المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌المبحث الأول: في وجه الحكمة بافتتاح الفاتحة بحمد الله ذاته الكريمة - حمد الله ذاته الكريمة في آيات كتابه الحكيمة

[عماد بن زهير حافظ]

فهرس الكتاب

- ‌مقدمة

- ‌تمهيد

- ‌الفصل الأول: حمد الله ذاته الكريمة في فاتحة الكتاب

- ‌المبحث الأول: في وجه الحكمة بافتتاح الفاتحة بحمد الله ذاته الكريمة

- ‌الفصل الثاني: حمد الله ذاته الكريمة في فاتحة سورة الأنعام

- ‌المبحث الأول: في مناسبة فاتحة السورة بالحمد بخاتمة السورة قبلها

- ‌المبحث الثاني: في غاية حمد الله ذاته بالآية وصلته بما بعده

- ‌المبحث الثالث:في بيان قوله تعالى: {الذي خلق السموات والأرض وجعل الظلمات والنور}

- ‌المبحث الرابع:في وجه العطف بقوله تعالى {ثم الذين كفروا بربهم يعدلون}

- ‌الفصل الثالث: حمد الله ذاته الكريمة عند هلاك الظالمين في آية سورة الأنعام

- ‌المبحث الأول: في وجه صلة آية الحمد بما قبلها

- ‌المبحث الثاني: في بيان حمد الله ذاته العليّة في الآية وغايته

- ‌الفصل الرابع: حمد الله ذاته الكريمة عند إظهار الحجة في آية سورة النحل

- ‌المبحث الأول: في بيان الآية وصلتها بما قبلها

- ‌المبحث الثاني: في بيان موضع الحمد وغايته

- ‌الفصل الخامس: حمد الله ذاته الكريمة على إنزال كتابه في فاتحة سورة الكهف

- ‌المبحث الأول: في بيان موضع حمد الله ذاته وغايته

- ‌المبحث الثاني:في ذكر أوصاف الكتاب وصلتها باستحقاق الحمد

- ‌الفصل السادس: حمد الله ذاته في معرض إثبات إلهيته بآية سورة القصص

- ‌المبحث الأول: في بيان صلة الآية بما قبلها وغاية حمد الله ذاته فيها

- ‌المبحث الثاني:في بيان جملة الحمد (له الحمد في الأولى والآخرة) وما بعدها

- ‌الفصل السابع: حمد الله ذاته إثر الوعد والوعيد في آية سورة الروم

- ‌المبحث الأول: في بيان مناسبة مجيء الحمد وعطفه على التسبيح في موضعه من السورة

- ‌المبحث الثاني: في بيان حمد الله لذاته وصلته بما بعده

- ‌الفصل الثامن: حمد الله ذاته الكريمة في فاتحة سورة سبأ

- ‌المبحث الأول: في بيان الموضع الأول وغايته وصلته

- ‌المبحث الثاني: في بيان الموضع الثاني للحمد وغايته

- ‌المبحث الثالث: في وجه ختم الآية بصفتي (الحكيم الخبير)

- ‌الفصل التاسع: حمد الله ذاته الكريمة في فاتحة سورة فاطر

- ‌المبحث الأول: في بيان حمد الله ذاته في افتتاح السورة وغايته

- ‌المبحث الثاني: في صلة آية الحمد بالآية بعدها

- ‌الفصل العاشر: حمد الله ذاته الكريمة في خاتمة سورة الصافات

- ‌المبحث الأول: في بيان موضع الحمد ومناسبته لما قبله

- ‌المبحث الثاني:في وجه ذكر السلام على المرسلين بين التسبيح والحمد

- ‌الفصل الحادي عشر: حمد الله ذاته الكريمة عند ضرب المثل بآية سورة الزمر

- ‌المبحث الأول: في صلة آية الحمد بما قبلها وبيان المثل فيها

- ‌المبحث الثاني: في بيان موضع الحمد وغايته

- ‌الفصل الثاني عشر: حمد الله ذاته الكريمة في آية سورة غافر

- ‌المبحث الأول: في صلة آية الحمد بما قبلها

- ‌المبحث الثاني: في بيان موضع الحمد وغايته

- ‌الفصل الثالث عشر: حمد الله ذاته الكريمة في خاتمة سورة الجاثية

- ‌المبحث الأول: في بيان موضع الحمد وصلته بما قبله

- ‌المبحث الثاني: في صلة آية الحمد بما بعدها

- ‌الفصل الرابع عشر: حمد الله ذاته الكريمة في فاتحة سورة التغابن

- ‌المبحث الأول: في وجه الحكمة بافتتاح السورة بهذه الآية

- ‌المبحث الثاني:في بيان موضع حمدالله ذاته الكريمة في الآية وغايته

- ‌الخاتمة

- ‌مصادر ومراجع

الفصل: ‌المبحث الأول: في وجه الحكمة بافتتاح الفاتحة بحمد الله ذاته الكريمة

‌الفصل الأول: حمد الله ذاته الكريمة في فاتحة الكتاب

‌المبحث الأول: في وجه الحكمة بافتتاح الفاتحة بحمد الله ذاته الكريمة

الفصل الأول:

حمد الله ذاته الكريمة في فاتحة الكتاب

قال الله تعالى: {الحمد لله رب العالمين} (1) .

المبحث الأول:

في وجه الحكمة بافتتاح الفاتحة بحمد الله ذاته الكريمة

مما يدلّ على عظم مقام الحمد عند الله ـ تعالى ـ أن افتتح به كتابه الكريم وصدّر آياته به.

هذا وقد اجتهد أهل التفسير في بيان أوجه الحكمة في ذلك، منها: أنّ نعمة تنزيل القرآن الكريم هي أعظم النعم الدالة على جلائل صفاته تعالى وكمالها؛ خاصة وأنّه قد اشتمل القرآن الكريم على كمال المعنى واللفظ والغاية؛ فكان افتتاحه أولى المواطن بثناء الله تبارك وتعالى على ذاته.

وهو في ذات الوقت أمرٌ لعباده بحمده وتذكير لهم بعظمة وجمال صفات منزِّله ـ سبحانه ـ وجزيل نعمته عليهم بإنزال كتابه عليهم وحفظه وتوفيقهم لتلاوته وسماعه وفهمه؛ وإذ فيه سعادتهم في الدارين (2) .

ومنها ـ كذلك ـ أنّه لما كانت سورة الفاتحة مُنَزَّلةً من القرآن منزلة الديباجة من الكتاب، أو المقدّمة للخطبة، جعل افتتاحها بالحمد لله؛ وليكون سنة ماضية من بعد في افتتاح كل كلام مهم وعظيم، يقول ابن عاشور (3)(رحمه الله تعالى) في

(1) سورة الفاتحة: الآية (1) أو (2) على الخلاف المشهور هل البسملة آية من الفاتحة أم لا؟

(2)

انظر: تفسير الطبري ج1 ص 46؛ التحرير والتنوير لابن عاشور ج1 ص 158.

(3)

هو محمد الطاهر بن عاشور (1297-1393?) : رئيس المفتين المالكيين بتونس، وشيخ جامع الزيتونة وفروعه بتونس، مولده ووفاته ودراسته بها. عيّن عام (1932م) شيخاً للإسلام مالكياً، وهو من أعضاء المجمعين العربيين في دمشق والقاهرة. له مصنفات مطبوعة من أشهرها: مقاصد الشريعة – التحرير والتنوير في التفسير – أصول النظام الاجتماعي في الإسلام. (انظر: الأعلام للزركلي ج6 ص 174) .

ص: 19

ذلك: ((فكان افتتاح الكلام بالتحميد سنة الكتاب المجيد لكل بليغ مجيد، فلم يزل المسلمون من يومئذ يلقِّبون كل كلام نفيس لم يشتمل في طالعه على الحمد بالأبتر أخذاً من حديث أبي هريرة (1) رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((كلّ أمر ذي بال لا يبدأ فيه بالحمد لله أو بالحمد فهو أقطع (2)) )

(1) هو عبد الرحمن بن صخر الدوسي (21ق –59?) صحابي جليل، أكثر الصحابة حفظاً للحديث ورواية له، نشأ يتيماً ضعيفاً في الجاهلية، وقدم إلى المدينة ورسول الله صلى الله عليه وسلم بخيبر، فأسلم سنة 7هـ، ولزم النبي صلى الله عليه وسلم فروى عنه (5374) حديثاً، نقلها عنه أكثر من ثمانمائة رجل من صحابي وتابعي، ولي إمرة المدينة مدة، واستعمله عمر رضي الله عنه فترة على البحرين، وكان أكثر مقامه بالمدينة وتوفي بها. (انظر: صفة الصفوة ج1 ص685-694؛ الإصابة في الكنى ج4 ص 201-208؛ أسد الغابة ج5 ص318-321؛ الأعلام للزركلي ج3 ص 34) .

(2)

أخرجه ابن ماجه في سننه: كتاب النكاح (9) باب (19) خطبة النكاح، حديث

(1894)

بهذا اللفظ (أقطع) والمراد أي مقطوع من البركة. وقال السندي في سنده: الحديث قد حسّنه ابن الصلاح والنووي. وأخرجه ابن حبان في صحيحه والحاكم في مستدركه (سنن ابن ماجه. تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي ج1 ص610) .ولقد صححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه رقم 2065. ورواه أبو داود بلفظ (كل كلام لايبدأ فيه بالحمد لله فهو أجذم) أي منقطع أبتر لا نظام له. والمعنى متقارب لما سبق. قال أبو داود: رواه يونس وعقيل وشعيب وسعيد بن عبد العزيز عن الزهري عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلاً. وقال الحافظ المنذري: وأخرجه النسائي مسنداً ومرسلاً. (انظر: سنن أبي داود، إعداد وتعليق: عزت عبيد الدعاس وعادل السيد. ج 5 كتاب الأدب (35) باب في الخطبة (22) حديث (4841) ص 173، وانظر (مختصر سنن أبي داود للمنذري ج7 ص189 حديث (4673) .

ص: 20

وقد لُقِّبت خطبة زياد بن أبي سفيان التي خطبها بالبصرة بالبتراء لأنه لم يفتتحها بالحمد.. (1)) ) .

ومنها ـ أيضاً ـ أنه لما كانت الفاتحة مناجاة للخالق –عزوجل ـ بما لايهتدي إلى الإحاطة بها في كلامه غيره ـ تعالى ـ قدّم الحمد لذاته وجعله في أولها، وليضعه المناجون له في كلّ مناجاتهم ودعائهم له؛ جرياً على طريقة بلغاء العرب عند مخاطبة العظماء بافتتاح خطابهم إياهم وطلبتهم بالثناء والذكر الجميل. قال أمية بن أبي الصلت يمدح عبد الله بن جدعان:

أأذكر حاجتي أم قد كفاني

حياؤك إنّ شيمتك الحياء

إذا أثنى عليك المرء يوماً

كفاه عن تعرّضه الثناء (2)

وقد دلّ على كون الفاتحة مناجاة لله عزوجل الحديث المروي عن أبي هريرة رضي الله عنه وفيه قوله: فإنّي سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((قال الله تعالى: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ولعبدي ما سأل، فإذا قال العبد: الحمد لله رب العالمين، قال الله تعالى: حمدني عبدي، وإذا قال: الرحمن الرحيم، قال الله تعالى: أثنى عليّ عبدي، فإذا قال: مالك يوم الدين. قال: مجدني عبدي، وقال مرة: فوّض إليّ عبدي، فإذا قال: إياك نعبد وإياك نستعين قال: هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل، فإذا قال: اهدنا الصراط

(1) انظر: التحرير والتنوير ج 1 ص 154.

(2)

انظر: المرجع السابق ج1 ص 154، وأمية بن عبد الله أبي الصَّلت بن أبي ربيعة بن عوف الثقفي: شاعر جاهلي حكيم من أهل الطائف، وهو ممّن حرّموا على أنفسهم الخمر ونبذوا عبادة الأوثان في الجاهلية، أدرك النبي صلى الله عليه وسلم ولكنه لم يسلم، توفي عام 5?. (انظر: الأعلام للزركلي ج2 ص23) وعبد الله بن جدعان هو التيمي القرشي أحد الأجواد المشهورين في الجاهلية، أدرك النبي صلى الله عليه وسلم قبل النبوة، له أخبار كثيرة، وسمّاه اليعقوبي بين حكام العرب في الجاهلية. (انظر: الأعلام للزركلي ج4 ص76) .

ص: 21

المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولاالضالين. قال: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل (1)) ) .

ومن ذهب إلى أنّ قوله تعالى {بسم الله الرحمن الرحيم} أوّل آية من سورة الفاتحة؛ فيكون قوله تعالى {الحمد لله رب العالمين} الآية الثانية، وقد ذكروا مناسبة ورود الحمد بعد البسملة بأنه لما كانت البسملة نوعاً من الحمد ناسب تعقيبها وإردافها باسم الحمد الكليّ {الحمد لله} الجامع لجميع أفراده البالغ أقصى درجات الكمال (2) . وهي مناسبة لطيفة سائغة.

وإضافة إلى ما سبق ذكره فبالنظر إلى ما من أجله سميت الفاتحة بأمّ القرآن لاشتمال محتوياتها على أنواع مقاصد القرآن وهي ثلاثة أنواع: الثناء على الله ثناء جامعاً لوصفه بجميع المحامد وتنزيهه عن جميع النقائص، ولإثبات تفرّده بالإلهية وإثبات البعث والجزاء، وذلك من قوله {الحمد لله رب العالمين} إلى قوله {مالك يوم الدين} ، والأوامر والنواهي من قوله {إياك نعبد} ، والوعد والوعيد من قوله {صراط الذين أنعمت عليهم} إلى آخرها، فهذه هي أنواع مقاصد القرآن (3) . فبذلك كان الحمد لله هو أحد أركان هذه المقاصد بل من أولاها وأحراها بالتقديم لصلته وارتباطه بذات الله ـ تعالى ـ وإثبات صفات الكمال لها وتنزيهه عن كل نقص. وبهذا النظر يثبت للمتأمّل من هذه الجهة سرٌّ آخر من أسرار تقدّم الحمد ووجوده في هذا المقام الأعلى. والله أعلم بمراده.

(1) رواه مسلم في صحيحه: كتاب الصلاة – باب وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة، حديث (35)(صحيح مسلم بشرح النووي ج2 ص27) .

(2)

انظر: نظم الدرر في تناسب الآيات والسور للبقاعي ج1 ص 14؛ روح المعاني للآلوسي ج1 ص 67.

(3)

انظر: التحرير والتنوير لابن عاشور ج1 ص 133.

ص: 22

المبحث الثاني:

في وجه الحكمة في إسناد الحمد إلى اسم الذات الإلهية

وما جاء بعده من أوصاف.

الذي يلحظه المتأمّل أنّ الحمد أُسْنِد أوّل ما أُسْنِد إلى اسم الذات الإلهية (الله) ؛ وهذا هو شأن الحمد في جميع مواضع ذكره في القرآن الكريم، والحكمة في ذلك ـ والله أعلم بمراده ـ التنبيه على استحقاقه تعالى للحمد أوّلاً لذاته لا لشيء غيرها، باعتبار أنها حائزة لجميع الكمالات الإلهية؛ وأنها مصدر جميع الوجود وما فيه من الخيرات والنعم (1) .

ومن بعد إسناد الحمد لاسم ذاته تنبيهاً على الاستحقاق الذاتي أتبعه ـ سبحانه ـ بأربعة أوصاف له تعالى؛ ليؤذن باستحقاقه الوصفي للحمد ـ أيضاً ـ كما استحقّه بذاته؛ وذلك باعتبار تعلّقها وآثارها (2) .

وهذه الأوصاف أوّلها (ربّ العالمين) وقد تكرّر هذا الوصف لله تعالى في القرآن الكريم بشأن استحقاق الحمد في سبعة مواضع (3) ، ولا ريب أنّ هذا يدلّ على

(1) انظر: تفسير أبي السعود ج 3 ص 104؛ نظم الدرر في تناسب الآيات والسور للبقاعي ج1 ص 14؛ تفسير المنار لمحمد رشيد رضا ج1 ص 50؛ التحرير والتنوير لابن عاشور ج1 ص 166.

(2)

انظر: تفسير المنار لمحمد رشيد رضا ج1 ص50؛ التحرير والتنوير لابن عاشور ج1 ص 166.

(3)

في سورة الفاتحة، وسورة يونس الآية (10) في قوله {..وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين} ، وفي سورة الصافات الآية (182) في قوله تعالى {والحمد لله رب العالمين} ، وفي سورة الزمر الآية (75) بقوله {وقضي بينهم بالحق وقيل الحمد لله رب العالمين} ، وبسورة غافر الآية (65) في قوله {فادعوه مخلصين له الدين الحمد لله رب العالمين} ، وفي سورة الجاثية الآية (36) بقوله {فلله الحمد رب السموات ورب الأرض رب العالمين} .

ص: 23

أنّ استحقاق الله تعالى للحمد بربوبيته للعالمين (1) هو في أوّل درجات الاستحقاق الوصفي وأعلاها؛ ذلك بأنّ ربوبيته تعالى للعالمين تقتضي تربيته لهم وتدبيره وإصلاحه لأمورهم وشؤونهم بما أسبغ عليهم من نعمه الظاهرة والباطنة (2) .

وثاني الأوصاف وثالثها الوصفان الجليلان (الرحمن الرحيم) ، والإتيان بهما في مقام الحمد ـ هنا ـ لتأكيد استحقاقه تعالى له؛ إذ إنّ من رحمته تعالى بخلقه ما يتقلّبون فيه من نعمه وإحسانه صباح مساء.

قال الفخر الرازي (3) في تفسيره الكبير: ((فاعلم أنّ الرحمن الرحيم عبارة عن التخليص من أنواع الآفات؛ وعن إيصال الخيرات إلى أصحاب الحاجات (4)) ) .

وفي وجه الحكمة في ذكر هاتين الصفتين الجليلتين لله تعالى بعد وصفه برب العالمين ذكر المفسرون أمرين: (أحدهما) الإشارة إلى أن تربيته سبحانه للعالمين ليست لحاجة به إليهم كجلب منفعة أو دفع مضرّة، وإنّما هي لعموم رحمته وشمول إحسانه. و (ثانيهما) البيان بأنّ ربوبيته ربوبية رحمة وإحسان لا ربوبية قهر

(1) الراجح في معنى (العالمين) أنّه جمع العالَم (بفتح اللام) وهو كل موجود سوى الله تعالى. وهو مأخوذ من العلم والعلامة لأنه يدل على موجده. ودليله قوله تعالى {قال فرعون وما رب العالمين. قال رب السموات والأرض وما بينهما إن كنتم موقنين} الشعراء 23 – 24. (انظر: فتح القدير للشوكاني ج1 ص71؛ أضواء البيان للشنقيطي ج1ص101) .

(2)

انظر: تفسير الطبري ج1 ص48؛ تفسير البغوي ج1 ص39-40؛ نظم الدرر للبقاعي ج1 ص14؛ تفسير المراغي ج1 ص30.

(3)

هو محمدبن عمربن الحسن بن الحسين التيمي البكري، أبو عبد الله (544-606هـ) : الإمام المفسر، قرشي النسب، أصله من طبرستان، ومولده في الريّ وإليها نسبته، ويقال له:(ابن خطيب الريّ)، رحل إلى خوارزم وما وراء النهر وخراسان وتوفي في هراة. من أشهر مصنفاته: مفاتيح الغيب (التفسير الكبير) والمحصول في علم الأصول (انظر: لسان الميزان لابن حجر ج 4 ص 426؛ طبقات الشافعية للسبكي ج 5 ص 33؛ البداية والنهاية لابن كثير ج 13 ص 60؛ الأعلام للزركلي ج6 ص 313) .

(4)

التفسير الكبير للفخر الرازي: ج1 ص 7.

ص: 24

وجبروت كما قد يفهمه البعض، وفي هذا جمع لهم بين الترغيب والترهيب ليقبلوا على ما يرضيه بنفوس مطمئنة وصدور منشرحة (1) .

وآخر الأوصاف الإلهية في هذا المقام (مالك يوم الدين)، ولا ريب أنّ هذا الوصف يدلّ ـ أيضاً ـ على استحقاقه ـ تعالى ـ الحمد دون سواه؛ فمن كان مالكاً ليوم الثواب والعقاب وبيده جزاء خلقه على ما قدّموه في دنياهم مع بسطه لهم من نعمه وإحسانه فهو حقيق بأن لا يحمد إلا هو. وقد أشار إلى ذلك قوله عزوجل بآخر سورة الزمر في ختام مشهد القضاء:{وترى الملائكة حافين من حول العرش يسبحون بحمد ربهم وقضي بينهم بالحق وقيل الحمد لله رب العالمين} (2) .

وإجمالاً لما سبق ذكره ـ من البيان والتفصيل ـ أقول: إنّ هذه الصفات هي بمثابة التعليل لاستحقاقه الوصفي للحمد بعد استحقاقه الذاتي، وفي ذات الوقت تدلّ على أنّ من كان هذه صفاته لم يكن أحد أحقّ منه بالحمد والثناء. وفي هذا يقول ابن عاشور:((إجراء هذه الأوصاف الجليلة على اسمه تعالى إيماء بأنّ موصوفها حقيق بالحمد الكامل الذي أعربت عنه جملة (الحمد لله) ؛ لأنّ تقييد مفاد الكلام بأوصاف متعلّق ذلك المفاد يشعر بمناسبة بين تلك الأوصاف وبين مفاد الكلام)) (3) .

لطائف:

الأولى: لابن قيم الجوزية (4) كلام حسن حول ما تدلّ عليه هذه الأوصاف في

(1) انظر: فتح القدير للشوكاني ج1 ص71؛ تفسير المنار لمحمد رشيد رضا ج1 ص 51؛ تفسير المراغي ج1ص 31.

(2)

سورة الزمر: الآية (75) .

(3)

التحرير والتنوير: ج1 ص 177.

(4)

هو محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد الزرعي الدمشقي، أبو عبد الله، شمس الدين

(691-751هـ) : الإمام المشهور بابن قيم الجوزية، مولده ووفاته بدمشق، تتلمذ لشيخ الإسلام ابن تيمية حتى كان لايخرج عن شيء من أقواله؛ بل ينتصر له في جميع ما يصدر عنه، وهو الذي هذّب كتبه ونشر علمه، وسجن معه في قلعة دمشق، وأطلق بعد موته.

من أشهر مؤلفاته: إعلام الموقعين – زاد المعاد- مدارج السالكين. (انظر: الدرر الكامنة لابن حجر ج3 ص400؛ البداية والنهاية لابن كثير ج14 ص 246؛ شذرات الذهب لابن العماد الحنبلي ج6 ص168؛ الأعلام للزركلي ج6 ص 56) .

ص: 25

هذا المقام إذ يقول: ((في ذكر هذه الأسماء بعد الحمد، وإيقاع الحمد على مضمونها ومقتضاها ما يدلّ على أنّه محمود في إلهيته، محمود في ربوبيته، محمود في رحمانيته، محمود في ملكه، وأنه إله محمود، ورب محمود، ورحمان محمود، وملك محمود. فله بذلك جميع أقسام الكمال: كمال من هذا الاسم بمفرده، وكمال من الآخر بمفرده، وكمال من اقتران أحدهما بالآخر..)) (1) .

الثانية: وفي وجه افتتاح الفاتحة بالحمد دون التسبيح مع كون التخلية مقدّمة على التحلية قال الفخر الرازي: ((إنّ التحميد يدلّ على التسبيح دلالة التضمّن، فإن التسبيح يدلّ على كونه مبرءاً في ذاته وصفاته عن النقائص والآفات، والتحميد يدلّ مع حصول تلك الصفة على كونه محسناً إلى الخلق منعماً عليهم رحيماً بهم، فالتسبيح إشارة إلى كونه تعالى تاماً والتحميد يدلّ على كونه تعالى فوق التمام)) (2) .

والثالثة: في وجه تقديم الرحمن على الرحيم بقوله تعالى: {الرحمن الرحيم} يقول ابن عاشور: ((تقديم الرحمن على الرحيم لأنّ الصيغة الدالة على الاتصاف الذاتي أولى بالتقديم في التوصيف من الصفة الدالة على كثرة متعلّقاتها)) (3) .

وبهذه اللطائف المفيدة المعتبرة أختم الحديث عن هذا الموضع من مواضع حمد الله ذاته الكريمة، وهو فاتحة المواضع كما هو فاتحة الكتاب ولله الحمد والمنة.

(1) مدارج السالكين: ج1 ص 35.

(2)

التفسير الكبير للفخر الرازي: ج1 ص 224.

(3)

التحرير والتنوير لابن عاشور: ج1 ص 172.

ص: 26