الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فَإِنْ خَفَّ الضَّبْطُ -أَيْ: قَلَّ، يُقَالُ: خَفَّ القومُ خُفُوفًا: قَلُّوا- والمُرَادُ معَ بَقيَّةِ الشُّرُوطِ المُتَقدِّمَةِ في حَدِّ الصَّحيحِ، فَهُوَ
الحَسَنُ لذاتِهِ
لَا لِشَيْءٍ خَارِجٍ، وهُوَ الَّذي يَكُونُ حُسْنُهُ بسَبَبِ الاعْتِضَادِ، نَحْوُ حَدِيثِ المَسْتُورِ إِذا تعَدَّدَتْ طُرُقُه.
[قوله]
(1)
: «فإنْ خَفَّ
…
إلخ»:
هذا يقتضي أنَّه مَقُولٌ بالتشكيك، وهذا بِناءً على أنَّ قوله: «وهو أنْ يثبت عنده
…
إلخ» تعريفٌ] لتامِّ]
(2)
الضَّبْط لا لأصله، وإلَّا لكان مَقُولًا] بالتواطؤ]
(3)
.
اعلم أنَّ أبا سُلَيمانَ الخَطَّابيَّ
(4)
عرَّف الحَسَن بأنَّه: ما عُرِف مَخْرَجُه واشْتَهَرَتْ رجاله، قال:«وعليه مدارُ أكثرِ الحديث، وهو الذي يَقْبَله أكثر العلماء، ويَنْقُله عامَّة الفقهاء» انتهى.
قال بعض (أ/69) المتأخرين: «احترز بـ «ما عُرف مخرجه» : عن المُنْقَطِع، وعن حديث المدَلِّس قبل أن يُتَبَيَّن تدلِيسُه، ورَدَّه ابنُ الصلاح بإجماله
…
إلخ، ثُمَّ بَعْدَ كلامٍ طويل قال ابن الصَّلاح
(5)
: «وقد أمعَنتُ النَّظَرَ في ذلك والبحثَ، جامعًا بين أطراف كلامهم؛ فاتَّضَح لي: أنَّ الحَسَن قسمان؛ أحدهما: الحديث الذي] لا تخلو]
(6)
رجالُ إسناده من مَستورٍ لم تَتَحقَّق أهليَّتُه، غير أنَّه ليس مُغَفَّلًا، ولا كثيرَ
(1)
زيادة من: (أ) و (ب).
(2)
في (ب) و (هـ): [تام].
(3)
في (ب) و (هـ): [فالتواطؤ].
(4)
معالم السنن (1/ 6).
(5)
مقدمة ابن الصلاح (ص 30).
(6)
في (ب) و (هـ): [لا يخلو].
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الخطأ فيما يَرويه، ولا هو] مُتَّهَمٌ]
(1)
بالكذب في الحديث، أي: لم يظهر منه تَعَمُّد الكذب في الحديث، ولا سبب آخَرُ مفسِّقٌ، ويكون مَتْنُ الحديث مع ذلك قد عُرِف، بأنْ: رُويَ مِثلُه أو نحوه من وجه آخر أو أكثر حتى اعتضد بمتابعة مَن تابَع راويَه على مِثله، أو بما له من شاهدٍ، وهو وُرود حديثٍ آخَرَ نحوه؛ فيَخْرُج بذلك عن أنْ يكون شاذًّا أو منكرًا، وكلام التِّرمذِيِّ على هذا القسم يَتَنَزَّلُ. القسم الثاني: أنْ يكون راوِيه من المشهورين بالصدق والأمانة، غير أنَّه لا يَبْلُغ درجة رجال الصحيح؛ لكونه يَقْصُر عنهم في الحفظ والإتقان، وهو مع ذلك يَرتفع عن حال مَن يُعَدُّ ما يَنفَرِد به من حديثه مُنْكَرًا»، قال:«وتعبيري في كل هذا: مع سلامة الحديث من أنْ يكون شاذًّا أو مُنكَرًا سلامتُه من أنْ يكون مُعَلَّلًا، وعلى القسم الثاني يَتَنَزَل كلام الخطَّابيِّ» ، قال:«فهذا الذي ذكرناه جامعٌ لِما تفرق في كلام مَن بَلَغَنا كلامه في ذلك» ، قال:«وكأن التِّرمذِيَّ ذَكَرَ أحدَ نوعي الحَسَن، وذَكَرَ الخطَّابيُّ النوعَ الآخَرَ، مُقتَصِرًا كلُّ واحدٍ منهما على ما رأى أنَّه مُشْكِلٌ، مُعْرِضًا عمَّا رأى أنَّه لا يُشْكِل، أو أنَّه غَفَل عن البعض وذَهِل» انتهى. إذا عَلِمتَ هذا عرَفتَ أنَّ المؤلِّف ماشٍ هنا على تفصيل ابن الصَّلاح، مصرِّحٌ بكلام الخطَّابيِّ مكتفٍ بمفهومه عن كلام التِّرمذِيِّ، غير أنَّ قوله:«نحو حديث المَسْتُورِ» فيه مناقشةٌ ستَمُرُّ بك قريبًا.
فإنْ قلتَ: كيف صرَّح بكلام الخطَّابيِّ مع أنَّه لم يَتَعَرَض إلَّا للضَّبْط؟ قلتُ: كأنَّه قال: يُعتبَر في الحَسَنِ مُطْلَقًا ما يُعتبَر في الصحيح؛ من اتصال السَّنَد، وعدالة الرواة، وانتفاء النكارة والشذوذ والعلة القادحة، دون تمام الضبط، هذا في
(1)
في (هـ): [منهم].
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحَسَن لذاتِه، وأمَّا في الحَسَن لغيره فيُضَمُّ فيه: عَدَمُ اشتراط العدالة؛ لعَدَم اشتراط تمام الضَّبْط أيضًا، وأمَّا باقي الشروط فبحالها، لكنْ لا بُدَّ في القِسم الثاني من مجيء شاهدٍ أو تابِعٍ ولو في رُتْبةِ نَقَلَتِه.
تنبيه:
قال (ق)
(1)
: «قوله: «فإن خَفَّ
…
إلخ» لم يحصُل بهذا تمييزُ الحَسَن؛ لأنَّ الخِفَّةَ المَذْكُورةَ غيرُ منضبطة»، قلتُ: قد ذَكَرْنا جوابه مِرارًا حتى سَئِمَ القَلَمُ من التَعَرُّض له.
[قوله]
(2)
: «أي: قَلَّ» :
إنْ قُلتَ: لأيِّ شيء عَدَلَ عنه بـ: «خَفَّ» مع مساواته له رسمًا ونُطقًا؟ قلتُ: للخِفَّة بواسطة الحرف الشَّفويِّ مع بُعد المَخرج، بخلاف «قَلَّ» ] فيهما]
(3)
، هذا من جِهة اللفظ، وأمَّا مِنْ جِهة المعنى فلأنَّ القِلَّة قد تنتهي للعَدَم بخلاف الخِفَّة، وتفسيرُه بالقِلَّة لا يُفَوِّت النُّكْتَة؛ لاضطراره إليه لبيان المَعنى، نعمْ في اللفظ تجوُّزٌ؛ حيثُ عبَّر بالخِفَّةِ المُقابِلة للثِّقَل، وهما [من]
(4)
عوارض الكَميَّات دون الكيفيَّات.
[قوله]
(5)
: «والمُرادُ
…
إلخ»:
أي: مع وجود أو اعتبار بقيَّة الشروط للصحيح السابق تعريفُه. فإنْ قُلتَ:
(1)
حاشية ابن قطلوبغا على شرح نخبة الفكر (ص 58).
(2)
زيادة من: (أ) و (ب).
(3)
في (هـ): [فيها].
(4)
زيادة من (ب).
(5)
زيادة من: (أ) و (ب).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أيُّ قرينة على هذا المراد؟ قُلتُ: الاقتصار على ما أخرجه من بينها، وهو خصوص تمام الضبط، وقوله في الشرح: «وخرج
…
إلخ».
(هـ/82)[قوله]
(1)
: «فهو» :
أي: فالحديث الذي خَفَّ ضبط رجاله، هو الحديث المسمَّى عندهم بالحديث:«الحَسَن لذاتِه» ، وقوله:«لا لشيءٍ خارج» [تصريح]
(2)
بمفهوم «لذاتِه» .
[قوله]
(3)
: «و هو الذي يَكُونُ حُسْنُه بسبب الاعْتِضادِ» :
راجعًا لِما استلزمه قولُه: «لا لشيءٍ خارج عنه» ؛ إذ التقدير: لا للحديث الحَسَن لأجْل شيءٍ خارج عنه، إذ هو الحَسَن لغيره، «وهو الذي (أ/70) يكون حُسنُه بسبب الاعتِضاد» وبمتابعة أو شاهد، فتدبَّرْهُ.
وفي كتابة: وهل أراد بالاعتضاد [مجيئه من طريق، أو ما يَشمَله ويَشمَل غيره من متابعة؟]
(4)
أو بما
(5)
له من شواهدَ كما هو ظاهر، أي: بخلاف الحَسَن لذاتِه لا يكون الاعتِضاد فيه إلا لمجيئه من طرق كما يفيده كلام المؤلِّف، ويأتي ما فيه.
[قوله]
(6)
: «نَحْوُ حَدِيثِ المَسْتُورِ» :
قال بعضُ المحقِّقين: «وأحسَنُ ما يُحَدُّ به الحَسَن أنْ يُقال: هو خَبَر
(1)
زيادة من: (أ) و (ب).
(2)
في (ب) و (هـ): [تفريع].
(3)
زيادة من: (أ) و (ب).
(4)
زيادة من (ب).
(5)
في (ب): [مما].
(6)
زيادة من: (أ) و (ب).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الصَّادق أو المَستُور المعتَضِد» انتهى، وهذا شاملٌ للحَسَن بقِسْمَيه. وقوله:«المَسْتور» قال المؤلِّف: «الراوي إذا لم يُسَمَّ كرَجُلٍ، يُسمَّى: مُبْهَمًا، وإنْ ذُكِرَ مع عَدَمِ تمييزه فهو: المُهْمَل، وإن مُيِّز ولم يروِ عنه إلَّا واحدٌ فمجهول، وإلَّا فمَستور» انتهى، وقال غيره:«المَسْتُور: هو الذي لم تَتحقَّق أهليَّته، وليس مُغَفَّلًا كثيرَ الخطأ، ولا مُتَّهَمًا بفِسْقٍ» .
وقال (هـ)
(1)
: «نَحْو حديث المَستور» مثال للحديث الحَسَن بسبب الاعتِضاد؛ إذ الحَسَنُ لِذاتِه لا يُعتبَرُ فيه اعتِضاد مِنْ حيثُ اتِّصافُه بالحُسْن، غير أنَّ إدخال «نحو» على «المَستور» يوهِم أنَّ الحَسَن لغيره ليس مقصورًا على مَن كان راويه مستورًا، أي: مجهولَ الحال لم تتحقق أهليَّته، وظاهر ما نقلناه عن ابن الصَّلاح قَصْرُه عليه حيث قال:«الذي لا يخلو رجال إسناده من مستور»
…
إلخ ما نُقِل عنه، ثُمَّ رأيتُ في كلام بعضهم ما يقتضي عدَمَ قَصْرِه عليه، بل جعله مُتعدِّيًا [لسيِّئ]
(2)
الحفظ، ولِمَنِ اختلط ولم يُدَلِّس، مع اتصاف الجميع بالصِدق والدِّيانة، وعليه اعتمد العراقيُّ وشُرَّاحُه.
قوله: «إذا تَعَدَّدَتْ طُرُقُهُ» :
أي: أسانيدُه، سواءٌ رَوَوْهُ باللفظ أو بالمعنى، والمراد بجَمْع الكَثْرة: ما زاد على الواحد؛ إذ يكفي وُرود تابِعٍ أو شاهد كما مَرَّ، ولو كانوا دُون رجال الأصل حيثُ كانوا يُعتبَر أو يُسْتَشْهَد بمثلهم.
(1)
قضاء الوطر (2/ 757).
(2)
في (هـ): [لشيء].
وخَرَجَ باشْتِرَاطِ بَاقي الأوْصافِ الضَّعيفُ.
وهَذَا القِسْمُ مِنَ الحَسَنِ مُشارِكٌ للصَّحيحِ في الاحتِجاجِ بهِ، وإِنْ كانَ دُونَه، ومُشَابِهٌ لهُ في انْقِسامِهِ إِلَى مَرَاتِبَ بعضُها فوقَ بعضٍ.
[قوله]
(1)
: «وخَرَجَ باشْتِراطِ
…
إلخ»:
لو قال: وخرج باشتراط الأوصافِ الضَّعيفُ؛ لِيَشمَل ما يخرج بقوله: «خَفَّ الضبط» ؛ لكان أحسَنَ.
[قوله]
(2)
: «وهذا القِسْمُ
…
إلخ»:
الظاهر أنَّ الإشارة إلى الحَسَنِ لِذاتِه الذي سبق المَتْنُ لبيانه، ولا يُنافي مشاركةَ الآخَرِ له في ذلك؛ لتصريحه فيما مضى بكون الحَسَن لغيره من المقبول الذي يجب العمل به عند الجمهور، ويحتمل رجوعه إلى الحَسَن لغيره؛ لقُرْبِه؛ فيُعلم حال الأوَّل بالأَوْلى.
وقال (هـ)
(3)
: «اعلم أنَّ كلام الخَطَّابيِّ يوهِم أنَّ المشارك من الحَسَن للصحيح في الحُجِّيَّة والعمل خاصٌّ بالحَسَن لِذاتِه؛ لأنه لَمَّا عرَّف الحَسَن بالتعريف السابق، الذي عليه ابن الصَّلاح على أنَّه تعريف للحَسَن لذاتِه، قال بعده مُتَّصِلًا به: وهو الذي يَقْبَلُه أكثرُ العلماء، ويَستَعمِلُه عامَّةُ الفقهاء» انتهى. وقضية السؤال الآتي وجوابه: عموم مشاركة القِسْمَينِ جميعًا للصحيح، وعليه حَمَل شيخ الإسلام كلامَ العراقيِّ في ألْفيَّته
(4)
.
(1)
زيادة من: (أ) و (ب).
(2)
زيادة من: (أ) و (ب).
(3)
قضاء الوطر (2/ 761).
(4)
الألفية (ص 37)
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[قوله]
(1)
: «في الاحْتِجاجِ» :
أي: في صِحَّة الاحتِجاج، وأمَّا العملُ فداخلٌ بطريق الأَوْلى، أو المراد: الاحتِجاج على المطلوب مُطْلَقًا لا على خُصوص الخَصْم، وهذا هو كلام الخَطَّابيِّ السابق. فإنْ قُلتَ: كيف يُحتَجُّ بالحَسَن لغيره وهو] يُكْتفى]
(2)
فيه بكون راويه غيرَ مُتَّهَمٍ، وفي عاضده بكونه (هـ/83) مِثْلَه؟ مع أنَّ كُلًّا منهما ضعيف لا يُحتج به، وكيف يَلتَحِق بالصَّحيح /في الحُجِّيَّة مع اشتراطكم في قَبول الخبر ثقةَ راويه؟ قلنا: ما ذَكَرْتَه لا يَضرُّ؛ لأنَّ الحديث إذا رواه سيئُ حفظٍ ومُختَلِطٌ أو مُدَلِّسٌ وكان مع ذلك مُتَّصِفًا بالصِّدق والدِّيانة، ثُمَّ وَرَد ذلك الحديث من طريقٍ آخَرَ كذلك انْجَبَر وصَلَح للحُجِّيَّة؛ لاكتسابه من الهيبة الاجتماعيَّة قوَّةً كما في الصَّحيح لغيره الآتي بيانُه، ولأنَّ الحُكم عليه بالضعف إنَّما كان لاحتمال وجود ما يَمْنَع القَبول؛ فلمَّا جاء العاضد عليه غَلَب (أ/71) على الظَّنِّ زوالُ ذلك المانع، وليس هذا مِثلَ شهادة غير عدل انضَمَّ إليها شهادةُ مِثله؛ لأنَّ باب الشَّهادة أضيقُ من باب الرواية؛ لأنَّ مَدار الشَّهادة على العِلْم ومَدارَ الرواية على الظَّنِّ. فإنْ قُلتَ: هل هذا السؤال وجوابه قاصران على الحَسَن لغيره؟ قُلتُ: لا، بل كلُّ ضعيفٍ خفيفٍ هذا شأنُه، وأمَّا لو قويَ ضَعْفُه كتعمد الراوي للكذب، أو كان شاذًّا، فإنَّه لا يَنجَبر بمجيئه من وجهٍ آخَرَ وإنْ
(1)
زيادة من: (أ) و (ب).
(2)
في (ب) و (هـ): [يكفي].
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
كثُرَت طُرُقُه، كحديث:«مَن حَفِظَ على أُمَّتي أربعينَ حديثًا مِن أمرِ دِينِها، بَعَثَهُ اللهُ يَومَ القيامةِ في زُمرةِ الفُقهاءِ والعُلماءِ»
(1)
؛ فقد اتَّفَقَ الحُفَّاظُ على ضَعفِه مع كثرة طرقه وقصوره عن جَبره، وكذا الحديث المُرْسَل ضعيفٌ عند الشافعيِّ وموافقيه لا يُحتَجُّ به، فإذا أُسند من وجهٍ آخَرَ، أو جاء مرسَلًا أيضًا من وجه آخر بأنْ أرسله مَن أخذ العِلْم عن غير رجال التابعيِّ الأَوَّل؛ اعتَضَد وانجَبَر وصار بذلك حجةً. واعتُرِض بأنَّ الحديث إذا أُسند فالاحتجاج بالمُسْنَد، وأُجيبَ بأنَّ المراد: مُسنَدٌ لا يُحْتَج به منفرِدًا، أو بأنَّ: ثمرته تظهر فيما لو عارضه مُسْنَدٌ مِثلُه، فإنَّه يُرجَّحُ عليه؛ لاعتضاده بالمرسَل، ومُلَخَّصُه: أنَّهما دليلان اعتَضَد أحدُهما بالآخَر، كما يأتي نظيره.
تنبيه
(2)
:
قولهم: عن غير رجال الأَوَّل؛ للاحتراز عما إذا أرسله مَن أخذَ العلمَ عن رجال هذا التابعيِّ، فإنه لا يكون عاضدًا؛ لأنَّه يَطْرُقه احتمالُ أنْ يكون تسمية غير ذلك التابعيِّ من قبيل الاضطراب والاختلاف من الرُّواة، فإذا كان الذي أرسل لم يأخذ عن أصحاب هذا التابعي لم يجئْ هذا الاحتمالُ. قال المؤلِّف «مِثاله: أنْ يَروي عَقيل، عن الزُّهْرِيِّ، عن سعيد بن المُسيِّب، عن النبي عليه الصلاة والسلام
(3)
حديثًا، ويرويه بعَيْنِه أو بمعناهُ: يونسُ، عن الزُّهْرِيِّ، عن أبي سَلَمةَ،
(1)
أبو نعيم في الحلية (4/ 189)، عن ابن مسعود رضي الله عنه. وينظر: العلل المتناهية (1/ 111).
(2)
قضاء الوطر (2/ 764).
(3)
في (هـ): عليه السلام.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
عن النبي عليه الصلاة والسلام
(1)
فلا يكون هذا عاضدًا لذلك المروِيِّ عن سعيدٍ؛ لاحتمال اختلاف الرُّواة على الزُّهْرِيِّ، وأنْ يَكُون الزُّهْرِيُّ إنَّما رواه من أحد الطريقين فقط، فلو رواه أحد من الرواة عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلَمةَ، عدَدْناه عاضدًا؛ لانتقاء احتمال الاختلاف على مَن أَخَذ العِلْمَ عن رجال التابعيِّ الأَوَّل -وهُم رُواةُ الزُّهْرِيِّ- الأخذ عن سعيدٍ» هكذا قاله شيخنا.
والذي يظهر لي أنَّه الأقرب إلى مراد الشافعيِّ: أنْ يُحْمَلَ الرجالُ على الشيوخ؛ فيكون المعنى: أَرْسَله مَن أَخَذَ العِلْم عن غير شيوخ التابعيِّ الأَوَّل؛ لأنَّه ربما كان الساقطُ من المُرْسَل الأَوَّلِ تابعيًّا ضعيفًا، فإذا أرسل هذا الثاني الذي لم يَروِه عن أحد من شيوخ الأول عُلِم أنَّ شيخه فيه غيرُ شيخ الأَوَّل؛ فعُلِم أنَّه وجهٌ آخَرُ، قاله (ب) في حواشي شرح الألفيَّة
(2)
.
قُلتُ: وبظهور الاحتمالين يظهر اشتراط تَجَنُّبِ الأمْرين، فتأمله.
[قوله]
(3)
أي: وإنْ كان الحَسَن مُطْلَقًا دُونَ الصَّحيح في الرُّتبة، وفيه إشارة إلى (هـ/84) ارتضاءِ قولِ ابن الصَّلاح
(4)
(1)
في (هـ): عليه السلام.
(2)
النكت الوافية (1/ 242).
(3)
زيادة من: (أ) و (ب).
(4)
مقدمة ابن الصلاح (ص 32).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قال: «ومِن أهل الحديث مَن لا يُفرِد نوع الحَسَن، ويجعلُه مُنْدَرجًا في أنواع الصَّحيح؛ لاندراجه في أنواع ما يُحْتَجُّ به» ، قال:«وهو الظاهر من كلام الحاكم في تصرُّفاته» . قال: «ثُمَّ إنَّ مَن سَمَّى الحَسَن لا يُنكر أنَّه دون الصحيح المُتقدِّمِ بيانُه أوَّلًا» ، قال:«فهذا إذن اختلافٌ في العبارة دُون المعنى» انتهى. أنَّ المسألة عَرِية عن الخلاف، فالمبالغة في قول الشارح:«فإنْ كان دُونَه» ليست ردًّا للخلاف، تأمل.
[قوله]
(1)
: «ومشابِهٌ لهُ في انْقِسامِه إِلى مراتِبَ بعضُها فوقَ بعضٍ» :
عطْف على «مُشارِك» ، و «في انقِسامِه إلخ» متعلق بـ:«مشابه» ، وهو تصريح بوجه الشبه، ولعل مرادَه بتلك المراتب تفاوتُ رُواته في خِفَّة الضَّبْطِ المَقُول بالتشكيك على ما دُون التمام، واختلاف مراتب العاضد قوَّةً وضَعفًا، وكثرةً وقِلَّةً، وأنَّ ما حَسَّنه أئمةُ الصحيح مقدَّمٌ على ما قدمه الغير، وأنَّ الحَسَن الموافق لِمَا اتفق عليه الشيخان أقوى مِن الموافق لما انفرد به أحدهما، وأنَّ المُوافِق لِمَا انفرد به البخاريُّ أقوى مِن (أ/72) المُوافِق لِمَا انفرد به مُسْلِمٌ، وهَلُمَّ جَرًّا إلى آخر تلك المراتب
(2)
.
(1)
زيادة من: (أ) و (ب).
(2)
قضاء الوطر (2/ 766).
وَبِكثْرَةِ طُرُقِهِ يُصَحَّحُ، وإِنَّما يُحْكَمُ لَهُ بالصِّحَّةِ عندَ تعدُّدِ الطُّرُقِ؛ لأنَّ للصُّورةِ المَجْموعةِ قُوَّةً تَجْبُرُ القَدْرَ الَّذي قَصَّرَ بِهِ ضَبْطُ رَاوِي الحَسَنِ عن رَاوي الصَّحيحِ، ومِنْ ثَمَّ تُطلَقُ الصِّحَّةُ على الإِسنادِ الَّذي يكونُ حَسنًا لذاتِهِ لَو تفرَّدَ إِذا تَعَدَّدَ.
وهَذا حَيثُ يَنْفردُ الوَصفُ.
[قوله]
(1)
: «وبِكَثْرَةِ طُرُقِهِ يُصَحَّحُ» :
أراد بالكثرة ما فوق الواحد كما يؤخَذُ من كلامهم، ثُمَّ إن كلامه صادق بما إذا كان الحَسَن لِذاتِه يُروى من طريقٍ آخَرَ يكون باعتباره حَسَنًا لغيره، وليس كذلك، قال المؤلِّف في تقديره: «وبِكَثْرَةِ طُرُقِه
…
إلخ» يُشترط في التابع أنْ يَكُونَ أقوى أو مساويًا حتى لو كان الحَسَن لِذاتِه يُروى من وجهٍ آخَرَ حَسَنٍ لغيره لم يُحْكَم له بالصِّحَّة، قال (ق)
(2)
: «وهذا معنى قوله الآتي: «ومِنْ ثَمَّةَ تُطْلَقُ الصِّحَّةُ على الإسناد الذي يكون حَسَنًا لذاتِه لو انفَرَد
…
إلخ» انتهى؛ فالحَسَن لِذاته إذا جاء من طريقٍ أخرى مساويةٍ إذا رُجِّح يَصِير صحيحًا لغيره، وإن ورد من طريقٍ آخَرَ دُونَه فإنَّه لا يَصِير صحيحًا لغيره بذلك، نعمْ إذا كَثُرَت صار كذلك؛ ففي مفهوم قوله: «بِكَثْرَةِ طُرُقِه
…
إلخ» تفصيلٌ، ويُفْهَمُ من قوله: «وبِكَثْرَةِ طُرُقِه
…
إلخ» أنَّه لا يصح بغير ذلك، كما تقدم عن (ق)
(3)
مِن أنَّ حَسَن الشيخين أعلى الحَسَن، فهو صحيح، خلاف هذا.
(1)
زيادة من: (أ) و (ب).
(2)
حاشية ابن قطلوبغا على شرح نخبة الفكر (ص 59).
(3)
حاشية ابن قطلوبغا على شرح نخبة الفكر (ص 59).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقال (هـ)
(1)
: «وبِكَثْرَةِ طُرُقِه يُصَحَّحُ» هذا في الحَسَن لذاتِه، يعني: أنَّ الحَسَن لذاتِه الذي اشتهرت رُواتُه بالصدق والعدالة اشتهارًا دون اشتهار رجال الصحيح -كما مَرَّ- إذا أتت له طُرُقٌ نحو طريقه الوارد صار صحيحًا لغيره.
[قوله]
(2)
: «وإِنَّما يُحْكَمُ لهُ بالصِّحَّةِ عندَ تعدُّدِ الطُّرُقِ
…
إلخ»:
لو عبَّر بالماضي كان أظهَرَ. ولفظ «قَصُرَ» مبنيٌّ للفاعل.
وقوله: «عَنْ راوي الصَّحِيحِ» :
أي: عن ضبطه، مثالُه حديث:«لولا أنْ أَشُقَّ على أُمَّتي لَأَمَرْتُهُم بالسِّواكِ عِندَ كلِّ صَلاةٍ»
(3)
؛ فإنَّ محمد بن عَمرٍو رواه عن أبي سَلَمةَ عن أبي هريرة، لكن محمد بن عمرو وإن اشتهر بالصِّدق والصِّيانة ووثَّقه بعضُهم لم يكن مُتْقِنًا؛ إذْ قد ضعَّفه بعضُهم لسوء حفظِه، لكن لَمَّا رواه جماعةٌ عن غير أبي سلَمةَ عن أبي هريرة انجَبَر بمتابعتهم له؛ فصار من طريقه حَسَنًا، وصحيحًا لغيره أيضًا؛ نظرًا للمتابعة المذكورة، ورواه الشيخان أيضًا من طريق عبد الرحمن بن هُرمُزَ الأعرجِ؛ فصار صحيحًا لِذاتِه من هذه الطريق.
(1)
قضاء الوطر (2/ 757).
(2)
زيادة من: (أ) و (ب).
(3)
سبق تخريجه.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[قوله]
(1)
: «ومِن ثَمَّ تُطلَقُ الصِّحَّةُ» :
أي: ومِن أجْلِ أنَّ للصورة المجموعة قوَّةً تَجْبُرُ الضَّعفَ تُطْلَقُ الصِّحَّةُ، ولو قال: أُطلِقَتِ الصِّحَّةُ على الإسناد
…
إلخ؛ كان أولى. والمراد بـ «الإسناد» هنا: السَّنَدُ، وقد عَلِمتَ أنَّهم يُطلِقون أحدَهما على الآخر، بمعنى أنَّهم يُطلِقون الصِّحَّةَ والحُسْنَ على نَفْسِ السَّنَد، كما يُطلِقونهما على نَفْسِ المَتْنِ، على ما قاله ابن الصَّلاح وغيرُه، والحاصل كما قال العراقي
(2)
(هـ/85): أنَّهم رأوُا الحُكمَ للإسناد بالصحة، كقولهم: هذا حديثٌ إسناده صحيح، دُونَ قولهم: هذا حديثٌ صحيح، وكذلك حكمهم على الإسناد بالحُسْنِ كقولهم: إسنادٌ حَسَنٌ، دُونَ قولهم: حديثٌ حَسَنٌ؛ لأنَّه قد يصحُّ الإسنادُ لثقة رجاله، ولا يَصِحُّ الحديثُ لشذوذٍ أو علَّةٍ.
تنبيه:
عُلِم من هذا أنْ لا تَلازمَ بيْن صِحَّةِ السَّنَدِ أو حُسْنِه وبين صِحَّةِ المَتْنِ أو حُسْنِه؛ إذ قد يَصِحُّ السَّنَدُ أو يَحْسُنُ لاجتماع شروطه من الاتصال والعدالة والضبطِ دُونَ المَتْنِ لقادحٍ من شذوذ أو علةٍ خفيَّة، كما أنَّه قد يَصِحُّ المَتْنُ من طريق ولا يَكُونُ سندُه وطريقُه الآخَرُ صحيحًا ولا حَسَنًا.
(1)
زيادة من: (أ) و (ب).
(2)
شرح التبصرة والتذكرة (1/ 171).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
تنبيه:
الظاهر أنَّ إطلاق الضَّعفِ على السَّنَد أو على المَتْن مثل إطلاق الصحة أو الحُسَن على أحدهما، ولأجْلِ هذا إذا وَرَد المَتْن بسندين أحدُهما فقط ضعيف؛ قُلْنا: إنَّ الحديث ضعيفٌ، ونريد بذلك السَّنَدَ فقط.
[قوله]
(1)
: «لَو تَفَرَّدَ» :
شرطٌ في كونه حَسَنًا لذاتِه، وجوابه محذوفٌ دَلَّ عليه ما قبله.
وقوله: «إذا تَعَدَّدَ» شرطٌ في إطلاق الصِّحَّةِ على ذلك الإسناد، لكنَّ ظاهره أنَّه لا بُدَّ من التعدُّد حتى لا يكفي الواحد، ولا بُدَّ من مراعاة التفصيل المُتقدِّمِ عند قوله:«وبِكَثْرَةِ طُرُقِهِ يُصَحَّحُ»
(2)
.
[قوله]
(3)
: «وهذا» :
الحُكمُ على كل قِسْمٍ من الحَسَن والصحيحِ بمباينته للآخَرِ على الوجه السابق حيث ينفرد الوصف.
(1)
زيادة من: (أ) و (ب).
(2)
قضاء الوطر (2/ 779).
(3)
زيادة من: (أ) و (ب).
فَإِنْ جُمِعَا -أَيْ: الصَّحيحُ وَالحَسنُ في وَصْفِ حديثٍ واحدٍ؛ كقولِ التِّرمذيِّ وغيرِهِ: حَديثٌ حَسَنٌ صحيحٌ- فللتَّرَدُّدِ الحاصلِ مِنَ المُجْتهِدِ في النَّاقِلِ، هل اجتَمَعَتْ فيهِ شُرُوطُ الصِّحَّةِ، أَو قَصَّرَ عَنْها؟!
[قوله]
(1)
: «فإِنْ جُمِعَا؛ أي: الصَّحيحُ والحَسَن في وَصْفِ واحِدٍ» : ينبغي أن يُقرأَ بالإضافة، أي: في وَصْفِ حديثٍ واحدٍ، وقد جاء في بعض النسخ كذلك، ويمكن أنْ يُقال: لَمَّا تَبِعَا موصوفًا (أ/73) واحِدًا جُعِل الوَصْفان كالوَصْف الواحد
(2)
.
[قوله]
(3)
: «كقَولِ التِّرمذيِّ وغَيرِه» : فيه إشارةٌ إلى أنَّ من يجمع بين الوصفين لحديثٍ واحدٍ لا يَحْصُر فيه، خلافًا لبعضهم، ولذا قال (ق)
(4)
ممثِّلًا للغير: كيعقوبَ بنِ شَيْبةَ؛ فإنَّه يجمع بين الصِّحَّةِ والحُسنِ والغرابة في مواضعَ من كتابه، وكأبي عليٍّ الطُّوسيِّ؛ فإنَّه جمع بين الصِّحَّةِ والحُسَن في مواضعَ من كتابه المسمى بـ:«الأحكام»
(5)
، وعن البخاريِّ أخَذَ التِّرْمِذيُّ، ولكنَّ التِّرْمِذيُّ أَكْثَرَ
(6)
بذكره وأظهر الاصطلاح فيه؛ فصار أشْهَرَ به مِن غَيرِه.
[قوله]
(7)
: «فللتَّرَدُّدِ الحَاصِلِ مِن المُجْتَهِدِ في النَّاقِلِ» : هذا صادقٌ بما إذا حصل التردُّدُ مِن شخصٍ واحدٍ. وقوله: «ومُحَصَّلُ الجوابِ
…
إلخ» يُفيد خِلافه،
(1)
زيادة من: (أ) و (ب).
(2)
قضاء الوطر (2/ 783).
(3)
زيادة من: (أ) و (ب).
(4)
حاشية ابن قطلوبغا على شرح نخبة الفكر (ص 60).
(5)
المطبوع باسم: مختصر الأحكام.
(6)
في المخطوط زيادة [منه وآثار]
(7)
زيادة من: (أ) و (ب).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقال (هـ)
(1)
: أي: فالجمع بين الوصفين لأجْل [التردُّد]
(2)
الحاصل من المُجْتَهِد بعد البحث التامِّ والنَّظَرِ الذي يُحِسُّ مِن نَفْسِه معه
(3)
العجز عن الخبر مما يقتضي تخصيصه بأحد الوصفين بمفرده لما يتعارض عليه من أحوال رواته، وإيضاحُه: أنَّ المُجْتَهِدَ -كالتِّرْمِذيِّ مثلًا- بعد البحث الشديد لم يدرِكْ من أحوال راويه إلا قولَ بعضهم فيه: صادقٌ -مَثلًا-، وقول بعضهم: ثقةٌ -مثلًا-، ولا يَتَرجَّحُ عنده قولُ واحدٍ منهما؛ فيقول: حَسَنٌ صحيحٌ، أي: حَسَنٌ عند قوم؛ لأن راويَه عندهم صدوقٌ، صحيح عند آخرينَ؛ لأنَّ راويَه عندهم ثقةٌ، وهو نظير قول الفقيه: في المسألة قولان.
وقوله: «شروط الصِّحَّة» راجعٌ للصَّحيح، وقوله:«أو قَصُرَ عنها» أي: قصورًا لا يَحُطُّه لمرتبة الضعيف بقرينة المقابلة، أو التقدير: قصُر عن كمالها؛ فيَخْرُجُ الضعيف لفقدها جملة منه [راجع]
(4)
للحسن
(5)
.
تنبيه:
ربما يُفهَمُ من قولهم: مُجْتَهِدًا؛ أنَّه لا يُعتبَرُ بالتصحيح أو التحسين إلَّا إذا صدَرا مِن المُجتهِد، ولعلَّ المرادَ به: مَن فيه أهليَّةُ ذلك مِن أهْلِ فَنِّه
(6)
.
(1)
قضاء الوطر (2/ 784).
(2)
في (ب) و (هـ): [التبرد].
(3)
في (ب) زيادة [و].
(4)
في مطبوع قضاء الوطر [فرجع].
(5)
قضاء الوطر (2/ 785).
(6)
قضاء الوطر (2/ 785).
وهَذَا حَيْثُ يَحْصُلُ منهُ التَّفرُّدُ بتلكَ الرِّوايةِ.
وعُرِفَ بهذا جَوابُ مَن اسْتَشْكَلَ الجَمْعَ بينَ الوصفينِ، فَقَالَ: الحسنُ قاصرٌ عنِ الصَّحيحِ، ففي الجمعِ بينَ الوَصفَيْنِ إِثباتٌ لذَلكَ القُصورِ، ونَفْيُهُ!
[قوله]
(1)
: «وهذا حَيْثُ يَحْصُلُ مِنْهُ التَّفَرُّدُ» :
اسم الإشارة راجعٌ للتوجيه بما ذُكِرَ من التردُّد، وضمير «يحصل منه» راجع للنَّاقل، المراد به: ما عدا الصحابيِّ، واعترضَ (ق)
(2)
قوله: «يَحْصُلُ مِنْهُ
…
إلخ»، (هـ/86) بقوله:«يَرِدُ عليه ما إذا كان المُنفرِدُ جَمَعَ شروطَ الصِّحَّةِ /عندهم» انتهى.
لكنَّ المؤلِّف في النُّكت
(3)
قال «أجاب بعض المتأخرين عن أصل الإشكال -يعني: إشكالَ ابنِ الصلاح- لأنَّه باعتبار صِدْقِ الوصفين على الحديث بالنسبة إلى أحوال رُواته عند أئمة الحديث، فإذا كان منهم مَن يكون حديثُه صحيحًا عند قومٍ وحَسَنًا عند قوم يُقال فيه ذلك» ، قال:«ويُتَعَقَّبُ هذا: بأنَّه لو أراد ذلك لأتى بالواو التي للجمع، فيقول: حَسَنٌ وصحيح» ، قال: «ثُمَّ إنَّ الذي يَتَبادَرُ إلى الفَهم أنَّ التِّرمِذيَّ إنَّما يَحكُمُ على الحديث بالنِّسبة إلى ما عنده لا بالنِّسبة إلى غيره، فهذا يقدح في الجواب، ويَتَوَقَّفُ أيضًا على اعتبار الأحاديث التي جَمَعَ فيها التِّرْمِذيُّ بين الوصفين، فإن كان في بعضها ما لا اختلاف فيه عند جميعهم
(1)
زيادة من: (أ) و (ب).
(2)
حاشية ابن قطلوبغا على شرح نخبة الفكر (ص 60).
(3)
النكت على كتاب ابن الصلاح لابن حجر (1/ 270).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
في صِحَّته قَدَحَ في الجواب أيضًا، لكنْ لو سُلِّم هذا الجوابُ لكان أقربَ إلى المراد من غيره، وإنِّي لأميل إليه وأرتضيه، والجواب عما يَرِدُ عليه ممكنٌ» انتهى. فأنت تراه مَسبوقًا بالجواب المذكور هنا، وتراه لم يجزم بأنَّ التِّرمِذيَّ وُجِدَ فيه سندُ حديث مما وصفه بحَسَنٍ صحيحٍ لم يختلف فيه جميعُهم؛ فالإقدام على النقض به من قصير الباع قليل الاطلاع مِن تحرش الأرانب مع ضواري السِّباع. ويُستفاد من كلامه أنَّ حرف العطف المقدَّر: الواو، لا: أوْ، وهو خلاف ما يقتضيه تعبيرُه بحرف التردُّد وتصريحه بأنَّه: أوْ، والله أعلم؛ فَدَع عنك ما قيل أو يُقال، فماذا بعد الحق إلا الضلال؟! قاله (هـ)
(1)
.
[قوله]
(2)
: «وعُرِفَ بهذا» : اسم الإشارة راجعٌ للتوجيه وأكمل السابق.
وقوله: «جواب مَن اسْتَشْكَل» أي: جواب إشكال شَخْصٍ، أو الشَّخص الذي استشكل
…
إلخ. ولو قال: جواب استشكال الجمع بين الوصفين بلزوم التناقض، فقال
…
إلخ؛ كان أخصَرَ وأظهر.
[قوله]
(3)
: «الحَسَنُ قَاصِرٌ عن الصَّحِيحِ» : يعني أنَّ الحَسَن مُطْلَقًا [تَقْصُر]
(4)
(1)
قضاء الوطر (2/ 781).
(2)
زيادة من: (أ) و (ب).
(3)
زيادة من: (أ) و (ب).
(4)
في (هـ): [يقصر].
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أوصاف رُواتِه عن أوصاف رُواةِ الصَّحيح مُطْلَقًا، سواءٌ كان لِذاتِه أو لغيره؛ إذ الصحيح يُعتبَرُ فيه من حيثُ إنَّه صحيحٌ: إمَّا بلوغ نَقَلَتِه أعلى صفات الكمال عَدالةً وضبطًا، وإما شهرة الاتصاف بأضداد ذلك مع وُرود مُقوله كما مَرَّ تفصيلُه، والحَسَنُ من حيث إنَّه حَسَن يُعتبَرُ فيه اتِّصافُ نَقَلَته بالنُّزول عن (أ/74) ذلك مع الاتصاف بأصله لا مع عاضد، أو أنْ يَكُونَ في رُواته مجهولٌ مثلًا مع ورود عاضد لا يُلْحِقه بالصحيح؛ فظهر أنَّ أحدَهما مشروطٌ بأمرٍ والآخَرَ مشروط بنقيضه، وما كان كذلك لا يُتَصَوَّرُ فيه الاجتماعُ.
وقضية قولنا: (حَسَنٌ صحيح) أنَّه جمع الوصفين، وهو تناقض؛ لأن في الجمع بين الوصفين إثباتَ ذلك القصورِ ونَفْيَه، وأجاب بما يأتي
(1)
.
(1)
قضاء الوطر (2/ 788).
ومُحَصَّلُ الجَوَابِ: أَنَّ تَردُّدَ أَئمَّةِ الحديثِ في حَالِ ناقلِهِ اقْتَضى للمُجْتَهدِ أَلَّا يصِفَهُ بأَحدِ الوَصْفَينِ، معينًا فَيُقَالُ فِيهِ: حَسنٌ باعتبارِ وَصْفِهِ عندَ قومٍ، صَحيحٌ باعتبارِ وصفِهِ عندَ قومٍ آخرين.
وَغَايةُ ما فيهِ أَنَّه حَذَفَ منهُ حرفَ التردُّدِ؛ لأنَّ حقَّهُ أَنْ يقولَ: حَسَنٌ أَو صَحيحٌ.
وهَذَا كَما حَذَفَ حَرْفَ العَطفِ مِنَ الَّذي بَعْدَهُ.
[قوله]
(1)
: «ومُحَصَّلُ الجوابِ» :
قال (ق)
(2)
: «] يَرِد]
(3)
عليه ما إذا كان الراوي جامعًا لشروط الصِّحَّةِ باتفاقٍ ولم يتردَّد واحدٌ فيه» انتهى. قُلتُ: قدَّمنا جوابه، قاله (هـ)
(4)
.
[قوله]
(5)
: «أَئمَّةِ الحَدِيثِ» :
فيه إشارةٌ ما إلى أنَّه لا بد أن يكون التردُّدُ فيما ذُكِرَ من الأئمة المُعتبَرِين، وتقدَّم أنَّهم المجتهدون، يعني في صناعة الحديث، ويكفي في التردُّد وُجودُ الاضطراب في كلامهم عند] التردُّد]
(6)
لعَدِّ مآثرهم والخوض في الثناء عليهم، والظاهر -والله أعلم- أنَّ مِن ذلك: التعديلَ المقابل للجَرْح المُبْهَم
(7)
.
(1)
زيادة من: (أ) و (ب).
(2)
حاشية ابن قطلوبغا على شرح نخبة الفكر (ص 61) ونصه «قدمت أنه يرد عليه
…
».
(3)
في (هـ): [مما يرد].
(4)
قضاء الوطر (2/ 789).
(5)
زيادة من: (أ) و (ب).
(6)
في (هـ): [التنزل].
(7)
قضاء الوطر (2/ 789).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[قوله]
(1)
: «أَلَّا يَصِفَهُ بأَحَدِ الوَصفَينِ» :
يعني فقط تفاديًا عن التحكم ولزوم الترجيح بلا مُرَجِّحٍ، وإنَّما حقُّه أنْ يَصِفَه بهما معًا إمَّا مُصرِّحًا بعزو كلِّ وَصْفٍ من وَصْفَيْهِ أو أوصافِه لقوم، أو مُضمِرًا ذلك مُريدًا له بأنْ يقول: حسَنٌ صحيح، ويريد بالاعتبارين اللَّذَينِ أشار إليهما الشارح، إذا عَلِمتَ هذا عرَفتَ أنَّ قوله: «فيُقال
…
إلخ» ليس بيانًا] لِما]
(2)
يقوله مُصرِّحًا به؛ لأنَّها ليست من (هـ/87) حالات الاختلاف، ولا من صوَر الإشكال في شيء، بل لِما [ينْويه]
(3)
ويُضْمِرُه مُريدًا له، والأصل: فيقول: حَسَنٌ صحيحٌ، يريد الحَسَن باعتبارٍ أو صحيح باعتبار، فلو قال: فيقول، بَدَلَ:«فيقال» ؛ كان أَوْلى، كما أنَّه لو أدخل «أو» على قوله: «صحيح باعتبار
…
إلخ»؛ كان أولى، بيانًا للمعنى؛ حتى يتضح قوله: «وغاية
…
إلخ»، ولكنَّه قصد الحكاية للفظ الواقع من المجتهد مع تفسيره
(4)
.
[قوله]
(5)
: «وغايةُ ما فيهِ» :
أي: وأقصى ما في قولهم: (حَسَنٌ صحيحٌ) من الإشكال على هذا التوجيه وأجمل أنَّه حَذَف منه حرفَ التردُّد والشك، وهو لا يضر في مثل هذا المقام في
(1)
زيادة من: (أ) و (ب).
(2)
في (هـ): [كما].
(3)
في (هـ): [ينوبه].
(4)
قضاء الوطر (2/ 790).
(5)
زيادة من: (أ) و (ب).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أداء المَرام، على أنَّه سُمِع حذفُه نَظمًا و] شرحًا]
(1)
ونَثرا، وإنْ كان الأصحُّ اختصاصَ جوازه بالشعر، وهذا الحذف اللاحق لحرف الإضراب هنا كالحذف اللاحق لحرف العطف الذي بعده، وأنَّه من القِسْمِ الذي بعده، وهو قوله:«وإلَّا فبِاعْتِبارِ إِسْنادَينِ» .
قال (ب)
(2)
: «لا يُقال: عُهِدَ حذفُ «الواو» دُون «أوْ» ؛ لأنَّا نقول: بل ذلك أيضًا معهود، كما قال ابن مالك في شواهد التوضيح
(3)
على الجامع الصحيح في حديث عَدِيِّ بن حاتم -رَفَعَه-: «تَصَدَّقَ رجُلٌ مِن [دِرهَمِه]
(4)
مِن دينارِه مِن صاعِ تَمرِهِ
…
إلخ»
(5)
، وفي قول عُمرَ: جَمَع رجُلٌ عليه ثيابَه، صلى في إزار وقميص في إزار في تُبَّانٍ
…
(6)
، وفي مُسلِمٍ عن أبي هريرةَ رفَعَه: «اللَّهمَّ إنِّي أتَّخِذُ عِندَك عَهْدًا، فأيُّ مُسْلِمٍ آذَيْتُه شَتَمْتُه لَعَنْتُه جَلَدْتُه
…
»
(7)
الحديثَ» انتهى. وللمؤلِّف إشكال على هذا الجواب يأتي آخرَ المبحث.
(1)
زيادة من (هـ).
(2)
قضاء الوطر (2/ 790).
(3)
شواهد التوضيح والتصحيح لمشكلات الجامع الصحيح (ص 117).
(4)
في (هـ): [دراهم].
(5)
مسلم (1691)، وهو في البخاري (352)، من مسند أبي هريرة رضي الله عنه.
(6)
البخاري (365).
(7)
مسلم (2601) بلفظ: «اللهم إني أتخذ عندك عهدا لن تخلفنيه، فإنما أنا بشر، فأي المؤمنين آذيته شتمته، لعنته، جلدته، فاجعلها له صلاة وزكاة، وقربة تقربه بها إليك يوم القيامة» .
وعَلَى هَذَا، فَمَا قيلَ فيهِ: حَسَنٌ صَحيحٌ، دونَ ما قيلَ فِيهِ: صَحيحٌ؛ لأنَّ الجزمَ أَقْوى مِن التَّردُّدِ، وهذا حيثُ التفرُّدُ.
وإِلَّا -أَيْ: إِذا لم يَحْصُلِ التَّفرُّدُ- فَإِطْلَاقُ الوَصفَيْنِ معًا على الحديثِ يكونُ باعْتِبارِ إِسنَادَيْنِ؛ أَحَدُهُما صَحيحٌ، والآخرُ حَسنٌ.
وعَلَى هذا، فَما قيلَ فيهِ: حسنٌ صحيحٌ، فَوْقَ ما قيلَ فِيهِ: صَحيحٌ، فَقَطْ إذا كَانَ فَرْدًا؛ لأنَّ كثرةَ الطُّرقِ تُقَوِّي.
فَإِنْ قيلَ: قدْ صَرَّحَ التِّرمِذيُّ بأَنَّ شَرْطَ الحَسَنِ أَنْ يُرْوى مِن غيرِ وَجْهٍ، فكيفَ يقولُ في بعضِ الأحاديثِ: حسنٌ غَريبٌ، لَا نعرِفُهُ إِلَّا مِن هذا الوجهِ؟!
[قوله]
(1)
: «وَعَلَى هذا» :
اسم الإشارة راجعٌ للجواب، أي: ويبنى على هذا الجواب، أو وإذا بنَيْنا على هذ الجواب كما يُرشدُ له دخولُ الفاء المُشعِرةِ بالشَّرْطية في قوله:«فما» أي: فالحديث الذي، أو الإسناد الذي، و «حَسَنٌ صحيحٌ»: نائب فاعل «قيل» .
تتمة:
قال بعضهم: وعلى هذا فما قيل فيه: حَسَنٌ صحيحٌ؛ أعلى مما قيل فيه: حسَنٌ فقط، وبه عُلِم حُكْمُ الأقسام الثلاثة، وهي: حَسَنٌ صحيحٌ، وصحيحٌ فقط، وحَسَنٌ فقط.
وفي كتابة: «وعلى هذا
…
إلخ» اعتُرِض بأنَّ الحكم على الإسناد بالصِّحَّة لا يُقضى به على المَتْنِ؛ إذ قد يَصِحُّ الإسنادُ لثقة رجاله وضبطِهم واتِّصالِه، ولا
(1)
زيادة من: (أ) و (ب).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يَصِحُّ المَتْنُ لشذوذ أو عِلَّةٍ، وقد ضَعَّف غيرُ واحدٍ من المحدِّثينَ أحاديثَ مع حكمهم على أسانيدها بالصحة.
[قوله]
(1)
: «وهذا» :
أي: الجواب، إنَّما يطرد «حَيْثُ التَّفَرُّدُ» أي: في حديثٍ وُصِفَ بالأمْرين جميعًا وكان فردًا، بأنْ لم يَكن له إلَّا طريقٌ واحدٌ.
[قوله]
(2)
: «إِذا لم يَحْصُلِ التَّفرُّدُ» :
وفي بعض النسخ: «أي: إذا لم
…
إلخ»، ولو قال بدله: إن لم يحصل إلخ؛ كان أَولى. فإن قُلتَ: قَدَّر «إذا» لأجْل الفاء بعدها، قلنا: هي في جواب إنْ الشَّرْطية المقرونة بلا النافية؛ لأنَّ التقدير بها أَولى، فلا تَهِم، لا يُقال: قَدَّر إذا إرشادًا إلى أنَّ الشرط مُقدَّرٌ مع لا؛ لئلَّا يُتوهَّمَ أنَّها إلَّا الاستثنائيةُ كما وَقع ذلك لبعض العلماء؛ لأنَّا نقول: تقدير أنْ يدفعه أيضًا. نعمْ يمكن أنْ يقال: إنَّه قدَّر إذا
(3)
ليُفيدَ
(4)
أنَّ: «إنْ» هنا (أ/75) للمُحقَّق لا للمشكوك، كما هو أصلُها.
[قوله]
(5)
: «وعلى هذا» :
أي: وإذا بنَيْنا على هذا الاعتبار، يدُلُّ عليه دخولُ الفاء بعده.
(1)
زيادة من: (أ) و (ب).
(2)
زيادة من: (أ) و (ب).
(3)
في (ب) زيادة [لا].
(4)
في (ب): [يفيد].
(5)
زيادة من: (أ) و (ب).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[قوله]
(1)
: «فما قيل فيه» :
أي: في وصفه، أو في شأنه، أو يُضمَّنُ «قيل»: معنى أطلق، و «في» بمعنى على، و «حَسَنٌ صحيحٌ»: نائب فاعل «قيل» .
[قوله]
(2)
أي: إذا كان ما قيل فيه: صحيحٌ فقط فردًا، أمَّا لو كان عَزيزًا أو مشهورًا فيُطْلَبُ الترجيحُ لِما يَصِير به أحدُهما فوقَ الآخَرِ.
[قوله]
(3)
: «تُقَوّى» :
أي: يتقوَّى الحديث ويُجبَرُ الخَلَلُ الواقعُ في راويه حتى يُلْحِقَه بالصِّحَّةِ أو الحُسْن
(4)
. (هـ/88)
[قوله]
(5)
: «فإنْ قِيل
…
إلخ»:
قَصْدُه بهذا السؤال إيرادُ قولِ الزَّرْكَشيِّ كما يأتي نقْلُه في التتمة آخِرَ المبحث. واعلمْ أنَّ هذا السؤالَ -يعني الذي أورده ابن الصَّلاح- يَرِدُ بعينه في قول الترمذي: هذا حديث حسنٌ غريبٌ؛ لأن مِن شرط الحَسَن أن يكون معروفًا من غير وجه،
(1)
زيادة من: (أ) و (ب).
(2)
زيادة من: (أ) و (ب).
(3)
زيادة من: (أ) و (ب).
(4)
قضاء الوطر (2/ 792).
(5)
زيادة من: (أ) و (ب).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والغريب ما انفرد به أحد رواته، وبينهما تنافٍ، وأجاب عنه لما يأتي ثَمَّةَ.
[قوله]
(1)
: «بأَنَّ شَرْطَ الحَسَنِ أَنْ يُرْوى مِنْ غَيرِ وَجْهٍ» :
أي: طريقٍ. إن قيل: كيف يكون ما ذَكَر عنده شرطًا وقد اعترَف بأنه ذَكَر جزءًا من التعريف، وإنَّما يُذكر في الحدود الذاتيَّاتُ؟ قلنا: التعريف أعمُّ من الحدِّ والرَّسم الذي يذكر فيه الخواص والمزايا التي منها الشروط. فإنْ قُلتَ: التِّرْمِذيُّ أتى بـ «كلِّ» وهي للأفراد؛ فلا يكون ما ذَكَر تعريفًا؛ إذ لا يكون إلَّا للحقائق والماهيَّاتِ دون الأفراد؟ قلنا: قد يقال: إن التعريف حاصِلٌ بمدخولها، وإنَّما جيء بها؛ لبيان الاطِّرادِ.
وفي كتابة: «مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ» أي: مِنْ وَجْهٍ آخَرَ فأكثَرَ، فَوْقَه أو مِثله لا دونه؛ فيترجح.
(1)
زيادة من: (أ) و (ب).
فَالجَوَابُ: أَنَّ التِّرمذيَّ لم يُعَرِّفِ الحَسَنَ المُطْلَقَ، وإِنَّما عَرَّفَ بنوعٍ خاصٍّ منهُ وقعَ في كتابِهِ، وهُوَ ما يقولُ فيهِ:«حَسنٌ» ، من غيرِ صفةٍ أُخرى، وذَلكَ أَنَّهُ يَقُولُ في بعضِ الأحاديثِ:«حَسَنٌ» ، وفي بعضِها:«صَحيحٌ» ، وفي بعضِها:«غريبٌ» ، وفي بعضِها:«حسنٌ صحيحٌ» ، وفي بعضِها:«حسنٌ غَريبٌ» ، وفي بعضِها:«صحيحٌ غريبٌ» ، وفي بعضِها:«حسنٌ صحيحٌ غريبٌ» .
وَتعريفُهُ إِنَّما وَقعَ على الأوَّلِ فَقطْ، وعبارتُهُ تُرشِدُ إِلى ذلك، حيثُ قال في آخِرِ كتابِهِ:«ومَا قُلْنا في كتابِنا: «حديثٌ حسنٌ» ، فإِنَّما أَرَدْنا بهِ: حَسَنٌ إِسنادُهُ عندَنا؛ إِذْ كُلُّ حديثٍ يُرْوى ولَا يكونُ راويهِ مُتَّهَمًا بكَذِبٍ، ويُرْوى مِن غيرِ وَجْهٍ نحو ذَلكَ، ولا يكونُ شاذًّا، فهو عندَنا حديثٌ حسنٌ».
[قوله]
(1)
: «لم يُعَرِّفِ» :
أي: الترمذي، «الحَسَنَ المُطْلَق» أي: سواءٌ وَصَفَه بالصِّحَّةِ أو الغرابة أو لا.
[قوله]
(2)
: «وإِنَّما عَرَّفَ بِنَوعٍ
…
إلخ»:
«الباء» صِلة، أو ضَمَّن «عَرَّف» معنى نبَّأ، ولو أسقطها كان أخصَرَ وأظهرَ، وضمير «مِنْهُ» للحَسَنِ المُطْلَق، كما أنَّ ضمير «وهو ما يقول فيه
…
إلخ» راجعٌ للنَّوع الخاصِّ الذي عَرَّفه، وهو الحَسَن لغيره.
[قوله]
(3)
: «وذَلك» :
بيانٌ لما ادعاه من: «أنَّه
…
إلخ»، وضمير «أنَّه» الأولى عودُه للتِّرْمِذيِّ، ويجوز
(1)
زيادة من: (أ) و (ب).
(2)
زيادة من: (أ) و (ب).
(3)
زيادة من: (أ) و (ب).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
جَعْلُه للشأن، وقد عَلِمتَ ما في نظير:«يَقُولُ في بَعْضِ الأحادِيثِ» آنِفًا.
[قوله]
(1)
: «إِلى ذَلِكَ» :
أي: قَصْر تعريفه على النَّوع الأَوَّل من الحَسَن فقط.
[قوله]
(2)
: «حَيثُ قال» :
الظاهر أنَّها حيثيَّةُ تعليل.
قوله: «في آخِرِ كِتابِه» :
أي: آخِرِ «العِلَلِ» التي ذكرها آخِرَ «الجامع» .
[قوله]
(3)
: «وَمَا قُلْنا
…
إلخ»:
الظاهر أنَّ «ما» فيه موصولةٌ عائدها ضميرُ «به» من قوله: «إنَّما أَرَدْنا به» ، والمَصدريَّة لا ضمير لها.
[قوله]
(4)
: «كُلُّ حَديثٍ يُرْوَى
…
إلخ»:
قال بعضهم: «هو خبرُ مبتدأٍ محذوف» انتهى. قُلتُ: والظاهر أنَّه مبتدأٌ خبرُه جملة قوله: «فهو عندنا
…
إلخ»، ودخول «الفاء» في خبر المبتدأ الدالِّ على العموم أو المفيد للإبهام جائزٌ، وقد قدَّمْنا الكلام على دخول «كُلٍّ» في التعريف آنفًا.
(1)
زيادة من: (أ) و (ب).
(2)
زيادة من: (أ) و (ب).
(3)
زيادة من: (أ) و (ب).
(4)
زيادة من: (أ) و (ب).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقوله: «لا يَكُونُ راويهِ مُتَّهَمًا بكَذِبٍ» :
معناه بأنْ لم يظهر منه [تعمده]
(1)
، ولَمَّا شَمِل ذلك ما كان بعض رُواته: سيئَ الحفظ أو مستورًا أو مُدَلِّسًا بالعنعنة مثلًا أو مُختَلِطًا؛ شَرَطَ شَرْطًا آخَرَ مُصححًا له، فقال:«ويُرْوى مِنْ غَيرِ وَجْهٍ» بأن] يجيء]
(2)
من طريقٍ آخَرَ مِثلِه أو فوقَه أو أكثرَ إنْ كان دُونه كما مَرَّ تفصيلُه، سواءٌ كان مما [هو]
(3)
بلفظه أو بمعناه يَتَرَجح به أحد الاحتمالين؛ لأنَّ سيئ الحفظ مثلًا يُحتمل أن يَكونَ ضبَطَ مَرْوِيَّه ويُحتمل خلافُه، فإذا وَرَدَ من وجهٍ آخَرَ مِثل ما رواه غَلَب على الظَّن أنَّه ضَبَط. واعتُرِضَ عليه بأنَّ: ما حَدَّ به الحَسَن لم يميِّزه عن الصحيح، وأُجيبَ: بأنَّه مَيَّزه عنه؛ حيث شَرَطَ فيه أنْ يُروى [ذلك]
(4)
مِن وجهٍ آخَرَ دون الصحيح، فلم يُشتَرَط فيه ذلك، وهو لم يُعَرِّف بذلك كلَّ حَسَنٍ، بل ما قال فيه: حسنًا فقط، وهو الحَسَن لغيره، دُون ما قال فيه: حَسَنٌ صحيحٌ، أو حَسَنٌ غَريبٌ، أو حَسَنٌ صحيحٌ غَريبٌ، كما قاله الشارح.
وفي كتابة: لو قال: من وجهٍ آخَرَ نحو ذلك؛ كان أظهَرَ في إفادة المعنى [المراد]
(5)
.
وقوله: «نَحْوَ ذلك» صفة لـ: «غير» .
(1)
في (أ): [تعهده].
(2)
في (ب) و (هـ): [يجري].
(3)
في (ب) زيادة [عليه].
(4)
زيادة من (ب).
(5)
زيادة من (ب).
فعُرِفَ بِهَذَا أَنَّهُ إِنَّما عَرَّفَ الَّذي يقولُ فيه: «حَسنٌ» فَقطْ، أَمَّا ما يقولُ فيهِ:«حسنٌ صحيحٌ» ، أو:«حسنٌ غريبٌ» ، أو:«حسنٌ صحيحٌ غريبٌ» ، فلم يُعَرِّجْ على تعريفِهِ، كما لم يُعَرِّجْ على تعريفِ ما يَقولُ فِيهِ:«صحيحٌ» فَقطْ، أو:«غريبٌ» فَقطْ.
وَكأنَّهُ تَرَكَ ذَلكَ؛ اسْتِغناءً بشُهرَتِهِ عندَ أَهلِ الفنِّ، واقْتصرَ على تعريفِ ما يقولُ فيهِ في كتابهِ:«حسنٌ» فَقطْ؛ إِمَّا لغُموضِهِ، وإِمَّا لأنَّهُ اصطِلاحٌ جديدٌ، ولذَلكَ قيَّدَهُ بقولِهِ:«عندنا» ، ولم يَنْسُبه إِلى أَهلِ الحديثِ كما فَعَل الخَطَّابيُّ.
[قوله]
(1)
: «أمَّا ما يَقُولُ فيه
…
إلخ»:
يوضّح هذا ما ذكره في «العِلَل» من حديث خالدٍ، عن ابن سِيرينَ، عن أبي هريرة يَرفَعُه: «مَن أَشارَ إلى أخيه بحديدةٍ
…
الحديثَ»
(2)
، قال فيه:«حديثٌ حَسَنٌ صحيحٌ غَريبٌ (أ/76) من هذا الوجه» ، استُغرِب من حديث خالدٍ لا مُطْلَقًا
(3)
.
(هـ/89)[قوله]
(4)
: «كَما لم يُعَرِّجْ
…
إلخ»:
«ما» فيه مصدريَّة.
قوله: «أو كَأَنَّه تَرَك ذلك» :
أي: تعريف كلِّ ما لم يَتَعَرَّضْ لتعريفه ممَّا ذَكَرَه.
(1)
زيادة من: (أ) و (ب).
(2)
مسلم (2616)، وينظر: جامع الترمذي (2162).
(3)
قضاء الوطر (2/ 714).
(4)
زيادة من: (أ) و (ب).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[قوله]
(1)
: «[لشهرته]
(2)
…
إلخ»:
زاد بعضهم: أو ذُهولًا، أو لكَونِه يُعْلَمُ بالمُقايَسةِ على ما ذَكَرَه.
[قوله]
(3)
: «واقْتَصَرَ .. » :
إلى قوله: «فَقَطْ» تَكرارٌ؛ أعاده ليُرتِّبَ عليه التعليلَ ويُلصِقَه به.
[قوله]
(4)
: «إمَّا لغُمُوضِه
…
إلخ»:
لو قال: ولأنَّه اصطلاحٌ جديد؛ لكان أحسَنَ؛ إذْ كلامُه يقتضي أنَّهما جَوابان، أحدهما: الغموض وهو اصطلاح قديم، والثاني: أنَّه اصطلاح جديدٌ، ولا يخفى ما فيه.
تنبيه:
الحديث الضعيف تارةً يكون ضَعفُه لضَعْفِ حِفظِ راويه الصدوق الأمين؛ فإذا جاء مِنْ وجهٍ آخَرَ ضعيفًا صار حسنًا لغيره، وكذا لو كان ضَعفُه لإرسالٍ أو تدليسٍ أو جهالةِ حالٍ وزال بمجيئه مِن طريقٍ آخَرَ، وإن كان الضَّعفُ لفِسْقِ الراوي فمجيئُه مِنْ وجهٍ آخَرَ لا يؤثِّرُ فيه، قاله (ج)
(5)
.
وقال (هـ)
(6)
: «اصطلاح جديدٌ» يعني له وحْدَه.
(1)
زيادة من: (أ) و (ب).
(2)
في (هـ): [شهرته].
(3)
زيادة من: (أ) و (ب).
(4)
زيادة من: (أ) و (ب).
(5)
حاشية الأجهوري على شرح نخبة الفكر (ص 217).
(6)
قضاء الوطر (2/ 808).
وَبِهَذَا التَّقريرِ يَنْدَفعُ كَثيرٌ مِنَ الإِيراداتِ الَّتي طالَ البحثُ فيها، ولمْ يُسْفِرْ وَجْهُ تَوْجيهِها، فللهِ الحمدُ على ما أَلْهَم وعَلَّمَ.
[قوله]
(1)
: «مِنَ الإيراداتِ
…
إلخ»:
الظاهر -والله أعلم- أنَّ مراده: الإيرادات على جَوابَي ابن الصَّلاح وغيرهما مما هو لغيره، وإلا فليس في المقام إلَّا الإيراد الذي أشار إليه ابن الصَّلاح
(2)
، وذلك أنَّه بعد إيراده الإشكالَ السابقَ قال:«وجوابه: أنَّ ذلك راجعٌ إلى الإسناد؛ فإذا رُوِي الحديثُ الواحد بإسنادين، أحدهما: إسناد حَسَنٌ، والآخر: إسناد صحيح؛ يستقيم أنْ يُقال فيه: إنه حديثٌ حَسَنٌ صَحيحٌ، أي: إنه حَسَنٌ بالنسبة إلى إسنادٍ، صحيحٌ بالنسبة إلى إسنادٍ آخَرَ، على أنه غيرُ مُستَنكَرٍ أنْ يَكون بعضُ مَن قال ذلك أراد بالحُسن: معناهُ اللُّغويَّ، وهو ما تميل إليه النَّفْسُ ولا يأباه القلب، دُون المعنى الاصطلاحيِّ الذي نحنُ بصَدَده» انتهى.
فقال ابن دَقيقِ العِيدِ في «الاقتراح»
(3)
: «يَرِدُ على الجواب الأول الأحاديثُ التي قيل فيها: حَسَنٌ صحيحٌ، مع أنَّه ليس لها إلَّا مَخرَجٌ واحدٌ، ويَرِدُ على الثاني: أنَّه يَلزَمه أنْ يُطلِق الحُسْنَ على الحديث الضعيف، وإن بَلَغ رتبةَ الوضع إذا كان حَسَن اللفظ تَميل إليه النفْسُ ولا يأباه القلب، ولا قائلَ به من المحدِّثينَ» انتهى، وَرَدَّ المؤلِّفُ في النكت
(4)
اعتراضَ ابن دَقيقِ العِيدِ الثانيَ بقوله: «قلتُ: أطلقوا
(1)
زيادة من: (أ) و (ب).
(2)
مقدمة ابن الصلاح (ص 39)
(3)
الاقتراح (ص 243)، وما بعدها.
(4)
النكت على كتاب ابن الصلاح، لابن حجر (1/ 475).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
على الحديث الضعيف بأنَّه حَسَنٌ وأرادوا حَسَن اللفظ لا المعنى المصطلحَ عليه»، وساق حديثًا طويلًا عن معاذ بن جبلٍ، «وقال فيه ابن عبد البر: وهو حديثٌ حَسَنٌ جِدًّا، ولكن له إسناد قوي» انتهى كلامه، فإنَّه من رواية موسى بن محمد البلقاوي، عن عبد الرحيم بن زيد العمِّي، والبلقاوي كذاب؛ كذَّبه أبو زُرعة وأبو حاتم، ونَسَبَه ابنُ حِبَّان والعُقيليُّ لوضع الحديث، وعبد الرحيم العمِّي متروكٌ أيضًا. ولابن دَقيقِ العيدِ أن ينفصل عن ذلك بقوله:«إذا أجروا على اصطلاحهم» ، والإلزام الصحيح لابن الصَّلاح ما قاله المؤلِّف من أنَّه: «يَلْزَم على إرادة الحُسْنِ اللُّغويِّ ألَّا يوصَفَ حديثٌ بصحة ولا غرابة ولا فَرْديَّةٍ ولا شذوذ إلَّا والحَسَن تابع لذلك؛ فإن كلَّ أحاديث النبي عليه الصلاة والسلام
(1)
حسنةُ الألفاظِ بليغةٌ، فلمَّا رأينا الذي وقع في كلامه كثيرًا ما يُفَرِّق، فتارةً يقول: حَسَنٌ ويُطْلِقُ، وتارةً يقول: صحيحٌ فقط، وتارةً يقول: حَسَنٌ صحيحٌ، وتارةً يقول: صحيحٌ غريبٌ، ونحو ذلك؛ عَرَفْنا أنَّه لا محالة جارٍ مع الاصطلاح دون اللُّغة» انتهى.
وقال السيوطيُّ
(2)
: «وظهر لي توجيهان آخران؛ أحدهما: أنَّ المراد حَسَنٌ لذاتِه صحيحٌ لغيره، والآخر: أنَّ المراد حَسَنٌ باعتبار إسناده، صحيحٌ، أي: أنه أصَحُّ شيءٍ وَرَد في الباب، فإنَّه يُقال: أصَحُّ ما وَرَد كذا، وإنْ كان حَسَنًا أو
(1)
في (هـ): عليه السلام.
(2)
أفاد في قضاء الوطر (2/ 805) أن النقل من قوت المغتذي، وينظر: تدريب الراوي (1/ 162).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ضعيفًا، والمراد: أرْجَحُه أو أقلُّه ضعفًا» انتهى. (هـ/90)
قُلتُ
(1)
: والأول لا يَطَّرِد في قوله: حَسَنٌ صحيحٌ لا نعرفه إلَّا من هذا الوجه، والثاني يوجِب عَدَمَ العمل بما وصفه بأنَّه: حَسَنٌ صحيحٌ إلَّا بعد التفتيش والفحص؛ لاحتمال ضَعفِه، وهو خِلافُ ما تَعارَف عليه علماءُ السُّنَّة وغيرُهم. انتهى
(2)
. (أ/77)
[قوله]
(3)
: «على ما أَلْهَمَ وعَلَّمَ» :
فيه [إشعارٌ]
(4)
بأنَّ الجواب السابق مِن مُخترعاته، وقد عَلِمتَ ممَّا نَقَلْناه أنَّه مَسبوقٌ بالجواب بما لم يتعدَّد إسنادُه. و «ما» مصدريَّةٌ، وهو أقْعَدُ؛ لأنَّ الحمد على الصفات أَمكَنُ من الحمد على مُتعلَّقاتها، ويجوز أنْ تكون موصولةً والعائد محذوف، أي: على ما ألهمَناه وعلَّمَناه، والإلهام: إلقاءُ معنًى في القلب بطريق الفيض، بحيث يَثْلَجُ له القلب وتطمئنُّ له النفْسُ، ولا يَخْفَى أنَّ التعلُّم والتعليمَ فرعُ الإلهام، على أنَّ إسناد الإلهام إليه تعالى بلا واسطة من العبد؛ فلذا قدَّمه على التعليم الغالب فيه التوسُّطُ. وقد قدَّمنا أن العاضد إنما يُقَوِّي الحديثَ إذا خَفَّ ضَعفُه، كخِفَّة حِفظ راويه الصَّدوقِ الأمين وكإرساله، أو جهالة حال راويه، وأما إذا قَوِيَ فلا يَنجَبِرُ كفِسْقِ الراوي.
(1)
الكلام للّقاني رحمه الله.
(2)
قضاء الوطر (2/ 806).
(3)
زيادة من: (أ) و (ب).
(4)
في (هـ): [إشعارة].
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
تنبيه:
لم يَذْكُرِ النَّوعَ الذي يُعبِّرُ عنه بعضهم بالصَّالح؛ لعلَّه لكونه يراه راجعًا للحَسَن، كما هو رأيُ الأكثرين، خلافًا لأبي داودَ في جَعْلِه قِسْمًا برأسه، ونَحوُه قولُ يعقوبَ بنِ شَيْبةَ:«الصَّالِح: ما في إسناده مَنْ ليس بالثَّبْتِ» ، ولا شكَّ في اندراج هذا في تعريف الحَسَن؛ لأنَّه: ما في سنده مستورٌ خالٍ عن الشذوذ والعلة القادحة. قال أبو داودَ: «ما في كتابي إنِ اشتدَّ وَهْنُه بيَّنْتُه، وإنْ سَكَتُّ عنه فهو صالحٌ، وبعضها أصحُّ من بعض» . يعني: أنَّ مراتب الصالح مُتفاوِتةٌ في الصَّلاحيَّة، «وذَكَرتُ فيه: الصَّحيح، وما [يُشبِهُه]
(1)
ويقارِبُه»
(2)
أي: الحَسَن، قاله (هـ)
(3)
.
(1)
في (هـ): [يشهد].
(2)
رسالة أبي داود إلى أهل مكة (ص 27) ونصه: «وما كان في كتابي من حديث فيه وهنٌ شديد فقد بيَّنْتُه، ومنه ما لا يصح سنده، ما لم أذكر فيه شيئًا فهو صالح، وبعضها أصح من بعض» .
(3)
قضاء الوطر (2/ 812).
وَزِيادةُ رَاوِيهِما -أَيْ: الصَّحيحِ والحَسَنِ- مقبولةٌ مَا لَمْ تَقَعْ مُنافِيَةً لِرَوايةِ مَنْ هُو أَوْثَقُ ممَّن لَمْ يَذْكُرْ تلكَ الزِّيادةَ؛ لأنَّ الزِّيادةَ:
* إِمَّا أَنْ تكونَ لا تَنافِيَ بينَها وبينَ روايةِ مَن لم يَذْكُرْها، فهذه تُقْبَلُ مُطْلقًا؛ لأنَّها في حُكْمِ الحديثِ المُسْتقلِّ الذي يَنْفَرِدُ بهِ الثِّقةُ، ولا يَرويه عَنْ شيخِهِ غيرُهُ.
[قوله]
(1)
: «وزِيادةُ راويهما» :
أي: راوي الصحيح، وهو مَنْ يكون عدلًا تامَّ الضَّبْط، وراوي الحَسَن، وهو مَن يكون قليلَ الضَّبطِ لا بحيث يُرَدُّ ما انفَرَد به.
وقال (هـ)
(2)
: «وزِيادةُ راويهما» هو من إضافة المصدر إلى فاعله، الواقع موقعَ الثقة في كلام غيره، وهو مَن وُجدت فيه شروطُ القَبول، المفيد لاعتبارها هنا إضافة الراوي لضمير الحَسَن والصَّحيح، وعَوْدُ الضمير للصَّحيح والحَسَن من غير تَقييدٍ مُشعِرٌ بشُمول الحَسَنِ والصحيح لِذاتِهما ولغيرهما، كما أنَّ إطلاق الزيادة شاملٌ للزيادة في المتن والزيادة في السند، وللزيادة في اللفظ وللزيادة في المعنى، سواءٌ تعلَّق بها حُكْمٌ شرعيٌّ أو لا، غَيَّرَتِ الحُكْمَ الثابت أو لا، غَيَّرت الإعراب أو لا، ثُمَّ إنَّ كلامه شاملٌ لِمَا إذا عُلِم اتِّحادُ المجلس فيها ولِمَا إذا لم يُعْلَم اتحادُه، ولِمَا إذا كَثُرَ الساكتون عنها ولِمَا إذا لم يَكْثُرُوا، وعلى العموم مشى شيخ الإسلام في شرح الألفيَّة
(3)
.
(1)
زيادة من: (أ) و (ب).
(2)
قضاء الوطر (2/ 812).
(3)
فتح الباقي (1/ 251).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[قوله]
(1)
: «[ما]
(2)
لَمْ [تَقَعْ]
(3)
…
إلخ»:
«ما» مصدريَّةٌ ظرفيَّة، أي: مُدَّة عدم وقوع تلك الزيادة
…
إلخ؛ فدَخَل في منطوقه: الزيادةُ الواقعة الموافِقة لمن هو أَوْثَقُ، والموافِقةُ والمخالِفة لمُساويه، والمخالِفة للأوثق إذا أمْكَنَ الجمعُ بينها وبين روايته، ودَخَل في مفهومه: الزيادةُ المخالفة لرواية الأوثقِ منه، والمراد بالأوثق -كما يأتي-: الأرجح؛ إمَّا بكثرة عدَدٍ، أو بزيادة حفظ وإتقان، أو بغير ذلك من وجوه الترجيح، وفاعل «تقع»:«زيادة راويها» ، والمُنافِية: المخالِفةُ مُخالَفةً لا يتأتى معها الجَمْعُ، وأخْصَرُ ممَّا قاله: إذا لم تُنافِ روايةَ أَوْثَقَ منه، قاله (ب)
(4)
.
[قوله]
(5)
: «ممَّنْ لم يَذْكُرْ تلك الزِّيادةَ» :
لا يصح في «مِنْ» هذه أنْ تكونَ تفصيليَّةً صِلَةَ «أوثق» ، ولا (هـ/91)[المعدّية]
(6)
صلة «مقبولة» ، وإنما هي «مِن» البيانيَّةُ لـ:«مَنْ هو أوثق» ، يعني ذلك الأوثق/ هو: من لم يَروِ تلك الزيادة، كما أشار إليه الكمال الشريف
(7)
، وأمَّا امتناعُ جَعْلِها صلةً «تَقَع» فبَديهيٌّ.
(1)
زيادة من: (أ) و (ب).
(2)
في ب [مما].
(3)
في (هـ): [يقع].
(4)
قضاء الوطر (2/ 813).
(5)
زيادة من: (أ) و (ب).
(6)
في (ب) و (هـ): [المعد به].
(7)
ينظر: حاشية ابن أبي شريف (ص 140).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[قوله]
(1)
: «لأنَّ الزِّيادَة
…
إلخ»:
قال (ق)
(2)
: «تقسيم للزيادة لا] تعليل]
(3)
[كما]
(4)
وقع في المَتْنِ، [هذا]
(5)
الظاهر من السَّوق، فإنِ اعتبَرَه المؤلِّف تعليلًا فهو أعمُّ مما في المَتْنِ، وكان اللائقُ في التعليل أنْ يقول: لأنَّ المُنافيةَ لرواية مَن هو أوثق معارَضةٌ بأَرجَحَ؛ فلم تُقْبَلْ، والتي لم تُنافِ بمنزلة حديثٍ مُسْتقِلٍّ، ويُفهَمُ منه: أنَّ ما نافى وليس بأوثقَ أنَّه مُقدَّمٌ» انتهى.
أقول: كلام المؤلِّفِ مُشتمِلٌ على أمْرين؛ أحدُهما: أنَّها تُقْبَلُ حيث لم تُنافِ، والثاني: أنَّها إنْ نافت لم تُقْبَل، والأمر الثاني مستفاد من المفهوم، فإذا جُعل التعليلُ لهما لم يكن أعَمَّ، وإن جُعِل تعليلًا لِمَا يُستفاد من المنطوق كان أعمَّ، مع أنَّه تقسيمٌ مُشتمِلٌ على التعليل، وكلامه يقتضي أو يوهِم استظهارَ أنَّه تقسيمٌ لا بقيدِ التعليل فلا يَشتمِلُ عليه، وليس كذلك، قاله (ج)
(6)
.
وقال (هـ)
(7)
: «لأنَّ (أ/78) الزيادة إلخ» هذا تعليلٌ للحكم بانقسام الزيادة المقبولة والمردودة كما لا يَلتبِسُ.
(1)
زيادة من: (أ) و (ب).
(2)
حاشية ابن قطلوبغا على شرح نخبة الفكر (ص 63).
(3)
في (هـ): [لتعليل].
(4)
في (أ) و (هـ): [لما].
(5)
في (أ): [هو].
(6)
حاشية الأجهوري على شرح نخبة الفكر (ص 218 - 219).
(7)
قضاء الوطر (2/ 812).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقال (ق)
(1)
: هذا تقسيم للزيادة لا تعليل
…
إلخ، فإنْ أراد بما في المَتْن التقسيم فلا أَعَمِّيَّةَ، نعمْ التقسيم لا يعلَّل؛ لأنَّه من باب التصورات، وإنْ أراد به الحُكمَ بقَبولها بقَيْدِها فالتعليل إنما وقع بمجموع الكلامين لا بالأول فقط؛ فلا أَعَمِّيَّةَ أيضًا، غايتُه أنَّه لَفٌّ ونَشْرٌ، فبعضه لحُكْم المنطوق وبعضُه لحُكْم المفهوم. وقوله:«فإن اعتبره تعليلًا» أي: لِمَا في المَتْنِ، وقد عَلِمتَ ما حمَلْناه عليه مِمَّا لا يَتوَجَّهُ الاعتراضُ إليه.
[قوله]
(2)
: «مُطْلَقًا» :
أي: من غير نظرٍ إلى كون الآتي بها أَوْثَقَ أو مساويًا باتفاق، بل بإجماع.
[قوله]
(3)
: «في حُكْمِ الحدِيث
…
إلخ»:
هذا مفيد لحُكْمِ مفهوم «زيادة» المعبَّر بها، ويُزاد على ما علَّل به تعليلٌ آخَرُ هو في كلامهم أعْرَفُ، وهو أنَّ راويَها جازمٌ بما رواه وهو ثقة ولم يخالِفْه غيرُه فيها، بل سَكَتَ عنها.
[قوله]
(4)
: «الذي يَنْفَرِدُ به الثِّقَةُ» :
أي: الثابتُ توثيقه.
وقوله: «ألَّا يَرْوِيَهُ عَنْ شَيْخِهِ غَيْرُهُ» :
عطفُ تفسيرٍ لقوله: «تَفَرَّد
…
إلخ».
(1)
حاشية ابن قطلوبغا على شرح نخبة الفكر (ص 63).
(2)
زيادة من: (أ) و (ب).
(3)
زيادة من: (أ) و (ب).
(4)
زيادة من: (أ) و (ب).
* وَإِمَّا أَنْ تكونَ مُنافِيةً بحيثُ يلزمُ مِن قبولِها رَدُّ الرِّوايةِ الأُخْرى، فهَذِهِ الَّتي يَقَعُ التَّرجيحُ بَيْنها وبينَ مُعَارِضِها، فَيُقْبَلُ الرَّاجحُ، ويُرَدُّ المرجوحُ.
وَاشْتُهِرَ عَنْ جَمْعٍ مِنَ العُلَماءِ القَوْلُ بقَبُولِ الزِّيادةِ مُطْلقًا مِن غيرِ تفصيلٍ، ولَا يَتَأَتَّى ذَلكَ عَلَى طريقِ المُحَدِّثينَ الَّذينَ يَشْتَرِطونَ في الصَّحيحِ أَلَّا يكونَ شاذًّا، ثمَّ يفسِّرونَ الشُّذوذَ بمُخالَفةِ الثِّقةِ مَنْ هو أَوثقُ منهُ.
وقوله: «بحيثُ يَلْزَمُ
…
إلخ»: قيدٌ لا بُدَّ منه؛ للاحتراز عن الزيادة المخالِفةِ مخالَفةً لا توجب رَدَّ راويه الأوثق، فإنْ أمْكَنَ الجَمْعُ بينهما كزيادةِ سعد بن طارق لفظ:«وتُربتها» في حديث: «فُضِّلتُ على النَّاسِ بثلاثٍ: أُحِلْتَ لنا الغنائمُ، وجُعِلَتْ صُفوفُنا كصُفوفِ المَلائكةِ، وجُعِلَتْ لنا الأرضُ مسجدًا وطهورًا»
(1)
كما هو رواية جميعِ الرُّواة غيره، لكنَّ القاعدة ردُّ المُطْلَق إلى المُقَيَّد؛ فحَمَل الشافعيُّ وأحمدُ -لهذه القاعدة- روايةَ الجمهور على روايته، فأوجَبَا في التيمم خصوصَ التراب. وبهذا التقرير لكلامه تنقسم الزيادة لثلاثة أقسام، كما قاله ابن الصَّلاح
(2)
: مقبولٌ اتفاقًا، وهي: الموافِقة لرواية الآخرين، ومردودة اتفاقًا، وهي: المنافية لروايتهم منافاةً لا يمكِنُ الجَمْعُ معها، ومُخْتَلَفٌ فيها، والأصحُّ: القَبولُ، وهي: المنافية لرواية الآخرين منافاةً يمكِن معها الجَمْعُ.
[قوله]
(3)
: «فهذه التي» :
مبتدأٌ وخبر. ولو قال: هي التي؛ كان أبْعَدَ من التباس الخبر بالنَّعت.
(1)
ابن حبان (6400).
(2)
مقدمة ابن الصلاح (ص 86).
(3)
زيادة من: (أ) و (ب).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[قوله]
(1)
: «فَيُقْبَلُ الرَّاجِحُ
…
إلخ»:
يريدُ: سواءٌ كان الراجحُ روايةَ ناقل الزيادة، أو روايةَ الساكت عنها، وهذا بيانٌ لمفهوم ما لم] تقع]
(2)
منافيةً لرواية مَن هو أوثَقُ منه، وحاصله: أنَّ فيه هذا التفضيلَ، وصارت المسألةُ حينئذٍ من باب التعارض.
تنبيه:
مِثل سكوت غير راويها عن نقلها: تصريحُه بنفيها على وَجْهٍ يُقْبَلُ، كـ: لمْ أسمعْها، بخلاف ما إذا
(3)
أتى بها على وَجْهٍ لا يُقْبَلُ، كـ: لمْ يَقُلْها النبيُّ عليه الصلاة والسلام
(4)
؛ فإنَّه لا أثر له.
تتمة: (هـ/92)
جزَمَ في «جمع الجوامع» بأنَّ: الزيادة إذا [غَيَّرت]
(5)
إعرابَ الباقي، وكانت منافيةً لتغييرها المعنى؛ حَصَل التعارض أيضًا؛ فيُطْلَبُ الترجيح، كما لو رويَ:«فَرَضَ رسولُ اللهِ الزكاة الفِطرِ صاعًا مِن تَمرٍ إلخ» نصفَ صاعٍ.
فائدة:
لو رواها راوٍ بها مرَّةً وسكت عنها أخرى فكَراوِيَيْنِ، نعمْ: يُشكل مع قوله: «مَن هو أَوثَقُ منه» .
(1)
زيادة من: (أ) و (ب).
(2)
في (ب) و (هـ): [يقع].
(3)
في (ب) زيادة [نفاها].
(4)
في (هـ): عليه السلام.
(5)
في (أ) و (هـ): [غسّرت].
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[قوله]
(1)
: «واشْتُهِرَ عن جَمْعٍ
…
إلخ»:
ليس الخلافُ مطْلقًا، بل هو مقيَّدٌ بما إذا كان الراوي الزيادةَ تابعيًّا فمَنْ دُونَه، أمَّا إنْ كان صحابيًّا فإنَّ زيادته مقبولةٌ مُطْلَقًا اتِّفاقًا، فإنْ كانت مُخالِفةً وقع التعارض بينها وبين مخالِفها، ويُصارُ حينئذٍ إلى الترجيح إن لم يمكِن الجمعُ. وأَبْهَمَ «العلماء» فلم يُعَيِّنْهم؛ ليَصْلُحَ للفقهاء والمحدِّثينَ والأصوليين، فقد كان الخلافُ من بعض الفرق الثلاث، إلَّا أنَّ ابن عبد البَرِّ قَيَّد قولَ المحِّدثينَ بما إذا لم يكن راويها دُونَ من لم يَروِها حفظًا وإتقانًا، وهو موافق [لِما]
(2)
قاله المؤلف وذهب إليه، ومنه يُعلم أنَّ قول الشارح: «الذين يَشترِطون
…
إلخ» تخصيصٌ للمحدِّثين لا وصفٌ كاشف لهم.
وفي كتابة: «ولا يَتَأتَّى
…
إلخ» فإنْ قُلْتَ: الرواية التي فيها الزيادةُ منافيةٌ للرواية التي خَلَتْ منها، والغرض: أنَّ الرواية الخالية منها هي روايةُ الأوثق؛ فتكون الزيادة من الشَّاذِّ على كل حالٍ، فكيف تُقْبَلُ؟ قُلْتُ: ليست الزيادةُ مُطْلَقًا منافيةً، كما أشار إليه الشارح بقوله: «لأنَّ الزيادة إمَّا أنْ تكونَ
…
إلخ»، ونحوه لشيخ الإسلام؛ فتأمل.
[قوله]
(3)
: «في الصَّحيحِ» :
أي: الحديثِ الصحيح، ومِثلُه الحَسَنُ على ما عرَفتَ، وكما يُصرِّحُ به أيضًا (أ/79) الآنَ.
(1)
زيادة من: (أ) و (ب).
(2)
في (ب) و (هـ): [كما].
(3)
زيادة من: (أ) و (ب).
والعَجَبُ مِمَّنْ أَغفلَ ذَلكَ منهُم معَ اعْتِرافِهِ باشْتِراطِ انْتفاءِ الشُّذُوذِ في حَدِّ الحديثِ الصَّحيحِ، وكَذَا الحَسنِ.
وَالمَنْقولُ عن أَئمَّةِ الحَديثِ المُتَقَدِّمينَ؛ كعبدِ الرحمنِ بنِ مَهْدي، ويحيى القَطَّانِ، وأَحمدَ بنِ حنبلٍ، ويحيى بنِ مَعينٍ، وعليِّ بنِ المَدينيِّ، والبُخاريِّ، وأَبي زُرْعةَ الرازي، وأَبي حاتمٍ، والنَّسائيِّ، والدَّارقطنيِّ، وغيرِهم- اعتبارُ التَّرجيحِ فيما يتعلَّقُ بالزِّيادةِ وغَيرها، ولا يُعْرَفُ عن أَحدٍ منهُم إِطلاقُ قَبولِ الزِّيادةِ.
[قوله]
(1)
: «والعَجَبُ» :
بمعنى التَّعَجُّب، وهو: إدراك الأمور الغريبةِ الوقوعِ المجهولةِ الأسباب، وكذا يُقال: إذا ظهر السبب بطل العجب. ثُمَّ هو مبتدأ، خبره: «مِمَّنْ أَغْفَلَ
…
إلخ».
[قوله]
(2)
أي: مِن عَدَمِ تَنَبُّه «مَنْ أَغْفَلَ ذلك» بمعنى تَرَكَه وصَيَّرَه غُفْلًا، أي: متروكًا، أو بمعنى غَفَل عنه، أو بمعنى وُجْدانِه غافلًا عنه. واسم الإشارة راجعٌ لعدم تأتِّي إطلاق القَبول، ويُمكِن رجوعُه للتنافي] اللازم
(3)
مِن إطلاق القول بقَبول زيادة الثقة مُطْلَقًا، مع اشتراطهم في المقبول من الحديث -صحيحًا كان أو حَسَنًا- عدَمَ الشذوذ، وضمير «منهم» للمحدِّثين المُشتَرِطينَ ما ذُكِر.
(1)
زيادة من: (أ) و (ب).
(2)
زيادة من: (أ) و (ب).
(3)
في (هـ): [الملازم].
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[قوله]
(1)
: «معَ اعْتِرافِه باشْتِراطِ انْتفاءِ الشُّذوذِ» :
يعني وهو غير لازم المنافاة؛ فأَحْرى ألَّا تُقْبَلَ الزيادةُ المنافية لرواية الأوثق اللازم مِن قَبولها رَدُّها مع شذوذِها.
وفي كتابة: وقد يُقال: ليس محلَّ تَعَجُّبٍ؛ لأنَّهم إنَّما سكتوا عن ذلك اكتِفاءً بما ذكروه في تعريف الحَسَن من اعتبار السلامة من الشذوذ فيها، إذْ لو] قَبِلوا]
(2)
الزيادةَ المنافية لرواية الثقات لَناقَضَ ذلك اشتراطَهمُ السلامةَ من الشُّذوذ فيها.
[قوله]
(3)
إنْ قُلْتَ: هو تَكرارٌ مع قوله: «ولا الَّذينَ يَشترِطونَ
…
إلخ»، قُلْتُ: أشار (ق)
(4)
إلى أنَّه تَكرار، ونقل عن المؤلف أنَّه:«إنَّما أعاده لأجْل ذِكْرِ الحَسَن؛ فإنَّه يكون أَولى أنْ يُشترَطَ في الصحيح» انتهى. وعندي: أنَّه لا تَكرار؛ لأنَّ الأوَّل ذُكِر مع اشتراطه الجملة، وهنا ذُكِر مع اشتراط البعض الغافل عن اشتراطه؛ ولذا تَعَجَّبَ منه.
[قوله]
(5)
: «فيما يَتَعَلَّقُ بالزِّيادةِ وغَيْرِها» :
المراد بـ «الغَيْر» : الجانبُ الخالي عن الزيادة المعارِضُ لها، يعني: أنْ يُنْظَرَ
(1)
زيادة من: (أ) و (ب).
(2)
في (هـ): [قيل].
(3)
زيادة من: (أ) و (ب).
(4)
حاشية ابن قطلوبغا على شرح نخبة الفكر (ص 64).
(5)
زيادة من: (أ) و (ب).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بالترجيح بين رواية الزيادة ومقابِلِها؛ فيُقَدَّم الأرْجَحُ على المرجوح، ويمكِنُ أنْ يراد بـ «الغَيْر»: الحديثُ المستقِلُّ مع معارضته.
[قوله]
(1)
: «ابنِ مَعينٍ» :
بفتح الميم.
[قوله]
(2)
: «المَدِيْنيِّ» :
بفتح الميم وكسر الدال المهملة وسكونِ التحتية، هذه النسبة إلى عدة مُدُنٍ أوصَلها ابنُ الأثير إلى ثمانية، وزاد غيره] تاسعةً]
(3)
، منها: مدنية الرسول [وإليها]
(4)
نُسِب عَلِيُّ بن المَدِينيِّ المذكور، وهو أبو الحَسَن عليُّ بن عبد الله بن جعفر بن] نَجيح] (هـ/93)
(5)
السَّعْديُّ، المعروف بابن المَدِينيِّ، كان /أصلُه من المدينة ونزل على البصرة، روى عنه البخاريُّ وغيره من الأئمة، مات سنة أربع وثلاثين ومائتين، ودُفِن بالعشائر، وكان مولده سنة ثلاث وستين ومئة، والنِّسبة إلى هذه المدينة الأكثر: مَدَنيٌّ، وهو القياس في كل نسبة إلى فعيله
(1)
زيادة من: (أ) و (ب).
(2)
زيادة من: (أ) و (ب).
(3)
في (هـ): [تأسفة].
(4)
زيادة من (ب).
(5)
زيادة من: (أ) و (ب).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
غير مضاعف ولا معتَلِّ العين، والمَدِينيُّ شاذٌّ كسَلِيقِيٌّ
(1)
، قال الجوهري: «وإذا نُسِب إلى مدينة الرسول قُلْتَ: مَدَنِيٌ، وإلى مدينة المنصور
(2)
قُلْتَ: مَدِينيٌّ، وإلى مدائنِ كِسْرى قُلْتَ: مَدائِنيٌّ؛ لئلَّا يَخْتَلِطَ».
قوله: «والنَّسائِيِّ» :
نسبةً إلى «نَسا» مدينة بخُراسانَ، خرج منها كثيرٌ من العلماء، منهم: أبو عبد الرحمن أحمدُ بنُ شُعَيب بنِ عليٍّ النَّسائيُّ، صاحبُ السُّنن، كان إمام عصره، سَكَن مصرَ وانتشرت تصانيفه فيها، تُوفِّيَ في سنة ثلاث وثلاث مئةٍ بمكَّةَ، وقيل: بالرَّمْلة، وخُراسانُ مما [يلي]
(3)
خوارَزم، يُقال: إن بها اثنَيْ عَشَرَ ألْفَ عَينِ ماء تخرج من أصل الجبل، وبُلَيدة أخرى بكِرْمان، وأخرى] بهَمْدانَ]
(4)
.
(1)
في هامش (أ): وقياس النسبة إليها سَلَقِيّ لأن ياء فَعِيلة تحذف لياء النسبة فقولهم سليقي شاذ والسِليقي يتكلم بسليقته مُعْرباً من غير تعلم إعرابٍ قال الشاعر:
و لست بنحويّ يَلوك لسانهُ
…
ولكن سَليقيٌ أقولُ فأعرب
(2)
في هامش (أ): قرب بغداد؛ سميت بذلك لكبرها.
(3)
في (ب) و (هـ): [تلي].
(4)
في (ب) و (هـ): [بمهران].
وأَعْجَبُ مِن ذَلكَ: إِطلاقُ كثيرٍ مِنَ الشَّافعيَّةِ القَوْلَ بقَبولِ زِيَادةِ الثِّقَةِ، معَ أَنَّ نَصَّ الشَّافعيِّ يدلُّ على غيرِ ذَلكَ، فإِنَّهُ قالَ في أَثناءِ كلامِهِ على ما يُعْتَبَرُ [بهِ] حَالُ الرَّاوي في الضَّبْطِ ما نَصُّهُ:«ويَكونُ إِذَا أَحدًا مِن الحُفَّاظِ لم يُخالِفْهُ، فَإِنْ خالَفَهُ فوُجِدَ حديثُهُ أَنْقَصَ، كانَ في ذلك دَليلٌ على صحَّةِ مَخْرَجِ حديثِهِ، ومتى خالَفَ ما وَصَفْتُ، أَضرَّ ذَلكَ بحديثِهِ» ، انتهى كلامُهُ.
[قوله]
(1)
: «وأَعْجَبُ
…
إلخ»:
قد يُقال: إطلاقهم] محمول]
(2)
على تقييدهم الخبرَ المقبولَ بألَّا يكونَ شاذًّا.
وقال (هـ)
(3)
: «اسم الإشارة راجعٌ للإغفال المتقدِّم، وإنما كان هذا أعْجَبَ منه من تقيد] بتبعية]
(4)
إمام يجب ألَّا يَخرُجَ عن نصِّه، ولا يُهْمِلَ النظر في قواعده، بخلاف مَن لم يلتزم مَذْهَبَ مُعَيَّنٍ»؛ ولذا قال (ق)
(5)
:
«كونُه أعجَبَ؛ لوجود نصِّ إمامهم في ذلك» ، لكنَّه اعترض على الشارح بقوله:«ليس هذا مَحمَلَ ما ذكَرَه إمامُهم؛ لأنَّه فيمَن يُختبَرُ ضبطُه، وكلامهم في الثقة وهو عندهم: العَدلُ الضابط؛ فلا تعجب» انتهى، ونحو قول (ب)
(6)
:
«كلامُ الشافعيِّ في عَدلٍ لم يُعرَفْ ضبطُه، فلا يُعارَضُ بقولهم: زيادة الثقة هو الذي جَمَعَ مع العدالة الضبطَ، فتأمله؛ فإنَّه لا دَلالةَ فيه على ما ادَّعاه. ومعنى كلامِ الشافعيِّ:
(1)
زيادة من: (أ) و (ب).
(2)
في (ب) و (هـ): [محمولة].
(3)
قضاء الوطر (2/ 821).
(4)
في (ب) و (هـ): [تبعية].
(5)
حاشية ابن قطلوبغا على شرح نخبة الفكر (ص 65).
(6)
قضاء الوطر (2/ 821).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أنَّ (أ/80) العدل إذا عُرِض حديثُه على حديثِ مَن شارَكه من الحفَّاظ فلم يخالِفْهُ سُمِّيَ ضابطًا؛ فيصير ثقةً حينئذٍ؛ لأنَّه جَمع إلى العدالة الضبطَ، وإذا خالَف عُرِف أنَّه غيرُ ضابط؛ لأنَّ توهيمَه أَوْلى مِن توهيم الحفَّاظ، فلا يُطْلَقُ عليه أنَّه ثقة، فليست زيادته زيادةَ ثقةٍ» انتهى. وبعبارة:«وكلامُ الشافعيِّ فيمَن لم يُعرَفْ ضبْطُه، فلا يكون دليلًا على عدم قَبولِ الزيادة مُطْلَقًا كما زعم المؤلِّف؛ إذ ليس الحُكمُ فيه إلَّا في حديث مَن يُختَبَرُ ضبطُه» إلى آخِرِ ما نقله (هـ)
(1)
، مع رد كلام المُحَشِّي بما يُعْلَمُ بالوقوف عليه.
[قوله]
(2)
: «[مع أنَّ]
(3)
نَصَّ الشَّافِعِيِّ
…
إلخ»:
الظاهر أنَّه من باب إطلاق «النَّص» بمعنى: ما يقبله الكلامُ، كما هو شائع الاستعمال فيما بينهم، لا بمعنى التصريح الذي لا يَحتمل غيرَ المراد؛ لأنَّه لم يأخذ ذلك إلا من مقتضاه؛ فأين الصراحة؟ «فإنَّه» أي: الشافعيَّ. وقوله: «على ما يُعْتَبَرُ به» أي: على الضابط الذي يُعتبَرُ به حالُ الراوي. وقوله: «ما نَصُّه» معمول «قال» ، وهو يؤدي معنى الجملة وصلة الجملة بعدها؛ إذ «نَصُّه» مبتدأٌ، ويكون خبره: والمعنى قال ما صورته كذا وكذا. والحكاية: إيرادُ لفظ الغَيرِ بصورته.
[قوله]
(4)
: «لَمْ يُخَالِفْهُ» :
الضمير المستتر للراوي المعتَبَرِ حالُه، والبارز المفعول «لأَحَدٍ» ، ولا يَخْفى
(1)
قضاء الوطر (2/ 821).
(2)
زيادة من: (أ) و (ب).
(3)
زيادة من: (أ) و (ب).
(4)
زيادة من: (أ) و (ب).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
عليك حالُ الضمائر بعده
(1)
.
وفي كتابة: «على ما يُعْتَبَرُ به حالُ الراوي» يُقال عليه: الراوي الذي يُختبَرُ ضبطُه غير ثقة؛ لأنَّ الثقة هو العدل الضابط، وكلامُ الشافعيِّ في عَدلٍ لم يُعرَفْ ضبطُه؛ فلا دَلالةَ في كلامه على عدم قَبولِ زيادة الثقة.
وقوله: «ويَكُونُ
…
إلخ»:
هو منصوبٌ عطفًا على المنصوب قبْلَه؛ فإن عبارة الشافعيِّ: ثُمَّ يُعتبَرُ عليه بأنْ يكونَ إذ سَمَّى مَن روى عنه لم يُسمِّ مجهولًا ولا مرغوبًا عن الرواية عنه، ويكون إذا شارك
…
إلخ.
[قوله]
(2)
: «كان في ذلك» :
أي: نقصانِ حديثه، ولو أسقط «في» كان أخصَرَ وأظهَرَ.
[قوله]
(3)
: «مَخْرَجِ
…
إلخ»:
يُطْلَقُ المَخرَجُ على: المَحِلِّ الذي خَرَج منه الحديثُ، وهو الراوي والسَّنَد، و (هـ/94) يطلق بمعنى الخروج، فإنْ أُريدَ الأوَّلُ كان الكلامُ على حذف مضافٍ، أي: على صحة ضبْطِ مَخرَجِه، وإنْ أُريدَ الثاني فلا حذفَ.
وفي كتابة: «دليل
…
إلخ» أراد به على أنَّ حديثَه صحيح، وهذا لا يخالف ما مَرَّ من أنَّه يُعتبَرُ في الصحيح: ثبوتُ ضبطِ الراوي، وهذا لم يثبتْ ضَبطُه؛ لأنَّا نقول: لَمَّا شارَكَ الحافظ وزاد عليه الحافظُ كان ما ذكره من جملة ما ذكره الحافظُ؛ فكان صحيحًا بهذا الاعتبار؛ لأنَّه بعضُ مرويِّ الحافظ، كما قاله (ج)
(4)
.
(1)
قضاء الوطر (2/ 823).
(2)
زيادة من: (أ) و (ب).
(3)
زيادة من: (أ) و (ب).
(4)
حاشية الأجهوري على شرح نخبة الفكر (ص 230 - 231).
ومُقْتَضاهُ: أَنَّهُ إِذا خَالَفَ، فَوُجِدَ حديثُهُ أَزْيَدَ، أَضرَّ ذلك بحديثِهِ، فدلَّ على أَنَّ زيادةَ العَدْلِ عندَه لا يلزَمُ قَبولُها مُطْلقًا، وإِنَّما تُقْبَلُ مِنَ الحافِظِ؛ فإِنَّهُ اعْتَبَرَ أَنْ يكونَ حَديثُ هَذَا المُخالِفِ أَنْقَصَ مِن حديثِ مَنْ خالَفَهُ مِن الحُفَّاظِ، وجَعَلَ نُقْصانَ هذا الرَّاوي مِن الحديثِ دَليلًا على صحَّتِهِ؛ لأنَّه يَدُلُّ على تَحَرِّيهِ، وجَعَلَ ما عَدا ذلك مُضِرًّا بحديثِهِ، فدَخَلَتْ فيهِ الزِّيادةُ، فلَوْ كانتْ عندَه مَقْبولةً مُطْلقًا؛ لم تَكُنْ مُضِرَّةً بحديثِ صاحِبِها، واللهُ أَعلمُ.
[قوله]
(1)
: «ومُقْتَضَاهُ» :
أي: نَصِّ الشافعيِّ، وضمير «أنَّه» للراوي، ومراده بـ «مقتضاه»: ظاهرُ دَلالته، أو قضيته المفهومة منه لا دلالة اقتضائية؛ لعَدَم تأتِّيها هنا؛ إذ هي: دَلالةُ اللفظ على ما يَتَوَقَّفُ عليه صِدقُ الكلام أو صِحَّتُه] عقلًا]
(2)
أو شرعًا، فالأول كما في حديث:«رُفِعَ عن أُمَّتي الخطأُ والنِّسيانُ»
(3)
أي: المؤاخذةُ بها؛ لتوقُّفِ صِدقِه على ذلك لوقوعهما، والثاني كما في قوله تعالى:{وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ] {يوسف: 82} ، أي: أهْلَها؛ إذ القريةُ -وهي الأبنية المجتمعة- لا يصح سؤالُها عقلًا، والثالث كما في قولك لمالكِ عبدٍ مثلًا: اعتق عبْدَك عنِّي، ففعَلَ؛ فإنه يصح عِتقُه عنك، إذ المعنى: مَلِّكه لي فأُعْتِقَه عني؛ لتوقُّفِ صحة العتق على المِلك، وإنما تَحْمِلُه عليك؛ لأنَّك قد عَرَفْتَ أنَّه لا يتوقف صِدقُه ولا صحته على إضمار شيء؛ فتدبَّرْهُ، قاله (هـ)
(4)
.
(1)
زيادة من: (أ) و (ب).
(2)
في (ب) و (هـ): [عقا].
(3)
سبق تخريجه.
(4)
قضاء الوطر (2/ 825).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وفي كتابة: «فدلَّ
…
إلخ» يقال عليه: نعمْ، لا يلزم مِن نفيِ قَبولِها المقيَّد بالإطلاق ألَّا يُقبَلُ نوعٌ منها، وهو زيادة العدل الضابط إذا قُيدت بعدم منافاة رواية الثقات.
[قوله]
(1)
: «وإنَّما تُقْبَلُ
…
إلخ»:
ليس من محلِّ النِّزاعِ في شيءٍ، إنَّما محلُّه: إذا خالف روايةَ مَن هو أوثَقُ منه كما هو صدْرُ كلامه، ثُمَّ رأيت (ب)
(2)
قال:
«وقوله: «وإنَّما] تُقْبَلُ]
(3)
إلخ» يقال: سَلَّمْنا ذلك، فإن أردت بالحافظ: مُطْلَقَ الثقة فهو عينُ ما قلنا، أو زيادة الثقة مقبولة، وإلا فلا دلالة لكلام الشافعيِّ عليه»، ويمكن الدفع بأنَّ المراد: الثقةُ لكن عند مخالفة مَن ليس بأوثَقَ منه، أمَّا إذا خالفه مَن هو أوثق منه فهو ما ذكره بقوله: «لأنَّه اعتُبِر
…
إلخ»؛ فالفاء واقعةٌ موقعَ لام التعليل، وهو علةٌ لمُقَدَّرٍ كما أشرنا إليه.
[قوله]
(4)
: «وجَعَلَ نُقْصَانَ
…
إلخ»:
قال (ق)
(5)
: «قد يُقال: لِمَ لا يجوز أن يكون نُقصانُه دليلًا على نُقصان حِفظِه» (أ/81) انتهى، قُلْتُ: هو اعتراضٌ بالمنع اقتَصَر على ذِكْرِ سَنَدِه، وملخَّصُه:
(1)
زيادة من: (أ) و (ب).
(2)
قضاء الوطر (2/ 825).
(3)
في (هـ): [يقبل].
(4)
زيادة من: (أ) و (ب).
(5)
حاشية ابن قطلوبغا على شرح نخبة الفكر (ص 65).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أنَّ دَعوى الشافعيِّ وغيْرِه أنَّ نقصانَ حفظِ الراوي دَليلُ ضبطه وتحرِّيه ممنوعة؛ لجواز جعله دليلًا على نُقصان حفظه، ويمكِن أنْ يقال: إنَّ الظاهر من حال الحافظ لتمام المعنى المُتَّسِمِ بالعدالة عن إسقاطه لفظًا يتم المعنى بدونه، كما هو الضابط في اعتبار حال مَن جَهِلْنا ضبْطَه إنما هو التحرِّي وعدمُ الإقدام على الرواية بالمعنى، أو في نقصه الحفظ، وكفى بالظاهر دليلًا على المراد هنا؛ لأنَّ المسألة ليست قطعيَّةً، ولا مذهب أنَّ ذلك إنَّما [هو]
(1)
أمارة تحرِّيه إذا لم يخالفه مَن هو أوثَقُ منه بزيادةٍ كضبطٍ أو كثرةِ عدَدٍ.
[قوله]
(2)
أي: ما عدا النقصَ، وهو زيادة رواية الراوي على رواية الحافظ لا المساواة أيضًا.
[قوله]
(3)
: «فَدَخَلَتْ فيه الزِّيادَةُ» :
أي: زيادةُ راوي الصحيح، وإنَّما قال:«فَدخَلت فيه الزيادة» ؛ لأنَّ المخالَفةَ لا تدُلُّ عليها بخصوصها، بل من حيث إنَّها أحدُ وجوه المخالفة.
[قوله]
(4)
: «بِصَاحِبِها» :
أي: بحديث صاحبها، لكنَّها مُضِرَّةٌ به، فلم] تُقبل]
(5)
مُطْلَقًا، بل على التفصيل السابق.
(1)
زيادة من (هـ).
(2)
زيادة من: (أ) و (ب).
(3)
زيادة من: (أ) و (ب).
(4)
زيادة من: (أ) و (ب).
(5)
في (ب) و (هـ): [يقبل].
فَإِنْ خُولِفَ -أَيْ: الرَّاوي- بأرْجَحَ منهُ؛ لمزيدِ ضَبْطٍ، أَوْ كثرةِ عدَدٍ، أَو غيرِ ذَلكَ مِن وُجُوهِ التَّرجيحاتِ، فالرَّاجِحُ يقالُ لهُ: المَحْفوظُ، ومُقابِلُهُ -وهو المرجوحُ- يُقالُ لهُ: الشَّاذُّ.
مثالُ ذلك: ما رَواهُ التِّرمذيُّ والنَّسائيُّ وابنُ ماجَة مِنْ طريقِ ابنِ عُيَيْنَةَ، عن عَمْرو بنِ دينارٍ، عن عَوْسَجة، عن ابنِ عباسٍ رضي الله عنهما: أَنَّ رجُلًا تُوُفِّي في عهدِ رسولِ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، ولم يَدَعْ وَارِثًا إِلَّا مَوْلًى هو أَعتقَهُ
…
الحديثَ.
وَتابَعَ ابنَ عُيَيْنَةَ على وَصْلِهِ: ابنُ جُريجٍ وغَيرُه.
وَخَالفَهُم حَمَّادُ بنُ زَيْدٍ، فرَواهُ عَنْ عَمْرو بنِ دينارٍ، عَن عَوْسَجَةَ، ولم يَذْكُرِ حديث ابنَ عباسٍ.
قال أبو حاتمٍ: المَحفوظُ حديثُ ابنِ عُيَيْنَةَ. اهـ. كلامُهُ.
فَحمَّادُ بنُ زيدٍ مِن أَهلِ العدالةِ والضَّبطِ، ومعَ ذلك رجَّحَ أبو حاتمٍ روايةَ مَن هُمْ أَكثرُ عددًا منهُ.
وعُرِفَ مِن هذا التَّقريرِ أَنَّ: الشَّاذَّ: ما رَواهُ المقْبولُ مُخالِفًا لِمَنْ هُو أَوْلَى مِنهُ.
[قوله]
(1)
: «فإنْ خُولِفَ» :
فيه شِبهُ استخدام، والتقدير: فإن وقعت المخالفةُ برواية راوٍ أرجَحَ مُطْلَقًا لا بقَيْدِ كونِه راوي الصحيح أو الحَسَن، ولا يَخْفى أنَّ هذا كالتفصيل لإجمالٍ ذهنيٍّ يجري هنا مما قبْله لصدقه كما مَرَّ بمخالفته لأرجَحَ، وبمخالفته لمثله، وبمخالفته لِأَدْوَنَ منه، وبعض هذه (هـ/95) الصوَرِ لها لقبٌ يخصُّها، وليس هذا محل بيانه، ثُمَّ إطلاقه المخالفة شاملٌ للزيادة والنقص، سواءٌ كانت في السَّند أو في المَتْن.
(1)
زيادة من: (أ) و (ب).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
مثال ما كانت في السَّند: ما ذكره الشارح، ومثال ما كانت في مَتْنه: زيادة يوم عرفة في حديث: «أيَّامُ التَّشريقِ أيَّامُ أكلٍ وشُربٍ»
(1)
؛ فإنَّه من [جميع]
(2)
طُرُقِه بدُونها، وممن جاء بها: موسى بنُ عليِّ بنِ] رَباح]
(3)
عن أبيه عن عُقْبةَ بنِ عامر؛ فحديث موسى شاذٌّ، لكن صحَّحه: ابنُ حِبَّانَ
(4)
، والحاكمُ
(5)
وقال: إنَّه على شرط مُسْلِمٍ، وقال التِّرْمِذيُّ
(6)
: إن حديثه حَسَنٌ صحيح، قاله شيخ الإسلام
(7)
؛ ولعله لأنَّها زيادة ثقةٍ غيرُ منافية.
وفي بعض النسخ من الشرح بعد «خُولِف» : أي: الراوي، وكأنَّه لم يقيِّدْه؛ إشارةً لِما قلناه، وفي بعضها إسقاطُه؛ للعلم به.
وقوله: «لِمَزِيدِ ضَبْطٍ
…
إلخ»:
متعلق بـ «أَرْجَحَ» .
وفي كتابة: ما ذكره المؤلِّف في تعريف الشَّاذِّ شاملٌ لِمَا إذا كانت المخالَفةُ في السَّنَد أو في المَتْنِ، وقد ذكر الشارح مثالَها في السَّنَد، ومثالُه في المَتْن ما رواه أبو داودَ والتِّرْمِذيُّ من حديث عبد الواحد بن زياد، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرةَ قال: قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «إذا صَلَّى أحَدٌ رَكعتَيِ الفَجرِ فيضجع على يمينِه»
(8)
.
(1)
أبو داود (2419)، والترمذي (783)، والنسائي في الكبرى (2842).
(2)
في (هـ): [جمع].
(3)
في (هـ): [رماح].
(4)
صحيح ابن حبان (3604).
(5)
المستدرك (1/ 434).
(6)
جامع الترمذي (773).
(7)
فتح الباقي (1/ 233).
(8)
أحمد (9368)، وأبو داود (2/ 444)، والترمذي (422)، وقال: حسن صحيح غريب، والنسائي في الكبرى (1460)، وابن ماجه (1199).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قال البَيْهَقيُّ
(1)
: خالف عبدُ الواحد العَدَدَ الكثير في هذا، فإنَّ النَّاس إنَّما روَوْهُ من فِعل النبيِّ لا من قوله، وانفرد عبد الواحد من بين ثقات أصحابِ الأعمش بهذا اللفظ.
[قوله]
(2)
أي: يُسمَّى في عُرْفهم بذلك، ومِثلُه يجري في قوله:«يُقال له: الشَّاذُّ» ؛ فعُلِمَ أنَّ المحفوظ: ما رواه المقبول مخالِفًا لمن دُونه في الحفظ والإتقان؛ فخرج بالمقبول: المعروفُ والمُنْكَرُ، فإنَّ راويَ كلٍّ منهما غيرُ مقبول، وبمَن دُونه: الشَّاذُّ كما يأتي.
تنبيه:
لا يخفاك أنَّ قوله: «بأَرْجَحَ» صفةُ موصوفٍ محذوف،] أي: راوٍ أَرجَح، وأنَّ قوله:«فالراجح» صفة موصوفٍ محذوف
(3)
، أي: فالمُختَلَفُ فيه الراجح، وأن قوله:«وهو المرجوح» كذلك، أي: فالمختلف في المرجوح، ولم نقدِّرْهُ الحديث الراجحَ والحديث المرجوحَ؛ لِمَا عَرَفْتَ مِن أنَّ المخالَفة تكونُ تارةً في المَتْن، وتارةً في السَّنَد؛ ولذا لم نقدِّره: المرْويَّ الراجح، أو المرويَّ المرجوح.
[قوله]
(4)
: «مثال ذلك» :
أي: مثال المُختلَفِ فيه شاذًّا كان أو محفوظًا مما وقع في السَّنَد. وقد ذكرْنا آنفًا المُختلَفَ فيه شاذًّا كان أو محفوظًا مما وَقَعَ في المتن.
(1)
السنن الكبرى، للبيهقي (3/ 64)(4887).
(2)
زيادة من: (أ) و (ب).
(3)
زيادة من: (أ) و (ب).
(4)
زيادة من: (أ) و (ب).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[قوله]
(1)
: «عن عَمْرو
…
إلخ»:
السَّنَد
(2)
قال (ب)
(3)
: «عَمرو بن دينارٍ المكِّيُّ: ثقة ثبتٌ، و «عَوْسَجة» هو المكيُّ مولى ابن عباس وليس بمشهورٍ، و «حماد بن زيد» هو ابن دِرهَمٍ المازريُّ الجَهْضَميُّ، أبو إسماعيلَ البصريُّ (أ/82) ثقة ثبت فقيه، «ابن عُيَيْنَةَ» هو سفيان بن عيينة بن أبي عمران ميمون الهِلاليُّ، أبو محمد الكوفيُّ ثم المكيُّ، ثقة حافظٌ إمامٌ فقيه حُجَّة، إلَّا أنَّه تغيَّرَ حِفظُه بأَخَرَةٍ، وربما دَلَّس عن ثقات، وكان أثبَتَ الناس في عمرو بن دينار» انتهى.
تنبيه:
حمَّاد -بفتح المهملة وتشديد الميم- ابن زيد بن درهم البصريُّ، كان جده درهمًا من سَبْي سِجِسْتانَ، قال أبو زُرْعةَ: حماد بن زيد بن درهم أثبَتُ من حماد بن سلمة بن دينار
(4)
.
وعَكَسَ ذلك عبد الله بن معاوية فقال: فضلُ ابنِ سلَمةَ على ابن زيد كفضل الدينار على الدرهم.
ولم يرو البخاريُّ عن ابن سلمة، وروى عنه الجماعة غيره.
(1)
زيادة من: (أ) و (ب).
(2)
أي بالسند المذكور في النزهة.
(3)
قضاء الوطر (2/ 850).
(4)
الجرح والتعديل لابن أبي حاتم (3/ 137)، وينظر: تهذيب الكمال (7/ 248).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[قوله]
(1)
: «الحَدِيثَ» :
مفعول لفعل محذوف، أي: اقرَأِ الحديثَ، أو كمّل أو نحو ذلك. وجوَّزَ بعضهم في مثله: الرفع على أنَّه مبتدأ حُذف خبرُه، وتتمته:«فدفَعَ النبيُّ عليه الصلاة والسلام ميراثَه إليه»
(2)
.
تنبيه:
الضمير من قوله: «هو أعتقه» للمولى أو الرجُل.
وفي كتابة: وانظر ما وجهُ الإتيان بالضمير بعد الفعل.
[قوله]
(3)
: «وعُرِفَ مِنْ هذا أنَّ الشَّاذَّ: ما رَوَاهُ المَقْبُولُ» :
يَصْدُقُ براوي الصَّحيح وهو: العدل التَّامُّ (هـ/96) الضبْطِ، وبراوي الحَسَنِ وهو: الصَّدوق الذي أُمِنَ أنْ يُخْشى عليه من سوء الحفظ، والذي قَصُر ضبطُه عن درجة راوي الصَّحيح، فإنْ حُمِل الثقة في كلام الشافعيِّ على المقبول تَناوَلَ: العَدْلَ التَّامَّ الضبط، والذي قَصُر ضبطُه، والصدوقَ المذكور، وإن حُمل على التَّامِّ الضبط: أَفهَمَ شذوذَ مخالف لراوي الحَسَن بالأولى، قاله (ج)
(4)
.
وقال (هـ)
(5)
: «وعُرِفَ
…
إلخ» الذي استفيد منه ترجيحُ الأكثر عددًا، وهذا
(1)
زيادة من: (أ) و (ب).
(2)
أحمد (1930)، وأبو داود (2905)، والترمذي (2106)، والنسائي في الكبرى (6376)، وابن ماجه (2741).
(3)
زيادة من: (أ) و (ب).
(4)
حاشية الأجهوري (ص 230).
(5)
قضاء الوطر (2/ 851).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
في الحقيقة يستفاد من إطلاق المَتْنِ، ومن قول الشيوخ: «لِمَزِيد
(1)
ضَبْطٍ، أو كَثرةِ عددٍ، أو غير ذلك».
وقوله: «مُخَالِفا» :
أي: مخالَفة يَتعذَّر معها الجمع، وَفي المقدمة للشَّارح: يكفي التعذُّر بغير الوجوه المتكلفة جدًّا.
[قوله]
(2)
يعني سواء كان الأَولى واحدًا أو جماعةً، كانت الأولويةُ بزيادة أَوْثَقِيَّةٍ أو غيرها.
تنبيه:
قال بعضهم في قوله: «قال أبو حاتم:
…
إلخ»: «هذا معارِضٌ لِمَا قدَّمه عن الشافعيِّ؛ لأنَّ النُقصان أضرَّ بحديث حمادٍ هنا، ولم يكن ذلك دليلَ ضبطِه وتحرِّيه خلاف ما فَهِمَه المؤلِّف» انتهى، ونحوه لـ (ق)
(3)
.
قُلْتُ: يُحْمَلُ ما قاله الشافعيُّ كما مَرَّ إذا لم يخالِفه الأوثقُ، فإن خالَفه الأوثقُ قُدِّم الأوثقُ؛ لأنَّه أرجح منه ضبطًا، وكذا إذا خالَفه الأكثرُ؛ لأنَّ الكثرة مَظِنَّةُ تمام الضبط دُون الواحد؛ فلم يَضُرَّ ذلك بحديثه هنا من حيث نقصُه، بل لأنَّ غيرَه المخالِفَ له أرجَحُ؛ فلا مُعارَضةَ.
(1)
في (هـ): [لمريد [.
(2)
زيادة من: (أ) و (ب).
(3)
حاشية ابن قطلوبغا على شرح نخبة الفكر (ص 68).
وهَذَا هُو المُعْتَمَدُ في تعريفِ الشَّاذِّ بحَسَبِ الاصْطِلاحِ.
وَإِنْ وَقَعَتِ المُخَالفةُ لهُ معَ الضَّعْفِ، فالرَّاجِحُ يُقالُ لهُ: المَعْروفُ، ومُقابِلُهُ يُقالُ لهُ: المُنْكَرُ.
مثالُهُ: ما رَوَاهُ ابْنُ أَبي حاتمٍ مِن طريقِ حُبَيِّبِ بنِ حَبِيبٍ -وهو أَخُو حَمزَةَ بنِ حَبيبٍ الزَّيَّاتِ المُقْرئِ- عن أَبي إِسحاقَ، عن العَيْزارِ بنِ حُريثٍ، عن ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما، عن النبيِّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قَالَ:«مَنْ أَقَامَ الصَّلاةَ، وآتى الزَّكاةَ، وحَجَّ البيتَ، وَصَامَ، وقَرَى الضَّيْفَ، دَخَلَ الجنَّةَ» .
[قوله]
(1)
أي: تعريف الشَّاذِّ بما ذُكِرَ هو المُعتمَدُ، وهو الذي حقَّقَه الشافعيُّ إلَّا أنَّه عبر بدلَ:«مَنْ هو أَوْلَى» بـ «النَّاس» ، ففهِمَ بعضُهم أنَّ المراد أجمعيَّة معلِّلَهُ بأنَّ العدد أَوْلَى بالحفظ من الواحد، قال:«ويؤخذ منه أن ما يخالف الثقة فيه الواحد الأحفظ شاذ، وفي كلام ابن الصلاح، وغيره ما يفهمه»
(2)
انتهى، وعندي أنَّ «ال» في «النَّاس» للجنس والكمال؛ إذ لا يتعذر اجتماعُهما كما قاله بعضهم في
(3)
:
يا أشبه الناس كل الناس بالقمر. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وبه يندفع دعوى التلفيق في التعريف.
(1)
زيادة من: (أ) و (ب).
(2)
فتح الباقي بشرح ألفية العراقي (1/ 233).
(3)
توضيح المقاصد والمسالك بشرح ألفية ابن مالك (2/ 970).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[قوله]
(1)
: «مع الضَّعْفِ فالرَّاجِحُ: المَعْرُوفُ، ومُقَابِلُه: المُنْكَرُ» :
مراده بـ «الراجح» : ما ضَعْفُه أقلُّ، فإنَّ كُلًّا من الراجح ومقابله فيه ضَعْفٌ، فقوله:«ومع الضعف» أي: في كلٍّ منهما كما ذَكَرَه الشُّمُنِّيُّ هنا، وذَكَرَه ولده في شرح النَّظم.
وفي كتابة ما نصُّها: «ومع الضَّعف في كلٍّ منهما» أي: من المخالف بأنْ روى مَن فيه ضعفٌ -لكونه مجهولَ الحال أو سيئَ الحفظ مثلًا-: شيئًا خالَفه فيه ضعيفٌ آخَرُ راجحٌ عليه لكونه: أخفَّ ضعفًا؛ سُمِّي ما رواه الراجح: مَعروفًا، والمرجوح: مُنْكَرًا؛ فبَيْنَ الشَّاذِّ والمُنْكَرِ تباينٌ لا عموم من وَجْهٍ كما قاله الشارح. وبعبارة أخرى: والضعف في الجانبين مع رجحان أحدهما، يعني أنَّ الضعيف إذا روى حديثًا وخالَف في إسناده أو مَتْنِه ضعيفًا أرجَحَ منه لكونه: أقلَّ منه وأحسَنَ منه حالًا؛ فما رواه الضعيفُ الراجحُ يُقال له: المعروف، ومقابِلُه وهو ما رواه الضعيف المرجوح يقال له: المُنْكَر، والتمثيل الآتي يُشكِل عليه كما سيأتي، فيخْرُج (أ/82) بقيد الضعف في كلٍّ منهما: المحفوظُ والشَّاذُّ؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ منهما راويه مقبول مع الضَّعف.
إنْ قُلْتَ: ما السِّرُّ في تقدير «وَقَعَت» مع إمكان تقديره: وإن خولف مع الضعف؟ قُلْتُ: بيان معنى «خُولِف» الأوَّل كما أشرنا إليه فيما مَرَّ، والإشارة
(1)
زيادة من: (أ) و (ب).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
إلى أنَّ قوله: «مع الضعف» معطوف على «ما رجح» . فإنْ قُلْتَ: قد أطلق في المخالَفة ولم يقيِّدْها بما لا يمكِن معها الجَمعُ، قُلْتُ: لعَدَمِ تأتِّي ذلك هنا؛ إذ الحُجَّة في الراجح دون المُنْكَرِ من حيث هو كذلك.
تنبيه:
شَمِلَ كلامُه: المخالَفةَ في المَتْن والمخالفةَ في السَّنَد، كُلًّا أو بعضًا فيهما، ومثالُه الذي ذكره إنَّما هو للمخالَفة في السَّنَد، ومثالُ النَّكارة في المَتْن حديثُ:«كلوا البلح بالتمر؛ فإن ابن آدم إذ أكله غضِب الشيطان وقال: عاش ابن آدم حتى أكل الجديد بالخَلق»
(1)
، فإنَّ ابن الصَّلاح والنَّسائيَّ وغيرَهما ذَكَروا أنَّه مُنْكَرٌ، تَفَرَّدَ به راويه أبو زُكير، وهو يحيى بن محمد بن قيس البصريُّ، عن هشام (هـ/97) بن عُروةَ، عن أبيه، عن عائشةَ، ولكن أَخرَجَ له مُسْلِمٌ في المتابعات، غير أنَّه لم يبلغ رتبةَ مَن يُحتمَلُ تفرُّدُه، ولأن معناه رَكِيكٌ لا ينطبق على محاسن الشريعة؛ لأنَّ الشيطان لا يغضب من مجرد حياة ابن آدم، بل من حياته مُسلِمًا مُطيعًا لله] تعالى
(2)
.
تتمة:
لا يَخْفى أنَّ هذا التمثيل مبنيٌّ على أنَّ المُنْكرَ بمعنى الشَّاذِّ كالتعميم السابق فتدبَّرْهُ. قُلْتُ: تدبَّرناه فوجدناه يمكن حَمْلُه أيضًا على أنَّ لكلٍّ من الشَّاذِّ والمُنْكَرِ
(1)
النسائي في الكبرى (6724)، وابن ماجه (3330).
(2)
زيادة من: (أ) و (ب).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قِسمين كما نرشدك إليه، لكنَّها ليست طريقَ تحقيق.
[قوله]
(1)
: «مع الضَّعْفِ» :
أي: لأحد] الراويين]
(2)
.
اعلم أنَّ للمُنْكَر فردين؛ أحدهما: ما خالَف فيه المستورُ والضعيفُ الذي يَنجَبِرُ بمتابعة مِثلِه، وثانيهما: ما تفرَّد به الضعيفُ الذي لا يَنجَبِرُ بمتابعة مِثلِه، وقد مَرَّ في الشَّاذِّ أنَّه: ما خالَف فيه الثقةُ مَن هو أوثق منه، أو تفرَّد به قليلُ الضبط؛ فله فردان أيضًا، فظهَرَ أنهم متميزان، وأنَّ كُلًّا منهما قسمان، وأن المقابل للشَّاذِّ: المحفوظ، وللمُنكَرِ: المعروف، وبهذا عُلِم تفسيرُ المحفوظ والمعروف، وقد أهملها العراقيُّ تبَعًا لابن الصَّلاح، واللائق ذِكرُهما كما ذَكَرَ مع المتَّصِل ما يقابله من: المرسَل والمنقطِع والمعضَل.
تنبيه
(3)
:
غايَر المؤلِّف بين المُنْكَر والشَّاذِّ، وسوَّى ابنُ الصَّلاح بينهما، كما سوَّى الْبَرْدِيجِيُّ بين المُنْكَرِ والفَرْدِ، وغايَرَ المؤلِّف بينهما، وهو المعتمد، ثم إنَّه لا يَلْزَم من شذوذ السَّنَد شذوذُ المَتْن، كما لا يَلْزَم من نكارته نكارته، مثال ذلك حديث:«لا يَرِثُ المُسلمُ الكافرَ، ولا الكافرُ المسلمَ»
(4)
، فإنَّ جميع أصحاب
(1)
زيادة من: (أ) و (ب).
(2)
في (هـ): [الروايتين].
(3)
قضاء الوطر (2/ 854).
(4)
أخرجه البخاري (1588، 6764)، ومسلم (1351، 1614).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الزهريِّ رَوَوْه عنه، عن عليِّ بن الحسن، عن عَمرو بن عثمان -بفتح العين-، ورواه مالك عن عُمر -بضمها-، وكلاهما ثقةٌ عَدْلٌ ضابط، وولدٌ [لعثمان]
(1)
أيضًا، ومعلوم أنَّ إبدال الثقة بالثقة لا يُوجِب ضَعفًا، قال ابن الصَّلاح
(2)
: الحديث شاذٌّ، وردَّه العراقيُّ
(3)
بأنَّ: هذا الحديث ليس بمُنْكَرٍ، ولم يُطْلِقْ عليه أحدٌ اسمَ [النكاره]
(4)
فيما رأيتُ، والمَتْنُ ليس بِمُنْكَرٍ، وغايته أنْ يكون السَّنَد مُنْكَرًا أو شاذًّا بمخالفة الثقات كمالك في ذلك، ولا يَلْزَمُ من شذوذ السَّنَد ونكارتِه وجودُ ذلك الوصف في المَتْن، فقد ذكر ابن الصَّلاح في نوع المُعَلَّل: أنَّ العلة الواقعة في السَّنَد قد تَقْدَحُ في المَتْن وقد لا تَقْدَح، ومَثَّلَ ما لا يَقْدَح بما رواه يَعْلى بن عُبَيد، عن الثَّوريِّ، عن عمرو بن دينارٍ، عن ابن عُمرَ، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال:«البَيِّعانِ بالخِيارِ»
(5)
، قال:«فهذا إسناد معلَّل غير صحيح، والمَتْن على كل حال صحيحٌ» ، قال:«والعلة في قوله: عن عَمرو بن دينار، وإنَّما هو عبد الله بن دينار» فحَكم على المَتْن بالصِّحة مع الحُكْمِ بوهْم يَعْلى بن عُبَيد فيه.
تتمة:
عُلِم من كلام المؤلِّف أنَّ الشَّاذَّ: ما خالف الثقةُ الأوثقَ منه، وأنَّ المحفوظ:
(1)
في (ب) و (هـ): [عثمان].
(2)
مقدمة ابن الصلاح (ص 81).
(3)
شرح التبصرة (1/ 88).
(4)
زيادة من (ب).
(5)
من طريق يعلى أخرجه الطبراني في الكبير (12/ 448).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ما خالف فيه الأوثقُ الثقةَ، وأنَّ المُنْكَر: ما خالف فيه الأضعفُ الضعيف، وأنَّ المعروف: ما خالف الضعيفُ الأضعف.
[قوله]
(1)
: «فَالرَّاجِحُ
…
إلخ»:
أي: فالمختلَف فيه الراجح سواءٌ كان متنًا أو سَندًا، وبهذا يسقط دعوى أنَّ المَتْن يُوهِم قَصْرَ النَّكارة على المَتْن. (أ/83)
[قوله]
(2)
الثاني كشهيد، والأول] تصغيره]
(3)
مع تشديد المثناة من أسفل.
[قوله]
(4)
قال (ب): «أخو حمزة» ضعَّفه أبو زُرعةَ وابنُ المبارك وغيرُهما، ووثَّقه محمد بن عثمان بن أبي شيبة، و «أبو إسحاق» هو عمرو بن عبد الله بن عبيد الهَمْدانيُّ السَّبيعيُّ، ثقة مُكْثِرٌ عابد، اختلط] بأَخَرةٍ]
(5)
، و «العَيْزار» بفتح العين المهملة، بعدها مثناة من أسفل ساكنة، بعدها زاي مفتوحة، بعدها ألف، آخره راء مهملة، كوفيٌّ ثقة، وهو في الأصل: الصُّلب الشديد والغلام الخفيف [الرُّوح]
(6)
، و «حُريث» تصغير] حرث]
(7)
بمهملة فَرَاء فتحتية فمثلثة الزبير
(8)
.
(1)
زيادة من: (أ) و (ب).
(2)
زيادة من: (أ) و (ب).
(3)
في (ب) و (هـ): [كتصغيره].
(4)
زيادة من: (أ) و (ب).
(5)
في (ب) و (هـ): [بأخوة].
(6)
زيادة من (ب).
(7)
في (هـ): [حريث].
(8)
راجع: شرح نخبة الفكر للقاري (ص 339)، وإسبال المطر (ص 246).
قَالَ أَبو حاتمٍ: وهُوَ مُنْكَرٌ؛ لأَنَّ غيرَه مِن الثِّقاتِ رَواهُ عن أَبي إِسحاقَ مَوْقوفًا، وهُو المَعروفُ.
وَعُرِفَ بهذا أَنَّ بَيْنَ الشَّاذِّ والمُنْكَرِ عُمومًا وخُصوصًا مِن وَجْهٍ؛ لأنَّ بينَهُما اجْتِماعًا في اشْتِراطِ المُخالفَةِ، وافْتِرَاقًا في أَنَّ الشَّاذَّ راويهِ ثقةٌ أو صدوقٌ، والمُنْكَرَ رَاويهِ ضعيفٌ.
وقَدْ غَفَلَ مَن سَوَّى بينَهُما، واللهُ أَعلمُ.
[قوله]
(1)
: «قال أبو حاتم
(2)
…
إلخ»:
لا يخفى أنَّ هذا جارٍ على قاعدة الشافعيِّ التي نقلها عنه النَّاس، كالشارح فيما مَرَّ، والعراقيُّ في شرح ألْفيَّته في مباحث المُرسَل حيث قال
(3)
: «إن زيادته على الثقات مُضِرَّةٌ بحديثه، وإنَّ نقصَه عنهم لا يضرُّه؛ فإنَّه دليل تحرِّيه» ولا شكَّ أنَّ أخا حمزة هنا زاد على الثقات، حيث رواه عن أبي إسحاقَ مرفوعًا، ورواه الثقات عنه موقوفًا على ابن عباس رضي الله عنهما.
تنبيه
(4)
:
قول أبي حاتم: «لأنَّ غيره من الثقات رَوَوْهُ» لا يناسب ما مَرَّ عن المؤلِّف مِنْ أنَّه: لا بُدَّ في المُنْكَر من ضَعف كلٍّ من راويَيْهِ: المخالِفِ والمخالَفِ؛ ولذا قال بعض تلامذة المؤلِّف: «إنه وَقَّف المؤلِّف على هذا؛ فقال له: إن اللائق التمثيل بغيره» ، وأنَّه رُوجِع مرةً أخرى فقال: «يُعتبَرُ الضَّعف في راوي المُنْكَر
(1)
زيادة من: (أ) و (ب).
(2)
العلل (2043).
(3)
شرح التبصرة والتذكرة (1/ 210).
(4)
قضاء الوطر (2/ 848).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
المخالِف، نعمْ لو وُجد فيهما ما كان كذلك في التسمية بأنْ يُقال لِمَا قلَّ ضعفه: معروفٌ، وللآخر: مُنْكَر» انتهى.
وأمَّا أنَّ موضوع التقسيم راوي الحَسَن والصَّحيح؛ فجوابه ما مَرَّ من أنْ في الكلام شِبهَ استخدامٍ لقَصْدِ الاستطراد، والله أعلم.
تتمة:
يمكن أنَّ الضمير من قول أبي حاتم: الراوي «هو مُنْكر» ، و «هو المعروف» للحديث باعتبار قيدين، ويمكن الأول للرفع، والثاني للوقف
(1)
.
[قوله]
(2)
: «و عُرِفَ بهذا أنَّ بَيْنَ الشَّاذِّ
…
إلخ»:
[اعترِض] بأنَّ: ما قرَّره يقتضي أنَّ بينهما تبايُنًا، وأما الجواب بأنَّه: أراد بالعموم والخصوص اجتماعهما في اشتراط المخالفة
…
إلخ؛ فهذا ليس معنى العموم والخصوص المقرَّر عندهم، وأجاب بعضُهم بأنَّه: «يُوجَد لنا مادة يصدق عليها الشَّاذُّ والمُنْكَرُ، وهي ما إذا رَوى صدوقٌ حديثًا وهو سيِّئُ الحفظ، أو مغفَّلٌ فاحش الغلط، أو مبتدِع؛ فإنَّ ما رواه مُنْكَرٌ باعتبار أنَّه سيِّئ الحفظ أو مُغفَّل
…
إلخ؛ لأن كلَّ واحد من هذه الأوصاف يضعِّف الراوي ولا يتأتَّى صِدْقُه، وشاذٌّ باعتبار أنَّه صدوقٌ، قال بعضهم: وفيه تعسُّفٌ» انتهى. ولعلَّ وجه التعسف أنَّ فيما بينهما عمومًا وخصوصًا يُعتبَر تساوي صدقهما في مادة الاجتماع.
(1)
قضاء الوطر (2/ 849).
(2)
زيادة من: (أ) و (ب).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وفي كتابةٍ: هذا التعليل وهو قوله: «لأنَّ بينهما
…
إلخ» إنَّما يدلُّ على أنَّهما نوعان تحت جنس المخالَفة، لا يَصدُق واحدٌ منهما على شيء ممَّا يَصدُق عليه الآخر، لا على العموم والخصوص من وجه بالمعنى المتعارف، وهو اجتماعهما في الصدق وافتراقُهما عليه
(1)
.
وقال (هـ)
(2)
: اسم الإشارة في قوله: «وعُرِفَ بهذا» راجعٌ للتفصيل المذكور، وفي مَعْرِفة «أنَّ بين الشَّاذِّ والمُنْكَر عمومًا وخصوصًا» فيه نظرٌ لا يَخْفى، وإنَّما بينهما من النِّسَب: المبايَنةُ الكُلِّيَّة؛ فلا شيء من الشَّاذِّ بمُنْكَرٍ ولا عكسه، ولم يَجْتَمِعا في مُطْلَق المخالَفة المذكورة في الشَّاذِّ؛ لأنَّها مقيَّدةٌ بالثقة، أو لا تُطلَق المخالَفةُ المذكورة في المُنْكَر؛ فإنها مقيدة بالضَّعف، وليس هذا كالحيوان والأسود؛ فإنهما اجتمعا في مُطْلَق الحيوان الأسود، وأمَّا هنا فلم يجتمعا في فرْد مِن أفراد المُنْكَر، ولا في فرْد مِن أفراد الشَّاذِّ كما اجتمع الحيوان الأسود في فرْد من أفراد الحيوان، فكان بعض الحيوان أسود وبعض الأسود حيوان؛ فإن شرط العموم مِن وَجْهٍ: صحة الإيجاب الجزئيِّ من الجانبين.
[قوله]
(3)
: «في اشْتِرَاطِ المُخَالَفَةِ» :
إنْ أراد في تمام المخالَفة فهو فاسدٌ؛ لاختلاف مَنْ تضاف إليه فيهما كما مَرَّ،
(1)
في هامش (ب) قال إبراهيم الفيومي المالكي: وهو اجتماعهما في الصدق وافتراقهما عليه، (صح).
(2)
قضاء الوطر (2/ 851).
(3)
زيادة من: (أ) و (ب).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وإنْ أراد في مُطْلقها فهو لاغٍ؛ لوجوب اعتبار المُقْسَمِ في كلٍّ من الأقسام. (أ/84)
[قوله]
(1)
: «أو صَدُوقٍ» :
هذا يقتضي أنَّ ما رواه الصَّدوق المتَّصفُ بسوء الحفظ أو كثرة الغفلة مثلًا وخالفه فيه العدْلُ يكون من الشَّاذِّ، وهو خلاف ما مَرَّ مِنْ أنَّه: يُعتبَرُ في راوي الصَّحيح والحَسَن عدَمُ ذلك.
وقال (هـ)
(2)
: «أوْ صَدُوق» ، «أو» للتنوع؛ فإنَّ الثقة اصطلاحًا هو: العدْل الضابط، والصدوق كذلك، هو: الذي لم يكن مُجَرَّبًا في كذِبٍ لكن ليس عنده من الضبط ما (هـ/99) يُشْترط في القَبول بلا مُتابِعٍ ولا شاهد كما قدَّمناه عن المؤلِّف في نُكَتِه على ابن الصَّلاح.
[قوله]
(3)
: «رِوَايَةُ ضَعِيفٍ» :
إمَّا ضعفًا مُطْلَقًا، أو في بعض الأحوال، أو في بعض المشايخ؛ يُرَدُّ، وكذلك المستور ونحوه مِنْ كلِّ مَنْ لا يُحْكَم لحديثهم بالقَبول بغير عاضد كما مَرَّ عن النُّكت.
[قوله]
(4)
: «وقد غَفَلَ مَنْ سَوَّى بَيْنَهُما» :
هو من باب نَصَر، والذي «سَوَّى بينهما» هو ابن الصَّلاح
(5)
، أي: ادَّعى أنَّ كلًّا منهما مساوٍ للآخَر، حيث قال في المُنْكَر: إنَّه بمعنى الشَّاذِّ! ووَجْهُ الغَفلة ظاهرٌ مما قدَّمناه عن النُّكت، بل دعوى غيرِ المبايَنةِ غَفلةٌ أيضًا.
(1)
زيادة من: (أ) و (ب).
(2)
قضاء الوطر (2/ 853).
(3)
زيادة من: (أ) و (ب).
(4)
زيادة من: (أ) و (ب).
(5)
مقدمة ابن الصلاح (ص 80).
وَما تَقدَّم ذِكرُهُ مِن الفَرْدِ النِّسْبِيِّ إِنْ وُجِدَ -بعدَ ظَنِّ كونِه فَرْدًا- قَدْ وَافَقَهُ غيرُهُ، فهُو المُتابِعُ -بكسرِ الباءِ المُوَحَّدةِ.
[قوله]
(1)
: «وما تَقَدَّمَ ذِكرُهُ مِن الفَرْدِ النِّسْبِيِّ» :
قيل: كان الأَولى أن يقول: والفَرْدُ النِّسْبيُّ المتقدِّم ذِكْرُه؛ ليَسْلَمَ من تغيير إعراب المَتْن، قُلْتُ: له أُسوة بجماعة من المحقِّقين نَزَّلوا المَتْنَ والشرح مَنْزِلةَ كلامٍ واحد، خصوصًا ورَبُّهما هنا واحدٌ، وقد تقدَّم أنَّه التَزَم ذلك، فقول (ب): الفرْد في المَتْن مبتدأٌ فهو مرفوع، وفي الشرح مجرور، وهو مُخِلٌّ بالمَتْن حينئذٍ، ونحوه للكمال؛ فيه تأمُّل، قاله (هـ)
(2)
.
وفي كتابةٍ: «والفَردُ النِّسْبيُّ» أي: ما يكون التَّفرُّدُ فيه أثناءَ السَّنَد، وهذا شروع في بيان الاعتبار والمتابَعات والشواهد الآتية فيها، فبيَّن الانفراد وعدمه المبني عليها أمرُ الشَّاذِّ والمُنْكَر وما يقابلهما، ثُمَّ لا اختصاص في كلام العراقيِّ وشارحيه للمتابعة والاستشهاد بالنِّسبيِّ، بل يكون للمُطْلَق، مع أنَّ التقْييد في عبارات المصنفين لشيءٍ يفيد نفيَ الحُكْم عمَّا عداه، على أنَّ المثال الذي ذكره للمتابَعة من الفرْد المُطْلَق كما لا يَخْفى.
وقال (هـ)
(3)
: إنَّما قيَّد بالنِّسبيِّ؛ لأنَّ الفرْد المُطْلَقَ لا يَتأتَّى فيه المتابَعةُ؛ لأنَّه الذي ينفرد بروايته واحدٌ عن الصحابيِّ، فما وُجِد له مُتَابِعٌ لم يكن فرْدًا مُطْلَقًا،
(1)
زيادة من: (أ) و (ب).
(2)
قضاء الوطر (2/ 657).
(3)
المرجع السابق.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
كذا قيل، وفيه نظرٌ؛ لأنَّه ليس الكلام مفروضًا فيما ثَبَتَتْ فرْدِيَّتُه، بل فيما يُشَكُّ في فرديَّته، وأيُّ مانعٍ من ظنِّ فرديَّة مُطْلَقَةٍ لحديثٍ فيُسْبَرُ ويُعتبَر فيُوجَد غير فرْدٍ مُطْلَقًا، كما أنَّ الفرْد النِّسبيَّ كذلك، ولِعِلْمِ التقْييد باعتبار الكثير، وكلام ابن الصَّلاح
(1)
والعراقيِّ ظاهرٌ، بل صريحهما ذلك، ولفظ العراقيِّ في شرحه لألفيَّته
(2)
:
«الاعتبار: أنْ تأتيَ إلى حديث لبعض الرُّواة، فتعتَبِرَه بروايات غيره من الرواة بسَبْر طرق الحديث، فتَعْرِفَ هل شاركه في ذلك الحديث أو غيره فرواه عن شيخه أو لا؟ فإن يكن شاركه أحدٌ ممن يُعتبر بحديثه، أي: يَصْلُحُ أنْ يُخَرَّج حديثُه للاعتبار به والاستشهاد به، فيُسمَّى حديثُ هذا الذي شاركه: تابعًا، وسيأتي بيان مَن يُعتَبَر بحديثه في مَراتبِ الجرْح والتعديل، وإنْ لم تَجِد أحدًا تابَعَه عليه عن شيخه فانظر: هل تابَعَ أحدٌ شيخَ شيخِه فرواه متابِعًا له أم لا؟ فإن وجدتَ أحدًا تابع شيخَ شيخه عليه فرواه كما رواه؛ فسَمِّهِ أيضًا: تابعًا، وقد يُسَمُّونه: شاهدًا كما مَرَّ، فإن لم تجد لأحد ممن فوقه متابِعًا عليه فانظر: هل أتى بمَعناه حَديثٌ آخَرُ في الباب أم لا؟ فإن [فعل ذلك فيمن فوقه الى آخر السَّنَد حتى في الصحابيِّ، فكل من وُجِدَ له تابع فَسَمِّه: تابعًا، وقد يُسَمُّونه: شاهدًا كما مَرَّ، فإن لم تجد لأحد ممن فوقه تابعًا عليه فانظر: هل]
(3)
أتى بمعناه حديث آخر فسَمِّ ذلك الحديثَ شاهدًا، وإن لم تجد حديثًا آخر يؤدي معناه فقد عُدمت المتابعات والشواهد؛ فالحديث إذن فرْدٌ» انتهى.
(1)
مقدمة ابن الصلاح (89).
(2)
شرح التبصرة (1/ 258).
(3)
زيادة من (ب).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قال (ب) في حواشيه
(1)
:
ومحلُّ الشاهد أنهما جَعَلَا المُقْسَمَ مُطْلَق الحديث، كان فردًا مُطْلَقًا أو نِسْبيًّا؛ بدليل قوله: «وإن لم يجد حديثًا
…
إلخ». نعمْ بعد عِلْم الفرْدِيَّةِ المُطْلَقة والفَرْدِيَّة النِّسْبِيَّةِ لا تكون المتابَعةُ إلَّا في الفرْد النِّسْبيِّ، ويُمكِن حَمْلُ كلامه على هذا.
[قوله]
(2)
: «غَيْرُهُ» :
أَطْلَق فيه؛ فيَشملُ الثقةَ وغيرَه ممن يُعتبَر بحديثه وغيره، وقيَّده العراقيُّ وغيرُه بمن يُعتبَر بحديثه كما مَرَّ، وفي الغَزِّيِّ و (ب): «قيل: الذي يظهر من تصرفاتهم عدمُ التفرقة بين الواهي وغيرِه في تسميته مشاركة كل منهما،
(1)
النكت الوافية (1/ 478).
(2)
زيادة من: (أ) و (ب).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
و [متابعة]
(1)
إن كانت متابعة الواهي لا تفيد المقصود وهو الحُجِّيَّةُ إذا كانت الطريق الأخرى غيرَ قوية» انتهى. قُلتُ: هذا القِيلُ هو ظاهر إطلاق المؤلِّف هنا، هذا لفظ الأول، وأمَّا الثاني فجزم به ولم يذكره بقيل.
تنبيه:
لو أسقط «على» مِن قوله: «على مَراتِب» كان أخصَرَ وأظهر، ثم إنَّه لم يذكر من تلك المراتب إلَّا اثنتين، فالمراد بالجَمْعِ: ما زاد على الواحد، وَقد يُجْعَلُ قولُه: «إنْ حَصَلَ
…
إلخ» بيانًا لبعض تلك المراتب، على أنَّ القاصرة وحدَها على مراتبَ؛ لأنَّها إما في: الشيخ، أو شيخه، أو شيخ شيخه، وهَلُمَّ جَرًّا، فقد كان أحد القسمين مُشتمِلًا على مراتبَ عدَّةٍ، قاله (هـ)
(2)
.
[قوله]
(3)
: «فهو المُتَابِعُ» :
أي: فذلك الغير الذي وافق «هو المتابِع» ، بصيغة اسم الفاعل، فالضمير المرفوع المتصل راجع لقوله:«غيره» ، و] المتابَع
(4)
بفتح الموحدة اصطلاحًا: [وُجْدانُ]
(5)
راوٍ غير صحابيٍّ موافق لراوٍ ظنَّ أنَّ مرْويَّه فرْدٌ نِسْبيٌّ، أو لشيخه،
(1)
زيادة من (ب).
(2)
قضاء الوطر (2/ 863).
(3)
زيادة من: (أ) و (ب).
(4)
في (ب) و (هـ): [المتابعة].
(5)
في (هـ): [وحدان].
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أو لشيخ شيخه في لفظٍ ما رواه أو في معناه. وتخصيصه ذلك بالفرْد النِّسبيِّ فيه نظرٌ كما مَرَّ، ويَرِدُ على قوله:«أو في معناه» أنَّه صادق بما إذا اتَّحَد الصحابيُّ أو تعَدَّد، معَ أنَّ الأول هو المراد؛ إذ الموافَقة في المعنى لا تكون متابَعةً حيث اختلف الصحابُّي.
وقال (هـ)
(1)
: فهو المتابِع، قال (ب):«يعني ذلك الغير هو المتابع» انتهى. قُلْتُ: ولو قال: فهو التابِع وأسقط الميم كان أنسَبَ بمقابلته بالشاهد؛ فإن المتابِع وصفُ الراوي، والتابِعَ لَقَبٌ للحديث عُرفًا وإن صحَّ لغةً أنه الراوي، تأمل.
تنبيه:
المتابَعة عُرفًا: مشاركة راوٍ غيره فيما حمله عن: شيخه، أو شيخ شيخه وهَلُمَّ جَرًّا كذلك، وقول بعضهم:«وُجدانُ راوٍ غير صحابيٍّ موافق لراوٍ ظنَّ أنَّه فرْد نِسبيٌّ أو بشيخه أو شيخ شيخه في لفظ ما رواه أو في معناه؛ فيه نظرٌ من وجوه، منها: ذِكْر الوِجدان؛ فإنَّه ثمرة السَّبْر لا نفْسُ المتابَعة. ومنها: قوله: «غير صحابيٍّ» ؛ فإنَّه سيأتي أنَّ الصحابيَّ كذلك. ومنها: قوله: «ظنَّ أنَّه فرْدٌ نِسبيٌّ» مع تصريحه بأنَّها تكون في الفرْد المُطْلَق» انتهى.
(1)
قضاء الوطر (2/ 864).