الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الباب الثاني: ما قيل عن اعتماد فقه الشيخ محمد بن عبد الوهاب على الكتاب والسنة
المقدمة
…
"المقدمة"
من المعلوم أن كل داعية سيدلي بأدلة إما أن تكون صحيحة فمآلها إلى الثبوت والاستمرار، وإما أن تكون باطلة فيكون مآلها للرد.
إن قبول الناس المنصفين وردهم للدعوة يرجع إلى صدق الداعية وكذبه، وليس كل من يدعي وصلا يقر له بالوصول، ولا كل من زعم أمرا ثبت له المزعوم.
وكل يدعي وصلا بليلى
…
وليلى لا تقر لهم بذاك
قال الله تعالى: {قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} 1.
فاليهود زعموا ولاية الله ولكن ليس لهذا الزعم ما يثبته. {زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ} 2.
1 سورة الجمعة آية: 6.
2 سورة التغابن آية: 7.
فالكفار زعموا عدم البعث، وحيث أنهم لم يبنوا زعمهم على أسس من الحقيقة أبطله الله وأثبت ضده وما ينافيه. وبهذه المقدمة البسيطة يتضح لنا صدق القول بأن فقه الشيخ محمد بن عبد الوهاب معتمد على الكتاب والسنة.
فليس ما قيل في ذلك مجرد زعم أو توهم، بل ما قاله عن نفسه من اعتماد على الأدلة وما قاله غيره واضح جلي، وثابت في مراسلاته وكتاباته ومؤلفاته المنتشرة بين العالم، لا يستطيع أحد إنكارها إلا من أغمض عينيه عن الحقيقة، وتغلب عليه الهوى والتقليد الأعمى والعصبية الممقوتة.
وما انطلت عليه شبه المشبهين من الخرافيين بأن الشيخ محمد بن عبد الوهاب لا يحب الأنبياء والصالحين، غرس هذه الشبهة الشيطان بأدمغة أوليائه، وأغفلهم عن مراد الداعية، وهو أنه ينهى عن زيارة القبور البدعية، وإعطاء الأولياء الصالحين فوق حقهم وتشريكهم بحق الله.
وما ثبت من زيارة القبور الشرعية، فمحمد بن عبد الوهاب يأمر بها ولم ينه عنها. ويعطي الأنبياء والأولياء حقهم من محبتهم التي تجعل من يحبهم يتأسى بأقوالهم وأفعالهم حتى يكون وليا بما كانوا به أولياء، وصالحا بما كانوا به صلحاء. قال تعالى:{أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ} 1.
فلم يثبت الولاية إلا للمؤمنين المتقين، ولم يقل إن الولاية لمن عظم قبور الصالحين وتبرك بهم وجعل لهم النذور والذبائح.
وهذه الحقيقة ثابتة في مؤلفات الشيخ المجدد للقرن الثاني عشر الهجري، والذي ما زال إصلاحه مستمرا وتأليفه فيه مستقرا. فهو بين أيدينا منظورا ومقروءا، فنسأل الله أن يرينا الحق حقا ويرزقنا اتباعه، ويرينا الباطل باطلا ويرزقنا اجتنابه. فكانت عناية الشيخ بالعقيدة وتصحيحها وتعديل مفاهيم الناس، ولكنه مع ذلك لم
1 سورة يونس آية: 62-63.
يغفل الفروع، بل أدى لها جملة من الاهتمام، يتضح ذلك فيما قرره وأنه من أبعد الناس عن التعصب والتقليد.
يدعو إلى التحاكم إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، يتوخى الدليل ويرى الاقتداء بالأئمة بما لم يقم الدليل على خلاف من اجتهاداتهم.
ومؤلفاته حافلة بذلك سواء ما ألفه ابتداء في التوحيد والفروع، أو ما اختصره من كتب الأئمة والمحققين تقريبا منه إلى الأذهان القاصرة، ونظرا منه بوصل طلابه بالأئمة السابقين ونفعهم العاجل؛ لأنه ليس كل طالب علم يقوى على قراءة الكتب المطولة، فإذا قرأ المنصف والمحب للفائدة والراغب في الإطلاع والذب عن أئمة الدعوة مؤلفاته التي قامت بجمعها وطبعها جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، تجلى للقارئ اعتماد الشيخ على الكتاب والسنة.
وقد ألزم نفسه رحمه الله أن يسير في دعوته على الكتاب والسنة بالقول والفعل، وأن يأخذ بما قرره علماء المسلمين الثقاة في مسائل الاجتهاد مما لا نص فيه من كتاب أو سنة أو إجماع، وحينما يختلفون حسب مفاهيمهم من النصوص فإنه يأخذ بما ترجح عنده.
وأما التزامه بالفعل فسيظهر جليا للقارئ من مؤلفاته.
وأما التزامه بالقول فمنه ما يأتي.. وهو الفصل الأول من هذا الباب بما قرره عن نفسه وقرره أحفاده وطلابه من اعتمادهم على الكتاب والسنة.