الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
خطبة الكتاب:
بسم الله الرحمن الرحيم
قال محمد هو ابن مالك
…
أحمد ربي الله خير مالك
ــ
بسم الله الرحمن الرحيم
"قال محمد هو" الإمام العلامة أبو عبد الله جمال الدين بن عبد الله "ابن مالك"
ــ
قوله: "قال محمد" فيه التفات من التكلم إلى الغيبة إن روعي متعلق البسملة المقدر بنحو أؤلف أو تأليفي فإن لم يراع كان فيه التفات على مذهب السكاكي المكتفي بمخالفة التعبير مقتضى الظاهر. وأتى بجملة الحكاية ولم يتركها خوفا من الرياء لقصد الترغيب في كتابه بتعيين مؤلفه المشهور بالجلالة في العلم والإخلاص فيه وبالانتفاع بكتبه وهذا أرجح من مراعاة الحذر من الرياء خصوصا مع الأمن من ذلك كما هو حال المصنف، ولم يقدمها على البسملة أيضا ليحصل لها بركة البسملة ولئلا يفوت الابتداء الحقيقي بالبسملة ولم يؤخرها عن الحمدلة ليقع اسمه بين الجملتين الشريفتين فتحيط به بركتهما فاحفظه.
قوله: "العلامة" معناه لغة كثير العلم جدا لأن الصيغة للمبالغة والتاء لزيادتها وكثرة العلم جدا تحصل بالتبحر في أنواع من الفنون فما اشتهر من أنه الجامع بين المعقولات والمنقولات لعله اصطلاح لبعضهم. قوله: "جمال الدين" هذا لقبه أي مجمل أهل الدين. فإن قيل كل من جمال الدين ومحمد يشعر بالمدح فجعل أحدهما اسما والآخر لقبا تحكم، قلت يؤخذ جواب ذلك مما بحثه بعض المتأخرين ونصه: والذي يظهر أن الاسم ما وضعه الأبوان ونحوهما ابتداء كائنا ما كان، وأن ما استعمل في ذلك المسمى بعد وضع الاسم فإن كان مشعرا بمدح كشمس الدين فيمن اسمه محمد أو ذمّ كأنف الناقة فيمن اسمه ذلك فلقب، أو كان مصدرا بأب كأبي عبد الله فيمن اسمه ذلك أو أمّ كأمّ عبد الله فيمن اسمها عائشة فكنية، وعلى هذا يصح ما حكاه ابن عرفة فيمن اعترض عليه أمير إفريقية في تكنيته بأبي القاسم مع النهي عنه فأجاب بأنه اسمه لا كنيته نقله شيخنا عن الشنواني. وحاصل الجواب أن اعتبار الأشعار والتصدير أما يكون بعد وضع الدال على الذات ابتداء. والظاهر أن الموضوع للذات ابتداء محمد فهو الاسم والموضوع ثانيا مشعرا جمال الدين فهو اللقب. قوله:"ابن عبد الله بن مالك" قد يتوهم من صنيع الشارح أنه جر ابن مالك صفة لعبد الله وليس كذلك لأنه يلزم عليه تغيير إعراب المتن وحذف ألف ابن مع أنها واجبة الثبوت في المتن بل هو باق على رفعه فيكون بالنظر إلى كلام الشارح خبرا آخر لهو فاعرفه. فإن قلت في قول المصنف هو ابن مالك الباس لإيهامه أن مالكا أبوه. قلت هذا الإلباس لا يضر هنا لأنه ليس المقصود هنا بيان نسبه بل تمييزه عمن شاركه في اسمه وهو إنما يتم بهذه الكنية لغلبتها عليه دون غيرها قاله سم، وأيضا فيها تفاؤل بملكه رقاب العلوم. والأكثر حذف ألف مالك العلم وإن كان رسمها أيضا جيدا ومنه رسمها في:{وَنَادَوْا يَا مَالِك} [الزخرف: 77] في المصحف العثماني ويجب رسم ألف مالك الصفة كالذي آخر
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الطائي نسبًا، الشافعي مذهبًا، الجياني منشأ، الأندلسي إقليمًا، الدمشقي دارا ووفاة لاثنتي عشرة ليلة خلت من شعبان عام اثنتين وسبعين وستمائة وهو ابن خمس وسبعين سنة "أحمد ربي الله خير مالك" أي أثني عليه الثناء الجميل اللائق بجلال عظمته وجزيل نعمته التي
ــ
البيت. وأما رسم مالك يوم الدين بدونها فيه فلأن الخط العثماني لا يقاس عليه مع أنه لا يرد على قراءته بدون ألف. قوله: "الطائي نسبا" سيأتي في المتن أن قولهم الطائي من شواذ النسب. قوله: "الجياني منشأ" نسبة إلى جيان بلد من بلاد الأندلس فكان الأولى تأخيره عن قوله الأندلسي إقليما ليكون للمتأخر فائدة، وجواب شيخنا السيد بأنه قدم الجياني اهتماما بالأخص غير نافع وقد يجاب بأن الفائدة حاصلة على تأخير قوله الأندلسي إقليما لمن لا يعلم كون جيان من بلاد الأندلس. والأندلس بفتح الهمزة وسكون النون وفتح الدال وضم اللام كذا في شرح ميارة على متن العاصمية في فصل المزارعة. ثم قال وهي جزيرة متصلة بالبر الطويل والبر الطويل متصل بالقسطنطينية. وإنما قيل للأندلس جزيرة لأن البحر محيط بها من جهاتها إلا الجهة الشمالية. وحكي أن أول من عمرها بعد الطوفان أندلس بن يافث بن نوح عليه السلام فسميت باسمه. ا. هـ. من مختصر ابن خلكان. ونقل صاحب المعيار عن القاضي عياض أن الأندلس كانت للنصارى دمرهم الله تعالى ثم أخذها المسلمون فمنها ما أخذ عنوة ومنها ما أخذ صلحا ثم أسلم بعض أولئك النصارى وسكنوها مع المسلمين. ا. هـ. ما قاله ميارة ببعض حذف، أي ثم بعد مدة طويلة أخذها النصارى ثانيا. هذا ونقل بعض الطلبة أنه رأى نصا بضم الهمزة والدال أيضا.
قوله: "ووفاة" كذا في بعض النسخ وفي بعضها ووفاته والأولى أحسن لإفادتها محل الوفاة دون الثانية. وقبره بسفح قاسيون ظاهر يزار والتمييزات المذكورة من تمييز النسبة غير المحول بناء على ما ذهب إليه كثير كابن هشام أن تحويل تمييز النسبة أغلبي لا المحول عن الفاعل كما زعم لعدم صحته في الجميع ولا من تمييز المفرد وإن قاله شيخنا لأن تمييز المفرد عين مميزه في المعنى والأمر هنا ليس كذلك. قوله: "عام اثنين إلخ" أي عام تمام اثنين إلخ. قوله: "أحمد" بفتح الميم مضارع حمد بكسرها قال المعرب وتبعه شيخنا والبعض: كان مقتضى الظاهر أن يقول يحمد بياء الغيبة لكنه التفت من الغيبة إلى التكلم. ا. هـ. وهو غير صحيح لأن مقتضى الظاهر أن يعبر المتكلم عن فعله أو قوله بما للمتكلم، فلفظ أحمد هو المقول للمصنف فهو الذي يحكى بقال، وشرط الالتفات أن يكون التعبير الثاني خلاف مقتضى الظاهر كما في المطوّل والمختصر وغيرهما فلا التفات في نحو قال إني عبد الله ونحو أنا زيد فاعرفه ولا تكن أسير التقليد. قوله:"ربي الله خير مالك" ذكر في عبارة حمده الفعل والذات والصفة إشارة إلى أنه تعالى يستحق الحمد لفعله وذاته وصفته وإنما قدم الأول لأنه إنعام فالحمد عليه كما هو مقتضى تعليق الحكم بالمشتق يقع واجبا لكن هذا لا يناسب تفسير الشارح الرب بالمالك وإنما يناسب تفسيره بالمربي وهو أولى هنا لذلك ولأن المالكية مذكورة في قوله خير مالك، إلا أن يقال تفسيره بالمالك باعتبار الأشهر وقطع النظر عن خصوص كلام المصنف. وخير أفعل تفضيل حذفت همزته تخفيفا
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
هذا النظم من آثارها واختار صيغة المضارع المثبت لما فيها من الأشعار بالاستمرار التجددي وقصد بذلك الموافقة بين الحمد والمحمود عليه أي كما أن آلاءه تعالى لا تزال
ــ
لكثرة الاستعمال كشر ويظهر لي أنه من الخير مصدر خار يخير أي تلبس بالخير أو من الخير بكسر الخاء وهو الكرم والشرف. وبين مالك الأول ومالك الثاني الجناس التام اللفظي لا الخطي إن رسم الأول بغير ألف كما هو الأكثر في مالك العلم فإن رسم بها كما هو أيضا جيد كان لفظيا خطيا فإطلاق البعض كونه لفظيا خطيا محمول على الحالة الثانية. قوله: "الجميل" صفة كاشفة أو مخصصة على الخلاف بين الجمهور القائلين باختصاص الثناء بالخير والعز بن عبد السلام القائل بعمومه للخير والشر. قوله: "بجلال عظمته" لا يبعد أنه إشارة إلى قوله خير مالك وأن قوله وجزيل نعمته إشارة إلى قوله ربي، لكن يعكر على هذا تفسيره فيما بعد الرب بالمالك إلا أن يقال ما تقدم. والجلال العظمة ولا يتعين كون إضافته إلى ما بعده من إضافة الصفة إلى الموصوف كما يوهمه كلام البعض بل ولا يترجح لأنه وإن اقتضته مشاكلة قوله وجزيل نعمته يحوج إلى تأويل الجلال بالجليل. قوله:"وجزيل نعمته" من إضافة الصفة للموصوف قال البعض وأشار إليه شيخنا المراد بالنعمة الإنعام بقرينة قوله التي هذا النظم أثر من آثارها لأنه ليس أثرا للنعمة بمعنى المنعم به بل هو فرد من أفراده. ا. هـ. ولا يتعين ذلك بل يصح أن تكون النعمة بمعنى المنعم به ويترتب عليها ذلك الأثر كنعمة العلم والفهم والقدرة على التأليف فإنه يترتب عليها هذا الأثر.
قوله: "واختار صيغة المضارع" أي على الجملة الاسمية والماضوية. قوله: "المثبت" لا حاجة إليه بل هو لبيان الواقع إذ المنفي لا يتأتى هنا. قوله: "لما فيها من الأشعار" أي بواسطة غلبة الاستعمال. وقوله بالاستمرار التجددي أي الذي هو المناسب هنا كما بينه بعد بقوله وقصد إلخ وقوله التجددي أي الحاصل من تجدد الحمد مرة بعد أخرى وهكذا أو الموصوف به تجدده كذلك أي وكل من الاسمية والماضوية لا يفيد الاستمرار التجددي أصلا، فإن الأولى لا تفيد التجدد وإن كانت تفيد الاستمرار بواسطة العدول كما سيذكره الشارح تبعا لبعضهم أو بواسطة غلبة الاستعمال كما هو الأرجح، والثانية لا تفيد الاستمرار أصلا بل ولا التجدد بمعنى الحصول مرة بعد أخرى وهكذا وإن أفادت التجدد بمعنى الوجود بعد العدم. وقد اختلف هل الاسمية أبلغ أو المضارعية والتحقيق أن كلا أبلغ من الأخرى من بعض الوجوه، فالاسمية أبلغ من حيث تعيين الصفة المحمود بها فيها وهي ثبوت الحمد له تعالى إذ معنى الحمد لله الحمد ثابت لله والمعين أوقع في النفس، والمضارعية أبلغ من حيث صدق المحمود به فيها بجميع الصفات وببعضها الأعم من تلك الصفة لأن معنى أحمدك أثني عليك بالجميل وصفاته تعالى جميلة كلها وبعضها، فالمضارعية أكثر فائدة. قوله:"والمحمود عليه" يعني التربية المفهومة من قول ربي على ما تقدم فاندفع ما اعترض به البعض هنا بناء على ظاهر تفسير الشارح الرب بالمالك من أن كلام الشارح ربما يقتضي أن المصنف أوقع حمده في مقابلة نعمه مع أنه لم يذكر ذلك، ولا حاجة إلى اعتذاره بأنه يمكن أن يقال مراده المحمود عليه الذي يغلب وقوع الحمد في مقابلته. قوله:
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
تتجدد في حقنا دائمًا كذلك نحمده بمحامد لا تزال تتجدد. وأيضًا فهو رجوع إلى الأصل إذ أصل الحمد لله أحمد أو حمدت الله فحذف الفعل اكتفاء بدلالة مصدره عليه. ثم عدل إلى الرفع لقصد الدلالة على الدوام والثبوت. ثم أدخلت عليه أل لقصد الاستغراق. والرب
ــ
"دائما" توكيد لقوله: لا تزال تتجدد. وقوله: كذلك تأكيد لقوله: كما. قوله: "نحمده بمحامد لا تزال تتجدد" اعترضه البعض كشيخنا بأنه سيصرح بأن الجملة إنشائية معنى، وعليه لا يظهر ما ذكره لأن الحمد الإنشائي ينقطع بانقطاع التلفظ به فأين التجدد وإنما يظهر ذلك على جعلها خبرية لفظا ومعنى. ويمكن دفعه بأن إشعارها بالتجدد باعتبار حالها الأصلي الثابت لها قبل نقلها إلى الإنشاء، وكأنه لم يقطع النظر بعد النقل عما كان قبله بقرينة مناسبة المقام، ولعل هذا مراد شيخنا من الاعتذار بأن ذلك الإشعار على سبيل التوهم والتخيل فافهم.
قوله: "وأيضا" هو مصدر آض إذا رجع، وهو إما مفعول مطلق حذف عامله أو بمعنى اسم الفاعل حال حذف عاملها وصاحبها، فالتقدير هنا على الأول أرجع إلى التعليل رجوعا، وعلى الثاني أقول راجعا إلى التعليل، وإنما تستعمل مع شيئين بينهما توافق ويغني كل منهما عن الآخر فلا يجوز جاء زيد أيضا، ولا جاء زيد ومضى عمرو أيضا، ولا اختصم زيد وعمرو أيضا، قاله شيخ الإسلام زكريا. قوله:"فهو" الفاء للتعليل كما علم مما مر آنفا والضمير للاختيار المفهوم من قوله واختار لكن هذا التعليل إنما ينهض لاختيار المضارعية على الاسمية دون اختيارها على الماضوية بخلاف الأول ولهذا قدمه على هذا. قوله: "إلى الأصل" أي أصل الجملة الاسمية. قوله: "فحذف الفعل" أي وجوبا إن ذكر بعده وشكرا، وشرط بعضهم في الوجوب ذكر لا كفرا بعدهما وجوازا إن ذكر وحده كما سيأتي في باب المفعول المطلق، وإطلاق شيخنا الوجوب في غير محله. قوله:"ثم عدل إلى الرفع إلخ" هذا يقتضي أنه لو لم يعدل إلى الرفع لانتفت الدلالة على الدوام وهو كذلك كما صرح به الرضي في باب المبتدأ لأن بقاء النصب صريح في ملاحظة الفعل وتقديره وهو يدل على التجدد فلا يستفاد الدوام إلا بالعدول إلى الرفع، ولا يكفي في إفادته وجوب حذف العامل مع النصب وإن صرح به الرضي في باب المصدر، وحمل شيخنا السيد ما صرح به في باب المبتدأ على حالة جواز حذف العامل ليوافق كلامه في باب المصدر، لكن الأوجه إبقاؤه على إطلاقه كما يقتضيه التعليل السابق. لا يقال الاسمية هنا خبرها ظرف متعلق إما بفعل وإما باسم فاعل بمعنى الحدوث بقرينة عمله في الظرف فيكون في حكم الفعل، والاسمية التي خبرها فعل تفيد التجدد والحدوث لا الدوام، لأنا نقول: لا نسلم كون اسم الفاعل هنا للحدوث حتى يكون في حكم الفعل ويكفي لعمله في الظرف رائحة الفعل فيعمل فيه بمعنى الثبوت أيضا، ولئن سلمناه فمحل إفادة الاسمية التي خبرها فعل للتجدد إذا لم يوجد داع إلى الدوام، والعدول المذكور داع إليه ذكره الغزي. قوله:"لقصد الدلالة" أي لمقصود هو الدلالة ولو حذف قصد لكان أخصر، هذا أريد بمدخول اللام العلة الغائية، فإن أريد السبب المتقدم على المسبب فقصد على حقيقته ومحتاج إليه. قوله:"والثبوت" إن أراد به ثبوت المسند للمسند إليه
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
المالك. والله علم على الذات الواجب الوجود أي لذاته المستحق لجميع المحامد ولم يسم به سواه قال تعالى: {هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا} [مريم: 65] أي هل تعلم أحد تسمى الله غير الله. وهو عربي عند الأكثر، وعند المحققين أنه اسم الله الأعظم: وقد ذكر في القرآن.
في ألفين وثلاثمائة وستين موضعًا واختار الإمام النووي تبعًا لجماعة أنه الحي القيوم قال: ولهذا لم يذكر في القرآن إلا في ثلاثة مواضع: في البقرة وآل عمران وطه والله أعلم.
تنبيه: أوقع الماضي موقع المستقبل تنزيلًا لمقولة منزلة ما حصل إما اكتفاء
ــ
وهو المتبادر فهو حاصل قبل العدول فكان الواجب حذفه، وإن أراد به الاستمرار فهو مستغنى عنه بقوله الدوام فكان الأخصر حذفه. قوله:"لقصد الاستغراق" أي مثلا وإلا فقد يكون لقصد العهد أو الجنس. قوله: "والله علم" أي بالوضع لا بالغلبة التقديرية على التحقيق كما بيناه في رسالتنا الكبرى في البسملة. وسيأتي في المعرف بأداة التعريف الفرق بين الغلبة التحقيقية والتقديرية.
قوله: "الواجب الوجود" وصف الذات بالواجب الوجود والمستحق لجميع المحامد لإيضاح الذات المسمى لا لاعتبارها فيه وإلا كان المسمى مجموع الذات والصفة مع أنه الذات المعينة فقط على الصحيح. وتخصيص هذين الوصفين بالذكر لأن وجوب الوجود للذات مبني كل كمال. واستحقاق جميع المحامد هو وجه حصر الحمد في كونه لله. قوله: "أي لذاته" يحتمل وجهين: الأول أنه تفسير لواجب الوجود والمعنى حينئذٍ أي الموجود لذاته. والثاني: أنه تقييد للوجوب أي الواجب الوجود لذاته أي ليس وجوب وجوده لغيره كما في الحوادث المتعلق علم الله بوجودها. قوله: "وهو عربي عند الأكثر" وقيل معرب وأصله بالسريانية. وقيل بالعبرانية لاها فعرّب بحذف ألفه الأخيرة وإدخال أل. قوله: "وقد ذكر إلخ" مسوق لتعليل كونه الاسم الأعظم، ووجه الدلالة أن من أحب شيئا أكثر من ذكره. قوله:"قال ولهذا لم يذكر في القرآن إلا في ثلاثة مواضع" اعترض الناس عليه بأن القلة لو كانت علة الأعظمية لكان اسمه المهيمن أولى بها لأنه لم يذكر إلا مرة واحدة، وفيه بحث لأنه لم يجعل القلة الأعظمية بل جعل الأعظمية علة الذكر في المواضع الثلاثة فقط لأنه لم يقل لأنه لم يذكر إلخ بل قال ولهذا لم يذكر إلخ، ولئن سلم أنه قال لأنه لم يذكر في القرآن إلا في ثلاثة مواضع قلنا ليس قصده التعليل بالذكر في المواضع الثلاثة فقط من حيث القلة بل من حيث ورود خبر بأنه في الثلاثة وهو ما روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال:"هو في ثلاث سور البقرة وآل عمران وطه" لكنه لا يرد على الجمهور القائلين بأعظمية اسم الجلالة لأنه متكلم فيه فاعرفه. قوله: "والله أعلم" أي بالاسم الأعظم أو بكل شيء.
قوله: "تنبيه" الذي حققه العصام في شرح الرسالة الوضعية أن أسماء الكتب من علم الشخص وأنها من الوضع الشخصي الخاص بموضوع له خاص. قال إذ الكتاب الذي هو عبارة عن الألفاظ والعبارات المخصوصة لا يتعدد إلا بتعدد التلفظ وذلك التعدد تدقيق فلسفي لا يعتبره
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بالحصول الذهني أو نظرًا إلى ما قوي عنده من تحقق الحصول وقربه نحو: {أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ} [النحل: 1] وجملة هو ابن مالك معترضة بين قال ومقوله لا محل لها من
ــ
أرباب العربية، ألا ترى أنهم يجعلون وضع الضرب والقتل وضعا شخصيا لا نوعيا لجعل الموضوع أمرا متعينا لا متعددا. ا. هـ. ومثل أسماء الكتب أسماء التراجم بكسر الجيم كالخواتم والعوالم وكثير من الناس يضمها لحنا، بل وأسماء العلوم لأن مسمياتها وهي الأحكام المعقولة المخصوصة إنما تتعدد بتعدد التعقل. وهذا التعدد تدقيق فلسفي لا يعتبره أيضا أرباب العربية، هذا هو المتجه عندي وإن اشتهر الفرق فتأمل. والتنبيه لغة الإيقاظ، واصطلاحا جملة دالة على بحث يفهم إجمالا من البحث السابق قيل أو على بحث بديهي، فالترجمة به لما لم يفهم مما سبق ولم يكن بديهيا غير جارية على الاصطلاح كما هنا بل غالب تنبيهات الشارح من هذا القبيل فالمراد بها مطلق الإيقاظ الذي هو المعنى اللغوي. قوله:"أوقع الماضي موقع المستقبل" أي على سبيل المجاز. وقرينة هذا المجاز الخطبة على المقصود بدليل وأستعين الله. وكون المراد وأستعين الله على إظهار ألفية أو الانتفاع بها فلا ينافي تأخر الخطبة عن المقصود خلاف المتبادر وقوله تنزيلا لمقوله أي الذي سيحصل في الخارج منزلة ما حصل أي في الخارج. وعلل هذا التنزيل بعلتين ذكر الأولى بقوله أما اكتفاء أي في التنزيل بالحصول الذهني يعني أنه لما حصل في الذهن قوله نزله منزلة ما حصل في الخارج، فالجامع على هذه العلة مطلق الحصول، وذكر الثانية بقوله أو نظرا أي في التنزيل إلى ما قوي عنده إلخ يعني أنه لما قوي ما عنده من تحقق حصول قوله خارجا في المستقبل وقربه نزله منزلة الحاصل في الخارج فالجامع على هذه العلة تحقق الحصول، لكن لو قال الشارح في العلتين أما لحصول مقوله ذهنا أو لتحقق حصوله خارجا عنده لكان أخصر وأظهر. والذي أراه أن التنزيل في كلام النحاة بمعنى التشبيه في كلام البيانيين وأنه لا خلاف بينهما إلا في العبارة بل كثيرا ما يعبر البيانيون بالتنزيل والنحاة بالتشبيه، وأن التنزيل عند النحاة في مثل ما نحن بصدده لا يكفي عن التجوّز في اللفظ بل يقتضيه وإلا لزم أنهم يقولون بحقيقة كل لفظ استعمل في غير ما وضع له لتنزيله منزلة ما وضع له كالأسد في الرجل الشجاع المنزل منزلة الحيوان المفترس وهو في غاية البعد أو باطل. وبهذا مع ما قررنا به أولا كلام الشارح يبطل اعتراض البعض على الشارح بما حاصله: أن قوله أوقع إلخ لا يصح لا على طريقة النحاة لأن التجوز في مثل ذلك على طريقتهم إنما هو في التنزيل، ولا تجوز في الماضي فهو واقع موقعه لا موقع المستقبل، ولا على طريقة البيانيين لأنه لا تنزيل في مثل ذلك على طريقتهم بل فيه تشبيه أحد المصدرين بالآخر واستعارة الفعل، إلا أن يراد بالتنزيل التشبيه على المسامحة، واعتراضه بأن قول الشارح أما اكتفاء إلخ لا يصح أيضا لأن الاكتفاء المذكور لا يحتاج معه إلى التنزيل والعكس.
قوله: "من تحقق الحصول" أي وجوده وثبوته، وليس المراد بالتحقق التيقن لأنه لا يناسب قوله ما قوي عنده فتأمل. قوله:"معترضة" بكسر الراء وبفتحها على الحذف والإيصال
مصليا على النبي المصطفى
…
وآله المستكملين الشرفا
ــ
الإعراب. ولفظ رب نصب تقديرًا على المفعولية، والباء في موضع الجر بالإضافة. والله نصب بدل من رب أو بيان وخير نصب أيضًا بدل أو حال على حد دعوت الله سميعا، وموضع الجملة نصب مفعول لقال ولفظها خبر ومعناها الإنشاء أي أنشئ الحمد "مصليًا"
ــ
والأصل معترض بها، وفائدة الاعتراض بها تمييز المصنف عن غيره ممن شاركه في اسمه، وتجويز جماعة كونها استئنافا بيانيا لا يخرجها عن كونها معترضة، وجوز بعضهم كونها نعتا لمحمد بتقدير تنكيره وهو بعيد، وبعضهم كونها حالا لازمة من محمد فمحلها على هذا نصب وعلى ما قبله رفع ولا محل لها على كونها معترضة. واندفع بكون الجملة معترضة غير مقصود بها قطع النعت أو نعتا أو حالا ما أورد على المصنف من أنها من قطع النعت وهو إنما يجوز إذا تعين المنعوت بدونه، ولو سلم أنها من قطع النعت نقول يكفي في جوازه تعين المنعوت ادعاء كما هنا. ولا يرد عليه وجوب حذف عامل النعت المقطوع لأن محله إذا كان النعت لمدح أو ذم أو ترحم.
فائدة: يصح اقتران الجملة المعترضة بالواو والفاء لا بثم. قوله: "ولفظ رب نصب" أي منصوب ويصح قراءته بلفظ الماضي المجهول وكذا يقال فيما بعد. قوله: "تقديرا إلخ" فقد اجتمع في أحمد ربي الإعراب اللفظي في أحمد والتقديري في ربي والمحلي في الياء. والفرق بين التقديري والمحلي أن المانع في الأول من ظهور الإعراب قائم بآخر الكلمة وفي الثاني قائم بالكلمة بتمامها قاله الشيخ خالد. قوله: "بدل من رب" وكون المبدل منه في نية الطرح أغلبي كما قاله جماعة، أو بحسب العمل لا المعنى كما قاله آخرون، أو معناه كما قاله الدماميني، أنه مستقل بنفسه لا متمم لمتبوعه كالنعت والبيان. وقوله أو بيان أي لرب لأنه أوضح منه ورجح ابن قاسم كونه بدلا من جهة أن البدل على نية تكرار العامل فيكون حامدا في عبارته مرتين، ورجح المعرب الثاني من جهة أن المبدل منه توطئة للبدل وفي حكم الطرح غالبا. قوله:"بدل أو حال" كونه بدلا لا يخلو عن ضعف لأن بدلية المشتق قليلة بل مقتضى كلام ابن هشام الذي نقله عنه المعرب امتناعها مع ما في جعله بدلا من ربي أن جعل الله بدلا من مخالفة الجمهور المانعين تعدد البدل وما في جعله بدلا من الله أن جعل الله بدلا من مخالفتهم في منعهم الإبدال من البدل. وكونه حالا أي لازمة فيه كما قاله ابن قاسم إيهام تقييد الحمد ببعض الصفات فالأولى جعله منصوبا بنحو أمدح. قوله: "وموضع الجملة" أي جملة أحمد ربي الله خير مالك أي والجمل بعدها معطوفة عليها كما سيصرح به الشارح عند قوله: وأستعين الله في ألفية. وعبارة السندوبي وجملة أحمد ربي إلى آخر الكتاب في محل نصب لأنها محكية بالقول. ا. هـ. ويظهر لي حمل الأول على حالة ملاحظة العاطف من الحكاية وجعل كل جملة مقولا مستقلا، وحمل الثاني على حالة ملاحظة العاطف من المحكي واعتبار كون المقول مجموع الجمل وجعل كل جملة جزء المقول فاحفظه فإنه نفيس. وإنما لم يقل مفعول به ليجري على القولين كونه مفعولا به وكونه مفعولا مطلقا وإن كان الراجح الأول.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أي طالبًا من الله صلاته أي رحمته "على النبي" بتشديد الياء من النبوة أي الرفعة لرفعة رتبته على غيره من الخلق أو بالهمز من النبأ وهو الخير لأنه مخبر عن الله تعالى فعلى الأول هو فعيل بمعنى مفعول، وعلى الثاني بمعنى فاعل. ومصليًا حال من فاعل أحمد منوية لاشتغال مورد الصلاة بالحمد أي ناويًا الصلاة على النبي "المصطفى" مفتعال من الصفوة
ــ
قوله: "ومعناها الإنشاء" قد عرفت في الكلام على قول الشارح أما بعد حمد الله أنه يصح كونها خبرية معنى ويكون حامدا ضمنا. قوله: "مصليا" هذه الحال وإن كانت مفردة إلا أنها في قوة جملة إنشائية أو خبرية على ما مر عند قول الشارح أما بعد حمد الله إلخ أفاده ابن قاسم. ويلزم على الوجه الأول وقوع الإنشاء حالا وهو ممنوع فتأمل. وإنما لم يأت بجملة صريحة إشارة إلى الفرق بين ما يتعلق به تعالى وما يتعلق به صلى الله عليه وسلم. ولم يذكر السلام جريا على عدم كراهة إفراد أحدهما عن الآخر بل إذا صلى في مجلس وسلم في مجلس ولو بعد مدة طويلة كان آتيا بالمطلوب وهذا هو المختار عندي وفاقا للحافظ ابن حجر وغيره. والآية لا تدل على طلب قرنهما لأن الواو لا تقتضي ذلك. قوله: "أي رحمته" أي اللائقة بمقامه فالإضافة للعهد. قوله: "بتشديد الياء من النبوة إلخ" هكذا اشتهر تخصيص المشدد بكونه من النبوة والمهموز بكونه من النبأ بالتحريك وهو الخبر. وأنا أقول يصح أن يكون المهموز من النبء بسكون الباء وهو الارتفاع على ما ذكره صاحب القاموس أنه يقال نبأ بالهمز كمنع أي ارتفع بل هذا أولى لكون الساكن مصدرا بخلاف المتحرك، وأن يكون المشدد مسهلا من المهموز فيكون من النبأ بفتح الباء أو سكونها فاعرف ذلك. وعلى كون النبي من النبوة يكون واوي اللام وأصله نبيو اجتمعت الواو والياء وسبقت إحداهما بالسكون فقلبت الواو ياء وأدغمت الياء في الياء. قوله:"أي الرفعة" فيه مسامحة إذ النبوة المكان المرتفع وكأنه على حذف مضاف وموصوف أي المكان ذي الرفعة. قوله: "لأنه مخبر عن الله" أي ولو بكونه نبأه فلا يرد أن النبي على الأصح لا يشترط فيه أن يؤمر بتبليغ الشرع الموحى إليه. قوله: "فعلى الأول إلخ" يصح على كل من الأول والثاني أن يكون بمعنى اسم الفاعل وأن يكون بمعنى اسم المفعول ففي كلامه احتباك. قوله: "حال" اعترض بأن الحالية تقتضي تقييد حمده بهذه الحالة ويدفع بأنها إنما تقتضي تقييد حمده في هذا المتن بهذه الحالة لا تقييد مطلق حمده ولا ضرر في ذلك بل هو الواقع.
قوله: "منوية" هي المقدرة ودفع بهذا الاعتراض بأن الصلاة غير ممكنة في حال الحمد لاشتغال موردها حينئذٍ بالحمد. وفيه أنه حينئذٍ لا يكون مصليا بالفعل لأن نية الصلاة ليست صلاة فالأولى أنها مقارنة والمقارنة في كل شيء بحسبه، فمقارنة لفظ للفظ وقوعه عقبه، فاندفع الاعتراض، ودفعه بعضهم بحمل الحمد بناء على خبرية جملته على العرفي لكن يرد عليه أن المأمور بالابتداء به الحمد اللغوي لا العرفي لحدوثه بعذر منه صلى الله عليه وسلم: وتوجيه كونها مقارنة بأن المعنى أحمده بلساني وأصلي بقلبي يرد عليه أن الصلاة بالقلب من غير تلفظ لا ثواب فيها. قوله: "من الصفوة" كذا بالتاء في نسخ وعليها فتذكير الضمير في قوله بعد وهو الخلوص من الكدر لما قاله ابن الحاجب من أن كل لفظتين وضعتا لشيء واحد وإحداهما مؤنثة والأخرى
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وهو الخلوص من الكدر قلبت تاؤه طاء لمجاورة الصاد ولامه ألفًا لانفتاح ما قبلها ومعناه المختار "وآله" أي أقاربه من بني هاشم والمطلب "المستكملين" باتباعه "الشرفا" أي العلو.
تنبيه: أصل آل أهل قلبت الهاء همزة كما قلبت الهمزة هاء في هراق الأصل أراق،
ــ
مذكرة وتوسطهما ضمير جاز تأنيث الضمير وتذكيره. وفي نسخ من الصفو بلا تاء وتذكير الضمير بعد ظاهر عليها. قوله: "وهو الخلوص من الكدر" هذا يفيد أن معنى المصطفى في الأصل الخالص من الكدر فقوله ومعناه المختار أي معناه المراد هنا. قوله: "لمجاورة الصاد" أي لأنها من حروف الأطباق الأربعة الصاد والضاد والطاء والظاء والتاء إذا وقعت بعد أحدها تقلب طاء. قوله: "أي أقاربه" الأنسب هنا تفسيره بأتباعه في العمل الصالح وحينئذٍ يدخل الصحب فلا يلزم على المصنف إهمالهم بل يكون فيه من أنواع البديع التورية لا خصوص الأقارب ولا عموم الأتباع ولو في أصل الإيمان لعدم ملاءمته لقوله: "المستكملين الشرفا" وما اشتهر من أن اللائق في مقام الدعاء تفسير الآل بعموم الاتباع لست أقول بإطلاقه بل المتجه عندي التفصيل: فإن كان في العبارة المدعو بها ما يستدعي تفسير الآل بأهل بيته حمل عليهم نحو اللهم صل على محمد وعلى آل محمد الذين أذهبت عنهم الرجس وطهرتهم تطهيرا، أو ما يستدعي تفسير الآل بالأتقياء حمل عليهم نحو اللهم صلّ على محمد وعلى آل محمد الذين ملأت قلوبهم بأنوارك وكشفت لهم حجب أسرارك، فإن خلت مما ذكر حمل على الأتباع نحو اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، ونحو اللهم صل على محمد وعلى آل محمد سكان جنتك وأهل دار كرامتك.
قوله: "المستكملين" صفة لازمة لآل. والسين والتاء إما للطلب والمطلوب كمال زائد على الكمال الحاصل عندهم فالشرف بفتح الشين مفعول المستكملين، أو زائدتان للتأكيد والمعنى الكاملين فهو منصوب على التشبيه بالمفعول به أو على نزع الخافض بناء على القول بأنه قياسي. ومما يدل على أن ثم قولا بقياسيته قول الشمس الشوبري في حواشيه على التحرير الفقهي: الراجح أن النصب بنزع الخافض سماعي. ا. هـ. أو يقال إن المصنفين نزلوه منزلة القياسي لكثرة ما سمع منه فاعرف ذلك. أو للصيرورة كاستحجر الطين أي الذين صاروا كاملين فهو كذلك. واستشكل كلامه بأنهم لم يبلغوا شرف الأنبياء فكيف تصح دعوى استكمالهم الشرف. وقد يقال المراد الشرف اللائق بهم، أو الكلام محمول على المبالغة إشارة إلى أنهم لعلوّ مراتبهم في الشرف كأنهم استكملوه. ومنهم من ضبطه بضم الشين فيكون جمع شريف صفة ثانية ويكون معمول المستكملين محذوفا أي كل شرف أو كل مجد مثلا. وجعل البعض هذا أولى بما في الحذف من الإيذان بالعموم الأنسب بمقام المدح وفيه نظر لأن ذكر المعمول هنا مساو لحذفه لأن المعمول المذكور الشرف بأل الاستغراقية فهو مساو للمحذوف مع أن ذكر الشرفا بالضم بعد المستكملين ليس فيه كبير فائدة لانفهام الثاني من الأول. قوله:"قلبت الهاء همزة" أي توصلا لقلبها ألفا فلا يرد أن الهمزة أثقل من الهاء مع أنها قلبت همزة باقية في ماء وشاء، ولعل وجهه
واستعين الله في ألفية
…
مقاصد النحو بها محوية
ــ
ثم قلبت الهمزة ألفًا لسكونها وانفتاح ما قبلها كما في آدم وآمن هذا مذهب سيبويه. وقال الكسائي: أصله أول كجمل من آل يئول تحركت الواو وانفتح ما قبلها ألفًا وقد صغروه على أهيل وهو يشهد للأول، وعلى أويل وهو يشهد للثاني ولا يضاف إلا إلى ذي شرف بخلاف أهل فلا يقال آل الأسكاف ولا ينتقض بآل فرعون فإن له شرفًا باعتبار الدنيا. واختلف في جواز إضافته إلى المضمر فمنعه الكسائي والنحاس، وزعم أبو بكر الزبيدي أنه من لحن العوام والصحيح جوازه قال عبد المطلب:
1-
وانصر على آل الصليـ
…
ـب وعابديه اليوم آلك
وفي الحديث: "اللهم صل على محمد وآله""وأستعين الله في" نظم قصيدة
ــ
أنهم قصدوا بقلب هائهما همزة جبر ضعفهما الحاصل بقلب عينهما ألفا لأن الهمزة أقوى من الهاء فتأمل. ولم تقلب الهاء ابتداء ألفا لعدم مجيئه في موضع آخر حتى يقاس عليه. قوله: "كما قلبت الهمزة هاء" أشار بهذا التنظير إلى أن الحرفين تعارضا. قوله: "كما في آدم وآمن" مثل بمثالين من الاسم والفعل. قوله: "وقد صغروه على أهيل" ضعف باحتمال أنه تصغير أهل لا آل فلا يشهد للأول، وأجيب بأن حسن الظن بالنقلة يقتضي أنهم لا يقدمون على التعيين إلا بدليل. قوله:"وهو يشهد للأول" إن قيل الاستدلال بالتصغير فيه دور لأن المصغر فرع المكبر فهو متوقف عليه وقد توقف العلم بأصل ذلك الحرف في المكبر على وجود الأصل في المصغر أجيب بأن توقف المصغر على المكبر توقف وجود وهو غير توقف العلم بالأصالة فجهة التوقف مختلفة فلا دور. قوله: "ولا يضاف إلا إلى ذي شرف" لا ينافي هذا تصغير آل المقتضي الحقارة لأن شرف المضاف إليه لا ينافي تصغير المضاف. ولو سلم أن شرف المضاف إليه يقتضي شرف المضاف نقول الشرف باعتبار يجامع الحقارة باعتبار آخر. وقوله إلى ذي شرف أي معرف مذكر ناطق. وسمع آل المدينة وآل البيت وآل الصليب وآل فلانة. قوله: "الإسكاف" بكسر الهمزة اسم جنس لمن يصلح النعال، والأسكوف لغة فيه والجمع، أساكفة. قوله:"فمنعه الكسائي والنحاس" لعل شبهتهم أن الآل إنما يضاف إلى الأشراف والمفصح عنهم هو الظاهر لا الضمير، والحجب منع الحصر لأن الضمير كمرجعه في الدلالة. ا. هـ. نجاري على المحلي. قوله:"أنه" أي المذكور من الإضافة. قوله: "قال عبد المطلب" أي حين قدم أبرهة بالفيل إلى مكة لتخريب الكعبة.
قوله: "وانصر على آل الصليب" يدل بظاهره على جواز إضافته إلى غير الناطق فينافي ما تقدم، ويجاب بأنه بمنزلة الناطق عند أهله أو شاذ ارتكب للمشاكلة. قوله:"وأستعين الله" أي أطلب منه الإعانة. والمراد بالإعانة هنا الأقدار وسماه إعانة لأنه بصورة الإعانة من حيث كون المقدور بين قدرتين: قدرة العبد كسبا بلا تأثير وقدرة الله تعالى إيجادا وتأثيرا إذ لا يصدق على
1- البيت من مجزوء الكامل، وهو لعبد المطلب بن هاشم في الأشباه والنظائر 2/ 207؛ والدرر 5/ 31، وبلا نسبة في الممتع في التصريف 1/ 349، وهمع الهوامع 2/ 50.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
"ألفية" أي عدة أبياتها ألف أو ألفان بناء على أنها من كامل الرجز أو مشطوره، ومحل هذه الجملة أيضًا نصب عطفًا على جملة أحمد، والظاهر أن في بمعنى على لأن الاستعانة
ــ
هذه الإعانة الإعانة الحقيقية التي هي المشاركة في الفعل ليسهل أفاده الشيخ يحيى في حواشيه على المرادي. وأصل أستعين أستعون بكسر الواو نقلت كسرتها إلى ما قبلها فقلبت الواو ياء لسكونها وانكسار ما قبلها. وإنما لم يقدم اسم الجلالة على أستعين ليفيد الحصر مع صحة الوزن على تقديمه أيضا للاهتمام بالاستعانة في نحو هذا المقام كما قالوه في: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّك} [العلق: 1]، على بعض التقادير. قوله:"في نظم قصيدة" قدر نظم لأن الاستعانة إنما تكون على الفعل، وقصيدة لتجري عليه الصفة أعني ألفية لكن في تسميته هذه الألفية قصيدة ما ستعرفه. قوله:"ألف" نقل شيخنا السيد أن بعضهم أخبر بأنها تنقص عن الألف ستة أبيات فلينظر فإن جماعة ممن أثق بهم أخبروني بعد التحري في عدها بأنها ألف. قوله: "أو ألفان" لا يخفى بعده ولا يرد عليه أنه كان عليه حينئذٍ أن يقول ألفينية لأن علامة التثنية والجمع يجب حذفها عند النسبة. قوله: "بناء على أنها إلخ" فيه لف ونشر مرتب. قوله: "من كامل الرجز" وزنه مستفعلن ست مرات. والشطر حذف النصف بأن يكون البيت على مستفعلن ثلاث مرات فعلى أنها من كامله يكون مثلا:
قال محمد هو ابن مالك
…
أحمد ربي الله خير مالك
بيتا مصرعا أعني مجعولة عروضه موافقة لضربه، ويكون كل بيت شعرا مستقلا. وعلى أنها من مشطوره يكون مثلا قال محمد هو ابن مالك بيتا، وأحمد ربي الله خير مالك بيتا ويكون كل بيتين شعرا مزدوجا مستقلا فعلى كل لا يسمى مثل هذه الأرجوزة قصيدة لأنهم لا يلتزمون بناء قوافيها على حرف واحد ولا على حركة واحدة، فلو جعلنا مجموع الأبيات قصيدة للزم وجود الأكفاء والاجازة والأقواء والأصراف في القصيدة الواحدة وتلك عيوب يجب اجتنابها، وهم لا يعدون ذلك في هذه الأراجيز عيبا ولا نجد نكيرا لذلك من العلماء كذا في الدماميني على الخزرجية. ومنه يعلم ما في قول الشارح قصيدة. ويمكن أن يقال سماها قصيدة من حيث مشابهتها للقصيدة في تعلق بعضها ببعض وفي كونها من بحر واحد فتدبر. قوله:"والظاهر أن في بمعنى على" فتكون لفظة في استعارة تبعية لمعنى على كما في: {وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْل} [طه: 71] ومقابل الظاهر قوله أو أنه ضمن إلخ فهو معطوف على قوله والظاهر. وإنما كان الأول ظاهرا لأن الاستخارة قبل الفعل للمتردد والمصنف جازم لشروعه في الفعل ولأن ارتكاب التجوّز في الحرف أخف منه في الفعل لا على قوله إن في بمعنى على إذ ليس ثم غير هذين الوجهين حتى يكون مقابل الظاهر. لا يقال المتبادر من كلامه التضمين النحوي وهو أشراب كلمة معنى أخرى بحيث تؤدي المعنيين فيكون مقابل الظاهر التضمين البياني وهو تقدير حال تناسب الحرف لأنا نمنع كون التضمين النحوي ظاهرا عن البياني للخلاف في كون النحوي قياسيا وإن كان الأكثرون على أنه قياسي كما في ارتشاف أبي حيان دون البياني فاعرفه. قوله:
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وما تصرف منها إنما جاءت متعدية بعلى قال تعالى: {وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ} [الفرقان: 4]، {وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُون} [يوسف: 18] أو أنه ضمن أستعين معنى أستخير ونحوه مما يتعدى بفي أي وأستخير الله في ألفية "مقاصد النحو" أي أغراضه وجل مهماته "بها" أي فيها "محوية" أي محوزة
ــ
قوله: "لأن الاستعانة" أي أصل هذه المادة فلا يرد أن أعانه في الآية من تصاريف الإعانة لا الاستعانة. قوله: "إنما جاءت" لم يثن الضمير مراعاة لمعنى ما وهو المتصرفات بعد مراعاة لفظها في تصرف، أو الضمير للاستعانة وخبر ما محذوف لعلمه من هذا. وقوله متعدية أي إلى المستعان عليه لا المستعان لتعديها إليه بنفسها كما هنا وبالباء كما في قوله تعالى:{قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّه} [الأعراف: 128] . قوله: "قال تعالى إلخ" استشهاد على التعدية بعلى لا استدلال على المدعي من الحصر المذكور لأن الآية لا تدل عليه. قوله: "معنى أستخير ونحوه" أحسن منه معنى أرجو ونحوه لما عرفت من أن الاستخارة قبل الفعل للمتردد. قوله: "أي أغراضه" هذا تفسير بحسب اللغة. وقوله وجل مهماته عطف تفسير للمراد أشار به إلى أن مراده بالمقاصد المهمات التي عبر بها في آخر الكتاب وأن في كلامه حذف. مضاف ودفع بذلك التنافي بين ما هنا وقوله آخر الكتاب:
نظما على جل المهمات اشتمل
وقد أجيب بأجوبة غير هذا: منها أن ما هنا في حيز الطلب وما يأتي إخبار بما تيسر له. وأما الجواب بأن المقاصد اسم كتاب للمصنف فباطل من وجوه ذكرها السيوطي في آخر نكته، وصرفوا ما هنا إلى ما يأتي دون العكس لأن ما يأتي هو المطابق للواقع لأنه ترك من المقاصد باب القسم وباب التقاء الساكنين وغيرهما. قوله:"بها أي فيها" من ظرفية المدلول في الدال لأن الألفية اسم للألفاظ المخصوصة الدالة على المعاني المخصوصة والمقاصد تلك المعاني. ويصح أن تكون الباء سببية وصلة محوية محذوفة أي محوية لمتعاطيها بسببها. قوله: "محوية" اسم مفعول أصله محووية اجتمعت الواو الثانية والياء وسبقت إحداهما بالسكون قلبت الواو ياء وأدغمت الياء في الياء وكسرت الواو الأولى التي قبل الياء المدغمة للمناسبة. قوله: "النحو في الاصطلاح إلخ" تعريف الفن أحد الأمور التي يتوقف الشروع فيه على بصيرة عليها. ومنها موضوعه وغايته وفائدته: فموضوع هذا الفن الكلمات العربية من حيث عروض الأحوال لها حال أفرادها كالإعلال والإدغام والحذف والإبدال أو حال تركيبها كحركات الإعراب والبناء. وغايته الاستعانة على فهم كلام الله ورسوله والاحتراز عن الخطأ في الكلام. وفائدته معرفة صواب الكلم من خطئه كذا في شرح الخطيب على المتن. وفي كلام البعض جعل الاحتراز عن الخطأ هو الفائدة وله أيضا وجه. وفي الاصطلاح إما مستقر متعلق بمقدر معرف صفة للنحو أو منكر حال منه على تجويز بعض النحاة مجيء الحال من المبتدأ، وإما لغو متعلق بمعنى النسبة التي اشتملت
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
تنبيه: النحو في الاصطلاح هو العلم المستخرج بالمقاييس المستنبطة من استقراء كلام العرب الموصلة إلى معرفة أحكام أجزائه التي ائتلف منها. قاله صاحب المقرب فعلم
ــ
عليها الجملة. قوله: "العلم" أي القواعد المعلومة أي التي من شأنها أن تعلم لا ما علم بالفعل لأن النحو له حقيقة في نفسه سواء علم أو لم يعلم فهو مجاز على مجاز بحسب اللغة، والعلاقة في الأول التعلق بين المصدر وما اشتق منه، وفي الثاني الأول، وإن كان مجازا فقط بحسب العرف علاقته الأول لأن إطلاقه على القواعد المعلومة بالفعل حقيقة عرفية كإطلاقه على الملكة أي الكيفية الراسخة في النفس التي يقتدر بها على استحضار ما كانت علمته واستحصال ما لم تعلمه. وأما إطلاقه على الإدراك فحقيقة لغة وعرفا. وأما إطلاقه على فروع القواعد أي المسائل الجزئية المستخرجة منها بجعل القاعدة كبرى لصغرى سهلة الحصول هكذا زيد من قام زيد فاعل وكل فاعل مرفوع فزيد من قام زيد مرفوع فمجاز عند الحكماء. حقيقة عرفية عند علماء الشريعة والأدب كما نقله البعض عن سري الدين. والمجاز على المجاز جائز عند البيانيين والأصوليين إلا الآمدي كما في البحر المحيط في الأصول للزركشي فنقل شيخنا السيد المنع عن الأصوليين فيه نظر. والباء في قوله بالمقاييس للتصوير. وما ذكرناه من أن العلم هنا بمعنى القواعد والباء للتصوير هو اللائق هنا لا الإدراك ولا الملكة سواء جعلنا الباء للسببية متعلقة بالمستخرج إذ لا يستخرجان بالمقاييس المذكورة، أو جعلناها للتصوير إذ لا يتصوران بها ولا الفروع وإن قال به البعض لأنه يلزم عليه كما قاله شيخنا أن لا تسمى تلك القواعد نحوا وفيه ما فيه بل الظاهر أنها هي النحو فتأمل. وخرج بالمستخرج العلم المنصوص في الكتاب أو السنة.
قوله: "بالمقاييس" بغير همز لأصالة الياء الأولى كما في معايش جمع مقياس وهو ما يقاس عليه الشيء ويوافق به من القواعد الكلية. قوله: "من استقراء كلام العرب" من إضافة الصفة إلى الموصوف أي من كلام العرب المستقرأ أي من أحوال أجزائه ففي العبارة حذف مضافين وإن أوّلت الكلام بالكلمات كان فيها حذف مضاف واحد وخرج بهذا القيد المستخرج من الكتاب والسنة والطب ونحوه. قوله: "الموصلة" صفة للمقاييس وتوصيلها لمن بعد الصدر الأول كما أن استنباطها من الصدر الأول. فاندفع ما يقال: استنباط المقاييس من أحوال أجزاء كلامهم يقتضي سبق معرفة تلك الأحوال على استنباط المقاييس وتوصيلها إلى معرفة تلك الأحوال يقتضي تأخرها عنه وفي هذا تناقض وهو ظاهر ودور لتوقف المعرفة على المقاييس المتوقفة على المعرفة مع أن هذا إنما يرد إذا جعل الضمير في قوله أجزائه راجعا إلى عين كلام العرب، أما إذا جعل راجعا إلى جنس كلامهم لأن أحكام ما تكلموا به عرفت بنطقهم فلا تناقض ولا دور أصلا لأن السابق معرفة غير المتأخر معرفته حينئذٍ. وحاصل الدفع الأول اختلاف المعرفة باختلاف العارف. وحاصل الثاني اختلافها باختلاف المعروف وخرج بهذا القيد علم المعاني والبيان ونحوهما. قوله:"أحكام أجزائه" المراد بالأحكام ما يشمل الأحكام التصريفية والأحكام النحوية. قوله: "التي ائتلف منها" صفة للأجزاء والضمير في ائتلف يرجع إلى الكلام فالصلة جرت على غير ما هي له، ولم يبرز
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أن المراد هنا بالنحو ما يرادف قولنا علم العربية لا قسيم الصرف، وهو مصدر أريد به اسم المفعول أي المنحو كالخلق بمعنى المخلوق، وخصته غلبة الاستعمال بهذا العلم وإن كان علم منحوا أي مقصودًا كما خصت الفقه بعلم الأحكام الشرعية الفرعية وإن كان كل علم فقها أي مفقوها أي مفهومًا. وجاء في اللغة لمعان خمسة: القصد يقال نحوت نحوك أي قصدت قصدك، والمثل نحو مررت برجل نحوك أي مثلك، والجهة نحو توجهت نحو البيت أي جهة البيت، والمقدار نحو له عندي نحو ألف أي مقدار ألف، والقسم نحو هذا على أربعة أنحاء أي أقسام. وسبب تسمية هذا العلم بذلك ما روي أن عليًّا رضي الله
ــ
الضمير جريا على مذهب الكوفيين من جواز عدم إبرازه عند أمن اللبس. وقال البعض نقل الراعي في باب المبتدأ والخبر كما أفاده البهوتي أن البصريين فصلوا في وجوب إبراز الضمير بين ما إذا كان المتحمل للضمير وصفا أو فعلا فأوجبوه في الأول دون الثاني. ا. هـ. وهو مخالف لما في الهمع والتصريح من أن الفعل كالوصف في الخلاف المذكور.
قوله: "فعلم" أي من تعريف النحو بما يشمل التصريف. قوله: "ما يرادف قولنا علم العربية" أي المراد به ما يشمل النحو والصرف فقط لتخصيص غلبة الاستعمال علم العربية بهما وإن أطلق على ما يشمل اثني عشر علما: اللغة والصرف والاشتقاق والنحو والمعاني والبيان والعروض والقافية وقرض الشعر والخط وإنشاء الخطب والرسائل والمحاضرات ومنه التواريخ، وجعلوا البديع ذيلا لا قسما برأسه. وإضافة علم إلى العربية من إضافة العام إلى الخاص. قوله:"لا قسيم الصرف" هذا اصطلاح القدماء واصطلاح المتأخرين تخصيصه بفن الإعراب والبناء وجعله قسيم الصرف، وعليه فيعرّف بأنه علم يبحث فيه عن أحوال أواخر الكلم إعرابا وبناء وموضوعة الكلم العربية من حيث ما يعرض لها من الإعراب والبناء. قوله:"وهو مصدر إلخ" قال البهوتي انظر هل يجوز استعمال اسم المصدر بمعنى اسم المفعول كما استعملوا المصدر كذلك أولا. قال البعض لا مانع من الجواز فكان عليه أن يقول هل وقع استعماله كذلك أولا. ا. هـ. وأقول وقع في قوله تعالى: {هَذَا عَطَاؤُنَا} [ص: 39] كما يفيده كلام البيضاوي. قوله: "وخصته غلبة الاستعمال بهذا العلم" أي صار علما بالغلبة عليه والباء داخلة على المقصور عليه. قوله: "وجاء في اللغة لمعان خمسة" زاد شيخ الإسلام سادسا وهو البعض كأكلت نحو السمكة. وذكر أن أظهر معانيه وأكثرها تداولا القصد ولهذا صدر به الشارح، قيل لما كان اللغوي متعددا أخره عن الاصطلاحي وإن كان الأنسب تقديم اللغوي. قوله:"وسبب تسمية هذا العلم بذلك" أي سبب إطلاقه عليه بالغلبة لا بالوضع فلا ينافي ما مر. قوله: "الديلي" ضبطه بعضهم بكسر الدال وسكون التحتية وبعضهم بضم الدال وفتح الهمزة. واسمه ظالم بن عمرو. قال في التصريح: وقد تظافرت الروايات على أن أول من وضع النحو أبو الأسود وأنه أخذه أولا عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه وكان أبو الأسود كوفي الدار بصري المنشأ ومات وقد أسن. واتفقوا على أن أول من وضع التصريف معاذ بن مسلم الهراء بفتح الهاء وتشديد الراء نسبة إلى بيع الثياب الهروية. قوله:
تقرب الأقصى بلفظ موجز
…
وتبسط البذل بوعد منجز
ــ
تعالى عنه لما أشار على أبي الأسود الديلي أن يضعه وعلمه الاسم والفعل، والحرف وشيئًا من الإعراب قال: انح هذا النحو يا أبا الأسود "تقرب" هذه الألفية للأفهام "الأقصى" أي الأبعد. من المعاني "بلفظ موجز" الباء بمعنى مع أي تفعل ذلك مع وجازة اللفظ أي اختصاره "وتبسط" أي توسع "البذل" بالمعجمة أي العطاء وهو إشارة إلى ما تمنحه لقارئها
ــ
"وشيئا من الإعراب" أي حيث قال الأشياء ظاهر ومضمر وغيرهما وهو الذي يتفاوت في معرفته. قال السيرافي يعني اسم الإشارة. قوله: "انح هذا النحو يا أبا الأسود" روي أن مما ذكره أبو الأسود حكم إن وأن وكأن وليت ولعل ولم يذكر لكنّ فأمره الإمام كرم الله وجهه أن يزيدها فزادها. قوله: "تقرب إلخ" إسناد التقريب إليها مجاز عقلي من باب الإسناد إلى الآلة إذ الفاعل في الحقيقة الله تعالى وفي الظاهر المصنف. قوله: "أي الأبعد من المعاني" تفسير بحسب ظاهر اللفظ فلا ينافي أن المناسب جعل أفعل التفضيل هنا على غير بابه ليشمل بالمطابقة الأبعد والبعيد لأن البعد مقول بالتشكيك. وما قيل من أنه على ظاهره وتقريب البعد يفهم بالأولى ضعف بأنه لا يلزم ذلك لأنها قد تهتم بالأبعد لشدة خفائه ولا تقرب البعد. قوله: "الباء بمعنى مع" لم يجعلها سببية لأن المعهود سببا للتقريب البسط لا الإيجاز. قال سم: ويصح كونها للسببية ويكون فيه غاية المدح للمصنف حيث اتصف بالقدرة على توضيح المعاني بالألفاظ الوجيزة التي من شأنها تبعيدها. ولا إشكال في كون الإيجاز قد يكون سببا للإيضاح إذا بولغ في تهذيب الوجيز وتنقيحه وترتيبه. ا. هـ. وقد يقال السبب حينئذٍ هذه المبالغة لا الإيجاز.
قوله: "مع وجازة اللفظ" دفع بتقدير المضاف اتحاد المصاحب والمصاحب وعليه ففي الكلام وضع الظاهر موضع المضمر والأصل مع وجازتها. وأنت خبير بأن الاتحاد إنما يأتي إذا جعلت المعية حالا من فاعل تقرب ويصح أن تكون من الأقصى فيكون أحد المتصاحبين المعنى والآخر اللفظ فلا اتحاد. وما نقله البعض هنا عن ابن قاسم فيه ما فيه فانظره. قوله: "أي اختصاره" ظاهره ترادف الإيجاز والاختصار وهو ما عليه جماعة. وفي المصباح أن الإيجاز تقليل اللفظ مع عذوبته وسهولة معناه فهو أخص من الاختصار على هذا. قوله: "وتبسط البذل" فسره الشارح بتوسع العطاء أي الإعطاء يعني تكثر إفادة المعاني، ففيه استعارة إما تمثيلية بأن يكون شبه حال الألفية في كثرة إفادتها المعاني عند سماعها بحال الكريم في كثرة إعطائه ووفائه بما يعد، أو مصرحة حيث شبه إفادة المعاني ببذل المال والوعد ترشيح، أو مكنية حيث شبه الألفية بكريم والبذل تخييل والوعد ترشيح. قوله:"وهو" أي البذل إشارة إلى ما تمنحه أي إلى منح ما تمنحه ليوافق تفسيره أولا البذل بالعطاء أي الإعطاء. ويحتمل أن هذا إشارة إلى أن المراد بالبذل المبذول وأن تفسيره أولا بالعطاء بالنظر إلى معناه الأصلي. وقوله من كثرة الفوائد أي من الفوائد الكثيرة. قوله: "بوعد منجز" الباء بمعنى مع أو سببية. فإن قلت الإعطاء بدون وعد أبلغ في المدح فلم قيد بالوعد؟ قلت كأنه لأنه الواقع لأن فهم المعاني منها لا يحصل بمجرد وجودها بل لا بد من
وتقتضي رضا بغير سخط
…
فائقة ألفية ابن معطي
ــ
من كثرة الفوائد "بوعد منجز" أي موفى سريعًا.
تنبيه: قال الجوهري أوعد عند الإطلاق يكون للشر ووعد للخير وأنشد:
2-
وإني وإن أوعدته أو وعدته
…
لمخلف إيعادي ومنجز موعدي
"وتقتضي" أي تطلب لما اشتملت عليه من المحاسن "رضا" محضًا "بغير سخط" يشوبه "فائقة ألفية" الإمام العلامة أبي الحسن يحيى "ابن معطي" بن عبد النور الزواوي الحنفي الملقب زين الدين سكن دمشق طويلًا واشتغل عليه خلق كثير ثم سافر إلى مصر
ــ
الالتفات إليها وتصور ألفاظها فكأنها لتهيئها للفهم منها وتوقف الفهم منها على ذلك تعد وعدا ناجزا قاله سم. ويمكن أن يوجه أيضا التقييد بالوعد بأنه للإشارة إلى عزة معانيها لأن الموعود به تتشوف إليه النفس فتكون أحرص عليه ويكون هو أعز عليها. وبين موجز ومنجز الجناس اللاحق وإن قال بعضهم مضارع. قوله: "ووعد للخير" أي عند الإطلاق وحذفه اكتفاء. قوله: "لمخلف إيعادي إلخ" فيه لف ونشر مرتب. قوله: "وتقتضي أي تطلب" أي من الله أو من قارئها أو منهما معا وإسناد الطلب إليها مجاز عقلي من الإسناد إلى السبب إذ الطالب في الحقيقة ناظمها. ويحتمل أنه شبه الألفية بعاقل تشبيها مضمرا في النفس على طريق الاستعارة المكنية وإثبات الطلب تخييل ويحتمل أنه أراد بالاقتضاء الاستلزام على التجوّز. قوله: "رضا" كسر رائه سماعي كضم سين سخط وسكون خائه والقياس الفتح لأن فعلهما كفرح يفرح. قوله: "محضا" كأنه زاد تمهيدا لقوله بغير سخط يشوبه ليقع قوله بغير سخط يشوبه تفسيرا لمحضا. وقوله يشوبه أي يتخلل بين أزمنة الرضا. أو المراد يشوبه من وجه آخر غير وجه الرضا. وعلى كل علم أن قوله وتقتضي رضا لا يغني عن قوله بغير سخط، والسخط تغير النفس وانقباضها لأخذ الثأر والمراد منه في حقه تعالى لازمه وهو إرادة الانتقام أو الانتقام. قوله:"فائقة" أي عالية في الشرف. وإنما فاقتها لأنها من بحر واحد وألفية ابن معطي من بحرين فإن بعضها من السريع وبعضها من الرجز، ولأنها أكثر أحكاما من ألفية ابن معطي. قوله:"الحنفي" في حواشي الشيخ يحيى أنه كان مالكيا وتفقه بالجزائر على أبي موسى الجزولي ثم تشفع كابن مالك وأبي حيان حين الخروج من الغرب. ا. هـ. ويمكن أنه تحنف بعد أن تشفع. قوله: "الملقب زين الدين" يؤخذ منه مع قوله في الديباجة وقد لقبته بمنهج السالك أن لقب يتعدى بنفسه وبالحرف كسمى. قوله: "بالجامع العتيق" هو جامع عمرو بن العاص. قوله: "لأقراء الأدب" اسم لما يشمل الاثني عشر علما المتقدمة فهو مرادف للعربية بالمعنى الشامل لها. قوله: "في سلخ" أي آخر. قوله: "على شفير الخندق" أي حرف الخليج الذي حفره عمرو بن العاص بأمر عمر بن الخطاب ليحمل على السفن فيه الغلال إلى
2- البيت من الطويل، وهو لعامر بن الطفيل في ديوانه ص58؛ ولسان العرب 3/ 464 "وعد"؛ وبلا نسبة في إنباه الرواة 4/ 139.
وهو بسبق حائز تفضيلًا
…
مستوجب ثنائي الجميلا
ــ
وتصدر بالجامع العتيق لإقراء الأدب إلى أن توفي بالقاهرة في سلخ ذي القعدة سنة ثمان وعشرين وستمائة ودفن من الغد على شفير الخندق وبقرب تربة الإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه ومولده سنة أربع وستين وخمسمائة.
تنبيه: يجوز في فائقة النصب على الحال من فاعل تقتضي والرفع خبر المبتدأ محذوف والجر نعتًا لألفية على حد {وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَك} في النعت بالمفرد بعد النعت بالجملة والغالب العكس وأوجبه بعضهم "وهو" أي ابن معطي "بسبق" الباء للسببية أي بسبب سبقه إياي "حائز تفضيلًا" على "مستوجب" على "ثنائي الجميلا" عليه لما يستحقه السلف من ثناء الخلف وثنائي مصدر مضاف إليه فاعله وهو الياء والجميل إما
ــ
الحرمين متصلا بالبحر المالح. قوله: "ومولده سنة" بنصب سنة على الظرفية متعلق بمحذوف إن جعل مولده مصدرا ميميا بمعنى الولادة أي كائن في سنة، وبرفعها على الخبرية إن جعل اسم زمان. قوله:"في فائقة" أي في هذا اللفظ بقطع النظر عن حركة آخره. قوله: "من فاعل تقتضي" لم يجعلها من ألفية لأنها وإن كانت نكرة تخصصت بالوصف، أو من فاعل تقرب أو تبسط لقرب تقتضي.
قوله: "خبر المبتدأ محذوف" أي والجملة حالية أو استئنافية. قوله: "بالجملة" أي جنسها فيصدق بما زاد على واحدة كما في المتن. قوله: "وأوجبه بعضهم" قال شيخنا والبعض لعل القائل بالوجوب يجعل مبارك في الآية خبر مبتدأ محذوف. ا. هـ. وأحسن منه أن يجعل خبرا ثانيا لهذا. قوله: "بسبق" أي علي في الزمن والإفادة وفي تقديم المعمول إشارة إلى أنه لم يحز الفضل على المصنف إلا بالسبق، والجار والمجرور مرتبط بكل من حائز ومستوجب. قوله:"حائز تفضيلا" أي فضلا من إطلاق المسبب على السبب، أو هو مصدر المبني للمفعول فاندفع الاعتراض بأن التفضيل صفة المفضل بالكسر فكيف يحوزه المفضل بالفتح ويمكن أن يدفع أيضا بأن الحيازة في كل شيء بحسبه. فمعنى حيازة التفضيل تعلقه به على وجه التعظيم له. ولا يرد على الجواب الثاني والثالث أنه لا يلزم من التفضيل له على غيره أنه فاضل في نفسه عليه حتى يكون فيه كبير مدح لأن المراد التفضيل ممن يعتد بتفضيله. قوله:"مستوجب" قال سم أي مستحق. ا. هـ. ويحتمل أن السين والتاء للتصيير أي مصير الثناء واجبا عليّ. قوله: "لما يستحقه السلف إلخ" لا يظهر أنه علة لمستوجب لتقديم المصنف علته وهي السبق بناء على ارتباط قوله بسبق بقوله مستوجب أيضا بل هو علة للعلية أي لكون السبق علة للاستيجاب، لكن لا يظهر التعليل إلا بتقدير مضاف أي لوجوب ما يستحقه إلخ ولو قال لاستحقاق السلف ثناء الخلف لكان أخصر وأوضح. قوله:"مصدر" فيه مسامحة لأن الثناء اسم مصدر اثني، ويمكن أن يجعل كلامه على حذف المضاف. قوله:"أما صفة" أي لازمة أو مخصصة على القولين في الثناء وعلى الوصفية يحتاج إلى تعليق قول الشارح عليه بمحذوف حال من ثنائي أو بدل منه أي كائنا عليه أو ثنائي عليه، لا بثنائي
والله يقضي بهبات وافره
…
لي وله في درجات الآخرة
ــ
صفة للمصدر أو معمول له "والله يقضي" أي يحكم "بهبات" جمع هبة وهي العطية أي عطيات "وافره" أي تامة "لي وله في درجات الآخرة" الدرجات. قال في الصحاح: هي الطبقات من المراتب. وقال أبو عبيدة: الدرج إلى أعلى والدرك إلى أسفل والمراد مراتب السعادة في الدار الآخرة، ولفظ الجملة خبر ومعناها الطلب.
تنبيه: وصف هبات وهو جمع بوافرة وهو مفرد لتأوله بجماعة وإن كان الأفصح وافرات لأن هبات جمع قلة والأفصح في جمع القلة مما لا يعقل وفي جمع العاقل مطلقًا
ــ
المذكور لاستلزامه وصف المصدر قبل تمام عمله. وقوله أو معمول له أي على أنه صفة لمفعول مطلق لهذا المصدر حذف وأنيب هو منابة أي ثنائي الثناء الجميل، أو على أنه مفعول به على التوسع بإسقاط الخافض والأول أولى لأن الثاني سماعي على الأصح. قوله:"أي يحكم" فسر القضاء في كلامه بالحكم كما هو معناه لغة لأن معناه عند الأشاعرة -كما في شرح المواقف- إرادته الأزلية المتعلقة بالأشياء على ما هي عليه فيما لا يزال وهذا لا يناسب الطلب. قال: وتقديره إيجاده إياها فيما لا يزال على ما هي عليه فيه. ا. هـ. والمراد بالحكم هنا التعلق التنجيزي فيرجع إلى التقدير.
قوله: "أي عطيات" أتى به مع علمه من تفسير المفرد تحسينا لسبك قول المصنف وافرة مع ما قبله من كلام الشارح. قوله: "أي تامة" أفاد به أن وافرة اسم فاعل وفر اللازم لا المتعدي يقال وفر الشيء يفر وفورا أي تم، ووفرته أفره وفرا أي أتممته. قوله:"لي وله في درجات الآخرة" الظرفان صفتان لهبات. وخص درجات الآخرة بالذكر لأنها المهم عند العاقل ولأن الدعاء لابن معطي بعد موته إنما يتأتى بها دون درجات الدنيا. قوله: "قال في الصحاح" بفتح الصاد ومعناه في الأصل الصحيح ومنهم من يكسر على صيغة الجمع. قوله: "هي الطبقات من المراتب" أي علية أو دنية فهو أعم من تفسير أبي عبيدة قاله البعض ورد جعل بعضهم كلام أبي عبيدة بيانا لما في الصحاح. قوله: "والمراد" أي من درجات الآخرة وأشار بهذا إلى أن الإضافة في درجات الآخرة على معنى في. قوله: "وصف هبات إلخ" هذا تصحيح لوصف الجمع بالمفرد وحاصله أن المطابقة في الافراد حاصلة تأويلا فقوله لتأوله بجماعة أي وهو مفرد لفظا وإن كان جمعا معنى. قوله: "وإن كان الأفصح وافرات" أي محافظة على المطابقة اللفظية والواو للحال وإن زائدة ويظهر لي في الجواب عن المصنف أن الإفراد لاستعماله جمع القلة في الكثرة كما هو المناسب لمقام الدعاء فهو جمع كثرة بحسب المعنى فاحفظه فإنه نفيس.
قوله: "لأن هبات جمع قلة" أي بناء على مذهب سيبويه أن جمعي السلامة للقلة. والذي ارتضاه السعد التفتازاني والدماميني أن جمعي القلة والكثرة مبدؤهما ثلاثة ومنتهى جمع القلة ولا منتهى لجمع الكثرة فهما مشتركان في المبدأ مختلفان في المنتهى. والمشهور أن مبدأ جمع