المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌الفصل الخامس: خبر الواحد وعمل أهل المدينة - خبر الواحد وحجيته

[أحمد بن عبد الوهاب الشنقيطي]

الفصل: ‌الفصل الخامس: خبر الواحد وعمل أهل المدينة

‌الفصل الخامس: خبر الواحد وعمل أهل المدينة

مقدمة

حظيت المدينة بما لم تحظ به مدينة أخرى، فقد اختارها الله دار هجرة النبيصلى الله عليه وسلم ومهبط الوحي وموضع قبره، ومستقرّ الإسلام، ومجمع الصحابة، وفيها نزل أكثر الأحكام الشرعية، وفيها بدأ تطبيق الأحكام في العبادات، والمعاملات من صلاة، وزكاة، وصيام، وحج، وبيع، وأنكحة ومواريث، وجهاد، وحدود، وأقضية، إلى غير ذلك من أحكام الشرع إلى أن أكمل الله الدين الإسلامي للأمة الإسلامية. ولقد كان الصحابة رضوان الله عليهم يتلقون تلك الأحكام من رسول الله صلى الله عليه وسلم مدة حياته في حله وترحاله وفي جميع أوقاته، فكانوا أشد الناس حرصاً على اتباعه في كلّ ما يصدر عنه صلى الله عليه وسلم،إذ كان بين أظهرهم يحضرون الوحي والتنزيل، ويأمرهم فيطيعون، ويسن لهم فيتبعون حتى توفاه الله، واختار له ما عنده، صلوات الله عليه ورحمته وبركاته1.ثم

1 ترتيب المدارك وتقريب المسالك لمعرفة أعلام مذهب مالك للقاضي عياض1/14، تحقيق أحمد بكير محمود، منشورات دار مكتبة الحياة، بيروت.

ص: 271

كان لتلك الصحبة ما ميز المجتمع المدني عن غيره، بما اكتسبه من علم وأدب وأخلاق، أخذها أصحاب ذلك المجتمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم قولاً وفعلاً.

وطبيعي أن يستوطن المدينة من الصحابة زمن النبي صلى الله عليه وسلم ما لم يستوطن غيرها، وكان في مقدّمتهم السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار، كما كانت المدينة مجتمع الصحابة في عصر الخلفاء الراشدين، خصوصاً أهل السبق والشورى الذين كان الخليفة يستبقيهم عنده عوناً له على تدبير شؤون الأمة الإسلامية، واستعانة بعلمهم، واسترشاداً بآرائهم ومشورتهم، وقد استمرّوا على ذلك إلى أن انتقل بعضهم إلى الأمصار الإسلامية بعد وفاة عمر رضي الله عنهم أجمعين-، فلا عجب أن تكون المدينة أغنى من أي مصر آخر في الحديث، فالنبي صلى الله عليه وسلم كان فيها أكثر أيام التشريع، كما كان فيها الخلفاء الراشدون، وكانت حاضرة الخلافة في أيام ثلاثة منهم تصدر منها الآراء في المسائل الفقهية، كما كان المدنيّون أكثر الناس تمكناً من مشاهدة التشريع العملي، فهم أعرف الناس بما كان يفعله النبي صلى الله عليه وسلم في وضوئه وصلاته، وما كما يحكم به، وما كان يفعله كبار الصحابة. وكان كل جيل يتلقى ذلك عمن قبله، فأخذ التابعون عن الصحابة وبعض التابعين عن بعض، فكان لتلك الثروة التي توارثوها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أثر في تثبيت قواعد الفقه بصفة عامة، وفي الفقه المدني بصفة خاصة.

ص: 272

ومن تلك القواعد عمل أهل المدينة الذين أخذ عنهم مالك بن أنس، وعليهم تعلم وتفقه، فكان فقهه وأصوله يعتمدان على فقه وأصول أهل المدينة، لأنه عاش فيها وعن علمائها أخذ، فكان رحمه الله-أعلم أهل المدينة بتلك الثروة.

قال ابن المديني: نظرت فإذا الإسناد يدور على ستة وهم:

- محمد بن مسلم بن شهاب لأهل المدينة.

- وعمرو بن دينار لأهل مكة.

- وقتادة بن دعامة السدوسي، وأبو الخطاب، ويحيى بن أبي كثير، وأبو نصر لأهل البصرة.

- وأبو إسحاق عمرو بن عبد الله بن عبيد، وسليمان بن مهران لأهل الكوفة ثم إن علم هؤلاء صار لأصحاب التصانيف ممن صنف، وكان لأهل المدينة مالك بن أنس1.

وقال: "وأصحاب زيد بن ثابت كانوا يأخذون عنه، ويفتون بفتواه، منهم من لقيه ومنهم من لم يلقه اثنا عشر رجلاً: سعيد بن

1 انظر تفاصيله في العلل لابن المديني ص: 39-40، مع تصرف، تحقيق مصطفى الأعظمي. المكتب الإسلامي. سنة: 1392هـ/1972م.

ص: 273

المسيب، وعروة بن الزبير، وقبيصمة بن ذؤيب، وخارجة بن زيد، وسليمان بن يسار، وأبان بن عثمان، وعبيد الله بن عبد الله، والقاسم بن محمد، وسالم بن عبد الله، وأبو بكر بن عبد الرحمن، وأبو سلمة بن عبد الرحمن.... قال: ولم يكن بالمدينة بعد هؤلاء أعلم بهم من ابن شهاب، ويحيى بن سعيد، وأبي الزناد، وبكير بن عبد الله الأشج، ث م لم يكن أحد أعلم بهؤلاء بمذهبهم من مالك ابن أنس"1.

ولقد كان اعتبار مالك إجماع أهل المدينة أصلاً من أصول الأحكام اتباعاً لسلفه من أهل المدينة، حيث إن هذا المفهوم ظهر مبكراً، ويدل لذلك ما ذكره القاضي عياض عن زيد بن ثابت رضي الله عنه أنه قال:"إذا رأيت أهل المدينة على شيء فاعلم أنه السنة".

وقال ابن عمر: "لو أن الناس إذا وقعت فتنة ردوا الأمر فيها إلى أهل المدينة، فإذا أجمعوا على شيء يعني فعلوه صلح الأمر، ولكنهم إذا نعق ناعق تبعه الطاس".

1 العلل لابن المديني ص: 48.

ص: 274

قال: وقال مالك: "كان ابن مسعود يسأل بالعراق عن شيء فيقول فيه، ثم يقدم المدينة، فيجد الأمر على غير ما قال. فإذا رجع لم يحط راحلته ولم يدخل منزله حتى يرجع إلى ذلك الرجل، فيخبره بذلك"1.

مثاله: قال يحيى عن مالك عن غير واحد إن عبد الله بن مسعود استفتى وهو بالكوفة عن نكاح الأم بعد الابنة إذا لم تكن الابنة مست، فأرخص في ذلك. ثم إن ابن مسعود قدم المدينة فسأل عن ذلك فأخبر أنه ليس كما قال، وإنما الشرط في الربائب فرجع ابن مسعود إلى الكوفة، فلم يصل إلى منزله حتى أتى الرجل الذي أفتاه بذلك فأمره أن يفارق امرأته. انظر الموطأ مع الزرقاني:4 ص 28،ط الحلبي. تحقيق إبراهيم عطوه عوض. فسلك مالك طريقهم في اعتبار إجماع أهل المدينة على أنه "ضرب من طريق النقل والحكاية الذي يؤثره الكافة عن الكافة وعملت به عملاً لا يخفى، ونقله الجمهور عن الجمهور عن زمن النبي صلى الله عليه وسلم"2وما كان هذا حاله فهو حجة.

1 ترتيب المدارك1/61-62.

2 نفس المصدر1/68.

ص: 275

أما مكانة هذا العمل، ومدى تقديم المالكية له على خبر الواحد العدل فهذا ما قصدت بالترجمة له في هذا الفصل، وما أريد أن أبينه إن شاء الله.

مكانة عمل أهل المدينة، ومدى تقديمه على خبر الواحد

نسب إلى مالك رحمه الله تقديم عمل أهل المدينة على خبر الواحد العدل، لاعتبار أن إجماع أهل المدينة من الصحابة والتابعين حجة.

فقيل: ذلك محمول على إجماعهم في المنقولات المستمرّة كالأذان، والإقامة والصاع والمدّ.

وقيل محمول على أن روايتهم مقدّمة على رواية غيرهم، وصحح ابن الحاجب التعميم. وهذا الإجماع: إما أنه في مقام إجماع الأمة، وإما أنهم إذا أجمعوا على شيء صار إجماعاً وإن خالفهم غيرهم، خلافاً للجمهور الذين لا يرون الإجماع إلا لمجموع الأمة.

واستدل لذلك بما يأتي:

ص: 276

1-

قوله صلى الله عليه وسلم: "إن المدينة طيبة، تنفي خبثها كما ينفى الكير1 خبث الحديد"، والخطأ خبث وقد نفي عنهم، ونفيه عنهم يوجب متابعتهم2 كما استدلوا بالأحاديث الدالة على فضل المدينة.

وأجيب عن الحديث الذي استدلوا به بأنه وإن دل على خلوص المدينة من الخبث، فليس فيه ما يمنع أن يكون الخارج عنها خالصاً من الخبث ولأن إجماعهم دون غيرهم لا يكون حجة، لأنهم بعض الأمة، وبأن تخصيصها بالذكر في الحديث وغيره من الأحاديث الدالة على فضلها

1 الكير بكسر الكاف، وسكون التحتانية، وفيه لغة أخرى بضم الكاف، والمشهور بين الناس أنه الزق الذي ينفخ فيه. وأكثر أهل اللغة على أنه حانوت الحداد والصائغ اهـ من فتح الباري شرح صحيح البخاري4/88. المكتبة السلفية.

2 انظر مختصر ابن الحاجب مع شروحه2/35، الإحكام للآمدي1/221، شرح تنقيح الفصول للقرافي ص:334.

والحديث أخرجه البخاري بلفظ: " المدينة تنفي الناس كما ينفي الكير خبث الحديد" وفي رواية: " أنها تنفي الرجال كما تنفي النار خبث الحديث" انظر فتح الباري4/87، 96، وانظر الأحاديث الواردة في فضل المدينة فيه من ص: 87 فما بعدها. ولم أر فيها ما يدل على اعتبار إجماع أهل المدينة حجة.

ص: 277

إنما هو لبيان شرفها، وما اشتملت عليه من صفات موجبة لذلك، ولا تأثير للبقاع في الإجماع1.

2-

أن المدينة دار هجرة النبي صلى الله عليه وسلم، وموضع قبره، ومهبط وحيه، ومستقرّ الإسلام، ومجمع الصحابة، وفيها خرج العلم، ومنها صدر، فلا يجوز أن يخرج الحق عن قولها2.

وأجيب عنه بأن اشتمالها على تلك الصفات الموجبة لفضلها، لا يدل على انتفاء الفضيلة عن غير أهلها، ولا على الاحتجاج بإجماع أهلها، فمكة اشتملت على أمور موجبة لفضلها كالبيت العظيم، والمقام وزمزم

ولم يدل ذلك على الاحتجاج بإجماع أهلها، لأن الاعتبار بعلم العلماء واجتهاد المجتهدين، وليس للبقاع أثر في ذلك3.

1 انظر الإحكام للآمدي1/221، الأحكام لابن حزم1-4/554، كشف الأسرار3/242.

2 الإحكام للآمدي1/221، الأحكام لابن حزم1-4/553، كشف الأسرار3/241، والتقرير والتحبير شرح تحرير الكمال3/100، ومختصر ابن الحاجب2/35.

3 الإحكام للآمدي1/221-222، والأحكام لابن حزم1-4/554.

ص: 278

3-

أن أهل المدينة شاهدوا التنزيل، وسمعوا التأويل، وكانوا أعرف بأحوال الرسول صلى الله عليه وسلم من غيرهم، فوجب أن لا يخرج الحقّ عنهم1.

وأجيب عنه بأن شهودهم التنزيل، لا يدل على انحصار أهل العلم فيها، والمعتبرين من أهل الحل والعقد، ومن تقوم الحجة بقولهم، فإنهم كانوا منتشرين في البلاد، ومفترقين في الأمصار، وكلّهم فيما يرجع إلى النظر والاعتبار سواء2.

4-

قالوا: إنهم شهدوا آخر العمل من النبي صلى الله عليه وسلم وعرفوا ما نسخ وما لم ينسخ3.

وأجيب عنه بأن الخارجين من الصحابة عن المدينة شهدوا من ذلك كالذي شهده المقيم بها منهم سواء كعليّ وابن مسعود وأنس وغيرهم ولا فرق4.

1 الأحكام لابن حزم1-4/553، والإحكام للآمدي1/221.

2 الأحكام لابن حزم1-4/554، والأحكام للآدي1/222، والمستصفى1/187، وإعلام الموقعين لابن القيم2/408.

3 الأحكام لابن حزم1-4/553.

4 نفس المصدر1-4/555.

ص: 279

5-

أن من خرج من الصحابة عن المدينة اشتغل بالجهاد. وكان ابن مسعود إذا أفتى بفتيا أتى المدينة فيسأل عنها، فإن أفتى بخلاف فتياه، رجع إلى الكوفة وفسخ ما عمله1.

وأجيب عنه بأن الخروج إلى الجهاد لم يمنع من تعليم الدين، فالتعليل به قول باطل، وأما ما وقع من ابن مسعود فإنما جاء في مسألتين فقط، فأمر عمر بفسخ ذلك، وهو الخليفة، فلم يمكن ابن مسعود خلافه2.

6-

أن رواية أهل المدينة مقدّمة على رواية غيرهم، ولأن أخلافهم تنقل عن أسلافهم، فيخرج نقلهم عن خبر الظن إلى اليقين، فكان إجماعهم حجة على غيرهم3.

وأجيب عنه بأن تمثيلهم الاجتهاد بالرواية في التقديم، تمثيل من غير دليل، موجب للجمع بين الرواية والدراية، لأن الرواية مستندها السماع ووقوع الحوادث المروية عن النبي صلى الله عليه وسلم وبحضرته، ولما كان أهل المدينة أعرف بذلك، وأقرب إلى معرفة المروي كانت روايتهم أرجح. وأما

1 نفس المصدر1-4/562.

2 نفس المصدر1-4/562.

3 المختصر لابن الحاجب2/35، والتقرير والتحبير3/100، وتيسير التحرير3/245، والإحكام للآمدي1/221.

ص: 280

الاجتهاد فطريقه النظر والبحث بالقلب والاستدلال على الحكم، وذلك مما لا يختلف بالقرب والبعد، ولا يختلف باختلاف الأماكن1.

7-

أن من الممتنع أن يخفي حكم النبي صلى الله عليه وسلم على الأكثر، وهم الذين بها، ويعلمه الأقل، وهم الخارجون عنها، وأن العادة تقتضي بأن مثل هذا الجمع المنحصر من العلماء الأحقين بالاجتهاد، لا يجمعون إلا عن راجح.

فإن قيل لا نسلم بذلك، لأنهم بعض الأمة، ويجوز أن يكون متمسك غيرهم راجحاً، فرب راجح لما يطلع عليه البعض.

قلنا لا نقول: العادة قاضية باطلاع الكل، فيرد ذلك، بل اطلاع الأكثر، والأكثر كاف في تتميم الدليل، فإذا وجب اطلاع الأكثر، امتنع أن لا يطلع عليه من أهل المدينة أحد، ويكون ذلك الأكثر غيرهم، وما فيه أحد منهم، والاحتمالات البعيدة لا تنفي الظهور2.

وأجيب عنه بأن ذلك ممكن لو وجدت مسألة رويت من طريق كل من بالمدينة من الصحابة رضي الله عنهم، وأفتى بها كل من بقي

1 الإحكام للآمدي1/222، والمختصر لابن الحاجب2/36.

2 مختصر ابن الحاجب مع شروحه2/35-36، الأحكام لابن حزم1-4/553.

ص: 281

بالمدينة من الصحابة، وأما ولا يوجد هذا أبداً، ولا في مسألة واحدة، فممكن أن يغيب حكم النبيصلى الله عليه وسلم عن النفر من الصحابة، ويعلمه الواحد والأكثر منهم، وقد يمكن أن الذي حضر ذلك الحكم يخرج عن المدينة، ويمكن أن يبقى بها، ويمكن خلاف ذلك. ولا فرق1.

وبالرجوع إلى احتجاج مالك بإجماع أهل المدينة، واستدلاله عليه، نرى أنه يحكى إجماعهم فقط، فيقول في الموطأ:"الأمر المجتمع عليه عندنا كذا، ولم ينقل عنه أن إجماعهم حجة قاطعة لازمة لجميع الأمة، وإنما هو اختيار منه لما رأى عليه العمل، ولذا فإنه كتب إلى الليث بن سعد يقول له: "إنه بلغني أنك تفتي الناس بأشياء مخالفة لما عليه جماعة الناس عندنا، وببلدنا الذي نحن فيه، وأنت في إمامتك وفضلك ومنزلتك من أهل بلدك، وحاجة من قبلك إليك، واعتمادهم على ما جاءهم منك، حقيق بأن تخاف على نفسك، وتتبع ما ترجو النجاة باتباعه، فإن الله تعالى يقول في كتابه: {وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ

1 الأحكام لابن حزم1-4/555.

ص: 282

وَالأَنْصَارِ} 1الآية. وقال تعالى: {فَبَشِّرْ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ} 2.

فإنما الناس تبع لأهل المدينة، إليها كانت الهجرة، وبها نزل القرآن وأحل الحلال، وحرم الحرام، إذ رسول الله بين أظهرهم يحضرون الوحي والتنزيل، ويأمرهم فيطيعونه، ويسن لهم فيتبعونه، حتى توفاه الله واختار له ما عنده، صلوات الله عليه ورحمته وبركاته، ثم قام من بعده أتبعُ الناسِ له من أمته ممن ولي الأمر من بعده، فما نزلت بهم مما علموا أنفذوه، وما لم يكن عندهم فيه علم سألوا عنه، ثم أخذوا بأقوى ما وجدوا في ذلك في اجتهادهم وحداثة عهدهم، وإن خالفهم مخالف، أو قال: امرؤ غيره أقوى منه وأولى ترك قوله، وعمل بغيره. ثم كان التابعون من بعدهم يسلكون تلك السبيل، ويتبعون تلك السنن، فإذا كان الأمر بالمدينة ظاهراً معمولاً به، لم أر لأحد خلافه للذي في أيديهم من تلك الوراثة التي لا يجوز لأحد انتحالها ولا ادعاؤها، ولو ذهب أهل الأمصار يقولون: هذا العمل ببلدنا،

1 سورة التوبة آية: 100.

2 سورة الزمر آية: 17، 18.

ص: 283

وهذا الذي مضى عليه من مضى منا، لم يكونوا من ذلك على ثقة، ولم يكن لهم من ذلك الذي جاز لهم"1.

فإن قيل: فقد جاء في هذه الرسالة ما يدل على أن مالكاً يرى أن الإجماع هو إجماع أهل المدينة، وذلك في قوله:"إنما الناس تبع لأهل المدينة".

أجيب عنه بأن مالكاً لا يرى في هذا تخصيص الإجماع بأهل المدينة، وأن إجماعهم إجماع قاطع لا تجوز مخالفته، وإنما أوضح رحمه الله مكانة أهل المدينة، وأنهم قدوة لغيرهم لما اختصوا به من ملازمة رسول الله صلى الله عليه وسلم ومشاهدة الوحي وتطبيق الأحكام

وغاية ما يدل عليه أن عمل أهل المدينة حجة عنده، ولا يلزم من كونه حجة عنده أن يكون إجماعاً بمنزلة إجماع الأمة، ولو كان مالك يرى إجماع أهل المدينة لازماً للأمة لما وسعه منع الرشيد من إلزام الناس بالموطأ، حتى قال له:"قد تفرق أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في البلاد، وصار عند كل طائفة منهم علم ليس عند غيرهم". وهذا يدل على أن عمل أهل المدينة ليس عنده حجة لازمة لجميع الأمة، وإنما هو اختيار منه لما رأى عليه العمل، ولم يقل قط في

1 ترتيب المدارك1/64-65.

ص: 284

موطّئه ولا غيره: "لا يجوز العمل بغيره"، بل يخبر إخباراً مجرداً أن هذا عمل أهل بلده"1. وقد رد القاضي عياض وغيره من علماء المالكية ما نسبه إليهم مخالفوهم مما لم يقولوه.

فقال: "اعلموا أكرمكم الله، أن جميع أرباب المذاهب من الفقهاء والمتكلمين وأصحاب الأثر والنظر، أَلْبٌ واحد على أصحابنا على هذه المسألة، مخطئون لنا في زعمهم، محتجون علينا بما سنح لهم حتى تجاوز بعضهم حدّ التعصب والتشنيع إلى الطعن في المدينة وعدّ مثالبها، وهم يتكلمون في غير موضع الخلاف، فمنهم من لم يتصور المسألة، ولا تحقق مذهبنا، فتكلموا فيها على تخمين وحدس، ومنهم من أخذ الكلام فيها من لم يحققه عنا، ومنهم من أطال، وأضاف إلينا ما لا نقوله فيها، كما فعل الصيرفي والمحاملي والغزالي، فأوردوا عنا في المسألة مالا نقوله، واحتجوا علينا بما يحتج به على الطاعنين على الإجماع. وها أنا أفصل الكلام فيها تفصيلاً، لا يجد المنصف إلى جحده بعد تحقيقه سبيلاً، وأبين موضع الاتفاق فيه، والخلاف، إن شاء الله تعالى"2.

1 إعلام الموقعين لابن القيم2/410.

2 ترتيب المدارك للقاضي عياض1/67-68.

ص: 285

مراتب عمل أهل المدينة، ومتى يقدم العمل على خبر الواحد

قال القاضي عياض: "اعلموا أن إجماع أهل المدينة على ضربين: ضرب من طريق النقل والحكاية، الذي تؤثره الكافة عن الكافة وعملت به عملاً لا يخفى، ونقله الجمهور عن الجمهور عن زمن النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا منقسم إلى أربعة أقسام:

أوّلها: ما نقل شرعاً من جهة النبي صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل، كالصاع والمدّ، وأنه عليه السلام كان يأخذ منهم بذلك صدقاتهم وفطرتهم، وكالأذان والإقامة وترك الجهر بسم الله الرحمن الرحيم في الصلاة، وكالوقوف والأحباس. فنقله لهذه الأمور من قوله وفعله كنقل موضع قبره ومسجده ومنبره ومدينته وغير ذلك مما علم ضرورة من أحواله وسيره، وصفة صلاته، من عدد ركعاتها وسجداتها وأشباه هذا. أو نقلهم إقراره عليه السلام لما شاهده منهم، ولم ينقل عنهم إنكاره، كنقل عهدة الرقيق وشبه ذلك. أو نقل تركه لأمور، وأحكام لم يلزمهم إياها مع شهرتها لديهم، وظهورها فيهم، كتركه أخذ الزكاة من الخضروات مع علمه عليه السلام بكونها عندهم كثيرة.

فهذا النوع من إجماعهم في هذه الوجوه حجة يلزم المصير إليها، ويترك ما خالفه من خبر واحد، أو قياس، فإن هذا النقل محقق معلوم،

ص: 286

موجب العلم القطعي، فلا يترك لما توجبه غلبة الظنون، وإلى هذا رجع أبو يوسف وغيره من المخالفين، ممن ناظر مالكاً، وغيره من أهل المدينة في مسألة الأوقاف والمد والصاع، حين شاهد هذا النقل وحققه. ولا يجب لمنصف أن ينكر الحجة هنا، وهذا الذي تكلم عليه مالك عن أكثر شيوخنا، ولا خلاف في صحة هذا الطريق، وكونه حجة عند العقلاء، وتبليغه العلم يدرك ضرورة، وإنماخالف في تلك المسائل من أهل المدينة من لم يبلغه النقل الذي بها.

قال القاضي عبد الوهاب: "ولا خلاف بين أصحابنا في هذا، ووافق عليه الصيرفي1وغيره من أصحاب الشافعي، كما حكاه الآمدي، وقد خالف بعض الشافعية عناداً، ولا راحة للمخالف في قوله: إن ما هذا سبيله، فهم وغيرهم من أهل الآفاق من البصرة، والكوفة، ومكة

1 هو: محمّد بن عبد الله البغدادي الشافعي، المكنى بأبي بكر، الملقب بالصيرفي، الفقيه الأصولي، المتكلم، قيل فيه: إنه كان أعلم خلق الله بالأصول بعد الشافعي، له في الأصول كتاب البيان في دلائل الأعلام على أصول الأحكام، كتاب في الإجماع، وشرح شرح رسالة الإمام الشافعي. توفي بمصر سنة: 330هـ، ترجم له في طبقات السبكي2/169، شذرات الذهب2/325، الأعلام للزركلي7/56. انظر الفتح المبين في طبقات الأصوليين1/180.

ص: 287

سواء، إذ قد نزل هذه البلاد وكان بها جماعة من الصحابة، ونقلت السنن عنهم، والخبر المتواتر من أي وجه ورد، لزم المصير إليه، ووقع العلم به، فصارت الحجة في النقل، فلم تختص المدينة بذلك، وسقطت المسألة، وهذه من أقوى عمدهم.

فتقول لهم: كذلك نقول لو تصورت المسألة في حق غيرهم، لكن لا يوجد مثل هذا النقل كذلك عند غيرهم، فإن شرط نقل التواتر تساوي طرفيه ووسطه، وهذا موجود في أهل المدينة، ونقلهم الجماعة عن الجماعة عن النبي صلى الله عليه وسلم، أو العمل في عصره، وإنما ينقل أهل البلاد غيرها عن جماعتهم، حتى يرجعوا إلى الواحد أو الاثنين من الصحابة، فرجعت المسألة إلى خبر الآحاد، وبالحري أن تفرض المسألة في عمل أهل مكة في الأذان، ونقلهم المتواتر عن الأذان بين يدي النبي عليه السلام بها، لكن يعارض هذا آخر أمر من رسول الله صلى الله عليه وسلم، والذي مات عليه بالمدينة، ولهذا قال مالك لمن ناظره في المسألة: ما أدري أذان يوم وليلة، هذا مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم يؤذن فيه من عهده، ولم يحفظ عن أحد إنكار على مؤذن فيه.

النوع الثاني: إجماعهم على العمل من طريق الاجتهاد والاستدلال، وهذا النوع اختلف فيه أصحابنا. فذهب معظمه إلى أنه ليس بحجة، ولا فيه ترجيح، وهذا قول كبراء البغداديين: منهم ابن بكير، وأبو يعقوب الرازي، وأبو الحسن بن

ص: 288

المنتاب، وأبو الحسن بن القصار، قالوا: لأنهم بعض الأمة، والحجة إنما هي لمجموعها، وهو قول المخالفين أجمع.

ولهذا ذهب القاضي أبو بكر بن الخطيب وغيره، وأنكر هؤلاء أن يكون مالك يقول هذا، أو أن يكون مذهبه، ولا الأئمة أصحابه، وذهب بعضهم إلى أنه ليس بحجة، ولكن يرجح به على اجتهاد غيرهم، وهو قول جماعة من متفقهيهم، وبه قال بعض الشافعية، ولم يرتضه القاضي أبو بكر، ولا محققو أئمتنا وغيرهم.

وذهب بعض المالكية إلى أن هذا النوع حجة كالنوع الأول، وحكوه عن مالك. قال القاضي أبو نصر:"وعليه يدل كلام أحمد بن المعدل، وأبي مصعب، وإليه ذهب القاضي أبو الحسين بن عمر من البغداديين، وجماعة من المغاربة من أصحابنا، ورآه مقدّماً على خبر الواحد والقياس، وأطبق المخالفون أنه مذهب مالك، ولا يصح كذا عنه مطلقاً".

قال القاضي أبو الفضل -رحمه الله تعالى-: "ولا يخلو عمل أهل المدينة مع أخبار الآحاد من ثلاثة وجوه:

1-

إما أن يكون مطابقاً لها، فهذا آكد في صحتها إن كان من طريق النقل، وترجيحه إن كان من طريق الاجتهاد بلا خلاف في هذا، إذ لا يعارضه هنا إلا اجتهاد آخر بيّن، وقياسهم عند من يقدم القياس على خبر الواحد وإن كان مطابقاً لخبر يعارضه خبر آخر، كان عملهم مرجحاً

ص: 289

لخبرهم، وهو أقوى ما ترجح به الأخبار إذا تعارضت، وإليه ذهب الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني ومن تبعه من المحققين من الأصوليين، والفقهاء من المالكية وغيرهم.

2-

وإن كان مخالفاً للأخبار جملة، فإن كان إجماعهم من طريق النقل، ترك له الخبر بغير خلاف عندنا في ذلك، وعند المحققين من غيرنا، على ما تقدم، ولا يجب عند التحقيق تصور خلاف في هذا، ولا التفات إليه، إذ لا يترك القطع واليقين لغلبات الظنون، وما عليه الاتفاق لما فيه من الخلاف، كما ظهر هذا للمخالف المنصف فرجع، وهذه نكتة مسألة الصاع والمد والوقوف وزكاة الخضروات وغيرها.

3-

وإن كان اجتماعهم اجتهاداً قدم خبر الواحد عليه عند الجمهور، وفيه خلاف كما تقدم من أصحابنا"1.

والذي يتضح من كلام عياض رحمه الله أنه قسم عمل أهل المدينة إلى قسمين:

قسم اعتبره من طريق النقل المتواتر الذي تؤثره الكافة عن الكافة، وعملت به عملاً لا يخفى، وأنه مبتدأ من رسول اللهصلى الله عليه وسلم من قول أو فعل أو تقرير، فهذا النوع حجة يلزم اتباعها، وبترك ما خالفها من خبر واحد

1 ترتيب المدارك1/68-71.

ص: 290

أو قياس، لأنه رآه قطعياً موجباً للعلم، فلا يترك لما يوجب غلبة الظنون، ولذا رجع إليه أبو يوسف، وبهذا قال القاضي عبد الوهاب، ووافق عليه الصيرفي من الشافعية.

القسم الثاني: ما كان من طريق الاجتهاد والاستدلال، ذكر أنهم اختلفوا فيه، فكان منهم من يرى أنه ليس بحجة، ولا يرجح به، ونسبه إلى أكثر البغداديين، وأنكر أن يكون مذهب مالك، والأئمة من أصحابه تقديمه على الخبر.

وقال: إن بعض المالكية يرى أنه حجة كالنوع الأول وحكوا ذلك عن مالك، وأنه مقدم على خبر الواحد والقياس.

وصحح ابن الحاجب اعتبار عملهم حجة مطلقاً1 سواء كان من طريق النقل، أو من طريق الاجتهاد، خلافاً للجمهور، وأكثر البغداديين من أصحاب مالك.

ولم يتعرض عياض لبيان حال العمل القديم المنقول عن الصحابة -رضى الله عنهم- ولعله ألحقه بالمنقول، لأنه يستحيل "أن يجمعوا على

1 مختصر ابن الحاجب مع شروحه2/35.

ص: 291

شيء نقلاً أو عملاً متصلاً من عندهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأصحابه وتكون السنة الصحيحة الثابتة قد خالفته، هذا من أبين الباطل"1.

ووافقه ابن القيم في ما كان نقلاً فقال: "بل نقلهم للصاع والمد والوقوف والأخابر وترك زكاة الخضروات حق، ولم يأت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم سنة تخالفه البتة. ولهذا رجع أبو يوسف إلى ذلك كله بحضرة الرشيد لما ناظره مالك وتبين له الحقّ، فلا يلحق بهذا عملهم من طريق الاجتهاد، ويجعل ذلك نقلاً متصلاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم،وتترك له السنن الثابتة، فهذا لون وذلك لون، وبهذا التمييز والتفصيل يزول الاشتباه ويظهر الصواب"2.

وقال أيضاً: "وهذا العمل حجة يجب اتباعها، وسنة متلقاة بالقبول على الرأس والعينين، وإذا ظفر العالم بذلك قرت عينه، واطمأنت إليه نفسه"3.

وقال ابن تيمية: "والتحقيق أن مسألة إجماع أهل المدينة، أن منه ما هو متفق عليه بين المسلمين، ومنه ما هو قول جمهور أئمة المسلمين،

1 إعلام الموقّعين لابن القيم2/423.

2 نفس المصدر2/423-424.

3 نفس المصدر2/421.

ص: 292

ومنه مالا يقول به إلا بعضهم. وذلك أن إجماع أهل المدينة على أربع مراتب:

الأولى: ما يجري مجرى النقل عن النبي صلى الله عليه وسلم،مثل نقلهم لمقدار الصاع والمد، وكتركهم صدقة الخضروات، والأحباس. فهذا مما هو حجة باتفاق العلماء. وأما الشافعي وأحمد وأصحابهما، فهذا حجة عندهم بلا نزاع كما هو حجة عند مالك، وذلك مذهب أبي حنيفة وأصحابه.

المرتبة الثانية: العمل القديم بالمدينة قبل مقتل عثمان رضي الله عنه. فهذا حجة في مذهب مالك، وهو المنصوص عن الشافعي. قال في رواية يونس بن عبد الأعلى:"إذا رأيت قدماء أهل المدينة على شيء، فلا تتوقف في قلبك ريباً أنه الحق". وكذا ظاهر مذهب أحمد أن ما سنّه الخلفاء الراشدون فهو حجة يجب اتباعها.

المرتبة الثالثة: إذا تعارض في المسألة دليلان: كحديثين وقياسين، جهل أيهما أرجح، وأحدهما يعمل به أهل المدينة. فيه نزاع.

فمذهب مالك والشافعي، أنه يرجح بعمل أهل المدينة، ومذهب أبي حنيفة أنه لا يرجح بعمل أهل المدينة، ولأصحاب أحمد وجهان:

أحدهما: وهو قول القاضي أبي يعلى وابن عقيل أنه لا يرجح.

الثاني: وهو قول أبي الخطاب وغيره أنه يرجح به.

ص: 293

قيل هذا هو المنصوص عن أحمد، ومن كلامه قال: إذا رأى أهل المدينة حديثاً وعملوا به فهو الغاية، وكان يبني على مذهب أهل المدينة، ويقدّمه على مذهب أهل العراق تقديماً كثيراً1.

فهذه مذاهب من نقلت عنهم توافق مالكاً في حجية ما كان نقلاً عن النبي صلى الله عليه وسلم، وما كان من العمل القديم قبل مقتل عثمان رضي الله عنه، ويوافقه أغلبهم في ترجيح الخبر على الخبر الآخر بعمل أهل المدينة.

أما العمل المتأخر، فالجمهور لا يعتبرونه حجة على غيرهم من العلماء، لأن المدينة لم تجمع علماء المسلمين لا قبل الهجرة، ولا بعدها، لأن العصمة لم تضمن لهم دون غيرهم.

المرتبة الرابعة: قال ابن تيمية: العمل المتأخر بالمدينة، فهذا هل هو حجة شرعية يجب اتباعها أم لا؟ فالذي عليه أئمة الناس أنه ليس بحجة شرعية.

هذا مذهب الشافعي وأحمد وأبي حنيفة وغيرهم، وهو قول المحققين من أصحاب مالك، كما ذكر ذلك القاضي عبد الوهاب في

1 مجموع فتاوى شيخ الإسلام20/303-310، جمع وترتيب عبد الرحمن بن محمّد بن قاسم العاصمي النجدي الحنبلي، الطبعة الأولى سنة: 1382هـ بأمر جلال الملك سعود بن عبد العزيز، وصحة عمل أهل المدينة ص:13-21، معه تصرف واختصار.

ص: 294

كتابه أصول الفقه، وغيره، ذكر أن هذا ليس إجماعاً ولا حجة عند المحققين من أصحاب مالك، وربما جعله حجة بعض أهل المغرب من أصحابه، وليس معه للأئمة نص ولا دليل، بل هم أهل تقليد.

قلت: ولم أر في كلام مالك ما يوجب جعل هذا حجة، وهو في الموطّأ إنما يذكر الأصل المجتمع عليه عندهم، فهو يحكي مذهبهم.

وتارة يقول: الذي لم يزل عليه أهل العلم ببلدنا يصير؟ إلى الإجماع القديم وتارة لا يذكر"1.

وقال ابن عقيل: "وعندي أن إجماعهم حجة فيما طريقه النقل، وإنما لا يكون حجة في باب الاجتهاد، لأن معنا مثل ما معهم من الرأي، وليس لنا مثل ما معهم من الرواية، ولاسيما نقلهم فيما تعم به بلواهم، وهم أهل نخيل وثمار، فنقلهم مقدم على نقل غيرهم، لاسيما في هذا الباب"2.

وقال الآمدي: "ولما كان أهل المدينة أعرف بذلك يعني السماع من النبي صلى الله عليه وسلم وأقرب إلى معرفة المروي، كانت روايتهم أرجح.

1 صحة عمل أهل المدينة ص:21-22، الفتاوى20/310-311.

2 المسودة ص: 333.

ص: 295

وأما الاجتهاد فطريقه النظر والبحث بالقلب، والاستدلال على الحكم وذلك مما لا يختلف بالقرب والبعد، ولا يختلف باختلاف الأماكن"1.

وقال ابن القيم: "وهذا الأصل قد نازعهم فيه الجمهور، وقالوا: عمل أهل المدينة كعمل غيرهم من أهل الأمصار، ولا فرق بين عملهم وعمل أهل الحجاز والشام، فمن كانت السنة معهم، فهم أهل العمل المتبع، وإذا اختلف علماء المسلمين لم يكن عمل بعضهم حجة على بعض، وإنما الحجة اتباع السنة، ولا تترك السنة لكون عمل بعض المسلمين على خلافها، أو عمل بها غيرهم، ولو ساغ ترك السنة لعمل بعض الأمة على خلافها، لتركت السنن، وصارت تبعاً لغيرها، فإن عمل بها ذلك الغير عمل بها وإلا فلا. والسنة هي العيار2 على العمل، وليس العمل عياراً على السنة. ولم تضمن لنا العصمة قط في عمل مصر من الأمصار، دون سائرها"3.

فكانت المالكية هدفاً لمخالفيهم نتيجة لأخذهم بعمل أهل المدينة، لتوسع بعضهم في هذا الباب حتى قيل عليهم مالم يقولوه.

1 الإحكام للآمدي1/222.

2 عاير بينهما معايرة وعياراً بالكسر، قدرهما ونظر ما بينهما. وقال الليث بن سعد:"العيار ما عايرت به المكاييل، فالعيار صحيح تام واف". تقول: عايرته أي: سويته، وهو العيار والمعيار. انظر تاج العروس3/431، في باب (ع ور) .

3 إعلام الموقعين لابن القيم2/407-408.

ص: 296

قال القاضي عياض: "وكثر تحريف المخالف فيما نقل عن مالك، من ذلك سوى ما قدمناه، فحكى أبو بكر الصيرفي وأبو حامد الغزالي أن مالكاً يقول: لا يعتبر إلا إجماع أهل المدينة دون غيره، وهذا مالا يقوله هو، ولا أحد من أصحابه. وحكى بعض الأصوليين أن مالكاً يرى إجماع الفقهاء السبعة بالمدينة إجماعاً، ووجه قوله بأنه لعلهم كان عنده أهل الاجتهاد في ذلك الوقت دون غيرهم، وهذا مالم يقله مالك ولا روي عنه. وحكى بعضهم عنا أنا لا نقبل من الأخبار إلاّ ما صححه عمل أهل المدينة وهذا جهل أو كذب، لم يفرقوا بين قولنا: يرد الخبر الذي في مقابلة عملهم، وبين من لا يقبل منه إلاّ ما وافقه عملهم"1.

وعلى أصلهم هذا ردوا كثيراً من أخبار الآحاد لمعارضتها عمل أهل المدينة. منها حديث خيار المجلس الثابت بحديث الصحيحين عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "البيعان بالخيار مالم يتفرقا" 2 لعمل أهل المدينة بخلافه3.

1 ترتيب المدارك للقاضي عياض1/71-72.

2 صحيح البخاري3/80، صحيح مسلم5/9.

3 حاشية العطار على المحلى على جمع الجوامع2/161.

ص: 297

وأجاب القاضي عياض عن هذه الدعوى "بأن قول مالك هذا ليس مراده به ردّ البيعين بالخيار، وإنما أراد بقوله ما قال في بقية الحديث وهذا قوله: "إلا بيع الخيار" فأخبر أن بيع الخيار ليس له حد عندهم، لا يتعدى إلاّ قدر ما تختبر فيه السلعة، وذلك يختلف باختلاف المبيعات فيرجع فيه إلى الاجتهاد، والعوائد في البلاد وأحوال المبيع. وإنما ترك العمل بالحديث لغير هذا، بل تأول التفرق فيه بالقبول وعقد البيع، وأن الخيار لهما ما داما متراوضين ومتساومين.

وهذا هو المعنى المفهوم من المُتَفَاعِلَيْنِ، وهما المتكلفان للأمر الساعيان فيه، وهذا يدلّ أنه قبل تمامه، ويعضده قوله:"لا يبع أحدكم على بيع أخيه "، وهذا أيضاً في المُتَسَاوِمَيْنِ. فقد سماه بيعاً قبل تمامه وانعقاده.

وقال بعض أصحاب الحديث: منسوخ بقوله في الحديث الآخر "إذا اختلف المتبايعان، فالقول ما قال البائع، ويترادان" 1،ولو كان لهما الخيار لما احتاجا إلى تحالف وتخاصم، وقد يكون قول مالك عن طريق

1 الدارقطني3/20-21، بألفاظ متفقة مع هذا في المعنى.

ص: 298

الترجيح لأحد الخبرين بمساعدة عمل أهل المدينة لما خالفهم كما تقدم. وقد قال بالخيار والعمل به كثير من أصحابنا ابن حبيب"1.

وأجيب عنه بأن النسخ لا يثبت بالاحتمال، وبأن الترجيح لا يصار إليه ما أمكن الجمع، وهو هنا ممكن بين الأدلة المذكورة من غير تعسف ولا تكلف2.

قال ابن عبد البر: "أجمع العلماء على ثبوت هذا الحديث، وقال به أكثرهم، وردّه مالك وأبو حنيفة وأصحابهما، ولا أعلم أحداً ردّه غيرهم".

وقال بعض المالكية: رفعه مالك بإجماع أهل المدينة على ترك العمل به، وذلك أقوى عنده من خبر الواحد كما قال أبو بكر بن عمرو ابن حزم: إذا رأيت أهل المدينة أجمعوا على شيء فاعلم أنه الحق.

وقال بعضهم: لا تصحّ هذه الدعوى، لأن سعيد بن المسيب وابن شهاب روي عنهما نصاً ترك العمل به، وهما من أجل فقهاء المدينة ولم يرد عن أحد من أهلها نصاً ترك العمل به إلا عن مالك وربيعة بخلف عنه، وأنكر ابن أبي ذئب، وهو من فقهائها في عصر مالك عليه ترك

1 ترتيب المدارك1/72.

2 فتح الباري شرح صحيح البخاري4/330.

ص: 299

العمل به حتى جرى في ذلك قول فحش، حمله عليه الغضب لم يحسن مثله عنه، وهو قوله: من قال: البيعان بالخيار حتى يتفرقا، استتيب"1.

وذكر ابن حجر "أنه قال به ابن عمر ثم سعيد بن المسيب ثم الزهري ثم ابن أبي ذئب كما مضى. وهؤلاء من أكابر علماء أهل المدينة في أعصارهم ولا يحفظ عن أحد من علماء المدينة القول بخلافه سوى ربيعه"2.

يتضح مما تقدم أن مالكاً رحمه الله لم يترك العمل بالحديث في إثبات خيار المجلس، لأن أهل المدينة أجمعوا على عدم إثبات خيار المجلس، وإنما ترك العمل بخيار المجلس، لأنه أول التفرق الوارد في الحديث بالتفرق بالأقوال، وعلى هذا فهو خارج عن الموضوع، لأنه ليس من باب تقديم عمل أهل المدينة على خبر الواحد، ويؤيد ذلك ما سبق نقله عن القاضي عياض من أن مالكاً إنما أراد أن بيع الخيار ليس له حد عندهم لا يتعداه إلا بقدر ما تختبر فيه السلعة، وذلك يختلف باختلاف المبيعات، فيرجع فيه إلى الاجتهاد والعوائد في البلاد وأحوال المبيع، وذكر أن أئمة المالكية فسروا التفرق في الحديث بالتفرق بالأقوال وعقد البيع.

1 الزرقاني على الموطّأ4/282.

2 فتح الباري4/330.

ص: 300

وأما ما نقل عن بعض المالكية من أن مالكاً ترك العمل بالحديث لإجماع أهل المدينة على ترك العمل به، وذلك عنده أقوى من خبر الواحد. فهو منقوض من وجهين:

الأول: ما تقدم من أنه إنما تركه لتفسيره التفرق في الحديث بالتفرق بالأقوال.

الثاني: أنه كيف يدعي إجماع أهل المدينة على ترك العمل بالحديث مع مخالفة من ذكروا؟

وقد اشتد إنكار ابن عبد البر وابن العربي على من زعم من المالكية أن مالكاً ترك العمل به لكون عمل أهل المدينة على خلافه.

قال ابن عبد البر: "إنما يأخذ به مالك، لأن وقت التفرق غير معلوم فأشبه بيوع الغرر كالملامسة"1.

ومنها: ردهم للأخبار الواردة في السجود في ثانية الحج عند قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} 2. وفي السجدة التي في آخر

1 نفس المصدر4/330.

2 سورة الحج آية: 77.

ص: 301

سورة النجم عند فوله تعالى: {فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا} 1. وفي التي في إذا السماء انشقت عند قوله تعالى: {وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ} 2،ولا في القلم عند قوله تعالى،: {وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ} 3، تقديماً لعمل أهل المدينة على الأخبار الواردة فيها. وادعوا أن الأخبار الواردة فيها منسوخة لعدم عمل أهل المدينة بها.

قال الدردير بعد أن ذكر مواضع سجود التلاوة: "لا ثانية الحج عند قوله تعالى: واركعوا واسجدوا إلخ، ولا في النجم لعدم سجود فقهاء المدينة وقرائها فيها،ولا في الانشقاق ولا القلم، ت قديم للعمل على الحديث لدلالته على نسخه".

1 سورة النجم آية: 62.

2 سورة الانشقاق آية: 21.

3 سورة العلق آية: 19.

ص: 302

قال الدسوقي: "قوله تقديماً للعمل أي عمل أهل المدينة في ترك السجود في هذه المواضع الأربعة. وقوله على الحديث أي الدال على طلب السجود فيها"1.

قال الأبي عند الكلام على قول خليل في مختصره في قوله: "لا ثانية الحج والنجم والانشقاق والقلم" لعدم سجود فقهاء المدينة وقرائها فيها، وعملهم مقدّم على الحديث الصحيح، لدلالته على نسخه عند تعارضهما، لأنهم أعلم الأمة بآخر ما كان عليه الرسول صلى الله عليه وسلم وأشدها حرصاً على اتباعه صلى الله عليه وسلم "2.

واستدل الخرشي على عدم السجود فيها بما نقله عن الذخيرة من "أن إجماع فقهاء المدينة وقرائها على ترك السجود فيها مع تكرر القراءة ليلاً ونهاراً يدلّ على النسخ إذ لا يجمعون على ترك سنة

قال: تقديماً للعمل على الحديث"3.

1 الدسوقي على الشرح الكبير1/307-308. دار إحياء الكتب العربية، عيسى البابي الحلبي.

2 جواهر الإكليل شرح مختصر خليل1/71.

3 الخرشي على مختصر خليل1/350، الطبعة الثانية، الأميرية، مصر.

ص: 303

وحمل الأخبار الواردة فيها على النسخ عند مالك، وأن الذي استقر من أمره صلى الله عليه وسلم إحدى عشرة سجدة1.

وأيدوا ذلك بما رواه أبو داود عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يسجد في شيء من المفصل2 منذ تحول إلى المدينة3.

وبما ورد من إنكار أبي سلمة وأبي رافع على أبي هريرة لما سجد في "إذا السماء انشقت"،حتى قال له أبو سلمة:"لقد سجدت في سورة ما رأيت الناس يسجدون فيها"،فدل على أن الناس تركوه، وجرى العمل على تركه"4.

1 نفس المصدر1/350.

2 المفصل: ما يلي قصار السور، سمي مفصلاً لكثرة الفصول التي بين السور بسم الله الرحمن الرحيم. وقيل: لقلة المنسوخ فيه. وآخره {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ} . وفي أوّله اثنا عشر قولاً:

أحدها: الجاثية، وثانيها القتال، وثالثها الحجرات، ورابعها ق

وقيل غير ذلك. انظر البرهان في علوم القرآن للإمام بدر الدين محمّد بن عبد الله الزركشي1/245، الطبعة الثانية، عيسى البابي الحلبي وشركاه.

3 الزرقاني على الموطّأ2/197.

4 انظر تفاصيله في نفس المصدر2/194.

ص: 304

ويجاب عمّا استدلوا به بما يأتي:

أمّا عن دعوى الإجماع، فيجاب عنها بما رواه أبو عمر بما حاصله:"أي عمل يدعى مع مخالفة المصطفى صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين بعده"1.

وأما دعوى النسخ فإن إثبات النسخ يحتاج إلى دليل، ولم يذكروا من الدليل غير ما ادعوه من إجماع أهل المدينة، وسبق آنفاً ما ورد من قول أبي عمر:"أي عمل يدعى مع مخالفة المصطفىصلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين بعده".

وأما استدلالهم بأنهم أعلم الأمة بآخر ما كان عليه صلى الله عليه وسلم بحرصهم على اتباعه، فذلك لا يثبت نسخ ما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم، ولا يكفي لردّه. ويدلّ لذلك عدم معارضة أبي سلمة وأبي رافع لأبي هريرة حين بين لهما السنة في ثبوت السجود في {إذا السماء انشقت}

وذلك يدل على عدم إجماع أهل المدينة، إذ كيف يتصوّر إجماع أهل المدينة مع مخالفة الخلفاء الراشدين؟ اللهم إلا أن يراد إجماع فقهائها وقرائها، غير الصحابة، وهم حينئذٍ بعض الأمة، وذلك لا ينسخ ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم مما رواه مالك رحمه الله وغيره عن الصحابة من السجود فيها، مما سأورده- إن شاء الله- أثناء الجواب عمّا استدلوا به هنا.

1 نفس المصدر2/194.

ص: 305

وأما حديث ابن عبّاس رضي الله عنهما،فيجاب عنه بأن المحدثين ضعفوه "لضعف في بعض رواته، واختلاف في بعض إسناده، وعلى تقرير ثبوته، فالمثبت مقدّم على النافي"1،ويدل على ذلك ما رواه مالك عن أبي سلمة بن عبد الرحمن "أن أبا هريرة قرأ لهم: إذا السماء انشقت، فسجد فيها، فلمّا انصرف أخبرهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سجد فيها"2،وفي لفظ عند البخاري "لو لم أر النبي صلى الله عليه وسلم يسجد لم أسجد"3.

ويجاب عن إنكار أبي سلمة وأبي رافع السجود على أبي هريرة بأنهما لم ينازعاه بعد أن أعلمهما بالسنة في هذه المسألة.

قال ابن عبد البر: "أي عمل يدعى مع مخالفة النبي صلى الله عليه وسلم،والخلفاء الراشدين بعد"4.

وأما ما استدلوا به من قول مالك5 رحمه الله الأمر عندنا أن

1 الزرقاني على الموطّأ2/197.

2 الموطّأ مع تنوير الحوالك1/162.

3 صحيح البخاري مع شرحه فتح الباري2/556، صحيح مسلم مع شرح النووي له5/76-77.

4 فتح الباري شرح صحيح البخاري2/556، وانظر تفاصيل ما قبله فيه.

5 الموطّأ مع تنوير الحوالك1/167.

ص: 306

عزائم1 سجود القرآن إحدى عشرة سجدة2، ليس في المفصل منها شيء، وفي رواية لابن بكير وغيره: الأمر المجمع عليه عندنا3.

فيجاب عنه بما نقله المواق عن القاضي عبد الوهاب من أن مالكاً "لم يمنع السجود في المفصل، وإنما منع أن يكون من عزائم السجود التي يعزم على الناس في السجود فيها، ومن أحكام ابن العربي: ثبت في الصحيح أن أبا هريرة قرأ إذا السماء انشقت فسجد فيها، فلما انصرف أخبرهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سجد فيها. وقد قال مالك: إنها ليست من عزائم السجود، والصحيح أنها منه، وهي رواية المدنيين عنه، وقد اعتضد فيها القرآن والسنة"4.

1 العزائم: جمع عزيمة. أي: التي يؤمر الناس بالسجود فيها. وسميت عزائم مبالغة في فعل السجود فيها مخافة أن تترك، وقيل: هي المأمورات. وقيل: ما ثبت بدليل شرعي. اهـ العدوي على الخرشي على مختصر خليل المالكي1/350.

2 وهي: التي في آخر الأعراف، والآصال في الرعد، ويؤمرون في النحل، وخشوعاً في سبحان، وبكياً في مريم، وإن الله يفعل ما يشاء في الحجّ، ونفوراً في الفرقان، والعظيم في النمل، ولا يستكبرون في ألم السجدة، وأناب في ص، اهـ من الزرقاني على الموطّأ2/197.

3 المقدّمات لابن رشد1/139. الطبعة الأولى، مطبعة السعادة مصر.

4 التاج والإكليل لمختصر خليل لمحمّد بن يوسف المواق2/61، بهامش مواهب الجليل لشرح مختصر خليل للحطاب. ملتزم الطبع مكتبة النجاح، طرابلس، ليبيا. الحديث أخرجه البخاري. انظر الفتح2/556.

ص: 307

وحتى يتضح عدم الإجماع على عدم السجود فيها، فإنني أسوق من النصوص وأقوال العلماء ما يثبت السجود فيها لكل طالب علم منصف إن شاء الله.

1 قال الربيع1: "قلت للشافعي: فإنا نقول: اجتمع الناس على أن سجود القرآن إحدى عشرة سجدة، ليس في المفصل منها شيء". فقال الشافعي: "إنه يجب عليكم أن لا تقولوا: اجتمع الناس إلا لما إذا لقي أهل العلم، فقيل لهم: اجتمع الناس على ما قلتم إنهم اجتمعوا عليه، قالوا: نعم، وكان أقل قولهم لك أن يقولوا: لا نعلم من أهل العلم مخالفاً فيما قلتم اجتمع الناس عليه، فإما أن تقولوا: اجتمع الناس وأهل المدينة معكم يقولون: ما اجتمع الناس على ما زعمتم أنهم اجتمعوا عليه، فأمران أسأتم النظر بهما لأنفسكم: في التحفظ في الحديث، وأن تجعلوا السبيل إلى من سمع قولكم اجتمع الناس إلى ردّ قولكم، ولاسيما إن كنتم إنما أنتم معتضدون على علم مالك -رحمنا الله وإياه-، وكنتم تروون عن النبي صلى الله عليه وسلم

1 هو: الربيع بن سليمان بن عبد الجبار بن كامل المرادي مولاهم، الشيخ أبو المؤذن، صاحب الإمام الشافعي، وراوية كتبه، الثقة الثبت في روايته، ولد سنة: 174هـ. وروى عنه أبو داود، والنسائي، وابن ماجة وأبو زرعة، وأبو حاتم، وغيرهم. توفي سنة: 270هـ. انظر طبقات الشافعية للسبكي2/132-134.

ص: 308

أنه سجد في "إذا السماء انشقت" وأن أبا هريرة سجد فيها، ثم تروون عن عمر بن عبد العزيز أنه أمر من يأمر القراء أن يسجدوا فيها"1.

2 أخرج مالك في موطّئه، والبخاري في صحيحه، في سجود {إذا السماء انشقت} ، واللفظ لمالك عن أبي سلمة بن عبد الرحمن أن أبا هريرة قرأ هم {إذا السماء انشقت} ،فسجد فيها، فلما انصرف أخبرهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سجد فيها"2، زاد البخاري قلت: "يا أبا هريرة، ألم أرك تسجد؟ " قال:"لو لم أر النبي صلى الله عليه وسلم يسجد لم أسجد"3.

والحديث كما ترى نص صريح في ثبوت السجود في {إذا السماء انشقت} " وأن النبي صلى الله عليه وسلم سجد فيها بالمدينة، لتصريح أبي هريرة بذلك، ولأنه رضي الله عنه إنما أسلم بالمدينة.

3 وأخرج مالك أيضاً عن ابن شهاب عن الأعرج "أن عمر بن الخطاب قرأ بالنجم إذا هوى، فسجد فيها، ثم قام فقرأ سورة أخرى"4.

1 الأم للإمام الشافعي7/202.

2 الوطّأ مع الزرقاني2/194.

3 صحيح البخاري مع الفتح2/556، صحيح مسلم مع النووي5/76-77، الأم للشافعي7/202.

4 الموطّأ مع الزرقاني2/195.

ص: 309

قال الباجي: "فذهب مالك إلى أنها ليست من عزائم السجود، وذهب ابن وهب وابن حبيب إلى أنها من عزائم السجود، وبه قالت أبو حنيفة، والشافعي.

ووجه ما تعلق به مالك: ما روى عن زيد بن ثابت "قرأت على النبي صلى الله عليه وسلم النجم، فلم يسجدفيها".

ووجه ما قاله ابن وهب: "ما روى عن عبد الله بن مسعود: "أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ سورة النجم فسجد فيها، فما بقي أحد من القوم إلا سجد"، فأخذ رجل من القوم كفا من حصى وتراب، فرفعه إلى وجهه وقال: يكفيني هذا. قال عبد الله: "لقد رأيته قتل بعد كافراً".

وما تعلق به ابن وهب أجرى على أصولها، لأن قول مالك رحمه الله:"إن سجود التلاوة ليس بواجب، ولا يمنع أن يمسك النبي صلى الله عليه وسلم عن السجود حين رآه زيد بن ثابت ترك السجود، ليرى ترك جواز السجود، ويعلم أنه ليس بواجب، وقد فعل ذلك عمر ابن الخطاب، ويحتمل أن يترك ذلك، لأنه لم يكن على طهارة"1.

1 المنتقى للباجي1/350. الطبعة الأولى، سنة: 1331هـ. مطبعة السعادة.

ص: 310

4 قال النووي: "وأما قوله: وزعم1 أنه قرأ على رسول الله صلى الله عليه وسلم والنجم فلم يسجد، فاحتج به مالك -رحمه الله تعالى- ومن وافقه في أنه لا سجود في المفصل، وأن سجدة النجم، وإذا السماء انشقت واقرأ باسم ربك منسوخة بهذا الحديث، أو بحديث ابن عباس: "أن النبي صلى الله عليه وسلم، لم يسجد في شيء من المفصل منذ تحول إلى المدينة". وهذا مذهب ضعيف، فقد ثبت حديث أبي هريرة رضي الله عنه المذكور بعده2 في مسلم. قال: "سجدنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في إذا السماء انشقت واقرأ باسم ربك"، وقد أجمع العلماء على أن إسلام أبي هريرة رضي الله عنه كان سنة سبع من الهجرة فدل على السجود في المفصل بعد الهجرة.

وأما حديث ابن عباس رضي الله عنهما فضعيف الإِسناد، لا يصح الاحتجاج به.

وأما حديث أبي زيد3 فمحمول على بيان جواز ترك السجود، وأنه سنة، ليس بواجب. ويحتاج إلى هذا التأويل للجمع بينه وبين حديث أبي هريرة4.

1 يعني زيد بن ثابت لأنه راوي الحديث. انظر: صحيح مسلم بشرح النووي5/75.

2 انظر: صحيح مسلم بشرح النووي5/77-78.

3 لعله زيد بن ثابت، لأنه هو راوي الحديث. انظر: صحيح مسلم بشرح النووي5/75.

4 صحيح مسلم بشرح النووي5/76-77.

ص: 311

5 وأخرج البخاري عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: "قرأ النبي صلى الله عليه وسلم النجم بمكة، فسجد فيها، وسجد من معه، غير شيخ أخذ كَفًّا من حصى" الحديث1.

6 قال ابن حجر: "وروى البزار والدارقطني من طريق هشام بن حسان عن ابن سيرين عن أبي هريرة "أن النبي صلى الله عليه وسلم سجد في سورة النجم، وسجدنا معه ". الحديث رجاله ثقات.

وروى ابن مردويه في التفسير بإسناد حسن عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي سلمة بن عبد الرحمن أنه رأى أبا هريرة يسجد في خاتمة النجم، فسأله فقال:"إنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم يسجد فيها "2. وأبو هريرة إنما أسلم بالمدينة.

وروى عبد الرزاق بإسناد صحيح عن الأسود بن يزيد عن عمر أنه سجد في إذا السماء انشقت. ومن طريق نافع عن ابن عمر أنه سجد

1 البخاري مع فتح الباري شرح صحيح البخاري2/551، صحيح مسلم بشرح النووي5/74-75.

2 انظر: صحيح مسلم بشرح النووي5/78، في سجود النبي صلى الله عليه وسلم في إذا السماء انشقت، واقرأ باسم ربك.

ص: 312

فيها. وفي هذا ردّ على من زعم أن عمل أهل المدينة استمر على ترك السجود في المفصل"1.

7 أخرج مالك عن نافع مولى ابن عمر أن رجلاً من أهل مصر أخبره أن عمر بن الخطاب قرأ سورة الحج فسجد فيها سجدتين، ثم قال:"إنّ هذه السورة فضلت بسجدتين"2.

8 روى مالك أيضاً عن عبد الله بن دينار أنه قال: "رأيت عبد الله بن عمر يسجد في سورة الحج سجدتين"3.

9 قال الشافعي: "أخبرنا إبراهيم بن سعد عن الزهري عن عبد الله بن ثعلبة بن صعير، أن عمر بن الخطاب صلى بهم بالجابية بسورة الحج فسجد فيها سجدتين. فقلت للشافعي: فإنا لا نسجد فيها إلا سجدة واحدة. فقال الشافعي: فقد خالفتم ما رويتم عن عمر بن الخطاب وعبد الله بن عمر معا، فكيف تتخذون قول عمر وحده حجة، وابن عمر وحده حجة حتى تردوا بكل واحد منهما السنة، وتبنون عليهما عدداً من الفقه ثم تخرجون عن قولهما لرأي أنفسكم؟ "4.

1 فتح الباري شرح صحيح البخاري20/55.

2 الموطّأ مع الزرقاني2/195، الأم للشافعي7/246.

3 الموطّأ مع الزرقاني2/195.

4 الأم للشافعي7/246.

ص: 313

والذي ظهر لي أن مالكاً رحمه الله-قدّم عمل أهل المدينة هنا على الأخبار وإن كان بعض المالكية وجه تركه للأخبار، بأنه لم ير السجود في تلك السجدات من عزائم السجود. وكون تلك السجدات ليست من عزائم السجود لا يكفي لردّ الأخبار الواردة فيها، لأن المالكية لا يقولون بوجوب سجود التلاوة وإنما المشهور في المذهب اختلافهم في حكم السجود في العزائم هل هو سنة غير مؤكدة، أو فضيلة1.

مما تقدم: يتضح للقاريء المنصف أنه لم يكن هناك إجماع من أهل المدينة ترد به النصوص الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم،ويكون ذلك الإجماع خالياً عن الخلفاء الراشدين وغيرهم من الصحابة رضي الله عنهم،ولم يثبت نسخ تلك الأخبار.

وسواء كان ترك المالكية للأخبار في هذين المثالين لعمل أهل المدينة، وفي غيرهما من الأمثلة التي قيل عليهم: إنهم تركوا الأخبار فيها لعمل أهل المدينة أم كان تركهم لها لسبب آخر، فإن الحقّ الذي لا غبار عليه هو اتباع السنة متى صحّت، وخلت عن معارض، وأنه لا يعدل عنها لأي عمل مالم تصحبه سنة راجحة على غيرها، إذ لو تركت السنن

1 انظر الشرح الكبير للدردير على مختصر خليل على هامش الدسوقي1/308، وشرح الزرقاني لموطّأ الإمام مالك2/194.

ص: 314

لعمل لتعطلت سنن رسول اللهصلى الله عليه وسلم،وَدَرَسَتْ رسومها، وعفت آثارها، وكم من عمل قد اطرد بخلاف السنة الصريحة على تقادم الزمان وإلى الآن، وكل وقت تترك سنة، ويعمل بخلافها، ويستمر عليها العمل، فتجد يسيراً من السنة معمولاً به على نوع تقصير.....

فقد تقرر أنّ كلّ عمل خالف السنة الصحيحة لم يقع من طريق النقل البتة، وإنما يقع من طريق الاجتهاد، والاجتهاد إذا خالف السنة كان مردوداً، وكل عمل طريقه النقل، فإنه لا يخالف سنة صحيحة ألبتة"1.

ويدل على اعتبار تقديم السنة على العمل ما ثبت من رجوع الصحابة -رضوان الله عليهم- إلى الأخبار متى ثبتت.

فمن ذلك رجوع عمر إلى خبر الضحاك بن سفيان الكلابي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ورّث امرأة أشيم الضبابي من دية زوجها، فقضى به عمر. ورجوع الصحابة إلى خبر عائشة في الغسل من التقاء الختانين، ورجوعهم إلى خبر أبي بكر الأئمة من قريش، والأنبياء يدفنون حيث ماتوا، ونحن معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة إلى غير ذلك من

1 إعلام الموقعين لابن القيم2/425-426.

ص: 315

الأمثلة مما هو موجود بكثرة1. "فالسنة هي العيار على العمل، وليس العمل عياراً على السنة"2.

وحيث إن غرضي من التعرض لهذه المسألة في هذا البحث كان مقصوراً على معرفة ما قيل عن المالكية من تقديم عمل أهل المدينة على خبر الواحد، وبيان الحقّ في ذلك، وقد كتبت في ذلك ما يسّر الله لي، ورأيت أنّ فيه كفاية لكلّ طالب علم، ولم يكن من موضوعي تتبع المسائل التي قيل: إن المالكية قدموا فيها عمل أهل المدينة على خبر الواحد، فإنني أقتصر على المثالين اللذين ذكرتهما كنموذج لغيرهما لكل باحث عن الحقّ. وأسأل الله تعالى أن يرينا الحقّ حقاً ويرزقنا اتباعه، والباطل باطلاً، ويرزقنا اجتنابه، إنه على كل شيء قدير وبالإِجابة جدير آمين.

1 انظر ص: 59 من هذا البحث فما بعدها.

2 إعلام الموقعين لابن القيم2/408.

ص: 316