الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الباب الثاني: في حكم العمل بخير الآحاد
الفصل الأول: في وجوب العمل به
…
الباب الثاني: في حكم العمل بخير الآحاد
أختلفت العلماء في حكم العمل به:
فذهب الجمهور الى العمل به، وذهب فريق من العلماء الى إنكار العمل به. وفي ذلك سبعة فصول:
الأول: في وجوب العمل به.
الثاني: فيذكر أدلة منكري العمل به والرد عليها.
الثالث: في العمل بخبر الواحد في الفتوى والشهادة والأمور الدنيوية.
الرابع: حكم قبوله خبر الواحد العدل في الحدود.
الخامس: خبر الواحد وعمل أهل المدينة.
السادس: خبر الواحد فيما تعم به البلوى.
السابع: إذا خالف الراوي مرويه.
الفصل الأول: في وجوب العمل به
استدل الجمهور على وجوب العمل بخبر الآحاد:
1-
الكتاب.
2-
الآثار.
3-
الإجماع.
الأول: الكتاب:
فقد استدلوا منه بما يأتي:
الأول: قوله تعالى: {فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} 1،فالفرقة اسم للثلاثة فصاعداً، والطائفة من الفرقة: بعضها، وقد اختلف في عدد الطائفة فقيل: واحد، وقيل: اثنان، وقيل: ثلاثة، وقيل: غير ذلك، إلا أنه لم يقل أحد بشرط بلوغها عدد التواتر مع أن الله ألزم بقبول خبرها في قوله: ? {وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} ،بل قد
1 سورة التوبة آية: 122.
تصدق الطائفة على الواحد، ويدل على ذلك قوله تعالى:{وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا} 1الآية، فلو اقتتل رجلان دخلا في حكم الآية. وقد نقل في سبب نزولها أنهما كانا رجلين، ثم في سياق الآية ما يدل على ذلك، فإنه تعالى قال:{فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ} ،وقال في الآية الأخرى:{فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ} 2،ونقل عن محمّد بن كعب في قوله تعالى:{إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ} 3 الآية، كان هذا رجلاً واحداً4.
وقال السرخسي: "ولا يقال: الطائفة اسم للجماعة، لأن المتقدمين اختلفوا في تفسير الطائفة فقال محمّد بن كعب: اسم للواحد، وقال عطاء: اسم للاثنين، وقال الزهري: لثلاثة، وقال الحسن: لعشرة. فيكون هذا اتفاقاً منهم أن الاسم يحتمل أن يتناول كل واحد من هذه
1 سورة الحجرات آية: 9.
2 سورة الحجرات آية: 10، انظر تفاصيله في: كشف الأسرار2/372، وأصول السرخسي1/323.
3 سورة التوبة آية: 66.
4 انظر العدة لأبي يعلى ص: 128.
الأعداد، ولم يقل أحد بالزيادة على العشرة"1.ومعلوم أن خبر العشرة غير متواتر عند الجمهور.
"فلو لم يكن خبر الواحد حجة لوجوب العمل، لما وجب الإنذار بما سمع، ثم لما ثبت بالنص أنه مأمور بالإنذار ثبت أنه يجب القبول منه، لأنه في هذا بمنزلة رسول الله صلى الله عليه وسلم،فإنه كان مأموراً بالإنذار، ثم كان قوله ملزماً للسامعين كيف وقد بين تعالى حكم القبول والعمل به في إشارة بقوله: {لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} أي لكي يحذروا عن الرد، والامتناع عن العمل بعد لزوم الحجة إياهم، كما قال تعالى: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ} 2،والأمر بالحذر لا يكون إلا بعد توجه الحجة. فدل أن خبر الواحد موجب للعمل"3.
واعترض عليه الغزالي بقوله: "هذا فيه نظر، لأنه إن كان قاطعاً، فهو في وجوب الإنذار لا في وجوب العمل، على المنذر عند اتحاد
1 أصول السرخسي1/323، وانظر العدة لأبي يعلى ص: 128 فما بعدها، مصورة فيلم.
2 سورة النور آية: 63.
3 أصول السرخسي1/324.
المنذر، كما يجب على الشاهد الواحد إقامة الشهادة لا ليعمل بها وحدها، لكن إذا انضم إليها غيرها"1.
ويجاب عنه بأن الشاهد إذا كان وحده فليس عليه أداء الشهادة على كل حال، لأن ذلك لا ينفع المدعي في ما لا يقوم اليمين فيه مقام الشاهد، بل ربما ضرت به تأدية الشهادة عند نقص النصاب كما لو كان الشهادة في القذف.
واعترض عليه بأن الإنذار "المراد به الفتوى، وذلك لأن الإنذار متوقف على التفقه إذ الأمر به إنما هو لأجل التفقه، والموقوف على التفقه هو الفتوى لا الخبر- وما دام الأمر كذلك فالآية إنما تفيد وجوب العمل بخبر الواحد في الفتوى فقط، وليس ذلك من محل النزاع.
ويجاب عن هذا بأن تخصيص الإنذار بالفتوى يوجب تخصيص القوم في قوله تعالى: {قَوْمَهُمْ} بالمقلدين، لأن المجتهدين لا يقلد بعضهم بعضاً في فتواه، وذلك يجعل الآية مخصصة في موضعين:"الإنذار - والقوم" والتخصيص خلاف الأصل. أما جعل الإنذار غير مخصص بالفتوى، فإنه لا يوجب تخصيص القوم بالمقلدين بل يجعله عاماً في المقلدين والمجتهدين، ولا شك أن المجتهد
1 المستصفى للغزالي مع فواتح الرحموت1/152.
يستفيد من الرواية باستنباط الأحكام منها، والمقلد يستفيد منها كذلك الانزجار، وحصول الثواب، وبذلك يكون عدم التخصيص أرجح، فيجب المصير إليه"1.
واعترض بأن الضميرين في قوله تعالى: {لِيَتَفَقَّهُوا} و {وَلِيُنْذِرُوا} راجعان إلى الفرقة الباقية للتفقه، لا إلى الطائفة النافرة للجهاد، وعليه فليست الآية مثبتة للعمل بخبر الواحد، لأن المنذرين هم الفرقة الباقية، وهي التي تنذر الطائفة النافرة للجهاد إذا رجعت. ويدل عليه أن الله لما توعد المتخلفين عن الجهاد في غزوة تبوك كان المؤمنون يتسارعون إلى الغزو حتى لا يبقى مع رسول اللهصلى الله عليه وسلم من يسمع الوحي ويتعلم الدين، فأمر الله أن ينفرللجهاد من كل فرقة طائفة، ويقعد الباقي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم للتفقه في الدين، ولإنذار من خرج للجهاد إذا رجع. وعلى هذا فلابد من إضمار، والتقدير: فلولا نفر من كل فرقة طائفة، وأقام طائفة ليتفقهوا. أما على التفسير الثاني: فلا حاجة إلى إضمار، ولا إلى تقدير، ومعلوم أن الاستغناء عن التقدير أولى من التقدير2.
1 أصول الفقه لأبي النور زهير3/140-141.
2 انظر تفاصيله في أصول فقه أبي النور زهير3/141-142، وروح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني للألوسي11/44.
قال الألوسي: "وذهب كثير من الناس إلى أن المراد من النفر الخروج لطلب العلم، فالآية ليست متعلقة بما فيها من أمر الجهاد، بل لما بينّ سبحانه وجوب الهجرة والجهاد، وكل منهما سفر لعبادة، فبعدما فضل الجهاد ذكر السفر الآخر، وهو الهجرة لطلب العلم، فضمير يتفقهوا وينذروا للطائفة المذكورة، وهي النافرة، وهو الذي يقتضيه كلام مجاهد، فقد أخرج عنه ابن جرير وابن المنذر وغيرهما أنه قال: إن ناساً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم خرجوا في البوادي، فأصابوا من الناس معروفاً ومن الخصب ما ينتفعون به ودعوا من وجدوا من الناس إلى الهدى، فقال لهم الناس: ما نراكم إلا قد تركتم أصحابكم وجئتمونا، فوجدوا في أنفسهم من ذلك حرجاً، وأقبلوا من البادية كلهم حتى دخلوا على النبيصلى الله عليه وسلم فنزلت هذه الآية: {وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ
…
} الخ.
وذكر بعضهم أن في الآية دلالة على أن خبر الواحد حجة، لأن عموم كل فرقة يقتضي أن ينفر من كل ثلاثة تفردوا بقرية طائفة إلى التفقه لتنذر قومها كي يتركوا ويحذروا، فلو لم يعتبر الإخبار مالم يتواتر لم يفد ذلك.
وقرر بعضهم وجه الدلالة بأمرين:
الأول: أنه تعالى أمر الطائفة بالإنذار، وهو يقتضي فعل المأمور به وإلا لم يكن إنذاراً.
الثاني: أمره سبحانه القوم بالحذر عند الإنذار، لأن معنى قوله تعالى:{لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} ليحذروا، وذلك أيضاً يتضمن لزوم العمل بخبر الواحد، وهذه الدلالة قائمة على أي تفسير شئت من التفسيرين، ولا يتوقف الاستدلال، بالآية على ما ذكر مع صدق الطائفة على الواحد الذي هو مبدأ الأعداد، بل يكفي فيه صدقها على ما لم يبلغ حد التواتر وإن كان ثلاثة فأكثر، وكذا لا يتوقف على أن يكون الترجي من المنذرين، بل يكون من الله سبحانه، ويراد به الطلب الجازم كما لا يخفى"1.
قال البخاري: "باب ما جاء في إجازة خبر الواحد الصدوق في الأذان والصلاة والصوم والأحكام، وقول الله تعالى:{فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} 2.
1 روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني11/44 فما بعدها.
2 سورة التوبة آية: 122.
ويسمى الرجل طائفة لقوله تعالى: {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا} 1،فلو اقتتل رجلان دخلا في معنى الآية، وقوله تعالى:{إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا} 2،وكيف بعث النبي صلى الله عليه وسلم أمراء واحداً بعد واحد، فإن سها منهم أحد رد إلى السنة"3،ثم ساق رحمه الله اثنين وعشرين حديثاً كلها تدل على قبول خبر الواحد، ومراده بالإجازة أنه حجة، وواضح من صنيعه أن العمل بخبر الآحاد دل عليه: الكتاب والسنة.4
الثاني: قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَاّعِنُونَ} 5،وقوله جل شأنه:{وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ} 6 الآية.
1 سورة الحجرات آية: 9.
2 سورة الحجرات آية: 6.
3 فتح الباري شرح صحيح البخاري13/231.
4 نفس المصدر13/233 فما بعدها.
5 سورة البقرة آية: 159.
6 سورة آل عمران آية: 187.
فهاتان الآيتان وإن كانتا نزلتا في أهل الكتاب لكتمانهم ما يجب عليهم بيانه من صفة نبينا محمّدصلى الله عليه وسلم فإنهما عامتان في كل من تعلم علماً، فإنه منهي عن الكتمان مأمور بالبيان. وقد صرح بذلك الإمام ابن جرير الطبري في تفسيره، فقال في الآية الأولى:"وهذه الآية وإن كانت نزلت في خاص من الناس، فإنها معني بها كل كاتم علماً فرض الله تعالى بيانه للناس، وذلك نظير الخبر الذي روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:" من سئل عن علم يعلمه فكتمه، ألجم يوم القيامة بلجام من نار "1.
وقال في الآية الثانية: "إن أهل التأويل اختلفوا في من عني بذلك فقيل: نزلت في اليهود خاصة، لأن الله أخذ عليهم العهد ليبيّنوا للناس محمداًصلى الله عليه وسلم ولا يكتمونه، وقال آخرون: عني بذلك كل من أوتي علماً من أمر الدين" ثم ساق عن قتادة ما يدل على ذلك"2.
1 جامع البيان في تأويل القرآن للإمام الطبر2/53. والحديث أخرجه أبو داود في سننه2/288 عن أبي هريرة رضي الله عنه.
2 انظر تفاصيله في تفسير ابن جرير الطبري4/202 فما بعدها مع تصرف.
قال الألوسي: "واستدل بالآية على وجوب إظهار العلم، وحرمة كتمان شيء من أمور الدين لغرض فاسد"1. ومعلوم أن المظهر والمبيّن للدين قد يكون واحداً، ولولا وجوب قبول خبره لما وجب عليه إظهاره وحرم عليه كتمانه، ويدل على ذلك ما ذكره الألوسي.
قال: "وروى الثعلبي بإسناده عن الحسن بن عمارة قال: "أتيت الزهري بعد أن ترك الحديث، فلقيته عام بابه، فقلت:"إن رأيت أن تحدثني؟ " فقال: "أما علمت أني تركت الحديث؟ " فقلت: "إما أن تحدثني، وإما أن أحدثك؟ " فقال: "حدثني". فقلت: "حدثني الحكم بن عتيبة عن نجم الخراز قال: "سمعت علي بن أبي طالب –رضي الله عنه-يقول: "ما أخذ الله تعالى على أهل الجهل أن يتعلموا حتى أخذ على أهل العلم أن يعلموا"2.
وقال السرخسي: "في هاتين الآيتين نهي لكل واحد عن الكتمان وأمر بالبيان على ما هو الحكم في الجمع المضاف إلى جماعة أنه يتناول كل واحد منهم، ولأن أخذ الميثاق من أصل الدين، والخطاب للجماعة بما هو أصل الدين يتناول كل واحد من الآحاد، ومن ضرورة توجه الأمر
1 روح المعان للألوسي4/150.
2 نفس المصدر4/150.
بالإظهار على كل واحد أمر السامع بالقبول منه والعمل به، إذ أمر الشرع لا يخلو عن فائدة حميدة ولا فائدة في النهي عن الكتمان والأمر بالبيان سوى هذا"1. ففيما ذكروه رحمهم الله من توجيه الآيتين ما يدل على وجوب العمل بخبر الآحاد.
الثالث: قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ} 2،فقد أمر الله سبحانه وتعالى رسوله صلى الله عليه وسلم في هذه الآية الكريمة بإبلاغ جميع ما أرسله الله به إلى الناس كافة، ولو كان خبر الواحد غير مقبول لتعذر إبلاغ الشريعة إلى الكل ضرورة، لتعذر خطابهصلى الله عليه وسلم لجميع الناس شفاها، وتعذر إرسال عدد التواتر لكلّ فرد معلوم أيضاً، ومعلوم أنهصلى الله عليه وسلم،بلغ الرسالة على أتم وجه وأكمله، وقد استشهد الناس على ذلك كما جاء في حديث جابر-رضي الله عنه في حجة الوداع:" وأنتم تسألون عني فماذا أنتم قائلون؟ " قالوا: "نشهد إنك قد بلغت وأديت ونصحت، فقال بإصبعه السبابة يرفعها إلى السماء
1 أصول السرخسي1/322.
2 سورة المائدة آية: 67.
وينكتها1إلى الناس: "اللهم أشهد اللهم أشهد ثلاث مرات"2.
قال الألولسي: "لما أن بعضها - يعني الشريعة - ليس بأولى بالأداء من بعض، فإذا لم تؤد بعضها فكأنك أغفلت أداءها جميعاً، كما أن من لم يؤمن ببعضها كان كمن لم يؤمن بكلها لإدلاء كل منها بما يدليه غيرها - هكذا- وكونها لذلك في حكم الشيء الواحد، والشيء الواحد لا يكون مبلغاً غير مبلغ مؤمناً به غير مؤمن به، ولأن كتمان بعضها يضيع ما أدى منها كترك بعض أركان الصلاة، فإن غرض الدعوة ينتقض به"3.
قلت: إذا كانت مشاهدته للجميع متعذرة، وإرسال عدد التواتر لكل فرد متعذر كذلك، وكان يرسل الآحاد للدعوة، لزم حينئذ قبول خبر الواحد العدل، وهو المطلوب، ومعلوم أنه لم يكتم شيئاً صلى الله عليه وسلم وأنه بلغ كما أمر.
الرابع: قوله تعالى: {فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ} 4،فالآية تدل بمنطوقها على الأمر بسؤال أهل الذكر، وهم
1 قال النووي: "هكذا ضبطناه ينكتها بعد الكاف تاء مثناه فوق، قال القاضي: كذا الرواية بالتاء المثناه فوق، قال: وهو بعيد المعنى. قال: قيل: صوابه ينكبها بباء موحده
…
ومعناه: يلقبها ويردها إلى الناس مشيراً إليهم، ومنه نكب كنانته إذا قلبها".اهـ شرح النووي لصحيح مسلم8/184.
2 صحيح مسلم4/41.
3 روح المعاني للألوسي6/118-119.
4 سورة النحل آية:43.
وإن رجح ابن كثير أن المراد بهم أهل الكتاب، إلا أنها عامة في سؤال كل من أوتي علماً. وقد استدل بها على وجوب سؤال العلماء فيما لا يعلم حكمه، والأمر في الآية بسؤال أهل الذكر لم يفرق فيه بين المجتهد وغيره، وسؤال المجتهد لغيره منحصر في طلب الإخبار بما سمع دون الفتوى، ولو لم يكن العمل به واجباً لما كان السؤال واجباً1.
الخامس: قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ} 2 الآية، أمر بالقسط والشهادة لله، ومن أخبر عن الرسول بما سمعه فقد قام بالقسط وشهد لله وكان ذلك واجباً عليه بالأمر، وإنما يكون واجباً لو كان القبول واجباً، وإلا كان وجوب الشهادة كعدمها، وهو ممتنع"3.
السادس: قوله جل شأنه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ} 4. فالخطاب في الآية عام، ومفهومه أن الجائي بنبأ إن كان
1 انظر تفاصيله في روح المعاني للألسوي14/147 فما بعدها، وتفسير ابن كثير2/570.
2 سورة النساء آية: 135.
3 كشف الأسرار في أصول الفقه2/372.
4 سورة الحجرات آية: 6.
معروف العدالة والصدق فإنه يجب قبول خبره، لأنه لو لم يقبل خبره لما كان عدم قبول خبر الفاسق معللا بالفسق، ولأن الأمر بالتبيّن مشروط بمجيء الفاسق، ومفهوم الشرط معتبر على الصحيح، فيجب العمل به إن لم يكن فاسقاً، كما لا يجب التثبت في قراءة فتثبتوا"1.
الثاني: آثار كثيرة تثبت وجوب العمل بخبر الواحد منها ما يأتي:
1-
قال الشافعي: "أخبرنا سفيان بن عبد الملك بن عمير عن عبد الرحمن ابن عبد الله بن مسعود عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " نضر الله عبداً سمع مقالتي فحفظها ووعاها وأداها، فرب حامل فقه غير فقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ثلاث لا يغل عليهن قلب مسلم: إخلاص العمل لله، والنصيحة للمسلمين، ولزوم جماعتهم، فإن دعوتهم تحيط من ورائهم".
فلما ندب رسول الله إلى استماع مقالته وحفظها وأدائها إمرءً يؤديها، والامرء -هكذا- واحد، دل على أنه لا يأمر أن يؤدي عنه إلا من تقوم به الحجة على من أدى إليه، لأنه إنما يؤدي عنه حلال، وحرام
1 انظر تفاصيله في روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني للألوسي24/146، كشف الأسرار2/372 فما بعدها.
يجتنب، وحد يقام، ومال يؤخذ ويعطى، ونصيحة في دين ودنيا، ودل على أنه قد يحمل الفقه غير فقيه، يكون له حافظاً، ولا يكون فيه فقيهاً. وأمر رسول الله بلزوم جماعة المسلمين مما يحتج به في أن إجماع المسلمين- إن شاء الله- لازم"1.
2-
قال: "أخبرنا مالك عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار "أن رجلاً قَبَّلَ امرأته وهو صائم، فوجد في ذلك وجداً شديداً، فأرسل امرأته تسأل عن ذلك فدخلت على أم سلمة أم المؤمنين فأخبرتها. فقالت أم سلمة:"إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل وهو صائم. فرجعت المرأة إلى زوجها فأخبرته، فزاده ذلك شراً. وقال: "لسنا مثل رسول الله، يحل الله لرسوله ما شاء". فرجعت المرأة إلى أم سلمة، فوجدت رسول الله عندها، فقال رسول الله: "ما بال هذه المرأة؟ " فأخبرته أم سلمة، فقال: "ألا أخبرتيها أني أفعل ذلك؟ " فقالت أم سلمة: "قد أخبرتها فذهبت إلى زوجها فأخبرته فزاده ذلك شراً"،وقال: "لسنا مثل رسول الله، يحل الله لرسوله ما شاء"،فغضب رسول الله ثم قال: "والله إني لأتقاكم لله، وأعلمكم بحدوده". وقد سمعت من يصل هذا الحديث، ولا يحضرني ذكر من وصله.
1 الرسالة للإمام الشافعي ص:175.
قال الشافعي: "في ذكر قول النبي صلى الله عليه وسلم: "ألا أخبرتيها أني أفعل ذلك؟ " دلالة على أن خبر أم سلمة عنه مما يجوز قبوله، لأنه لا يأمرها بأن تخبر عن النبي إلا وفي خبرها ما تكون الحجة لمن أخبرته. وهكذا خبر امرأته إن كانت من أهل الصدق عنده".
3-
أخبرنا مالك عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر قال: "بينما الناس بقباء في صلاة الصبح، إذ أتاهم آت فقال: "إن رسول الله قد أنزل عليه قرآن، وقد أمر أن يستقبل القبلة، فاستقبلوها، وكانت وجوههم إلى الشام، فاستداروا إلى الكعبة" وأهل قباء أهل سابقة من الأنصار وفقه، وقد كانوا على قبلة فرض الله عليهم استقبالها، ولم يكن لهم أن يدعوا فرض الله في القبلة إلا بما تقوم عليهم الحجة، ولم يلقوا رسول الله ولم يسمعوا ما أنزل الله عليه في تحويل القبلة، فيكونون مستقبلين بكتاب الله وسنة نبيه، سماعاً من رسول الله، ولا بخبر عامة، وانتقلوا بخبر واحد إذا كان عندهم من أهل الصدق، عن فرض كان عليهم، فتركوه إلى ما أخبرهم عن النبي أنه أحدث عليهم من تحويل القبلة، ولم يكونوا ليفعلوه- إن شاء الله- بخبر إلا عن علم بأن الحجة تثبت بمثله، إذا كان من أهل الصدق. ولا يحدثوا أيضاً مثل هذا العظيم في دينهم إلا عن علم بأن لهم إحداثه. ولا يدعون أن يخبروا رسول الله بما صنعوا منه. ولو كان ما قبلوا من خبر الواحد عن رسول الله في تحويل القبلة، وهو فرض، مما يجوز لهم لقال لهم- إن شاء الله- رسول الله: قد
كنتم على قبلة، ولم يكن لكم تركها إلا بعد علم تقوم عليكم به حجة من سماعكم مني، أو خبر عامة، أو أكثر من خبر واحد عني.
4-
أخبرنا مالك عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن أنس بن مالك قال: "كنت أسقي أبا طلحة وأبا عبيدة بن الجراح، وأبي بن كعب شراباً من فضيخ وتمر، فجاءهم آت فقال: "إن الخمر قد حرمت" فقال أبو طلحة: "قم يا أنس إلى هذه الجراري فاكسرها". فقمت إلى مهراس لنا فضربتها بأسفله حتى تكسرت".
وهؤلاء في العلم والمكانة من النبي وتقدم صحبته بالموضع الذي لا ينكره عالم. وقد كان الشراب عندهم حلالاً يشربونه، فجاءهم آت وأخبرهم بتحريم الخمر، فأمر أبو طلحة، وهو مالك الجرار بكسر الجرار، ولم يقل، هو، ولا هم، ولا أحد منهم: نحن على تحليلها حتى نلقى رسول الله، مع قربه منا، أو يأتينا خبر عامة، وذلك أنهم لا يهرقون حلالاً، إهراقه سرف، وليسوا من أهله، والحال أنهم لا يدعون إخبار رسول الله مافعلوه، ولا يدع، لو كان ما قبلوا من خبر الواحد ليس لهم أن ينهاهم عن قبوله.
5-
وأمر رسول الله أنيسا أن يغدو على امرأة رجل ذكر أنها زنت "فإن اعترفت فارجمها" فاعترفت فرجمها.
وأخبرنا بذلك مالك وسفيان عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن أبي هريرة وزيد بن خالد، وساقا عن النبي، وزاد سفيان مع أبي هريرة وزيد بن خالد شبلاً1.
6-
أخبرنا عبد العزيز عن عبد الهاد –هكذا- عن عبد الله بن أبي سلمة عن عمرو بن سليم الزرقي عن أمه قالت: "بينما نحن بمنى إذا علي بن أبي طالب على جمل يقوله: "إن رسول الله يقول: "إن هذه أيام طعام وشراب فلا يصومن أحد" فاتبع الناس وهو على جمله، يصرخ فيهم بذلك ".
ورسول الله لا يبعث بنهيه واحداً صادقاً إلا لزم خبره عن النبي، بصدقه عند المنهيين عن ما أخبرهم أن النبي نهى عنه. ومع رسول الله الحاج، "وقد كان قادراً على أن يبعث إليهم فيشافههم أو يبعث إليهم عدداً فبعث واحداً يعرفونه بالصدق.
(شبل) بكسر الشين المعجمة وسكون الباء الموحدة ابن معبد ويقال: ابن خليد، وقيل: غير ذلك. وزيادة شبل في الإسناد انفرد بها ابن عيينة. قال ابن حجر في التهذيب: ولم يتابع على ذلك، ورواه النسائي والترمذي وابن ماجة
…
اهـ أحمد شاكر من تعليقه على الرسالة ص: 411.
وهو لا يبعث بأمره إلا والحجة للمبعوث إليهم وعليهم قائمة بقبول خبره عن رسول الله، فإذا كان هكذا مع ما وصفت من مقدرة النبي على بعثه جماعة إليهم، كان ذلك- إن شاء الله- فيمن بعده ممن لا يمكنه ما أمكنهم وأمكن فيهم، أولى أن يثبت به خبر الواحد الصادق.
7-
أخبرنا سفيان عن عمرو بن دينار عن عمرو بن عبد الله بن صفوان عن خال له- إن شاء الله- يقال له: يزيد بن شيبان قال: "كنا في موقف لنا بعرفة، يباعده عمرو من موقف الإمام جداً، فأتانا ابن مريع الأنصاري فقال لنا: "أنا رسول الله إليكم يأمركم أن تقفوا على مشاعركم هذه، فإنكم على إرث من إرث أبيكم إبراهيم"1.
8-
ما تواتر من إنفاذ رسول الله صلى الله عليه وسلم رسله وأمره وقضاته وسعاته إلى الأطراف، لتبليغ الرسالة وإقامة الأحكام والقضاء، وقد كان يجب عليهم تلقي ذلك بالقبول، وإلا لما كان الإرسال مفيداً، وهم آحاد، ولم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم ليبعث إلا واحداً تقوم الحجة بخبره على من بعث إليه مما تقدم. فمن ذلك أنه صلى الله عليه وسلم أمّر أبا بكر على الحج سنة تسع، وعلياً على تقسيم الغنيمة وإفراد الخمس باليمن، وقراءة سورة براءة على المشركين في حجة أبي بكر، وتحميله فسخ العهود والعقود التي كانت بينهم وبينه صلى الله عليه وسلم،
1 الرسالة للإمام الشافعي ص: 176-179.
وأمّر على مكة عتاب بن أسيد، وعلى الطائف عثمان بن أبي العاص وعلى البحرين العلاء بن الحضري، وعلى عمان عمرو بن العاص، وعلى نجران أبا سفيان بن حرب، وعلى صنعاء وسائر جبال اليمن باذان ثم ابنه شهرا وفيروز والمهاجر بن أمية، وعلى الجند وما معها معاذ بن جبل، وعلى وادي القرى عمرو بن سعيد بن العاص، وعلى تيماء يزيد بن أبي سفيان، وعلى اليمامة ثمامة، وأمّر أبا عبيدة لقبض الجزية من أهل البحرين، وعبد الله بن رواحة لخرص خيبر، وولى على الصدقات عمرو ابن حزم، وأسامة بن زيد وعبد الرحمن بن عوف وغيرهم ممن تقدم ذكر بعضهم ويطول ذكرهم1.
قال الشافعي:"وبعث في دهر واحد اثني عشر رسولاً، إلى اثني عشر ملكاً يدعوهم إلى الإسلام، ولم يبعثهم إلا إلى من قد بلغته الدعوة وقامت عليه الحجة فيها، وألا يكتب فيها دلالات لمن بعثهم إليه على أنها كتبه. وقد تحرى فيهم ما تحرى في أمرائه، من أن يكونوا معروفين، فبعث دحية إلى الناحية التي هو فيها معروف.
1 انظر تفاصيل ذلك في فتح الباري شرح صحيح البخاري13/241، وص: 135 من هذا البحث فما بعدها.
ولو أن المبعوث إليه جهل الرسول، كان عليه طلب علم أن النبي بعثه ليستبريء شكه في خبر الرسول، وكان على الرسول الوقوف حتى يستبرئه المبعوث إليه. ولم تزل كتب رسول الله تنفذ إلى ولاته بالأمر والنهي، ولم يكن لأحد من ولاته ترك إنفاذ أمره، ولم يكن ليبعث رسولاً إلا صادقاً عند من بعثه إليه. وإذا طلب المبعوث إليه علم صدقه وجده حيث هو. ولو شك في كتابه، بتغيير في الكتاب، أو حال تدل على تهمة، من غفلة رسول حمل الكتاب، كان عليه أن يطلب علم ما شك فيه، حتى ينفذ ما يثبت عنده من أمر رسول الله. وهكذا كانت كتب خلفائه بعده، وعمالهم، وما أجمع المسلمون عليه، من أن يكون الخليفة واحداً والقاضي واحد، والأمير واحد والإمام -هكذا-"1.
فإن قيل: هذه أخبار آحاد، فكيف يثبت بها كون خبر الواحد حجة؟
1 الرسالة للإمام الشافعي ص: 181-182.
أجيب بأنها وإن كانت آحادها آحاداً، فهي متواترة من جهة المعنى، كالأخبار الواردة بسخاء حاتم، وشجاعة عليّ.
قال ابن حجر: "واعترض بعض المخالفين بأن إرسالهم إنما كان لقبض الزكاة والفتيا ونحو ذلك. وهي مكابرة، فإن العلم حاصل بإرسال الأمراء لأعم من قبض الزكاة وإبلاغ الأحكام، وغير ذلك. ولو لم يشتهر من ذلك إلا تأمير معاذ بن جبل وأمره له، وقوله له: "إنك تقدم على قوم أهل كتاب فأعلمهم أن الله فرض عليهم
…
" الخ. والأخبار طافحة بأن أهل كل بلد منهم كانوا يتحاكمون إلى الذي أمر عليهم، ويقبلون خبره، ويعتمدون عليه من غير التفات إلى قرينة، وفي أحاديث هذا الباب كثير من ذلك"1.
1 فتح الباري شرح صحيح الباري13/235، وانظر ص: 115 من هذا البحث فما بعدها.
الثالث: الإجماع:
أجمع الصحابة رضي الله عنهم على العمل بخبر الآحاد في وقائع خارجة عن العد والحصر. فقد عمل أبو بكر رضي الله عنه بخبر المغيرة بن شعبة ومحمد بن مسلمة في ميراث الجدة السدس لما أخبره أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطاها السدس1. وقبل عمر خبر عبد الرحمن بن عوف في أخذ الجزية من المجوس لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "سنوا بهم سنة أهل الكتاب" 2. وعمل بخبر حمل ابن مالك في دية الجنين أن النبي صلى الله عليه وسلم " قضى فيه بغرة: عبد أو وليدة "3،وعمل بخبر الضحاك ابن سفيان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم " كتب إليه أن يورث امرأة أشيم الضبابي من دية زوجها" 4،وعمل عثمان بخبر فريعة بنت مالك أخت أبي سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم "أمرها بالسكنى في دار زوجها لما قتل حتى تنقضي
1 الموطّأ1/335، ابن ماجة2/84.
2 الرسالة للإمام الشافعي ص: 186، الدارقطني2/154، الموطّأ1/207، وتقدم في ص: 85 من هذا البحث.
3 صحيح البخاري عن أبي هريرة9/14 فما بعدها، الموطّأ2/855، الرسالة ص:185.
4 أبو داود2/117، الرسالة ص: 184-185، نيل الأوطار7/373.
عدتها" 1. وقبل عمر خبر عمرو بن حزم في أن دية الأصابع سواء2. وقبل خبر عبد الرحمن بن عوف في أمر الطاعون3،وقبل خبر سعد ابن أبي وقاص في المسح على الخفين4. وقبل الصحابة خبر أبي بكر: " إنا معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة "5،وحديث: "الأنبياء يدفنون حيث ماتوا" 6.
1 الموطّأ2/591، الرسالة ص: 189-190، أبو داود1/536-537.
2 الرسالة ص: 183-184، ومقتضى كلام الشافعي أن الذي رجع هم الصحابة، أما عمر فلم يبلغه لقوله: ((ولو بلغ عمر هذا صار إليه
…
كما صار إلى غيره)) انظر الرسالة نفس الصفحة، وأخرجه أبو داود2/494 عن أبي موسى.
3 صحيح البخاري7/169، الرزقاني على الموطّأ5/221-222.
4 صحيح مسلم1/156، فتح الباري شرح صحيح البخاري1/213.
5 صحيح البخاري8/185-186، الزرقاني5/482-483.
6 ابن ماجة1/255، الموطّأ مع تنوير الحواليك1/179 عن أبي بكر رضي الله عنه ولفظه:((ما دفن نبي قط إلا في مكانه الذي توفي فيه)) .
وعمل ابن عباس في خبر أبي سعيد الخدري في الربا في النقد بعد أن كان لا يحكم بالربا في غير النسيئة1، وعمل زيد بن ثابت بخبر امرأة من الأنصار أن الحائض تنفر بلا وداع2، وعمل الصحابة بفرض الغسل من التقاء الختانين لخبر عائشة3، واشتهر عن علي رضي الله عنه العمل بخبر
1 قال ابن قدامة: "إنه رجع إلى قول الجماعة، روى ذلك الأثرم بإسناده قال الترمذي وابن المنذر وغيرهم. وقال سعيد بإسناده عن أبي صالح: "صحبت ابن عباس حتى مات، فوالله ما رجع عن الصرف". وعن سعيد بن جبير قال: سألت ابن عباس قبل موته بعشرين ليلة عن الصرف فلم ير به بأساً وكان يأمر به اهـ. المغني لابن قدامة4/3، قال ابن حجر:"وقد روى الحاكم من طريق حيان العدوي، وهو بالمهملة والتحتانية:سألت أبا مجلز عن الصرف فقال: كان ابن عباس لا يرى به بأساً زماناً من عمره، ما كان منه عيناً بعينٍ يداً بيدٍ، وكان يقول: إنما الربا في النسيئة، فلقيه أبو سعيد" فذكر القصة والحديث وفيه: " التمر بالتمر والحنطة بالحنطة والشعير بالشعير والفضة بالفضة يداً بيد مثلاً بمثلٍ" فمن زاد فهو ربا، فقال ابن عباس: أستغفر الله وأتوب إليه، فكان ينهى عن ذلك أشد النهي" اهـ ابن حجر من فتح الباري شرح صحيح البخاري4/382.
2 الرسالة للإمام الشافعي ص: 190، والحديث أخرجه البخاري في صحيحه1/86.
3 الموطّأ1/46، صحيح مسلم1/187، دار الطباعة العامرة.
الواحد قال: "كنت إذا سمعت من رسول الله حديثاً نفعني الله بما شاء منه، وإذا حدثني غيره حلفته، فإذا حلف صدقته، وحدثني أبو بكر وصدق أبو بكر1 وعمل الصحابة بخبر رافع بن خديج أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن المخابرة2 قال ابن عمر: "كنا نخابر ولا نرى بذلك بأساً، حتى زعم رافع بن خديج أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عنها، فتركناها من أجل ذلك"3.
واشتهر عن الصحابة الرجوع إلى عائشة، وأم سلمة، وميمونة، وحفصة، وفاطمة بنت أسد، وأسامة بن زيد، وغيرهم. من الصحابة رضوان الله عليهم4.
1 الكفاية في علم الرواية للخطيب ص: 68.
2 هي المزارعة، مشتقة من الخبار وهي الأرض اللينة، والمزارعة هي دفع الأرض إلى من يزرعها أو يعمل عليها، والزرع بينهما. وهي جائزة عند أكثر أهل العلم، وكرهها بعض العلماء. ومن أراد الوقوف على أقوال العلماء فيها فليرجع إلى ذلك في محله. انظر المغني لابن قدامة5/343.
3 صحيح البخاري3/134 فما بعدها، الرسالة ص:192.
4 انظر تفاصيله في فتح الباري13/235، المستصفى1/148 فما بعدها، الإحكام للآمدي2/57 فما بعدها، وكشف الأسرار2/374 فما بعدها، والتقرير والتحبير شرح تحرير الكمال2/272، ومذكرة أصول الفقه للشيخ محمّد الأمين ص: 107 فما بعدها.
قال الشافعي: "ولم يزل سبيل سلفنا والقرون بعدهم إلى من شاهدناه هذه سبيل –هكذا-. وكذلك حكى لنا عمن حكى لنا عنه من أمل العلم بالبلدان، قال: وجدنا سعيداً بالمدينة يقول: أخبرني أبو سعيد الخدري عن النبي في الصرف، فيثبت حديثه سنة. ويقول: حدثني أبو هريرة عن النبي فيثبت حديثه سنة. ويروى عن الواحد غيرهما فيثبت حديثه سنة.
ووجدنا عروة يقول: حدثني عائشة "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى أن الخراج بالضمان" فيثبته سنة. ويروى عنها عن النبي شيئاً كثيراً، فيثبتها سننا، يحل بها جرم.
وكذلك وجدناه يقول: حدثني أسامة بن زيد عن النبي ويقول: حدثني عبد الله بن عمر عن النبي وغيرهما. فيثبت خبر كل واحد منهما على الانفراد سنة.
ثم وجدناه أيضاً يصير إلى أن يقول. حدثني عبد الرحمن بن عبد القارئ عن عمر. ويقول: حدثني يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب عن أبيه عن عمر. ويثبت كل واحد من هذا خبراً عن عمر.
ووجدنا القاسم بن محمد يقول: حدثتني عائشة عن النبي ويقول: في حديث غيره: حدثني ابن عمر عن النبي. ويثبت خبر كل واحد منهما على الانفراد سنة.
ويقول: حدثني عبد الرحمن ومجمع ابنا زيد بن حارثة عن خنساء بنت خدام عن النبي، فيثبت خبرها سنة، وهو خبر امرأة واحدة.
ووجدنا علي بن حسين يقول: أخبرنا عمرو بن عثمان عن أسامة بن زيد أن النبي قال: "لا يرث المسلم الكافر". فيثبتها سنة ويثبتها الناس بخبره سنة.
ووجدنا كذلك محمد بن علي بن حسن يخبر عن جابر عن النبي وعن عبيد الله بن أبي رافع عن أبي هريرة عن النبي فيثبت كل ذللك سنة.
ووجدنا محمد بن جبير بن مطعم، ونافع بن جبير بن مطعم، ويزيد بن طلحة بن ركانة، ومحمد بن طلحة بن ركانة، ونافع بن عجير بن عبد يزيد، وأبا سلمة بن عبد الرحمن، وحميد بن عبد الرحمن، وطلحة بن عبد الله بن عوف، وخارجة بن زيد بن ثابت، وعبد الرحمن بن كعب بن مالك، وعبد الله بن أبي قتادة، وسليمان بن يسار، وعطاء بن يسار، وغيرهم من محدثي أهل المدينة، كلهم يقول حدثني فلان لرجل من أصحاب النبي عن النبي أومن التابعين عن رجل من أصحاب النبي عن النبي، فيثبت ذلك سنة.
ووجدنا عطاء وطاوسا، ومجاهدا، وابن أبي مليكة، وعكرمة بن خالد، وعبيد الله بن أبي يزيد وعبد الله بن باباه، وابن أبي عمارة، ومحدثي المكيين، ووجدنا وهب بن منبه باليمن، وهكذا، ومكحولا بالشام، وعبد الرحمن بن غنم والحسن، وابن سيرين بالبصرة، والأسود وعلقمة
والشعبي بالكوفة، ومحدثي الناس وأعلامهم بالأمصار، كلهم يحفظ عنه تثبيت خبر الواحد عن رسول الله، والانتهاء إليه، والإفتاء به، ويقبله كل واحد منهم عن من فوقه، ويقبله عنه من تحته.
ولو جاز لأحد من الناس أن يقول في علم الخاصة، أجمع المسلمون قديماً وحديثاً على تثبيت خبر الواحد والانتهاء إليه، بأنه لم يعلم من فقهاء المسلمين أحد إلا وقد ثبته، جاز لي"1.
ولم يبلغنا أنه أنكر على أحد منهم في عصر، ولو كان نكير لنقل إلينا عنه ذلك، ولوجب في مستقر العادة اشتهار الإنكارعليه، لتواتر الدواعي على نقله كما توفرت على نقل العمل به، فقد ثبت أن ذلك مجمع عليه بين السلف والخلف، وإنما الخلاف حصل بعدهم، كما أجمعوا على قبول أخبار الآحاد من الوكلاء والمضاربين والرسل وغيرهم2.
قال الخطيب البغدادي: "وعلى العمل بخبر الواحد كان كافة التابعين ومن بعدهم من الفقهاء الخالفين في سائر أمصار المسلمين إلى وقتنا هذا، ولم يبلغنا عن أحد منهم إنكار ذلك، ولا اعتراض عليه، فثبت
1 الرسالة ص: 194-196.
2 انظر المستفصى للغزالي1/150، وكشف الأسرار لبعد العزيز البخاري2/375.
أن من دين جميعهم وجوبه، إذ لو كان فيهم من كان لا يرى العمل به لنقل إلينا الخبر عنه بمذهبه فيه"1.
فإن قيل لعلهم عملوا بها لما احتف بها من قرائن، أو لأخبار صاحبتها لا بمجردها. أجيب عنه بأنهم صرحوا بأنهم إنما عملوا بها بمجردها:
قال الشافعي: "أخبرنا سفيان عن الزهري عن سعيد بن المسيب "أن عمر بن الخطاب كان يقول: الدية للعاقلة، ولا ترث المرأة من دية زوجها شيئاً، حتى أخبره الضحاك بن سفيان أن رسول الله كتب إليه أن يورث امرأة أشيم الضبابي من ديته".فرجع إليه عمر"2.
وقال: "إن عمر قال: أذكر الله امرأ سمع من النبي في الجنين شيئاً؟ فقام حمل بن مالك بن النابغة فقال: "كنت بين جارتين لي، يعني ضرتين، فضربت إحداهما الأخرى بمسطح3 فألقت جنينها ميتاً، فقضى
1 الكفاية في علم الرواية للخطيب البغدادي ص: 72.
2 الرسالة للإمام الشافعي ص: 184-185.
3 المسطح العود.
فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم بغرة" 1 فقال عمر: لو لم نسمع فيه لقضينا بغيره. وقال غيره: إن كدنا نقضي في مثل هذا برأينا"2.
ورجع عمر بالناس عن الشام لما بلغه خبر الطاعون بخبر عبد الرحمن بن عوف3، وقال في المجوس: ما أدري كيف أصنع في أمرهم؟ فقال له عبد الرحمن بن عوف: أشهد لسمعت رسول الله يقول: "سنوا بهم سنة أهل الكتاب"4.
وقال ابن عمر: كنا نخابر، ولا نرى بذلك بأساً حتى زعم رافع أن رسول الله نهى عنها، فتركناها من أجل ذلك5.
وأما ما اعترض به المخالف من توقف بعض الصحابة في العمل بخبر الآحاد، فسيأتي الجواب عنه في الفصل الآتي بعد هذا إن شاء الله.
1 العبد أو الأمة.
2 الرسالة ص: 185.
3 الرسالة ص: 186.
4 نفس المصدر ص: 186.
5 نفس المصدر ص: 192.