الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفصل الخامس: حمد الله ذاته الكريمة على إنزال كتابه في فاتحة سورة الكهف
المبحث الأول: في بيان موضع حمد الله ذاته وغايته
…
الفصل الخامس:
حمد الله ذاته الكريمة على إنزال كتابه في فاتحة سورة الكهف
قال الله تعالى {الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجاً. قيماً لينذر باساً شديداً من لدنه ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجراً حسناً، ماكثين فيه أبدا} (1) .
المبحث الأول: في بيان موضع حمد الله ذاته وغايته
تفتتح هذه السورة الكريمة بحمد الله ذاته الشريفة، وجاء من بعد الوصف له تعالى بالموصول ليفيد التنويه بمضمون الصلة؛ وليفيد (أيضاً) بيان سبب استحقاقه تعالى للحمد ههنا. وعلى هذا لمّا كان إنزال القرآن الكريم على النبي صلى الله عليه وسلم أجزل وأعظم نعماء الله على عباده المؤمنين لأنه سبيل سعادتهم في الدارين، وهو في نفس الأمر من أعظم نعمه على رسوله صلىالله عليه وسلم بأن جعله واسطة ذلك القرآن ومبلّغه ومبيّنه.. لمّا كان الأمر كذلك حمد الله ذاته على إنزال كتابه على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، وفيه ـ بلا ريب ـ إشارة إلى عظم شأن القرآن الكريم (2) .
وإنّما خصّ رسوله صلى الله عليه وسلم بالذكر؛ لأنّ إنزال القرآن عليه كان نعمة عليه بالخصوص ـ كما بينت سابقاً ـ وعلى سائر الناس بالعموم (3) .
(1) سورة الكهف: الآيات (1-3) .
(2)
انظر: تفسير الطبري ج15 ص 126؛ تفسير البحر المحيط لأبي حيان ج6 ص95؛ تفسير ابن كثير ج3 ص 71؛ تفسير أبي السعود ج5 ص 202؛ تفسير الخازن ج4 ص 191؛ حاشية الجمل علىالجلالين ج3 ص2؛ محاسن التأويل للقاسمي ج11 ص5؛ تفسير السعدي ج5 ص5 –6؛ التحرير والتنوير ج15 ص246.
(3)
انظر: تفسير البغوي ج3 ص 143.
ولا يخفى أنّ في حمد الله ذاته في هذا الموضع يتضمّن إرشاداً لعباده أن يحمدوه سبحانه على إرسال الرسول صلى الله عليه وسلم إليهم وإنزال الكتاب عليهم (1) .
لطائف:
الأولى: في مناسبة افتتاح سورة الكهف بالحمد بالسورة قبلها ذكر السيوطي في كتابه أسرار ترتيب القرآن أنّ بعض العلماء قال: مناسبة وضعها بعد سورة الإسراء افتتاح تلك بالتسبيح وهذه بالتحميد، وهما مقترنان في القرآن وسائر الكلام بحيث يسبق التسبيح التحميد.
ثم أضاف إلى قولهم قائلاً: مع اختتام ما قبلها بالتحميد أيضاً. أي في قوله تعالى في خاتمة سورة الإسراء {وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولداً..} الآية (2) ، وذلك من وجوه المناسبة بتشابه الأطراف (3) .
الثانية: إنّ في إيثار إنزال القرآن الكريم من بين سائر صفاته تعالى ـ في هذا المقام ـ تنبيهاً على أنّه من أعظم نعمائه؛ فإنه الهادي إلى ما فيه كمال العباد والداعي إلى ما به ينتظم صلاح المعاش والعباد ولا شيء في معناه ما يماثله (4) .
والثالثة: إنّ في وصف الرسول صلى الله عليه وسلم في هذا الموضع ـ بوصف العبودية لله تعالى تنبيهاً على بلوغه إلى أعلى معارج العبادة ومقاماتها؛ وتشريفاً له أيّ تشريف. ومثله قوله تعالى {تبارك الذي نزل الفرقان على
(1) انظر: تفسير السعدي ج5 ص5.
(2)
سورة الإسراء: الآية (111) .
(3)
أسرار ترتيب القرآن للسيوطي ص 113-114.
(4)
محاسن التأويل للقاسمي: ج11 ص5.
عبده ليكون للعالمين نذيراً} (1) ونظيره ـ أيضاً ـ في مقام الإسراء والمعراج بقوله تعالى {سبحان الذي أسرى بعبده..} الآية (2) . وهو في أعلى المقامات والقرب من الله تعالى (3) .
وذكر الآلوسي (4) أنّ في هذا أيضاً إشعاراً بأنّ شأن الرسول أن يكون عبداً للمرسل لا كما زعمت النصارى في حق عيسى عليه السلام (5) . وهو معنى صحيح؛ ولكن ما ذكر من المعنى السابق أنسب للمقام وأوجه. والله أعلم بمراده.
(1) سورة الفرقان: الآية 1.
(2)
سورة الإسراء. الآية (1) .
(3)
انظر: تفسير أبي السعود ج5 ص 202.
(4)
هو محمود بن عبد الله الحسيني الآلوسي، شهاب الدين، أبو الثناء (1217-1270?) ، مفسر ومحدث وأديب، من أهل بغداد، مولده ووفاته بها، كان سلفي الاعتقاد مجتهداً، تقلّد الإفتاء ببلده عام 1248هـ، وعزل فانقطع للعلم ثم سافر عام 1262? إلى الموصل فالآستانة ومرّ بماردين وسيواس ثم عاد إلى بغداد إلى أن توفي بها. من أشهر كتبه: روح المعاني – المقامات. ونسبته إلى جزيرة (آلوس) في وسط الفرات. (انظر: الأعلام للزركلي ج7ص176) .
(5)
روح المعاني للآلوسي: ج 3ص 11.