الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الباب الثاني في: المراثي
قالت ليلى الأخيلية، ترثي توبة بن الحُميِّر:
يا عينُ بكِّي بدمعٍ دائم السجمِ
…
وابكي لتوبة عند الروع والبُهَمِ
على فتىً من بني سعدٍ، فجعت به
…
ماذا أُجِنُّ به في حفرة الرَّجَمِ
من كل صافيةٍ صرفٍ، وقافيةٍ
…
مثل السنان، وأمر غير مقتسمِ
ومصدرٍ حين يُعيي القوم مصدرهمْ
…
وجفنةٍ عند نحس الكوكب الشئمِ
وقال أشجع السُّلميُّ:
ويحها هل درتْ على من تنوحْ
…
أسقيمٌ فؤادها أم صحيحُ؟
قمراً أطبقوا عليه ببغدا
…
دَ ضريحاً، ماذا أجن الضريحُ؟
رحم الله صاحبي ونديمي
…
رحمةً تغتدي وأخرى تروحُ
وقالت الخنساء:
وقائلةٍ، والنعشُ قد فات خطْوها
…
لتدركهُ: يا لهف نفسي على صخرِ
ألا ثكلت أم الذين مشوا به
…
إلى القبر، ماذا يحملون إلى القبرِ؟
وقال محمد بن مناذر:
إن عبد الحميد يوم توفِّي
…
هدَّ ركناً ما كان بالمهدودِ
ما درى نعشه، ولا حاملوهُ
…
ما على النعش من عفافٍ وجودِ
وقال آخر:
ألا في سبيل الله ماذا تضمنتْ
…
بطون الثرى، واستودع البلد القَفْرُ
بدوراً، إذا الدنيا دجتْ أشرقتْ بهم
…
وإن أجدبت يوماً فأيديهم القَطْرُ
أقاموا بظهر الأرض فاخضرَّ عودها
…
وصاروا ببطن الأرض فاستوحش الظهرُ
وقالت سعدة بنت فريد ترثي ابنها الكُميت بن زيد:
لأمِّ البلاد الويلُ، ماذا تضمنتْ
…
بأكناف طورى من عفافٍ ونائلِ؟
ومن وقعاتٍ بالرجال كأنها
…
إذا أعيت الأحداث وقعُ المناصلِ
يعزِّ المعزِّي بالكميت فتنتهي
…
مقالته، والصدرُ جَمُّ البلابلِ
وقال آخر:
لعمرك ما المصيبة هدم دارٍ
…
ولا شاةٌ تموت ولا بعيرُ
ولكن المصيبة موت حرٍّ
…
يموت بموته بشرٌ كثيرُ
وقال آخر:
عجبْتُ لهذا الدهرِ أفنى محمّداً
…
وكان الذي يسطو به ويُصاولُ
مضى فمضى مجدٌ تليدٌ وسُؤددٌ
…
وأودى فأودى منه بأسٌ ونائلُ
وكان سراج الأرض، فالأرض مُظلمٌ
…
قَرَاها، وحَلْيَ الدهرِ، فالدهر عاطلُ
وقال أبو سعيد إبراهيم، يرثي ببني أمية:
بَكَيتُ، وماذا يردُّ البكاءْ
…
وقلَّ البكاءُ لِقتلى كَراءْ
أُصيبوا معاً، فتولوا معاً
…
كذلك كانوا معاً في رخاءْ
بكتْ لهم الأرض من بعدهم
…
وناحت عليهم نجومُ السماءْ
وكانوا ضياءً، فلما انقضى ال
…
زَّمان بقومي تولى الضياءْ
وقال أيضاً:
أثَّرَ الدهر في رجالي، فقلُّوا
…
بعد جمعٍ، فراح عظمي مَهِيضا
ما تذكرتهم فتملك عيني
…
فيض دمعٍ، وحقَّ لها أن تفيضا
وقال أيضاً:
أولئك قومي بعد عزٍّ وثروةٍ
…
تداعوا، فإلا تذرف العين أُكْمَدِ
كأنهم لا ناس للموتِ غيرهم
…
ولإن كان فيهم مُنْصفاً غير مُعْتَدِ
وقالت بنت عمرو بن يثربي، ترثي أباها:
يا ضبُّ إنك قد فُجعتِ بفارسٍ
…
حامي الحقيقة قاتل الأقرانِ
عمرو بن يثربي الذي فُجِعتْ به
…
كل القبائل من بني عدنانِ
لم يحمه وسط العجاجة قومه
…
وحنت عليه الأزدُ أزد عُمانِ
فلهم عليَّ بذاك حادث نعمةِ
…
ولحبهم أحببتُ كلَّ يَمانِ
لو كان يدفع عن منية هالكٍ
…
طول الأكفِّ بذابلِ المُرَّانِ
أو معشرٌ وصلوا الخُطا بسيوفهم
…
وسط العجاجةِ والحُتوفُ دوانِ
ما نِيلَ عمروٌ والحوادثُ جمةٌ
…
حتى يُنال النجمُ والقمرانِ
وقالت بثينة، ترثي جميلاً:
وإن سلوِّي عن جميلٍ لساعةٌ
…
من الدهر ما جاءت، ولا حان حينها
سواءٌ علينا يا جميل بن معمرٍ
…
إذا مت بأساء الحياة ولينها
وقال مطرود الخزاعي:
يا عينُ جودي وأذري الدمع واحتفلي
…
وابكي حبيسة نفسي في الملماتِ
وابكي على كل فياضٍ أخي حسبٍ
…
ضخم الدَّسيعةِ وهاب الجزيلاتِ
ماضي الصريمةِ عالي الهمِّ ذي شرفٍ
…
جلد النحيزة حمَّال العظيماتِ
صعب المقادة لا نكسٍ ولا وكلٍ
…
ماضٍ على الهول متلاف الكريماتِ
محضٍ توسط من كعبٍ إذا انتسبوا
…
بحبوبة المجد في الشمِّ الرفيعاتِ
وابكي على هاشمٍ في وسط بلقعةٍ
…
تسفي الرياح عليه وسط غزَّاتِ
يا عين بكي أبا الشعث الشجيات
…
يبكينه حسَّراً مثل البنياتِ
يبكين عمرو العلا إذ حان مصرعه
…
سمح الشجية بسّام العشياتِ
يبكينه معولاتٍ في معاوذها
…
يا طوْل ذلك من حزنٍ وعولاتِ
وقال أبو طالب يرثي نديماً له مات غريباً:
ليت شعري مسافر بن أبي عمْ
…
رٍو، وليت يقولها المحزونُ
كيف كانت مذاقة الموت إذْ مِ
…
تَّ، وماذا بعد الممات يكونُ؟!
رحل الركب قافلين إلينا
…
وخليلي في مرمس مدفونُ
بورك الميت الغريب كما بو
…
رِكَ نضر الريحان والزيتونُ
رُزْءُ ميتٍ على هُبالةَ قد حا
…
لتْ فيافٍ من دونه وحزونُ
مِدْرَهُ يدفعُ الخصومَ بأيْدٍ
…
وبوجهٍ يزينه العِرنينُ
كم خليلٍ وصاحبٍ وابن عمٍّ
…
وحميمٍ قضت عليه المَنونُ!
فتعزيت بالجلادة والصب
…
رِ، وإني بصاحبي لضنينُ
وقال آخر:
لقد غادرت أرماح بكر بن وائلٍ
…
قتيلاً عن الأهوال ليس بمُحجِمِ
قتيلاً يظلُّ الحيُّ يثنون بعدهُ
…
عليه بأيدٍ من نداهُ وأنْعُمِ
لقد فجعتْ طيٌّ بحلمٍ ونائلٍ
…
وصاحب غاراتٍ ونَهْبٍ مقسَّمِ
وقد كان خالي ليس خالٌ كمثلهِ
…
دفاعاً لضيم واحتمالاً لِمَغْرَمِ
يذكرني طلوع الشمس صخراً
…
وأندبه لكل غروب شمسِ
ولولا كثرة الباكين حولي
…
على أمواتهم لقتلت نفسي
وما يبكون مثل أخي ولكن
…
أسلِّي النفس عنه بالتأسي
وقال أبو الهيذام يرثي أخاه:
سأبكيك بالبيض الرقاق وبالقنا
…
فإن بها ما يطلب الماجد الوِترا
ولستُ كمن يبكي أخاهُ بعبرةٍ
…
يعصرها في جفن مقلته عَصْرا
وإنا أناسٌ ما تفيض دموعنا
…
على هالكٍ منا، وإن قَصَمَ الظّهْرا
وقال مطيع بن إياس يرثي يحيى بن زيادٍ:
انظر إلى الموت كيف بادهه
…
والموتُ مقدامةٌ على البُهَمِ
لو قد تدبرت ما صنعتَ به
…
قرعت سناً عليه من ندمِ
فاذهب بما شئت إذ ذهبت به
…
ما بعد يحيى للرزء من ألمِ
وقال يرثيه أيضاً:
قد مضى يحيى، وغودرت فرداً
…
نصْبَ ما سرَّ عيون الأعادي
وأرى عيني مذ غاب يحيى
…
بُدِّلت من نومها بالسُّهادِ
وسّدته الكف مني تُراباً
…
ولقد أرثي له من وِسادِ
بين جيرانٍ أقاموا صموتاً
…
لا يحيرون جواب المُنادي
أيها المزن الذي جاد حتى
…
أعشبتْ منه متونُ البوادي
اسقِ قبراً فيه يحيى، فإني
…
لك بالشكر موافٍ مفادِ
وقال ضرار بن نهشلٍ، يرثي أخاه:
لعمري لئن أمسى يزيد بن نهشلٍ
…
حشا جدثٍ تسفي عليه الروائحُ
لقد كان ممن يبسط الكف بالندى
…
إذا ضنَّ بالخير الأكف الشحايحُ
فبعدك أبدى ذو الضغينة ضغنهِ
…
وشدَّ لي الطرف العيونُ الكواشحُ
ذكرت الذي مات الندى عند موته
…
بعافيةٍ، إذ صالحُ القوم صالحُ
إذا أرقي أفنى من الليل ما مضى
…
تمطَّى به ثنيٌ من الليل راجحُ
وقال علبة الحارثي، يرثي ابنه:
لعمرك إني يوم أسلمت جعفراً
…
وأصحابه للموت لما أُقاتلِ
لمجتنبٌ حبَّ المنايا، وإنما
…
يهيج المنايا كل حقٍّ وباطلِ
فراح بهم قومٌ، ولا قوم عندهم
…
مغللةٌ أيديهم في السلاسلِ
وربَّ أخٍ لي غاب لو كان شاهداً
…
رآه التباليون لي غير خاذلِ
وقال نهار بن توسعة:
ألا ذهب الغزو المقرب للغنى
…
ومات الندى، والجود بعد المهلَّبِ
أقاما بمرو الروذ لا يبرحانها
…
وقد فقدا من كل شرقِ ومغْربِ
وقالت امرأة من بني عاممر:
أيا شجرات الواد من يضمن القرى
…
إذا لم يكن بالواد عمرو بن عامرِ
فتى جعفر ما كان غير ميامنٍ
…
طريق الندى عنه، وغير مياسرِ
ولكن إليه قصد كل معصَّبٍ
…
صبورٍ على مستقطعات الجرائرِ
وقال أبو العيص بن حزام المازني:
وكم من صاحبٍ قد بان عني
…
رميت بفقده، وهو الحبيبُ
فلم أُبْدِ الذي تحنو ضلوعي
…
عليه، وإنني لأنا الكئيبُ
مخافة أن يراني مستكيناً
…
عدوٌ أو يُساء به قريبُ
فيشمت كاشحٌ، ويظن أني
…
جزوعٌ عند نائبةٍ تنوبُ
فبعدك شدَّت الأعداء طرفاً
…
إليَّ، ورابني دهرٌ يُريبُ
وأنكرتُ الزمان وكل أهلي
…
وهرَّتني لغيبتك الكليبُ
وكنتَ تقطِّعُ الأبصار دوني
…
وإن وغرت من الغيظ القلوبُ
وتمنعني من الأعداء، إني
…
وإن زعموا لمخشي مهيبُ
فلم أرَ مثل يومك كان يوماً
…
بدت فيه النجوم، فما تغيبُ
وليلٍ ما أنام به طويلٍ
…
كأني للنجوم به رقيبُ
وما يكُ جائياً، لا بدَّ منه
…
إليك، فسوف يجلبه الجَلوبُ
وقال نهشل بن حري:
ذكرت أخي المخوِّل بعد يأسٍ
…
فهاج عليَّ ذكره اشتياقي
فلا أنسى أخي ما دمتُ حياً
…
وإخواني بأقرنة العناقِ
يجرون الفصال إلى الندامى
…
يروض الحزن من كنفي أباقِ
ويغلون السِّباء إذا أتوهُ
…
بضمرِ الخيلِ والشُّولِ الحِقاقِ
إذا اتصلوا وقالوا: يالِ غوثٍ!
…
وراحوا في المُحبَّرةِ الرِّقاقِ
أجابكَ كل أروع شمَّريٍّ
…
رخي البال منطلق الخناقِ
أناسٌ صالحون نشأتُ فيهم
…
فأودوا بعد إلفٍ واتِّساقِ
مضوا لسبيلهم، ولبثت عنهم
…
ولكن لا محالة من لحاقِ
وقال متمم بن نويرة، يرثي أخاه مالكاً:
وكنا كندماني جذيمة حقبةً
…
من الدهر حتى قيل: لن يتصدعا
وعشنا بخيرٍ في الحياة وقبلنا
…
أصاب المنايا رهط كسرى وتبعا
فلما تفرقنا كاني ومالكاً
…
لطول اجتماع لم نبت ليلةً معا
وقال أيضاً:
ولنعم حشو الدرع كان وحاسراً
…
ولنعم مأوى الطارق المتنورِ
لا يمسك الفحشاء تحت ثيابه
…
حلوٌ شمائلهُ، عفيفُ المئزرِ
وقال آخر:
أبى حدثان الدهر إلا تفرقاً
…
وأي فتىً يبقى على حدث الدهرِ
وإني إذا ما أعوز الدمع أهله
…
فزعت إلى وطفاء دائمة القطرِ
وقال النابغة الجعدي:
تذكرت، والذكرى تهيج على الهوى
…
ومن حاجة المحزون أن يتذكرا
نداماي عند المنذر بن محرقٍ
…
أرى اليوم منهم ظاهر الأرض مُقفرا
كُهولٌ وفتيانٌ كأن وجوههم
…
دنانيرُ مما شِيف في أرض قيصَرا
وقال عبد الله بن الزبير:
عقدتم لعمرو عقده، وغدرتم
…
بأبيض كالمصباح في ليلة الدجنِ
فما قال عمروٌ، إذ يجود بنفسه
…
لضاربه حتى قضى نحبه دعني
وقال آخر، يرثي يزيد بن مزيدٍ:
أبعد يزيد تختزن البواكي
…
دموعاً أو يُصان لها خدودُ؟
فغن يهلك " يزيدٌ " فكلُّ حيٍّ
…
فريسٌ للمنية، أو طريدُ
لقد عزَّى ربيعة أن يوماً
…
عليها مثل يومك لا يعودُ
وقال أبو دهبل الجمحي يرثي الحسين:
يبيت النشامى من أمية نوَّماً
…
وبالطَّفِّ قتلى ما ينام حميمها
وما ضيَّع الإسلام إلا عصابةٌ
…
تأمّرَ نوكاها، ودام نعيمها
وصارت قناة الدين في كف ظالمٍ
…
إذا مال منها جانبٌ لا يقيمها
وقال عمران بن حطان الخارجي:
يا عينُ بكِّي لمرداسٍ ومصرعه
…
يا ربَّ مرداس ألحقني بمرداسِ
تركتني هائماً أبكي لمرزأتي
…
في منزلٍ موحشٍ من بعد إيناسِ
أنكرتُ بعدك من قد كنت أعرفهُ
…
ما الناس بعدك يا مرداس بالناسِ
وقال عيسى بن فاتكٍ الخطي الخارجي:
ألا في الله لا في الناس شالتْ
…
بداودٍ وإخوته الجذوعُ
مَضَوا قتلاً وتمزيقاً وصلباً
…
تحومُ عليهم طيرٌ وقوعُ
إذا ما الليل أسفر كابدوهُ
…
فيسفر عنهم، وهم ركوعُ
أطار الخوف نومهم فقاموا
…
وأهل الأرض في الدنيا هُجوعُ
وقال عبيدة بن هلال الخارجي:
ومسومٍ للحربِ يركب ردعه
…
بين الأسنة والقنا الخطارِ
يدنو وترفعه الرماح كأنه
…
شلوٌ تنشَّبَ في مخالب ضارِ
فثوى صريعاً والرماح تنوشهُ
…
إن الشراة قصيرة الأعمارِ
وقال بعض الخوارج يرثي نافع بن الأزرق، وكان خليفتهم:
شِمْتُ ابن بدرٍ، والحوادثُ جمةٌ
…
والحائرون بنافعٍ بن الأزرقِ
والموتُ حتمٌ لا محالة واقعٌ
…
من لا يصبِّحه نهاراً يَطْرقُ
فلئن أمير المؤمنين أصابهُ
…
ريبُ المنون، فمن يصبه يغلقِ
وقال عمرو بن الحصين العنبري الخارجي:
هبّت قبيل تبلج الفجر
…
هندٌ تقول، ودمعها يجري
إذ أبصرت عيني وأدمعها
…
تنهلُّ واكفةً على النحرِ
أنّى اعتراك وكنت عهدي لا
…
سرب الدموع، وكنت ذا صبرِ
أقذىً بعينك ما يفارقها
…
أم عائرٌ، أم مالها تذري
أم ذكر إخوانٍ فجعتَ بهم
…
سلكوا سبيلهم على قدرِ
فأجبتها: بل ذكر مصرعهم
…
لا غيره، عبراتها يمري
يا ربِّ أسلكني سبيلهم
…
ذا العرش واشدد بالتقى أزري
في فتيةٍ صبروا نفوسهم
…
للمشرفية والقنا السمرِ
تالله ألقى الدهر مثلهم
…
حتى أكون رهينة القبرِ
أوفي بذمتهم إذا عقدوا
…
وأعف عند العسر واليسرِ
متأهبون لكل صالحةٍ
…
ناهون من لاقوا عن النُّكرِ
صمتٌ إذا حضروا مجالسهم
…
من غير ما عيٍّ بهم يُزري
إلا نحيبهم فإنهم
…
رجف القلوب بحضرة الذِّكرِ
متأوهون كأن جمر غضاً
…
للخوف بين ضلوعهم يسري
تلقاهم إلا كأنهم
…
لخشوعهم صدوراً عن الحشرِ
فهم كأن بهم جوى مرضٍ
…
أو مسهم طرفٌ من السحرِ
لا ليلهم ليلٌ، فتلبسهم
…
فيه غواشي النوم بالسُّكرِ
إلا كذا خلساً وآونةً
…
حذر العقاب، فهم على ذعرِ
كم من أخٍ لك قد فجعت به
…
قوام ليلته إلى الفجرِ
متأوهاً يتلو قوارع من
…
آي الكتاب مقرح الصدرِ
نصباً تجيشُ بناتُ مهجته
…
من خوف جيش مشاشة القدرِ
ظمآن رقدة كل هاجرةٍ
…
ترَّاك لذته على قدرِ
رفّاض ما تهوى النفوس إذا
…
رغب النفوس دعا إلى المُزري
ومبراً من كل سيئةٍ
…
عفَّ الهوى ذا مرةٍ شزْرِ
والمصطلي بالحرب يوقدها
…
بحسامه في فتيةٍ زُهرِ
يختاضها بأقل ذي شُطبٍ
…
عضب المضارب ظاهرِ الأثرِ
لا شيء تلقاهُ أسرُّ له
…
من طعنةٍ في ثغرةِ النّحرِ
منهارةٍ منه تجيشُ بما
…
كانت عواصمُ جوفهِ تجري
كخيلكَ المختار أذكِ به
…
من مغتدٍ في الله أو مُسْرِ
خوَّاض غمرة كل متلفةٍ
…
في الله تحت العشير الكدْرِ
ترَّاك ذي النخوات مختضباً
…
بنجيعه بالطعنة النترِ
وابن الحصين، وهل له شبةٌ
…
في العُرْف، أنّى كان والنُّكرِ
بسّامةٍ لم يحن أضلعه
…
لذوي أخوته على غدرِ
طلق اللسان بكل محكمةٍ
…
رآب صدْع العظم ذي الوقرِ
لم ينفكك في جوفه حزنٌ
…
تغلي حزازته ويستشري
ترقى وآونة يخفضها
…
بتنفس الصعداء والزَّفرِ
ومخالطي بلجٌ وخالصتي
…
سمُّ العدوِّ، وجابر الكسرِ
نكل الخصوم إذا هم شغبوا
…
وسداد ثلمة حوزة الثغرِ
والخائضُ الغمرات يخطر في
…
وسط الأعادي أيما خطرْ
بمشطبٍ أو غير ذي شطبٍ
…
هام العدى بذبابه يفري
وأخيكِ أبرهة الهجان أخي ال
…
حرب العوان، وموقد الجمرِ
والضارب الأخدود ليس لها
…
حدٌّ ينهنهها عن السحرِ
ووليُّ حكمهم فجعت به
…
عمروٌ، فواكبدي على عمرو!
قوَّال محكمةٍ، وذو فهمٍ
…
عف الهوى متثبت الأمرِ
ومسيَّبٌ، فاذكر وصيته
…
لا تنسَ، إما كنت ذا ذكرِ
فكلاهما قد كان مختشعاً
…
لله ذا تقوى، وذا برِّ
في مخبتين، ولم أسمهم
…
كانوا يدي، وهو أولو نصري
وهم مساعرُ في الوغى رجحٌ
…
وخيار من يمشي على العفْرِ
حتى وفوا لله حيث لقوا
…
بعهود لا كذبٍ ولا غُدرِ
فتخالسوا مهجات أنفسهم
…
وعداتهم بقواضبٍ بترِ
وأسنةٍ أثبتن في لدنٍ
…
خطيةٍ بأكفهم زهرِ
تحت العجاج وفوقهم خرقٌ
…
يخفقن من سودٍ ومن حُمْرِ
وتوقدت نيران حربهم
…
ما بين أعلى البيت فالحِجرِ
وتصرعت عنهم فوارسهم
…
لم يغمضوا عيناً على وِترِ
صرعى فحاجلةٌ تنوبهم
…
وخوامعٌ لجسومهم تفري
وقال مهلهل يرثي أخاه كُليباً:
كليبُ لا خير في الدنيا ومن فيها
…
إذا أنت خليتها فيمن يُخلِّيها
نعى النُّعاة كُليباً، فقلت لهم:
…
مالتْ بنا الأرض، أو زالت رواسيها
الحزم والعزم كانا من صنائعه
…
ما كل آلائه يا قوم أُحصيها
القائد الخيلُ تردى في أعنتها
…
رهواً، إذا الخيل لجت في تعاديها
يهزهزون من الخطي مدمجةً
…
كمتاً أنابيبها، شهباً عزاليها
ليت السماء على من تحتها وقعت
…
وانشقت الأرض، وانجابت بمن فيها
وقال جرير يرثي ابنه سوادة، وقد مات بالشام:
أودى سوادة، يجلو مقلتي لحمٍ
…
بازٍ يصرصرُ فوقَ المربأ العالي
فارقتنا حين كف الدهر من بصري
…
وحين صرت كعظم الرمة البالي
إلا تكن لك بالديرين باكيةٌ
…
فرب باكيةٍ بالرمل مِعوالِ
قالوا: نصيبك من أجرٍ، فقلت لهم:
…
كيف العزاء، وقد فارقت أشبالي
وقال نصيب يرثي عبد العزيز بن مروان:
أصبتُ يوم الصعيد من سَكَرٍ
…
مصيبةً ليس لي بها قِبَلُ
تالله أنسى مصيبتي أبداً
…
ما أسمعتني حنينها الإبلُ
ولا التبكي عليه أعْولهُ
…
كل المصيباتِ بعدهُ جللُ
لم يعلم النعشُ ما عليه من ال
…
عُرفِ، ولا الحاملون ما حملوا
حتى أجنوه في ضريحهم
…
حين انتهى من خليلك الأملُ
وقال هلال بن الأسعر يرثي رجلاً من قومه اسمه المغيرة:
ألا ليت المغيرة كان حياً
…
وأفنى قبله الناس الفناءُ
ليبك على المغيرة كل خيلٍ
…
إذا أفنى عرائكها اللقاءُ
ويبكِ على المغيرة كل كلٍّ
…
فقيرٍ كان يُنعشهُ العطاءُ
ويبكِ على المغيرة كل جيشٍ
…
تمور لدى معاركه الدماءُ
فتى الفتيان فارس كل حربٍ
…
إذا شالت، وقد رفع اللواءُ
لقد وارى جديد الأرض منه
…
خصالاً عقد عصمتها الوفاءُ
فصبراً للنوائب، إن ألمت
…
إذا ما ضاق بالحدثِ الفضاءُ
هزبرٌ تنجلي الغمرات عنه
…
نقي العرض همته العلاءُ
إذا شهد الكريهة خاض منها
…
بحوراً لا تكدرها الدلاءُ
جسورٌ لا يروعُ عند روعٍ
…
ولا يثني عزيمته اتقاءُ
حليمٌ في مشاهده إذا ما
…
حبا الحلماء أطلقها المِراءُ
حميدٌ في عشيرته، فقيدٌ
…
يطيب عليه في الملأ الثناءُ
فإن تكن المنية أقصدته
…
وحم عليه بالتلفِ القضاءُ
فقد أودى به كرمٌ وخيرٌ
…
وعودٌ بالفضائل وابتداءُ
وجودٌ لا يضم إليه جوداً
…
مراهنه إذا جد الجراءُ
وقال مروان بن أبي حفصة لما مات المهدي:
لقد أصبحت تختال في كل بلدةٍ
…
بقبر أمير المؤمنين المقابرُ
ولو لم تسكن بابنه في مكانه
…
لما برحت تبكي عليه المنابرُ
وقال عروة بن أُذينة:
سرى همي، وهم المرء يسري
…
وغار النجم إلا قيد فِتْرِ
أراقبُ في المجرة كلَّ نجمٍ
…
تعرَّض في المجرة كيف يجري
بحزنٍ ما أزال له مديماً
…
كأن القلب أسعر حرَّ جمْرِ
على بكرٍ أخي ولَّى حميداً
…
وأي العيش يحسن بعد بكرِ
وقال الوليد بن يزيد يرثي نديمه القاسم بن الطويل:
عيني للحدث الجليل
…
جوداً بأربعةٍ هُمُولِ
جوداً بدمعٍ، إنه
…
يشفي الفؤادَ من الغليلِ
لله قبرٌ ضمِّنتْ
…
فيه عظامُ ابن الطويلِ
ماذا تضمن إذ ثوى
…
فيه من اللب الأصيلِ
قد كنت آوي من هوا
…
ك إلى ذرا كهفٍ ظليلِ
أصبحت بعدك واحداً
…
فرداً بمدرجة السيولِ
وقال أبو طالب يرثي نديمه مسافر بن أبي عمرو:
ألا إن خير الناس غير مدافعٍ
…
بسرو لنجم غيبته المقابرُ
تُبكِّي أباها أم وهبٍ، وقد نأى
…
وريسان أمسى دونه ويحابرُ
على خير حافٍ من معدٍّ وناعلٍ
…
إذا الخير يرجى، أو إذا الشر حاضرُ
تنادوا ولا أبو أمية فيهم
…
لقد بلغت كظَّ النفوس الحناجرُ
وقال الحسين بن الضحاك يرثي الأمين:
سألونا أن كيف نحن فقلنا:
…
من هوى نجمه، فكيف يكون؟
نحن قومٌ أصابنا حدث الده
…
ر، فظلنا لريبه نستكينُ
نتمنى من الأمين إياباً
…
لهفَ نفسي، وأين مني الأمينُ!
وقال أيضاً:
أعزي يا محمد عنك نفسي
…
معاذ الله، والأيدي الجسامِ
فهلا مات قومٌ لم يموتوا
…
ودوفع عنك لي يوم الحمامِ
كأن الموت صادف منك غنماً
…
أو استشفى بقربك من سَقامِ
وقال الحطيئة يرثي علقمة بن علاثة حين قصده فوجده ميتاً:
لعمري لنعم المرء من آل جعفرٍ
…
بحوران أمسى أعلقته الحبائلُ
فإن تحيَ لا أملُلْ حياتي، وإن تمت
…
فما في حياة بعد موتك طائلُ
وما كان بيني لو لقيتك سالماً
…
وبين الغنى إلا ليالٍ قلائلُ
وقال أبو العباس الأعمى، واسمه السائبُ بن فرُّوخ، يرثي بني أمية:
آمت نساء بني أمية منهم
…
وبناتهم بمضيعة أيتامِ
نامت جدودهم وأسقط نجمهم
…
والنجم يسقط، والجدود نيامُ
خلت المنابر والأسرة منهم
…
فعليهم حتى الممات سلامُ
وقال أيضاً:
ليت شعري أفاح رائحة المس
…
كِ، وما إن إخال بالخيفِ أُنسي
حين غابت بنو أمية منه
…
والبهاليل من بني عبد شمسِ
خطباءُ على المنابر فرسا
…
نٌ عليها، وقالةٌ غير خرسِ
لا يعابون صامتون، وإن قا
…
لوا أصابوا، ولم يقولوا بلبسِ
بحلومٍ، إذا الحلوم تقضَّتْ
…
ووجوه مثل الدنانير مُلْسِ
وقالت الخنساء ترثي أخويها صخراً ومعاوية وأباها عمراً:
من جشَّ لي الأخوين كال
…
عضين أو مذراهما
قرمين لا يتظالما
…
ن، ولا يرام حماهما
ويلي على الأخوين وال
…
قبر الذي واراهما
لا مثل كهلي في الكهو
…
ل، ولا فتىً كفتاهما
رمحين خطيين في
…
كبد السماء سناهما
ما خلفا، إذا ودعا
…
في سؤددٍ شرواهما
سادا بغير تكلفٍ
…
عفواص بفيض نداهما
وقالت أيضاً:
أعينيَّ جودي ولا تجمدا
…
ألا تبكيان لصخر الندى
ألا تبكيان الجريء الجميل
…
الا تبكيان الفتى السيدا
طويل النجاد، رفيع العما
…
د، ساد عشيرته أمردا
إذا القوم مدوا بأيديهم
…
إلى المجد مد إليه يدا
فنال الذي فوق أيديهم
…
من المجد، ثم مضى مصعدا
يحمله القوم ما عالهم
…
وإن كان أصغرهم مولدا
ترى المجد يهوي إلى بيته
…
يرى أفضل المجد أن يحمدا
وإن ذكر المجد ألفيته
…
تأزر بالمجد، ثم ارتدى
وقالت ليلى الأخيلية ترثي توبة بن الحمير:
فإن تكن القتلى بواءً، فإنكم
…
فتىً ما قتلتم آل عوف بن عامرِ
فتىً كان أحيا من فتاةٍ حييةٍ
…
وأشجع من ليثٍ بخفان خادرِ
فتىً كان للمولى سناءً ورفعةً
…
وللطارق الساري قرىً غير ياسرِ
وقد كان طلاع النجاد وبين ال
…
لسان ومدلاج السرى غير فاترِ
فأقسمت أبكي بعد توبة هالكاً
…
وأحفل من نالت صروف المقادرِ
وقالت الفارعة ترثي أخاها الوليد بن طريف:
بتلِّ نُهاكَى رسم قبرٍ كأنه
…
على جبلٍ فوق الجبال مُنيفِ
تضمّنَ مجداً عدلمياً وسؤدداً
…
وهمة مقدامٍ، ورأي حصيفِ
فيا شجر الخابور مالكَ مورقاً
…
كأنك لم تحزن على ابن طريفِ
فتىً لا يحبُّ الزاد إلا من التقى
…
ولا المال إلا من قناً وسيوفِ
ولا الدخر إلا كل جرداء صلدمٍ
…
معاودةٍ للكرِّ بين صفوفِ
كأنك لم تشهد هناك ولم تقُمْ
…
مقاماً على الأعداء غير خفيفِ
ولم تستلم يوماً لوردٍ كريهةٍ
…
من السرد في خضراء ذات رفيفِ
ولم تسعَ يوم الحرب، والحربُ لاقحٌ
…
وسمرُ القنا ينكزنها بأنوفِ
حليف الندى ما عاش يرضى به الندى
…
فإن مات لا يرضى الندى بحليفِ
فقدناك فقدان الشباب، وليتنا
…
فديناك من ساداتنا بألوفِ
وما زال حتى أزهق الموت نفسه
…
شجاً لعدوٍّ أو نجاً لضعيفِ
ألا يا لقومي للحمام وللبلى
…
وللأرض همت بعده برجوفِ
ألا يا لقومي للنوائب والردى
…
ودهرٍ ملحٍّ بالكرام عفيفِ
وللبدر من بين الكواكب إذ هوى
…
وللشمس لما أزمعت بكسوفِ
ولليث كل الليث إذ يحملونه
…
إلى حفرةٍ ملحودةٍ وسقيفِ
ألا قاتل الله الحشا حيث أضمرت
…
فتىً كان للمعروف غير عيوفِ
فإن يكُ أرداه يزيد بن مزيدٍ
…
فرُبَّ زحوفٍ لفها بزحوفِ
عليه سلام الله وقفاً، فإنني
…
أرى الموت وقاعاً بكل شريفِ
وقالت أيضاً:
يا بني وائلٍ لقد فجعتكم
…
من يزيدٍ سيوفه بالوليدِ
لو سيوفٌ سوى سيوف يزيدٌ
…
قاتلته لاقت خلاف السعودِ
وائلٌ بعضها يقتل بعضاً
…
لا يفل الحديد غير الحديدِ
وقال أعشى باهلة يرثي المنتشر بن وهب الباهلي:
إنني أتتني لسانٌ لا أُسرُّ بها
…
من علو لا عجبٌ فيها، ولا سخرُ
فظلت مكتئباً حرَّان أندبه
…
وكنت أحذره، لو ينفع الحذرُ
فجاشت النفس لما جاء جمعهم
…
وراكبٌ جاء من تثليث معتمرٍ
يأتي على الناس لا يلوي على أحدٍ
…
حتى التقينا، وكانت دوننا مضرُ
إن الذي جئت من تثليث تندبه
…
منه السماح ومنه النهي والغِيرُ
تنعى امرءاً لا تغبُّ الحيَّ جفنته
…
إذا الكواكب أخطأ نوءها المطرُ
وراحت الشولُ مغبراً مناكبها
…
شعثاً تغير منها النِّيُّ والوبرُ
وألجأ الكلبَ موقوع الصقيع به
…
وألجأ الحيَّ من تنفاخها الحُجَرُ
عليه أول زاد القوم قد علموا
…
ثم الطيُّ، إذا ما أرملوا جزروا
قد تكظم البُزْلُ منه حين تبصرهُ
…
حنّى تقطّع في أعناقها الجِررُ
أخو رغائبَ يعطيها ويسلبها
…
يأبى الظلامة منه النوفلُ الزفرُ
لم ترَ أرضاً، ولم تسمع بساكنها
…
إلا بها من بوادي وقعه أثرُ
وليس فيه، إذا استنظرته عجلٌ
…
وليس فيه، إذا ياسرته العُسُرُ
فإن يصبك عدوٌ في مناوأةٍ
…
يوماً فقد كنت تستعلي وتنتصرُ
من ليس في خيره من يكدِّرهُ
…
على الصديق، ولا في صفوه كَدَرُ
أخو حروبٍ ومكسابٌ إذا عدموا
…
وفي المخافة منه الجد والحذرُ
مِرْدى حروبٍ ونورٌ يستضاء به
…
كما أضاء سواد الظلمة القمرُ
مهفهفٌ أهضمُ الكشحين منخرقٌ
…
عنه القميصُ، لسير الليل محتقرُ
طاوي المصير على العزاء منجردٌ
…
بالقوم ليلة لا ماءٌ ولا شجرُ
لا يصعب الأمر إلا ريث يركبه
…
وكل أمرٍ سوى الفحشاء يأتمرُ
لا يتأرى لما في القدر يرقبه
…
ولا يعضُّ على شرسوفه الصَّفرُ
لا يغمز الساق من أين ولا نصبٍ
…
ولا يزال أمام القوم يقتفرُ
لا يأمن الناس ممساه ومصبحه
…
في كل فجٍّ، وإن لم يغزُ منتظرُ
يكفيه حزة فلذٍ إن ألم بها
…
من الشواء، ويروي شربه الغُمرُ
لا تأمن البازل الكوماء غدوتهُ
…
ولا الأمُون، إذا ما اخروَّطَ السفرُ
كانه بعد صدق الناس أنفسهم
…
باليأس تلمع من قدَّامه البُشُرُ
لا يعجل القوم أن تغلي مراجلهمْ
…
ويدلجُ الليلَ حتى يفسح البصرُ
عشنا به حقبةً حياً، ففارقنا
…
كذلك الرمح ذو النصلين ينكسرُ
أصبتَ في حرمٍ منا أخا ثقةٍ
…
هند بن أسماءَ، لا يهنئُ لك الظَّفرُ
لو لم تخنه نُفيلٌ، وهي خائفةٌ
…
لصبح القوم ورداً ما له صدَرُ
وأقبل الخيل من تثليل مصغيةً
…
وضمَّ أعينها رعوان أو حضرُ
إما سلكت سبيلاً كنت سالكها
…
فاذهب، فلا يبعدنك الله منتشرُ
وقالت الفارعة المرية ترثي أخاها مسعود بن شداد:
يا عين جودي لمسعود بن شدادِ
…
بكل ذي عبراتٍ شجوه بادِ
يا من رأى بارقاً، قد بتُّ أرمقه
…
جوداً على الحرة السوداء بالوادي
أسقي به قبراً من أعني، وحب به
…
قبراً إليَّ، وإن لم يفده فادِ
شهادُ أنديةٍ، رفّاع أبنيةٍ
…
شدّاد ألويةٍ، فتّاح أسدادِ
نحَّار راغيةٍ، قتّال طاغيةٍ
…
حلاّل رابيةٍ، فكّاك أقيادِ
قوَّال مُحكمةٍ، نقّاض ُ مبرمةٍ
…
فرَّاج مبهمةٍ، حبَّاس أورادِ
حلَاّل ممرعةٍ، حمّال معضلةٍ
…
قرَّاع مفظعةٍ، طلَاّاع أنجادِ
جمَّاع كل خصال الخير، قد علموا
…
زين الندي وخطل الظالم العادي
أبا زُرارة لا تبعدْ، فكل فتى
…
يوماً رهينُ صفيحاتٍ وأعوادِ
وقالت أم حكيم الكنانية ترثي ابنيها:
ألا من بيَّن الأخوي
…
ن أمهما هي الثكلى
تُسائلُ من رأى ابنيها
…
وتستسقي فما تُسقى
فلما استيأست رجعت
…
بعبرةٍ والهٍ حرَّى
تتابعُ بين ولولةٍ
…
وبين مدامعٍ تترى
وقال الأسود بن يعفر النهشلي:
ماذا أؤمل بعد آل محرِّقٍ
…
تركوا منازلهم وبعد إيادِ؟
أهل الخورنق والسدير وبارقٍ
…
والقصر ذي الشرفات من سندادِ
جرت الرياح على محل ديارهم
…
فكأنما كانوا على ميعادِ
ولقد غنوا فيها بأنعم عيشةٍ
…
في ظل ملكٍ ثابت الأوتادِ
فإذا النعيم وكل ما يلهى به
…
يوماً يصير إلى بلىً ونفادِ
وقال أيضاً يرثي مسروق بن المنذر بن سلمى:
أقول لما أتاني هلك سيدنا
…
لا يبعد الله رب الناس مسروقا
من لا يشيّعه عجزٌ ولا بخلٌ
…
ولا يبيت لديه اللحمُ موشوقا
مِردى حروبٍ، إذا ما الخيل ضرّجها
…
نضح الدماءِ وقد كانت أفاريقا
والطاعنُ الطعنة النجلاء تحسبها
…
شناً هزيماً يمجُّ الماء مخروقا
وجفنةٍ كنضيح البئر متأقةٍ
…
ترى جوانبها باللحم مفتوقا
يسرتها ليتامى أو لأرملةٍ
…
وكنت بالبائس المتروك محقوقا
يا لهف أمي إذ أودى وفارقني
…
أودى ابن سلمى نقي العِرضِ موموقا
وقال أرطأة بن سهية يرثي قتلى من قومه قتلوا يوم بنات قينٍ:
أعاذلتي ألا لا تعذلينا
…
أقلِّي اللوم إن لم تنفعينا
فقد أكثرتِ لو أعنيت شيئاً
…
ولست بقابلٍ ما تأمرينا
فلا وأبيك لا تنفكُّ تبكي
…
على قتلى هنالك ما بقينا
على قتلى هنالك أوجعتنا
…
وأنستنا رجالاً آخرينا
سنبكي بالرماح إذا التقينا
…
على إخواننا وعلى بنينا
بطعنٍ ترعد الأحشاء منه
…
يردُّ البيض والأبدان جونا
كأن الخيل إذ آنسن كلباً
…
يرين وراءهم ما يبتغينا
وقال الأُبيرد الرياحي يرثي أخاه بُريداً:
إذا ذكرت نفسي بُريداً تحاملتْ
…
إليَّ، فلم أملك لعيني مدمعا
وذكَّرنيك الناس حين تحاملوا
…
عليَّ وأضحوا جِلدَ أجربَ مولعا
فلا يبعدنك الله خير أخي امرئٍ
…
فقد كنت طلَاّع النِّجاد سَميْدَعا
وصولاً لذي القربى بعيداً عن الخنا
…
إذا ارتادك الجادي من الناس أمرعا
أخو ثقةٍ لا ينتحي القوم دونه
…
إذا القوم خالوا أو رجا الناس مطمعا
ولا يركب الوجناء دون رفيقه
…
إذا القوم أزجوهن حسرى وظلّعا
وقال غيلان بن سلمة الثقفي يرثي ابنه نافعاً
ما بال عيني لا تغمِّض ساعةً
…
إلا اعتلتني عبرةٌ تغشاني
أرعى نجوم الليل عند طلوعها
…
وهناً وهن من الغروب دوانِ
يا نافعاً من للفوارس أحجمت
…
عن فارسٍ يعلو ذُرا الأقرانِ
فلو استطعت جعلت مني نافعاً
…
بين اللهاةِ وبين عكدِ لِساني
وقال معيَّة بن الحمام يرثي أخاه الحُصين بن الحمام المرِّي:
إذا لاقيت جمعاً، أو فئاماً
…
فإني لا أرى كأبي يزيدا
أشدُّ مهابةً، وأعز ركناً
…
وأصلب ساعة الضراء عُودا
صفيِّي وابن أمي والمواسي
…
إذا ما النفس شارفت الوريدا
كأن مصدَّراً يحبو ورائي
…
إلى اشباله يبغي الأسودا
وقال أبو العيال الهذلي يُرثي أخاه لأمه:
ألا للهِ درُّك من
…
فتى قومٍ إذا رهبوا
وقالوا: من فتىً للحرْ
…
بِ يرقبنا ويرتقبُ
فكنت فتاهم فيها
…
إذا تدعى لها تثبُ
ذكرت أخي، فعاودني
…
صداع الرأس والوصبُ
كما يعتاد ذات البَ
…
وِّ بعد سلوها الطربُ
فدمع العين من برحا
…
ءِ ما في الصدر ينسكبُ
كما أودى بماء الشَّنَّ
…
ةِ المحزوزة السَرَبُ
على عبد بن زهرة ب
…
تُّ طول الليل أنتحبُ
وقال أوس بن حجر يرثي فضالة بن كلدة:
يا عينُ لا بد من سكبٍ وتهمالِ
…
على فضالة، جل الرزءُ والعالي
أبا دليجة، من توصي بأرملةٍ
…
أم من لأشعثَ ذي طمرينَ، ممحالِ
أبا دليجة من يكفي العشيرة إذ
…
أمسوا من الأمر في لبسٍ وبلبالِ
لازال مسكٌ وريحانٌ له أرجٌ
…
على صداك بصافي اللون سلْسالِ
وقال يرثيه أيضاً:
أيتها النفس، أجملي جزعا
…
إن الذي تكرهين قد وقعا
إن الذي جمَّع السماحة وال
…
نجدة والحزم والقوى جُمِعا
المُخلِف المُتلِف المرزَّأُ لم
…
يمتعْ بضعفٍ، ولم يمتْ طبعا
أودى وهل تنفعُ الإشاحةُ من
…
شيءٍ لمن قد يحاول النَّزعا
وقال قيس بن زهيرة، يرثي الحارث بن ظالم:
ما قصرتْ من حاضنٍ ستر بيتها
…
أبرَّ وأوفى منك حارِ بن ظالمِ
أعزَّ وأحمى عند جارٍ وذمةٍ
…
وأضربَ في كابٍ من النقع قاتمِ
وقال عمر بن أبي ربيعة:
يا راكباً نحو المدينة جسرةً
…
أجداً تلاعب حلقةً وزِماما
اقرأ على أهل البقيع من امرئٍ
…
كمدٍ على أهل البقيع سلاما
كم غيبوا فيه كريماً ماجداً
…
شهماً ومقتبلَ الشباب غلاما
ونفيسةً في أهلها مرجوةً
…
جمعت صباحة صورةٍ وتماما
وقال إسماعيل بن يسار يرثي أخاه محمد بن يسار:
غيل العزاءُ، وخانني صبري
…
لما نعى الناعي أبا بكرِ
ورأيت ريب الدهر أفردني
…
منه، وأسلم للعدى ظهري
من طيِّب الأثوابِ مقتبلٌ
…
حلو الشمائل ماجدٍ غمرِ
فمضى لوجهته، وأدركه
…
قدرٌ أتيح له من القَدْرِ
وغبرتُ مالي من تذكره
…
إلا الأسى وحرارة الصدرِ
وجوىً يعاودني، وقلَّ له
…
مني الجوى ومحاسنُ الذِّكرِ
لما هوت أيدي الرجال به
…
في قعر ذات جوانبٍ غَبْرِ
وعلمت أني لن ألاقيه
…
في الناس حتى ملتقى الحشرِ
كادت لفرقتهِ، وما ظَلَمتْ
…
نفسي تموتُ على شفا القبرِ
ولَعَمْرُ من حُبِسَ الهَدِيُّ له
…
بالأخشبينَ صبيحة النَّحْرِ
لو كان نيلُ الخُلدِ يدركهُ
…
بَشَرٌ بطيْبِ الخِيْمِ والنَّجرِ
لَغَبَرْتَ لا تخشى المنونَ، ولا
…
أودى بنفسكَ حادثُ الدهرِ
وَلَنِعْمَ مأوى المُرْملِينَ، إذا
…
قحطوا وأخلفَ صائبُ القَطْرِ
كم قُلْتُ آونةً، وقد ذرفتْ
…
عيني، فماءُ شؤونها يجري
أنّى وأيُّ فَتَىً يكون لنا
…
شرواكَ عند تفاقمِ الأمرِ
لدفاعِ خصمٍ ذي مشاغبةٍ
…
ولعائلٍ تَرِبٍ أخي فقرِ
ولقد علمت، وإن ضمنت جوىً
…
مما أجنُّ كواهج الجمرِ
ما لامرئٍ دون المنة من
…
نفقٍ، فيحرزه، ولا سترِ
وقال أبو العطاء السندي:
فاضت دموعي على نصرٍ، وما ظلمت
…
عينٌ تفيضُ على نصر بن سيارِ
يا نصرُ من للقاء الحرب إن لقحتْ
…
يا نصر بعدك أو للضيف والجارِ
الخندفيُّ الذي يحمي حقيقته
…
في كل يومٍ مخوف الشر والعارِ
والقائدُ الخيلُ قباً في أعنتها
…
بالقوم حتى تلفّض القارَ بالقارِ
من كل أبيضَ كالمصباحِ من مُضرٍ
…
يجلو بسنَّتهِ الظلماء للساري
ماضٍ على الهول مقدامٌ إذا اعترضتْ
…
سمرُ الرماحِ، وولى كلُّ فرَّارِ
إن قال قولاً وفى بالقول موعده
…
إن الكنانيَّ وافٍ غير غدَّارِ
وقال خفاف بن ندبة يرثي حضير الكتائب، وكان صديقه:
أتاني حديثٌ فكذبتهُ
…
وقيل: خليلكَ في المَرْمَسِ
فيا عين بكِّي حضير الندى
…
حضير الكتائبَ والمجلسِ
ويومٍ شديد أوارِ الحديدِ
…
تقطَّع منه عُرى الأنفسِ
صليتَ به وعليك الحدي
…
دُ ما بين سلعٍ إلى الأعرَسِ
فأودى بنفسك يوم الوغى
…
ونقَّى ثيابك، لم تدْنُسِ
وقال أبو داؤدٍ الإيادي:
لا أعدُّ الإقتار عُدماً، ولكن
…
فَقْدُ من قد رُزِئْتُهُ الإعدامُ
من رجالٍ من الأقاربِ بانوا
…
من جذامٍ هم الرؤوسُ الكرامُ
سُلّط الموتُ والمنونُ عليهم
…
فلهم في صدى المقابر هامُ
وكذاكم سبيلُ كل أناسٍ
…
سوف، حقاً، تبليهم الأيامُ
وقال محمد بن بشير الخارجي يرثي زيد بن الحسن:
نعاهُ لنا الناعي، فظلنا كأننا
…
نرى الأرض فينا أنه حان حينها
وزلَّتْ بنا أقدامنا، وتقلَّبتْ
…
ظهور روابيها بنا وبُطونُها
وآبَ ذوو الألباب منا كأنما
…
يرون شمالاً فارقتها يمينُها
سقى الله سُقيا رحمةٍ تُربَ حفرةٍ
…
مقيمٍ على زيدٍ ثراها وطينها
وقال أبو أحمد عبيد الله بن عبد الله بن طاهر بن الحسين الخزاعي:
واحربا من فراق قومٍ
…
هم المصابيحُ والحصونُ
والأُسْدُ والمُزْنُ والرواسي
…
والأمنُ والخفضُ والسكونُ
لم تتنكر لنا الليالي
…
حتى توفتهم المنونُ
فكل نارٍ لنا قلوبٌ
…
وكل ماءٍ لنا عيونُ
وقال العباس بن الأحنف:
سبحان ربِّ العُلا ما كان أغفلني
…
عما رمتني به الأيام والزمنُ!
من لم يذقْ فرقةَ الأحبابِ ثم يرى
…
آثارهم بعدهم لم يدرِ ما الحزنُ؟
وقال آخر:
بالله يا قبرُ! هل زالت محاسنها
…
وهل تغير ذاك المنظر النَضِرُ؟
ما أنت يا قبر، لا روضٌ، ولا فلكٌ
…
فكيف جمِّع فيك الغُصْنُ والقَمَرُ؟
وقال أبو دهبل الجمحي يرثي ابن الأزرق:
لقد غال هذا اللحد من بطن عُليبٍ
…
فتىً كان من أهل الندى والتكرُّمِ
فتىً كان فيما ناب يوماً هو الفتى
…
ونعم الفتى للطارقِ المتيمِّمِ
أألْحَقُّ أني لا أزال على مِنىً
…
إذا صدر الحُجّاج عن كل موسمِ
سقى الله أرضاً أنت ساكن قبرها
…
سجالَ الغوادي من سحيلٍ ومبرمِ
وقال آخر:
ما غاض دمعي عند نازلةٍ
…
إلا جعلتك للبكا سببا
فإذا ذكرتك سامحتْكَ به
…
مني الجفونُ، ففاض وانسكبا
إني أُجلُّ ثرىً حللْتَ به
…
من أن أُرى لسواه مُكتئبا
وقال الخثعمي:
فتىً كغرار السيف لاقى منيةً
…
وأيدي المنايا جمةُ الخَلَجانِ
فمات وأبقى من تُراثِ عطائهِ
…
كما أبقتِ الأنواءُ للحيوانِ