلِيدَ عُلَمَائِهَا وَأَنَّهُمُ الْمُرَادُونَ بِقَوْلِ اللَّهِ عز وجل {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [النحل: 43] وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْأَعْمَى لَا بُدَّ لَهُ مِنْ تَقْلِيدِ غَيْرِهِ مِمَّنْ يَثِقُ بِمَيْزِهِ بِالْقِبْلَةِ إِذَا أَشْكَلَتْ عَلَيْهِ فَكَذَلِكَ مَنْ لَا عِلْمَ لَهُ وَلَا بَصَرَ بِمَعْنَى مَا يَدِينُ بِهُ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ تَقْلِيدِ عَالِمِهِ، وَكَذَلِكَ لَمْ يَخْتَلِفِ الْعُلَمَاءُ أَنَّ الْعَامَّةَ لَا يَجُوزُ لَهَا الْفُتْيَا، وَذَلِكَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ لِجَهْلِهَا بِالْمَعَانِي الَّتِي مِنْهَا يَجُوزُ التَّحْلِيلُ وَالتَّحْرِيمُ وَالْقَوْلُ فِي الْعِلْمِ،

⦗ص: 990⦘

1888 -

وَقَدْ نَظَمْتُ فِي التَّقْلِيدِ وَمَوْضِعِهِ أَبْيَاتًا رَجَوْتُ فِي ذَلِكَ جَزِيلَ الْأَجْرِ لِمَا عَلِمْتُ أَنَّ مِنَ النَّاسِ مَنْ يُسْرِعُ إِلَيْهِ حَفْظُ الْمَنْظُومِ وَيَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ الْمَنْثُورُ وَهِيَ مِنْ قَصِيدَةٍ لِي:

[البحر الكامل]

يَا سَائِلِي عَنْ مَوْضِعِ التَّقْلِيدِ خُذْ

عَنِّي الْجَوَابَ بِفَهْمِ لُبٍّ حَاضِرِ

وَاصْغِ إِلَى قَوْلِي وَدِنْ بِنَصِيحَتِي

وَاحْفَظْ عَلَيَّ بَوَادِرِي وَنَوَادِرِي

لَا فَرْقَ بَيْنَ مُقَلِّدٍ وَبَهِيمَةٍ

تَنْقَادُ بَيْنَ جَنَادِلَ وَدَعَاثِرِ

تَبًّا لِقَاضٍ أَوْ لِمُفْتٍ لَا يَرَى

عِلَلًا وَمَعْنًى لِلْمَقَالِ السَّائِرِ

فَإِذَا اقْتَدَيْتَ فَبِالْكِتَابِ وَسُنَّةِ

الْمَبْعُوثِ بِالدِّينِ الْحَنِيفِ الطَّاهِرِ

ثُمَّ الصَّحَابَةِ عِنْدَ عُدْمِكَ سُنَّةً

فَأُولَاكَ أَهْلُ نَهًى وَأَهْلُ بَصَائِرِ

وَكَذَاكَ إِجْمَاعُ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ

مِنْ تَابِعِيهِمْ كَابِرًا عَنْ كَابِرِ

إِجْمَاعُ أُمَّتِنَا وَقَوْلُ نَبِيِّنَا

مِثْلُ النُّصُوصِ لِذِي الْكِتَابِ الزَّاهِرِ

وَكَذَا الْمَدِينَةُ حُجَّةٌ إِنْ أَجْمَعُوا

مُتَتَابِعِينَ أَوَائِلًا بِأَوَاخِرِ

وَإِذَا الْخِلَافُ أَتَى فَدُونَكَ فَاجْتَهِدْ

وَمَعَ الدَّلِيلِ فَمِلْ بِهَمٍّ وَافِرِ

وَعَلَى الْأُصُولِ فَقِسْ فُرَوعَكَ لَا تَقِسْ

فَرْعًا بِفَرْعٍ كَالْجَهُولِ الْحَائِرِ

وَالشَّرُّ مَا فِيهِ فَدَيْتُكَ أُسْوَةٌ

فَانْظُرْ وَلَا تَحْفِلْ بِزَلَّةِ مَاهِرِ

ص: 988

1889 -

أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَحْيَى، ثنا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، ثنا أَحْمَدُ بْنُ دَاوُدَ، ثنا سُحْنُونُ، ثنا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ أَبِي أَيُّوبَ، عَنْ بَكْرِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي نُعَيْمَةَ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ مُسْلِمِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ:«مَنْ قَالَ عَلَيَّ مَا لَمْ أَقُلْ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ، وَمَنِ اسْتَشَارَ أَخَاهُ فَأَشَارَ عَلَيْهِ بِغَيْرِ رُشْدِهِ فَقَدْ خَانَهُ، وَمَنْ أُفْتِيَ بِفُتْيَا عَنْ غَيْرِ ثَبَتٍ فَإِنَّمَا إِثْمُهَا عَلَى مَنْ أَفْتَاهُ»

1890 -

وَهَذَا الْحَدِيثُ فِي مَوَاضِعَ أُخْرَى مِنْ كِتَابِ الْعِلْمِ فِي جَامِعِ ابْنِ وَهْبٍ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، عَنْ بَكْرِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي نُعَيْمَةَ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ الطُّنْبُذِيِّ رَضِيعِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَذَكَرَهُ سَوَاءً، فَمَرَّةً قَالَ: يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَمَرَّةً قَالَ: سَعِيدُ بْنُ أَبِي أَيُّوبَ، وَخَرَّجَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ وَهْبٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَيُّوبَ بِإِسْنَادِهِ الْمَذْكُورِ "

ص: 991

1891 -

حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ، وَيَعِيشُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ التِّرْمِذِيُّ، ثنا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ، قَالَ: أنا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، عَنْ بَكْرِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي نُعَيْمَةَ الْمَعَافِرِيِّ، أَنَّ أَبَا عُثْمَانَ الطُّنْبُذِيَّ حَدَّثَهُ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ قَالَ عَلَيَّ مَا لَمْ أَقَلْ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ، وَمَنْ أُفْتِيَ بِغَيْرِ عِلْمٍ كَانَ إِثْمُهُ عَلَى مَنْ أَفْتَاهُ وَمَنْ أَشَارَ عَلَى أَخِيهِ بِأَمْرٍ وَهُوَ يَرَى أَنَّ غَيْرَهُ أَرْشَدُ مِنْهُ فَقَدْ خَانَهُ» وَكَانَ أَبُو عُثْمَانَ رَضِيعَ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ

ص: 991

1892 -

وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعِيدٍ، ثنا سَعِيدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ رَبِّهِ، ثنا أَسْلَمُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، ثنا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: أنا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ أَبِي سِنَانٍ الشَّيْبَانِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنه، قَالَ:«مَنْ أَفْتَى بِفُتْيَا وَهُوَ يَعْمَى عَنْهَا كَانَ إِثْمُهَا عَلَيْهِ» وَقَدِ احْتَجَّ جَمَاعَةٌ مِنَ الْفُقَهَاءِ وَأَهْلِ النَّظَرِ عَلَى أَنَّ مَنْ أَجَازَ التَّقْلِيدَ بِحُجَجٍ نَظَرِيَّةٍ عَقْلِيَّةٍ بِغَيْرِ مَا تَقَدَّمَ فَأَحْسَنُ مَا رَأَيْتُ مِنَ ذَلِكَ

1893 -

قَوْلُ الْمُزَنِيِّ، رحمه الله، وَأَنَا أُورِدُهُ قَالَ: " يُقَالُ لِمَنْ حَكَمَ بِالتَّقْلِيدِ: هَلْ لَكَ مِنْ حُجَّةٍ فِيمَا حَكَمْتَ بِهِ؟ فَإِنْ قَالَ: نَعَمْ أُبْطِلَ التَّقْلِيدُ؛ لِأَنَّ الْحُجَّةَ أَوْجَبَتْ ذَلِكَ عِنْدَهُ لَا التَّقْلِيدُ، وَإِنْ قَالَ: حَكَمْتُ فِيهِ بِغَيْرِ حُجَّةٍ قِيلَ لَهُ: فَلِمَ أَرَقْتَ الدِّمَاءَ وَأَبَحْتَ الْفُرُوجَ وَأَتْلَفْتَ الْأَمْوَالَ وَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِحُجَّةٍ؟ قَالَ اللَّهُ عز وجل: {إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا} [يونس: 68] أَيْ مِنْ حُجَّةٍ بِهَذَا فَإِنْ قَالَ: أَنَا أَعْلَمُ أَنِّي قَدْ أَصَبْتُ وَإِنْ لَمْ أَعْرِفِ الْحُجَّةَ؛ لِأَنِّي قَلَّدْتُ كَبِيرًا مِنَ الْعُلَمَاءِ وَهُوَ لَا يَقُولُ إِلَّا بِحُجَّةٍ خَفِيَتْ عَلَيَّ، قِيلَ لَهُ: إِذَا جَازَ تَقْلِيدُ مُعَلِّمِكَ لِأَنَّهُ لَا يَقُولُ إِلَّا بِحُجَّةٍ خَفِيَتْ عَلَيْكَ فَتَقْلِيدُ مُعَلِّمِ مُعَلِّمِكَ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ لَا يَقُولُ إِلَّا بِحُجَّةٍ خَفِيَتْ عَلَى مُعَلِّمِكَ، كَمَا لَمْ يَقُلْ مُعَلِّمُكَ إِلَّا بِحُجَّةٍ خَفِيَتْ عَلَيْكَ، فَإِنْ قَالَ: نَعَمْ تَرَكَ تَقْلِيدَ مُعَلِّمِ مُعَلِّمِهِ، وَكَذَلِكَ مَنْ هُوَ أَعْلَى حَتَّى يَنْتَهِيَ إِلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم،

⦗ص: 993⦘

وَإِنْ أَبَى ذَلِكَ نَقَضَ قَوْلَهُ وَقِيلَ لَهُ: كَيْفَ يَجُوزُ تَقْلِيدُ مَنْ هُوَ أَصْغَرُ وَأَقَلُّ عِلْمًا وَلَا يَجُوزُ تَقْلِيدُ مَنْ هُوَ أَكْبَرُ وَأَكْثَرُ عِلْمًا وَهَذَا يَتَنَاقَضُ، فَإِنْ قَالَ: لِأَنَّ مُعَلِّمِي وَإِنْ كَانَ أَصْغَرَ فَقَدْ جَمَعَ عِلْمَ مَنْ هُوَ فَوْقَهُ إِلَى عِلْمِهِ، فَهُوَ أَبْصَرُ بِمَا أَخَذَ وَأَعْلَمُ بِمَا تَرَكَ قِيلَ لَهُ: وَكَذَلِكَ مَنْ تَعَلَّمَ مِنْ مُعَلِّمِكَ فَقَدْ جَمَعَ عِلْمَ مُعَلِّمِكَ وَعِلْمَ مَنْ فَوْقَهُ إِلَى عِلْمِهِ؛ فَيَلْزَمُكَ تَقْلِيدُهُ وَتَرْكُ تَقْلِيدِ مُعَلِّمِكَ، وَكَذَلِكَ أَنْتَ أَوْلَى أَنْ تُقَلِّدَ نَفْسَكَ مِنْ مُعَلِّمِكَ؛ لِأَنَّكَ جَمَعْتَ عِلْمَ مُعَلِّمِكَ وَعِلْمَ مَنْ هُوَ فَوْقَهُ إِلَى عِلْمِكَ، فَإِنْ فَادَ قَوْلَهُ جُعِلَ الْأَصْغَرَ وَمَنْ يُحَدِّثُ مِنْ صِغَارِ الْعُلَمَاءِ أَوْلَى بِالتَّقْلِيدِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَكَذَلِكَ الصَّاحِبُ عِنْدَهُ يَلْزَمُهُ تَقْلِيدُ التَّابِعِ، وَالتَّابِعُ مَنْ دُونَهُ فِي قِيَاسِ قَوْلِهِ والْأَعْلَى الْأَدْنَى أَبَدًا وَكَفَى بِقَوْلٍ يَؤُولُ إِلَى هَذَا قُبْحًا وَفُسَادًا"

1894 -

قَالَ أَبُو عُمَرَ: " وَقَالَ أَهْلُ الْعِلْمِ وَالنَّظَرِ: حَدُّ الْعِلْمِ التَّبْيِينُ وَإِدْرَاكُ الْمَعْلُومِ عَلَى مَا هُوَ فِيهِ، فَمَنْ بَانَ لَهُ الشَّيْءُ فَقَدْ عَلِمَهُ، قَالُوا: وَالْمُقَلِّدُ لَا عِلْمَ لَهُ وَلَمْ يَخْتَلِفُوا فِي ذَلِكَ وَمِنْ هَا هُنَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَالَ الْبَخْتَرِيُّ فِي مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ الزَّيَّاتِ:

[البحر الخفيف]

عَرَفَ الْعَالِمُونَ فَضْلَكَ بِالْعِلْـ

ـمِ وَقَالَ الْجُهَّالُ بِالتَّقْلِيدِ

وَأَرَى النَّاسَ مُجْمِعِينَ عَلَى

فَضْلِكَ مِنْ بَيْنِ سَيِّدٍ وَمَسُودِ

1895 -

وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ خُوَازٍ مِنْدَادٌ الْبَصْرِيُّ الْمَالِكِيُّ: «التَّقْلِيدُ مَعْنَاهُ فِي الشَّرْعِ الرُّجُوعُ إِلَى قَوْلٍ لَا حُجَّةَ لِقَائِلِهِ عَلَيْهِ، وَهَذَا مَمْنُوعٌ مِنْهُ فِي الشَّرِيعَةِ، وَالِاتِّبَاعُ مَا ثَبَتَ عَلَيْهِ حُجَّةٌ» وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ مِنْ كِتَابِهِ: «كُلُّ مَنِ اتَّبَعْتَ قَوْلَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَجِبَ عَلَيْكَ قَبُولُهُ لِدَلِيلٍ يُوجِبُ ذَلِكَ فَأَنْتَ مُقَلِّدُهُ، وَالتَّقْلِيدُ فِي دِينِ اللَّهِ غَيْرُ صَحِيحٍ وَكُلُّ مَنْ أَوْجَبَ عَلَيْكَ الدَّلِيلُ اتِّبَاعَ قَوْلِهِ فَأَنْتَ مُتَّبِعُهُ والِاتِّبَاعُ فِي الدِّينِ مَسُوغٌ وَالتَّقْلِيدُ مَمْنُوعٌ»

ص: 992

1896 -

وَذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ حَارِثٍ فِي أَخْبَارِ سُحْنُونَ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ سُحْنُونَ، قَالَ: كَانَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، وَعَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ دِينَارٍ وَغَيْرُهُمْ يَخْتَلِفُونَ إِلَى ابْنِ هُرْمُزَ، وَكَانَ إِذَا سَأَلَهُ مَالِكٌ وَعَبْدُ الْعَزِيزِ أَجَابَهُمَا وَإِذَا سَأَلَهُ ابْنُ دِينَارٍ وَذَوُوهُ لَمْ يُجِبْهُمْ، فَتَعَرَّضَ لَهُ ابْنُ دِينَارٍ يَوْمًا فَقَالَ لَهُ: يَا أَبَا بَكْرٍ لِمَ تَسْتَحِلُّ مِنِّي مَا لَا يَحِلُّ لَكَ؟ قَالَ لَهُ: يَا ابْنَ أَخِي وَمَا ذَاكَ؟ قَالَ: يَسْأَلُكَ مَالِكٌ وَعَبْدُ الْعَزِيزِ فَتُجِيبُهُمَا وَأَسْأَلُكَ أَنَا وَذَوِي فَلَا تُجِيبُنَا؟ فَقَالَ: «أَوَقَعَ ذَلِكَ يَا ابْنَ أَخِي فِي قَلْبِكَ؟» قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: إِنِّي قَدْ كَبُرَ سِنِّي وَرَقَّ عَظْمِي، وَأَنَا أَخَافُ أَنْ يَكُونَ خَالَطَنِي فِي عَقْلِي مِثْلُ الَّذِي خَالَطَنِي فِي بَدَنِي " وَمَالِكٌ وَعَبْدُ الْعَزِيزِ عَالِمَانِ فَقِيهَانِ إِذَا سَمِعَا مِنِّي حَقًّا قَبِلَاهُ وَإِذَا سَمِعَا مِنِّي خَطَأً تَرَكَاهُ وَأَنْتَ وَذَوُوكَ مَا أَجَبْتُكُمْ بِهِ قَبِلْتُمُوهُ، قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ حَارِثٍ: هَذَا وَاللَّهِ هُوَ الدِّينُ الْكَامِلُ وَالْعَقْلُ الرَّاجِحُ لَا كَمَنْ يَأْتِي بِالْهَذَيَانِ وَيُرِيدُ أَنْ يَنْزِلَ مِنَ الْقُلُوبِ مَنْزِلَةَ الْقُرْآنِ " قَالَ أَبُو عُمَرَ: " يُقَالُ لِمَنْ قَالَ بِالتَّقْلِيدِ: لِمَ قُلْتُ بِهِ وَخَالَفْتَ السَّلَفَ فِي ذَلِكَ؟ فَإِنَّهُمْ لَمْ يُقَلِّدُوا فَإِنْ قَالَ: قَلَّدْتُ؛ لِأَنَّ كِتَابَ اللَّهِ عز وجل لَا عِلْمَ لِي بِتَأْوِيلِهِ، وَسُنَّةَ رَسُولِهِ لَمْ أُحْصِهَا وَالَّذِي قَلَّدْتُهُ قَدْ عَلِمَ ذَلِكَ فَقَلَّدْتُ مَنْ هُوَ أَعْلَمُ مِنِّي قِيلَ لَهُ: أَمَّا الْعُلَمَاءُ إِذَا اجْتَمَعُوا عَلَى شَيْءٍ مِنْ تَأْوِيلِ الْكِتَابِ أَوْ حِكَايَةِ سُنَّةٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَوِ اجْتَمَعَ رَأْيُهُمْ عَلَى شَيْءٍ فَهُوَ الْحَقُّ لَا شَكَّ فِيهِ، وَلَكِنْ قَدِ اخْتَلَفُوا فِيمَا قَلَّدَتْ فِيهِ بَعْضُهُمْ دُونَ بَعْضٍ، فَمَا حُجَّتُكَ فِي تَقْلِيدِ بَعْضٍ دُونَ بَعْضٍ، وَكُلُّهُمْ عَالِمٌ وَلَعَلَّ الَّذِي رَغِبْتَ عَنْ قَوْلِهِ أَعْلَمُ مِنَ الَّذِي ذَهَبْتُ إِلَى مَذْهَبِهِ، فَإِنْ قَالَ: قَلَّدْتُهُ لِأَنِّي عَلِمْتُ أَنَّهُ صَوَابٌ قِيلَ لَهُ: عَلِمْتَ ذَلِكَ بِدَلِيلٍ مِنْ كِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ أَوْ إِجْمَاعٍ، فَإِنْ قَالَ: نَعَمْ، فَقَدْ أَبْطَلَ التَّقْلِيدَ وَطُولِبَ بِمَا ادَّعَاهُ مِنَ الدَّلِيلِ وَإِنْ قَالَ: قَلَّدْتُهُ لِأَنَّهُ أَعْلَمُ مِنِّي، قِيلَ لَهُ: فَقَلِّدْ كُلَّ مَنْ هُوَ أَعْلَمُ مِنْكَ فَإِنَّكَ تَجِدُ مِنْ ذَلِكَ خَلْقًا كَثِيرًا وَلَا يُحصَى مَنْ قَلَّدْتَهُ إِذْ عِلَّتُكَ فِيهِ أَنَّهُ أَعْلَمُ مِنْكَ وَتَجِدُهُمْ فِي أَكْثَرِ مَا يَنْزِلُ بِهِمْ مِنَ

⦗ص: 995⦘

السُّؤَالِ مُخْتَلِفِينَ فَلِمَ قَلَّدْتَ أَحَدَهُمْ؟ فَإِنْ قَالَ: قَلَّدْتُهُ لِأَنَّهُ أَعْلَمُ النَّاسِ قِيلَ لَهُ: فَهُوَ إِذًا أَعْلَمُ مِنَ الصَّحَابَةِ وَكَفَى بِقَوْلٍ مِثْلِ هَذَا قُبْحًا وَإِنْ قَالَ: إِنَّمَا قَلَّدْتُ بَعْضَ الصَّحَابَةِ قِيلَ لَهُ: فَمَا حُجَّتُكَ فِي تَرْكِ مَنْ لَمْ تُقَلِّدْ مِنْهُمْ؟ وَلَعَلَّ مَنْ تَرَكْتَ قَوْلَهُ مِنْهُمْ أَعْلَمُ وَأَفْضَلُ مِمَّنْ أَخَذْتَ بِقَوْلِهِ عَلَى أَنَّ الْقَوْلَ لَا يَصِحُّ لِفَضْلِ قَائِلِهِ وَإِنَّمَا يَصِحُّ بِدَلَالَةِ الدَّلِيلِ عَلَيْهِ "

ص: 994

1897 -

وَذَكَرَ ابْنُ مُزَيْنٍ، عَنْ عِيسَى بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ، عَنْ مَالِكٍ، قَالَ:«لَيْسَ كُلَّمَا قَالَ رَجُلٌ قَوْلًا وَإِنْ كَانَ لَهُ فَضْلٌ يُتَّبَعُ عَلَيْهِ» يَقُولُ اللَّهُ عز وجل: {الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ} [الزمر: 18] فَإِنْ قَالَ: قِصَرِي وَقِلَّةُ عِلْمِي يَحْمِلُنِي عَلَى التَّقْلِيدِ، قِيلَ لَهُ: أَمَّا مَنْ قَلَّدَ فِيمَا يَنْزِلُ بِهِ مِنْ أَحْكَامِ الشَّرِيعَةِ عَالِمًا بِمَا يَتَّفِقُ لَهُ عَلَى عِلْمِهِ فَيُصْدِرُ فِي ذَلِكَ عَمَّا يُخْزِهِ بِهِ فَمَعْذُورٌ؛ لِأَنَّهُ قَدْ أَتَى بِمَا عَلَيْهِ وَأَدَّى مَا لَزِمَهُ فِيمَا نَزَلَ بِهِ لِجَهْلِهِ وَلَا بُدُّ لَهُ مِنْ تَقْلِيدِ عَالِمِهِ فِيمَا جَهِلَ؛ لِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ أَنَّ الْمَكْفُوفَ يُقَلِّدُ مَنْ يَثِقُ بِخَبَرِهِ فِي الْقِبْلَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَكِنْ مَنْ كَانَتْ هَذِهِ حَالُهُ هَلْ تَجُوزُ لَهُ الْفَتْوَى فِي شَرَائِعِ دِينِ اللَّهِ؟ فَيَحْمِلُ غَيْرَهُ عَلَى إِبَاحَةِ الْفُرُوجِ وَإِرَاقَةِ الدِّمَاءِ وَاسْتِرْقَاقِ الرِّقَابِ وَإِزَالَةِ الْأَمْلَاكِ وَتَصْيِيرِهَا إِلَى غَيْرِ مَنْ كَانَتْ فِي يَدِهِ بِقَوْلٍ لَا يُعْرَفُ صِحَّتُهُ وَلَا قَامَ لَهُ الدَّلِيلُ عَلَيْهِ، وَهُوَ مُقِرٌّ أَنَّ قَائِلَهُ يُخْطِئُ وَيُصِيبُ وَأَنَّ مُخَالِفَهُ فِي ذَلِكَ رُبَّمَا كَانَ الْمُصِيبَ فِيمَا خَالَفَهُ فِيهِ، فَإِنْ أَجَازَ الْفَتْوَى لِمَنْ جَهِلَ الْأَصْلَ وَالْمَعْنَى لِحِفْظِهِ الْفُرُوعَ لَزِمَهُ أَنْ يُجِيزَهُ لِلْعَامَّةِ وَكَفَى بِهَذَا جَهْلًا وَرَدًّا لِلْقُرْآنِ قَالَ اللَّهُ عز وجل:{وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} [الإسراء: 36] وَقَالَ: {أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [الأعراف: 28] وَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ مَا لَمْ يُتَبَيَّنْ وَلَمْ

⦗ص: 996⦘

يُسْتَيْقَنْ فَلَيْسَ بِعِلْمٍ وَإِنَّمَا هُوَ ظَنٌّ وَالظَّنُّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا، وَقَدْ مَضَى فِي هَذَا الْبَابِ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم

1898 -

وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما «فِيمَنْ أَفْتَى بِفُتْيَا وَهُوَ يَعْمَى عَنْهَا أَنَّ إِثْمَهَا عَلَيْهِ»

1899 -

وَثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: «إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ» وَلَا خِلَافَ بَيْنَ أَئِمَّةِ الْأَمْصَارِ فِي فَسَادِ التَّقْلِيدِ فَأَغْنَى ذَلِكَ عَنِ الْإِكْثَارِ "

ص: 995

1900 -

حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَحْيَى، ثنا أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ، ثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ نُعْمَانَ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مَرْوَانَ، ثنا أَبُو حَفْصٍ حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو عُثْمَانَ بْنُ سَنَّةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ:«إِنَّ الْعِلْمَ بَدَأَ غَرِيبًا وَسَيَعُودُ غَرِيبًا كَمَا بَدَأَ فَطُوبَى يَوْمَئِذٍ لِلْغُرَبَاءِ»

ص: 996

1901 -

قَالَ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مَرْوَانَ، وَحَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ دَاوُدَ بْنِ أَبِي زُنْبُرٍ، ثنا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، فِي قَوْلِ اللَّهِ عز وجل:{نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ} [الأنعام: 83] قَالَ: «بِالْعِلْمِ»

ص: 997

1902 -

أَخْبَرَنَا خَلَفُ بْنُ الْقَاسِمِ، ثنا الْحَسَنُ بْنُ رَشِيقٍ، نا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ يُونُسَ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، نا زَكَرِيَّا بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، نا الْحُنَيْنِيُّ، عَنْ كَثِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:«إِنَّ الْإِسْلَامَ بَدَأَ غَرِيبًا وَسَيَعُودُ غَرِيبًا كَمَا بَدَأَ فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ» قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ،؟ وَمَنِ الْغُرَبَاءُ؟ قَالَ: " الَّذِينَ يُحْيُونَ سُنَّتِي وَيُعَلِّمُونَهَا عِبَادَ اللَّهِ

1903 -

وَكَانَ يُقَالُ: الْعُلَمَاءُ غُرَبَاءُ لِكَثْرَةِ الْجُهَّالِ

ص: 997