الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
[الفرق بين النظر الإسلامي والفكر الغربي في فكرة الحق]
الفرق بين النظر الإسلامي والفكر الغربي في فكرة الحق يكتسب التعبير في الوقت الحاضر، قدرة إعلامية وسياسية عالية، تؤثر في بحث المضامين، والمفاهيم التي يتضمنها التعبير.
فالمسلمون لديهم تعبير حقوق الآدمي، ولديهم أيضا تعبير حقوق الأمة، وكذلك يتحدث المسلمون في وضوح منذ زمن بعيد، عن حقوق الله وحقوق العباد، وهي في حقيقة الأمر، أصدق وأوفى في المضمون وفي المفاهيم من المصطلح العالمي:(حقوق الإنسان) .
ولكن ذلك لا يمنع من استعماله، وليس سببا في إهماله، بشرط أن تتضح المفاهيم، ويتميز المضمون أمام الناس.
فالمبادئ التي تتضمنها وثائق حقوق الإنسان، لا مطعن على استحقاق الآدمي لكثير منها، فلا يمكن من وجهة النظر الإسلامية، إنكار حق الآدمي في الكرامة الإنسانية، ولا حرمانه من الحق في الحرية، والحق في
المساواة، وفي المشاركة الاجتماعية، في المجتمع الذي يعيش فيه.
ولكن المطلوب إسلاميا، أن تتضح المفاهيم في هذه المبادئ، وأن تكون في صورتها التشريعية محررة.
فهذه الحقوق التي تأتي على رأس حقوق الإنسان في الزمن المعاصر، تمثل مبادئ عامة وشعارات، لا يمكن رد كثير منها بمجرد عرضها، ولكن الخلاف يأتي في المدى الذي تصل إليه هذه الحقوق، والمفاهيم التي تتضمنها.
هناك خلاف بين الفقه الإسلامي في جملته، وبين النظر القانوني السائد في العالم، حول فكرة الحق ذاتها.
فالحق عند المسلمين، من أسماء الله تعالى، وفي لغة العرب التي نزل بها القرآن، هو الأمر الثابت.
والمسلمون جميعا، بمجرد إسلامهم، يجب أن تتحرر إرادتهم من الخضوع لغير الله عز وجل، ومن هنا تبدأ العبودية لله تعالى وحده.
وتنظم الشريعة مفهوم هذه الحرية ومجالاتها، وشروط استعمالها ومداها، بحكم الخضوع لله عز وجل، وأمره
ونهيه، المتمثل في الشريعة الإلهية.
ومن المسلمات في النظر الإسلامي، أن الله تعالى هو الخالق والبارئ، والمالك لكل شيء، وله الحكم:{إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ} [الأنعام: 57](سورة الأنعام، الآية 57) .
وبذلك، فإن الحقوق كلها تقررها الشريعة، وتبين مجالاتها، وتحدد مداها، ولا يوجد حق يُعترف به للمسلم، إلا إذا أقرته له الشريعة، في نصوصها أو أصولها وقواعدها الكلية.
ومدى هذه الحقوق وشروط استعمالها والمخاطب بها ومفاهيمها الواضحة، لا تخرج عن نطاق الشرع.
هذا النظر بكل المجاز، يختلف تماما عن الفكر الغربي، الذي يحاول دائما عزل الدين عن الحياة، بعد أن فصل الدين عن الدولة، في المجتمعات والدول التي تأخذ بمبدأ العلمانية.
وهي بكل إيجاز أيضا، لا تنظر إلى ما وراء هذا العالم، فالحياة الإنسانية كلها، هي الحياة الدنيا التي تتوجه إليها الأنظار والأفكار والأعمال.
ولسنا في حاجة إلى التساؤل، عمن يمنح هذه
الحقوق، أو يحدد مداها، أو يوضح مفاهيمها، إنه الإنسان أيضا فهو من يملك السلطة.
وليس هناك داع - من وجهة النظر الغربية - لافتراض سلطة علوية تمنح هذه الحقوق لبني الإنسان.
فالإنسان هو الذي يمنح نفسه هذه الحقوق، وهو الذي يبين مداها وشروطها، وهو الذي يتمتع بها.
ولما كانت الحقوق كلها، تتضمن أطرافا وموضوعا، وكان لا بد من مانح للحق ومن متلق له، فقد انتهت المدرسة الأوروبية الحديثة إلى القول - كما قدمنا - بأن هذه الحقوق، تصدر عن ضمير الجماعة - أي الإنسان في مجموعه - وذلك بهدف جعلها تتمتع بإقرار الجميع لها واحترامها، ويجري ذلك التصوير بطبيعة الحال، بعيدا عن أي نظر ديني، بل مع استبعاد النظر الديني عمدا.
والشريعة الإسلامية لدى المسلمين جميعا، أساس الحق ومصدره، وضمان وجوده في المجتمع.
وفي الفكر الغربي بالذات، فإن الحق الذي يمنحه الإنسان لنفسه - الفرد المسيطر أو السلطة أو ضمير الجماعة - هو أساس القانون الذي يطبقه المجتمع.
وحين يرى المجتمع أو السلطة القائمة عليه، أن الإنسان من حقه أن يمارس عملا، أو يتمتع بحرية معينة، يصبح ذلك قانونا، ويصير حقا للفرد، فالحق الذي يراه الإنسان لنفسه، هو أساس النظام.
هذا الفكر، هو الذي أدى في أحيان كثيرة، وفي دول أوروبية متميزة بمقاييس العصر المادية، إلى إباحة أنواع من التصرفات، تأباها الفطرة الإنسانية والأديان السماوية كلها، فأبيح الشذوذ الجنسي بين البالغين (كما في إنجلترا) ، وأبيح الزواج بين أفراد الجنس الواحد (كما يسمح به في بعض البلاد الأوروبية الشمالية) ، وجرت التسوية بين الأبناء من نكاح صحيح، وبين الأبناء من سفاح.
هكذا رأى ضمير الجماعة، ومن ثم صار قانونا توزن به، وتقوم على أساسه حقوق الإنسان.
وسوف نعرض في الصفحات التالية وبإيجاز، لمفاهيم أساسية لحقوق الإنسان من وجهة النظر الإسلامية، وخاصة حق الحياة، وسلامة البدن، والعقل، والعرض، والحرية، والمساواة، والتكافل، حتى يتبين
اختلافها عن المبادئ والشعارات التي تطرح في الساحة الدولية والإعلامية، باسم حقوق الإنسان.
فالإسلام يحدد حقوق الإنسان بمفاهيمها الصحيحة، وضوابطها الشرعية، التي تحقق كرامة الإنسان، وتحفظ مصالح الفرد والمجتمع.
وهي مضمونة بالشرع وأحكامه، لكل بني الإنسان على اختلاف الأعراق والألوان.