الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
[حقوق الإنسان في النظام الأساسي للحكم والأنظمة الأخرى في المملكة]
حقوق الإنسان في النظام الأساسي للحكم والأنظمة الأخرى في المملكة صدر النظام الأساسي للحكم في المملكة العربية السعودية، بمقتضى الأمر الملكي الموسوم بالرقم أ / 90 في 27 / 8 / 1412 هـ.
وهو النظام الذي يوضح شكل الدولة، ونظام حكمها، ويحدد سلطاتها، ويبين الحقوق والواجبات لمواطنيها، والمقومات الاجتماعية، والمبادئ الاقتصادية، التي يسير عليها المجتمع والدولة.
فهو بإيجاز، نظام المملكة الذي تلتزمه سلطاتها ومؤسساتها، في سعيها الدائم إلى حفظ الدين، عقيدة وشريعة، وتحقيق مصالح الناس، والوفاء بحقوقهم التي أوجبها الشرع، وضمان أمنهم ورخائهم على أرض المملكة.
وفي كلمة خادم الحرمين الشريفين، الملك فهد بن عبد العزيز آل سعود، بمناسبة صدور النظام الأساسي للحكم لإخوانه وأبنائه المواطنين، تبرز الأسس والمبادئ
التي أقيم عليها نظام الحكم في المملكة.
فقد أقيم على الإسلام عقيدة وشريعة، وعلى المنهاج الصحيح في فهم أحكامهما.
وبذلك - كما قال خادم الحرمين الشريفين - كانت المملكة، نموذجا متميزا في السياسة والحكم في التاريخ السياسي الحديث.
ولم تأت صياغة نظام الحكم في المملكة من فراغ، بل كانت توثيقا لشيء قائم، وأمر واقع معمول به، عماده الشريعة التي استمر تطبيق أحكامها قرونا عديدة، وظهر الالتزام الكامل بها، منذ قامت الدولة السعودية الأولى.
إن الدستور في المملكة، هو كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم إليهما يحتكم، وإليهما يرجع في كل شيء يختلف فيه.
إن السيادة والسلطة العليا في المملكة العربية السعودية، هي لكتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وهما مصدر السلطة فيها، كما تصرح بذلك المادة السابعة من نظام الحكم.
فالسلطة أو السيادة - في النظر غير الإسلامي - للحاكم أو الدولة، أو لسلطة من السلطات البشرية.
لكن هذه السلطات في المملكة، تخضع لحكم الله عز وجل في الكتاب والسنة.
وفي المادة الثامنة من النظام الأساسي، يقوم الحكم على أساس العدل والشورى والمساواة، وفق قواعد الشريعة الإسلامية.
وتحقيق هذه المبادئ، يتم وفق المرجع الأعلى، وهو الكتاب والسنة.
فهي ليست شعارات تطلق، ثم يبحث لها الناس عن معنى ومرجع ومفهوم، تختلف فيه الآراء والأهواء والعقول.
وفي مجال حقوق الإنسان التي أوردتها المواثيق الدولية، وأهمها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان سنة 1948 م، واتفاقيتا الحقوق المدنية والسياسية، والاجتماعية والاقتصادية، الصادرتان سنة 1966 م، واللتان بدأ العمل بهما سنة 1976م.
نرى أن النظام الأساسي للحكم في المملكة، نص
على أكثر مما نصت عليه تلك المواثيق من مبادئ.
لقد أوردت المواثيق الدولية، مفردات عديدة من الحقوق، تحت هذه المبادئ، مستمدة كلها من واقع المجتمعات الغربية وظروفها وتراثها التاريخي والديني والاجتماعي.
غير أنه تبقى ميزة الشرع الإسلامي، الذي استمد منه النظام الأساسي للحكم في المملكة، في أنه يفتح الباب لكل الحقوق التي تبيحها الشريعة، والتي تندرج تحت مبادئ الكرامة الإنسانية والحرية والمساواة والتكافل الاجتماعي والشورى.
ولكل هذه المبادئ، مرجع يوضح، ويحدد مفاهيمها الصحيحة على المستوى الإنساني كله.
إن المرجع هنا، وهو شريعة الله، يحدد الحقوق، ويوضح المفاهيم، ويستبعد الزائف، ويستبقي الصالح.
ففي الباب الثالث من نظام الحكم، الذي يتعلق بمقومات المجتمع السعودي، تظهر قيمة الأسرة في النظر الإسلامي نواة للمجتمع، حيث يربى أفرادها على
أساس العقيدة الإسلامية، والولاء والطاعة لله وللرسول ولأولي الأمر، واحترام النظام، وتنفيذه، وحب الوطن والاعتزاز به (م9) .
وتحرص الدولة على توثيق روابط الأسرة، والحفاظ على قيمها العربية والإسلامية (م10) .
ويهدف التعليم إلى غرس العقيدة في نفوس النشء، وإكسابهم المعارف والمهارات (م13) .
وفي المبادئ الاقتصادية، نص النظام الأساسي للحكم، على حرمة الملكية الخاصة، ومنع الاستيلاء عليها إلا للمصلحة العامة، ومقابل تعويض عادل (م 18) .
وحظرت المادة 19 مصادرة الأموال مصادرة عامة، ولا تكون المصادرة الجزئية عقوبة على جريمة إلا بحكم قضائي.
وأمر مهم في شأن الضرائب والرسوم التي تفرضها الدولة، فإن النظام في المملكة يتفوق على غيره في دول العالم كافة، فالضرائب والرسوم في معظم الدول من إطلاقات الدولة، تفرضها بحسب ما تراه.
أما في المملكة، فلا تفرض إلا عند الحاجة، وعلى أساس العدل، وهو أعدل وأكثر يسرا على المواطنين.
وأما الزكاة، فقد نصت المادة الحادية والعشرون، على أنها تجبى، وتنفق في مصارفها الشرعية.
فالمواطن السعودي، آمن بحكم الشرع من المظالم المالية التي تعانيها شعوب كثيرة في العالم.
وفي الباب الخامس من النظام الأساسي للحكم المتعلق بالحقوق والواجبات، نصت المادة السادسة والعشرون، على أن تحمي الدولة حقوق الإنسان وفق الشريعة الإسلامية.
وهو نص رئيس، يؤكد أهمية هذه الحقوق، والتزام الدولة بالوفاء بها.
وجاءت النصوص التالية لهذا النص الرئيس، الذي أشار إلى حقوق الإنسان ضمن باب الحقوق والواجبات، بمفردات حقوق الإنسان التي وردت في الشريعة الإسلامية، قبل المواثيق الدولية بألف عام على الأقل.
في حين أن كثيرا من الدساتير المعمول بها في دول عديدة، لا تتضمن مثل نص المادة السادسة والعشرين، التي جعلت حقوق الإنسان وفق الشريعة الإسلامية، من حقوق المواطن.
إن مفردات حقوق الإنسان التي وردت في النظام الأساسي للحكم، تشمل الحقوق التي نصت عليها المواثيق الدولية، وتزيد عليها في بعض الحقوق، التي تلتزم بها الدولة تجاه المواطنين.
إن الدولة، تكفل حق المواطن وأسرته في حالات الطوارئ والمرض والعجز والشيخوخة، وتدعم نظام الضمان الاجتماعي (م 27) .
وهو نظر إسلامي أصيل ورد في القرآن الكريم والسنة النبوية، من حيث المبدأ والتطبيق.
والدولة تيسر مجالات العمل لكل قادر عليه، وتسن الأنظمة التي تحمي العامل وصاحب العمل (م 28) .
وهو تطبيق أمين لمبادئ الشرع الإسلامي.
وفي نظام العمل والعمال في المملكة، تفصيل لأوجه عديدة من وجوه حماية العامل في أجره وصحته، وأمنه
من الفصل التعسفي.
وخصص فصل في النظام، لمكافحة البطالة التي نهى الشرع عنها.
والدولة ترعى العلوم والثقافة والآداب، وتعنى بتشجيع البحث العلمي، وتصون التراث الإسلامي والعربي، وتسهم في الحضارة العربية والإسلامية والإنسانية (م 29) .
وتوفر الدولة التعليم العام، وتلتزم بمكافحة الأمية (م 30) .
وهو تطبيق إسلامي لما ورد في القرآن الكريم وسنة الرسول صلى الله عليه وسلم، من الحض على العلم، ورعاية أهله، وتيسير طرقه أمام الناس.
وهذه النصوص، تشمل الصالح من الحقوق الثقافية التي وردت في المواثيق الدولية، وتزيد عليها.
وفي المادة الحادية والثلاثين، تعنى الدولة بالصحة العامة، وتوفر الرعاية الصحية لكل مواطن.
وهذه من الحقوق الاجتماعية الرئيسة للإنسان.
وزاد النظام الأساسي للحكم، حقا للمواطن،
والتزاما على الدولة، بالمحافظة على البيئة وحمايتها وتطويرها، ومنع التلوث عنها (م 32) .
وهو نص مستحدث على مستوى دساتير العالم كله، اقتضاه التطور العلمي لعلوم البيئة وارتباطها بالصحة العامة، وسارعت المملكة إلى إدراجه في النظام الأساسي للحكم، حقا من حقوق المواطن في أرض صالحة وهواء نقي وماء طهور.
وفي القرآن الكريم، نهي عن الفساد في البر والبحر.
وفي السنة النبوية، توجيهات شريفة تحمي المكان وطعام الإنسان وشرابه وصحته من الفساد.
وفي المادة السادسة والثلاثين، تلتزم الدولة بتوفير الأمن لجميع مواطنيها والمقيمين على إقليمها، ولا يجوز تقييد تصرفات أحد أو توقيفه أو حبسه إلا بموجب أحكام النظام.
وهو نص يرد عادة في كل دساتير الدول المتمدنة.
وفي المادة السابعة والثلاثين، نص النظام الأساسي للحكم، على أن للمساكن حرمتها، ولا يجوز دخولها بغير إذن صاحبها، ولا تفتيشها إلا في الحالات التي
يبينها النظام.
وفي المادة الثامنة والثلاثين، نص على قاعدة شرعية تأخذ بها دساتير الدول المتمدنة: العقوبة شخصية، ولا جريمة ولا عقوبة إلا بناء على نص شرعي أو نظامي، ولا عقاب إلا على الأعمال اللاحقة للعمل بالنص النظامي.
وهذه النصوص، تعد أصولا كبرى في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان.
والمبادئ الواردة في النصوص الثلاثة سالفة الذكر، تطبيق أمين لكتاب الله الكريم وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.
يقول الله تعالى: {وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى} [النجم: 39](سورة النجم، الآية 39) .
ويقول سبحانه: {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} [الإسراء: 15](سورة الإسراء، الآية 15) .
ويقول جل شأنه: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} [الإسراء: 15](سورة الإسراء، الآية 15) .
وفي القرآن الكريم في حرمة المساكن، نهي عن دخولها إلا بعد الاستئذان والسلام على أهلها، وفي قول للخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه قبل ما يزيد على ألف وأربعمائة عام- يجمع الضمانات التي نصت عليها المواد الثلاث المذكورة قبل:
(والله لا يؤسر رجل في الإسلام بغير العدول)(1) .
وهذه الضمانات نظرا لأهميتها، أوردها النظام الأساسي للحكم في المملكة.
وكل الأنظمة التي تصدر تفصيلا لأحكامها، ينبغي أن تتقيد بهذه المبادئ الإسلامية.
وفي مجال التعبير والرأي والاتصال، نص النظام الأساسي للحكم، على التزام وسائل الإعلام والنشر وجميع وسائل التعبير، بالكلمة الطيبة وبأنظمة الدولة.
وحظرت المادة التاسعة والثلاثون، ما يؤدي إلى الفتنة والانقسام، أو يمس بأمن الدولة وعلاقاتها العامة، أو يسيء إلى كرامة الإنسان وحقوقه، وتبين الأنظمة كيفية ذلك.
(1) رواه مالك في الموطأ في كتاب الأقضية، باب ما جاء في الشهادات (1400) .
كما تصون المادة الأربعون، حرمة المراسلات البرقية والبريدية والمخابرات الهاتفية، فلا تجيز مصادرتها أو الاطلاع عليها أو تأخيرها أو الاستماع إليها، إلا في الحالات التي يبينها النظام.
والضوابط التي وضعتها المادتان السابقتان لحرية التعبير، ضمانات معترف بها في النظم القانونية العالمية.
ولكنها في النظام الأساسي للحكم في المملكة تستهدي بأصلها في القرآن الكريم، وبأحكام الشريعة التي تنهى عن الفتنة:{وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ} [البقرة: 217](سورة البقرة، الآية 217) .
وتحض على الوحدة والاعتصام بحبل الله: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا} [آل عمران: 103](سورة آل عمران، الآية 103) .
كما أن الشرع يحمي خصوصية الإنسان وأسراره، ويصونها عن الابتذال، لا سيما ما يتعلق بشؤون أسرته التي تتناولها وسائل التراسل والاتصال.
وينهى الشرع عن التجسس عامة: {وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ} [الحجرات: 12](سورة الحجرات، الآية 12)
ولا يباح ذلك إلا لحماية حقوق المجتمع أو الغير، كما ورد في النظام الأساسي للحكم.
والمرجع في إقرار الحق للناس، وفي تحديد مفهومه وضوابطه، هو شرع الله عز وجل، كما في الكتاب والسنة.
وينص النظام الأساسي للحكم، على استقلال السلطة القضائية في المملكة، ولا سلطان على القضاة في قضائهم إلا للشريعة الإسلامية (م 46) .
وحق التقاضي، مكفول للمواطنين والمقيمين (م 47) .
والملك ومن ينيبه، معنيون بتنفيذ الأحكام القضائية (م 50) .
واستقلال السلطة القضائية، وعناية الملك ومن ينيبه بتنفيذ أحكامها، يعد ضمانة مهمة لإنفاذ حقوق الإنسان، التي نص عليها النظام الأساسي للحكم، إذا تعرضت للانتهاك أو الانتقاص.
إن ميزة حقوق الإنسان التي نص عليها النظام الأساسي للحكم في المملكة، أنها قواعد شرعية وأحكام
نظامية واضحة ومحدده المعالم والمفاهيم، وليست شعارات ومبادئ براقة، يدخل تحتها بفعل الأهوال والمفاهيم الزائفة، ما يضيعها، وما يجعلها تضر بالمجتمع والإنسان المسلم.
فحقوق الإنسان في الشرع الإسلامي، تؤدى بمفاهيمها الصحيحة إلي رقيه، وتقدمه، وجدارته بعمارة الأرض.