الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفصل الثالث: في العمل بخبر الواحد العدل في الفتوى والشهادة والأمور الدنيوية
اتفق العلماء على العمل بخبر الواحد العدل في الفتوى والشهادة والأمور الدنيوية. واختلفوا في حكم العمل به.
فمنهم من قال: يجب العمل به في الكل، ومنهم من قال: يجوز العمل به فيها، ومنهم من فصل فقال: يجب العمل به في الفتوى والشهادة ويجوز في الأمور الدنيوية وإليك تفاصيل ذلك:
قال البيضاوي: "اتفقوا على الوجوب في الفتوى والشهادة، والأمور الدنيوية"1،وقرر الأسنوي ذلك بقوله:"اتفق الكل على وجوب العمل بخبر الواحد في الفتوى والشهادة والأمور الدنيوية كإخبار طبيب أو غيره بمضرة شيء مثلاً، وإخبار شخص عن المالك أنه منع من التصرف في ثماره بعد أن أباحها، وشبه ذلك من الآراء والحروب ونحوها. قال: "وهذه العبارة التي ذكرها المصنف ذكرها صاحب الحاصل"2.
1 نهاية السول شرح منهاج الوصول مع البدخشي2/230.
2 نفس المصدر2/231.
وقال ابن السبكي: "يجب العمل به في الفتوى والشهادة إجماعاً، وكذا سائر الأمور الدنيوية"،وتابعه على الوجوب في الكل الجلال المحلي، والبناني والشيخ حسن العطار في حاشيتيهما عليه، فلم يفرقوا بين المذكورات في الحكم1.
وأشار صاحب المراقي إلى ذلك بقوله:
وفي الشهادة وفي الفتوى العمل
…
به وجوباً اتفاقا قد حصل
كذاك جاء في اتخاذ الأدوية
…
ونحوها كسفر والأغذية
أي يجب العمل إجماعاً بخبر الواحد العدل في الشهادة بشرطها، وفي الفتوى وحكم الحاكم من لدن محمد إلى الآن من غير نكير من أحد من الصحابة، ولا من التابعين، ولا من تابعيهم، كما جاء الأخذ إجماعاً بخبر الواحد العدل في الأمور الدنيوية كاستعمال الأدوية لمعالجة المرضى، وارتكاب الأسفار إلى البلاد، واستعمال الأغذية اعتماداً على خبر عدل عارف مؤتمن2.
1 حاشية البناني على المحلى على جمع الجوامع2/131، وحاشية العطار على المحلى2/158.
2 اتظر فتح الودود شرح مراقي السعود ص:221.
وأما القول بالجواز فيها كلّها، فقد نقله الأسنوي عن صاحب المحصول حيث قال. إنه قال:"إن الخصوم بأسرهم اتفقوا على جواز العمل بالخبر الذي لا يعلم صحته في الفتوى والشهادة والأمور الدنيوية"1.
ووجه البدخشي عبارة المحصول بما ينفى الفرق بين العبارتين حيث قال: "إلا أن الظاهر أنه أراد بالجواز معناه الأعم الشامل للوجوب القطعي بتأثيم العامي بترك العمل بقول المجتهد الذي قلده، وتأثيم القاضي بترك الحكم بعد شهادة الشهود العدول"2.لكن بقي عليه حكم الأمور الدنيوية فإنه لم يتعرض لها في التوجيه كما هو ظاهر منه. وفرق القرافي بين المذكورات لا الحكم حيث أجاز العمل به في الأمور الدنيوية، وأوجبه في الفتوى والشهادة فقال: "ومعنى قولي: اتفقوا على أنه حجة في الدنيويات: أنه يجور الاعتماد على قول العدل في الأسفار، وارتكاب الأخطار إذا أخبر أنها مأمونة، وكذلك سقي الأدوية ومعالجة المرضى وغير ذلك من أمور الدنيا، ويجوز، بل يجب الاعتماد على قول المفتي وإن كان قوله لا يفيد عند المستفتين إلا الظن، ولذلك
1 نهاية السول شرح منهاج الوصول مع البدخشي2/231.
2 نفس المصدر2/231.
أجمعت الأمة على أن الحاكم يجب عليه أن يحكم بقول الشاهدين، وإن لم يحصل عنده إلا الظن"1.
قلت: التفصيل الذي ذكره القرافي أولى، لأن العمل بالأحكام واجب، أما العمل به في الأمور الدنيويه، فأصله الجواز ما لم يترتب عليه حكم شرعي كما إذا أخبر طبيب مريضاً أنه إذا لم يستعمل العلاج أدى ذلك إلى هلاكه، فإنه يجب عليه العمل بقوله، لأن الله تعالى قال:{وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} 2. فالمريض إذا لم يأخذ بقول الطبيب العارف عرض نفسه للتهلكة لعدم أخذه بالأسباب المأمور بها شرعاً، والله تعالى أعلم.
1 شرح تنقيح الفصول ص:358. منشورات مكتبة الكليات الأزهرية. تحقيق طه عبد الرؤوف.
2 سورة البقرة آية: 195.