الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
مقارنة
بين الدعوة والقتال
فرض الله الجهاد بالنفس والمال:
قال الله تعالي: {انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالاً وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} (1).َ
وعن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم " رواه أبو داود والنسائي والدارمى (3).
يقول الإمام العز بن عبد السلام رحمه الله: يشرُفُ البذلُ بشَرَفِ المبذول، وأفضل ما بذله الإنسانُ نفسه وماله. ولما كانت الأنفس والأموال مبذولةً في الجهاد، جعلَ اللهُ مَن بذَلَ نفسه في أعلى رتب الطائعين وأشرفها؛ لشَرَفِ ما بذله
(1) سورة التوبة - الآية 41.
(2)
سورة الحج - الآية 78.
(3)
مشكاة المصابيح _ كتاب الجهاد 2/ 1124. .
مع محو الكفر ومحق أهله، وإعزاز الدين وصَون الدماء المسلمين (1).
مراحل تشريع القتال:
كان النبي صلى الله عليه وسلم مأموراً طيلة الحياة المكية، بالعفو والصفح، وكف اليد عن المشركين، كما قال تعالى:{فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} (2)، وقال تعالي:{ُقل لِّلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُون أَيَّامَ اللَّهِ لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِما كَانُوا يَكْسِبُونَ} (3)
وعن ابن عباس رضي الله عنهما: أن عبد الرحمن بن عوف وأصحاباً له أتوا النبي صلى الله عليه وسلم بمكة فقالوا: يا رسول الله إنا كنا في عز ونحن مشركون، فلما آمنا صرنا أذلة فقال: إني أمرت بالعفو فلا تقاتلوا
…
) (4).
ثم أذن الله للمسلمين في الجهاد دون أن يفرضه عليهم، قال تعالي:{أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير} (5) وهي أول آية نزلت في القتال كما قال ابن عباس رضي الله عنهما (6).
ثم فرض الله عليهم قتال من قاتلهم دون من لم يقاتلهم، وذلك في المرحلة التي قال الله فيها: {إِلَاّ الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَىَ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ أَوْ جَآؤُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَن يُقَاتِلُونَكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ وَلَوْ شَاء اللهُ
(1) كتاب أحكام الجهاد وفضائله.
(2)
سورة البقرة – الآية109.
(3)
سورة الجاثية – الآية14.
(4)
أخرجه النسائي (6/ 3) والحاكم (2/ 307) وصححه.
(5)
سورة الحج – الآية39.
(6)
أخرجه النسائي (6/ 2).
لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْاْ إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً * سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَن يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّ مَا رُدُّوَاْ إِلَى الْفِتْنِةِ أُرْكِسُوا فِيِهَا فَإِن لَّمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوَاْ أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثِقِفْتُمُوهُمْ وَأُوْلَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُّبِينًا} (1).
وكانت خاتمة المراحل مرحلة قتال المشركين كافة: من قاتَلَنا منهم، ومن كف عنا، وغزوهم في بلادهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله، وهذه المرحلة هي التي استقر عندها حكم الجهاد، ومات عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي هذه المرحلة نزلت آية السيف وهي قوله تعالى:{فَإِذَا انسَلَخَ الأشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلّ مَرْصَدٍ فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الصّلَاةَ وَآتَوُاْ الزّكَاةَ فَخَلّوا سَبِيلَهُمْ إِنّ اللهَ غَفُورٌ رّحِيمٌ} (2).وقال تعالي: {َقاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} (3)
وعن سليمان بن بريدة، عن أبيه، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أمر أميراً على جيش أو سرية أوصاه في خاصته بتقوى الله ومن معه من المسلمين خيراً ثم
(1) سورة النساء – الآيتان 90، 91.
(2)
سورة التوبة – الآية 5.
(3)
سورة التوبة – الآية 29.
قال: (اغزوا باسم الله في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، اغزوا ولا تغلُّوا، ولا تغدروا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا وليداً .. (1) رواه مسلم (2).
وقد لخص الإمام ابن القيم رحمه الله تلك المراحل في قوله: وكان محرماً، ثم مأذوناً به، ثم مأموراً به لمن بدأهم بالقتال، ثم مأموراً به لجميع المشركين .... (3).
ويقول الشيخ محمد عمر البالمبورى رحمه الله:
معني الجهاد إعلاء كلمة الله عز وجل .. أما القتال فهو آخر مرحلة فى الجهاد مثل العملية الجراحية، أو مثل الحشائش الضارة في الأرض والفلاح يقوم بتقطيعها حتى لا تؤثر في الزرع، ولو كان الجهاد هو القتال فما تفسير الآية المكية التي في سورة الفرقان حيث يقول الله عز وجل {فَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَاداً كَبِيراً} (4) فهل كان فى مكة رفع سيف؟!
…
ولكن الدين رحمة للناس نجتهد عليهم بجهد الدعوة إلى الله عز وجل ليسلموا ثم يدخلوا الجنة (5).
(1) في هذا الحديث حثّ على استحضار النية وتثبيت العزيمة في القتال، وإرشاد لآداب الغزو في الإسلام 0
(2)
أخرجه مسلم (1731) وأبو داود (2612) والترمذي (1617) وابن ماجه (2858) من حديث بريدة (مشكاة المصابيح – باب الكتاب إلى الكفار ودعائهم إلى الإسلام – 2/ 1150).
(3)
زاد المعاد: (2/ 58).
(4)
سورة الفرقان – الآية 52.
(5)
كتاب كلمات مضيئة في الدعوة إلي الله _ باب هل هناك فرق بين لفظ الجهاد ولفظ الدعوة صـ 164.
مقارنة بين الدعوة والقتال:
أولا: القتال بدون دعوة مثل الصلاة بدون وضوء:
فعن ابن عباس (رضي الله عنه): ما قاتل رسول الله صلى الله عليه وسلم قوما حتى دعاهم (1).
ثانيا: شروط القتال في الإسلام ضد الكفار:
1) النية: أن تكون كلمة الله سبحانه وتعالى هي العليا:
فعَنْ أبي موسى عبد اللَّه بن قيس الأشعري رضي الله عنه، قال: ُسئل رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ الرجل يقاتل شجاعة، ويقاتل حمية، ويقاتل رياء، أي ذلك في سبيل؟ فقال رَسُول الله: الله صلى الله عليه وسلم: " من قاتل لتكون كلمة اللَّه هي العليا فهو في سبيل اللَّه (2) " مُتَّفّقٌ عَلَيْهِ (3).
(1) رواه الحاكم في مستدركه وقال صحيح الإسناد، وعبد الرازق في مصنفه، وأحمد في مسنده والطبراني في معجمه، والبيهقي في سننه، وابن النجار (حياة الصحابة_ باب الدعوة إلي الله في القتال1/ 86.
(2)
الفضائل المذكورةُ في الجهاد خاصّة في من جاهد لتكون كلمة الله هي العليا، وكلمة الله هي " لا إله إلا الله "، ولا يقبل اللهُ من الأعمال إلا ما أريد به وجهه.
فيجب بهذا الإخلاص في الجهاد لله تعالى، وهو يدل على أن المسلمين ليس يغزون بناءً على شيءٍ من تلك النوايا، ولا يقصدون الاستيلاء على الكفار وبلادهم لأسبابٍ دنيويَّة، وإنما يريدون الهداية للبشرية كلها.
(3)
رياض الصالحين _ باب الإخلاص صـ 44.
2) تحقيق الإسلام في حياة المسلمين:
ولذا كان الصحابة صدق الله العظيم يخرجون للناس، ويقولون لهم كونوا مثلنا.
3) عدم وجوه شبه إسلام في الكفار:
قال تعالى: {هُمُ الّذِينَ كَفَرُوا وَصَدّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ
مَعْكُوفاً أَن يَبْلُغَ مَحِلّهُ وَلَوْلَا رِجَالٌ مّؤْمِنُونَ وَنِسَآءٌ مّؤْمِنَاتٌ لّمْ تَعْلَمُوهُمْ أَن تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكمْ مّنْهُمْ مّعَرّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لّيُدْخِلَ اللهُ فِي رَحْمَتِهِ مَن يَشَآءُ لَوْ تَزَيّلُوا لَعَذّبْنَا الّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَاباً أَلِيم} (1).
فمنع الله سبحانه وتعالى الرسول صلى الله عليه وسلم والصحابة رضي الله عنهم من دخول مكة بالقوة، لوجود مؤمنين ومؤمنات وسط الكفار، أسلموا سرا.
4) استنفاذ كل طرق الدعوة:
كما في قصة نوح قال تعالى: {قَالَ رَبّ إِنّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلاً وَنَهَاراً * فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِيَ إِلاّ فِرَاراً *وَإِنّي كُلّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوَاْ أَصَابِعَهُمْ فِيَ آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْاْ ثِيَابَهُمْ وَأَصَرّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَاراً*ثُمّ إِنّي دَعَوْتُهُمْ
(1) سورة الفتح _ الآية 25.
جِهَاراً * ثُمّ إِنّيَ أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارا ً} (1) يعنى العمل بكل الآيات التي نسختها آية السيف.
5) الوقوف ضد عمل الدعوة:
أي الوقوف أمام المسلمين، الذين يتحركون لنشر الإسلام، ويمنعون الدعاة من دعوتهم.
6) رفض الكفار دفع الجزية:
فعن سليمان بن بريدة، عن أبيه، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أمر أميراً على جيش أو سرية، أوصاه فى خاصته بتقوى الله، ومن معه من المسلمين خيراً، ثم قال: " اغزوا باسم الله، فى سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، اغزوا، ولا تغلوا، ولا تغدروا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا وليداً، وإذا لقيت عدوك من المشركين، فادعوهم إلى ثلاث خصال، فأيتهن ما أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، ادعهم إلى الإسلام، فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، ثم ادعوهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين، واخبرهم أنهم إن فعلوا ذلك فلهم ما للمهاجرين، وعليهم ما على المهاجرين، فإن أبوا أن يتحولوا (يعنى عن ديارهم ويجاهدوا) فأخبرهم أنهم يكونوا كأعراب المسلمين، يجرى عليهم حكم الله الذي يجرى على المؤمنين، ولا يكون لهم فى الغنيمة والفيء شئ، إلا أن يجاهدوا مع المسلمين، فإن أبوا
(1) سورة نوح _ الآيات من 5: 9.
فسلهم الجزية، فإن هم أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، فإن أبوا فاستعن بالله وقاتلهم .. الخ. رواه مسلم. (1) فيدفعون الجزية ويكونوا في حماية المسلمين.
وتتطلب هذه الحماية وجود المسلمين بين ظهراني المشركين، فيرى صفات المسلمين وأخلاقهم (العفة، الأمانة، الصدق، الحلم، الرحمة، .. الخ) فيتأثروا بأخلاق المسلمين .. فيدخلوا فى دينهم .. لما يروا فى دينهم من الصفات .. والأعمال التي يرونها لصلاح حياتهم.
ولذلك كثير من الناس دخلوا فى الإسلام بعدما فرض عليهم الجزية، بعد أن رأوا أخلاق وصفات المسلمين .. وكأن الجزية صورة عملية للدعوة، فإذا رفضوا كلا الأمرين (الدعوة، الجزية) حينئذٍ يقول الله عز وجل {قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ * وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} (2)(3).
7) وجود إمام للمسلمين يعلن الحرب على الكفار:
أن يكون الجهاد تحت قيادة إمام مسلم وبقيادته، حتى يتدبروا أمرهم بينهم وأن يكون هناك قائد ينظم حركة الجهاد ومطلع على فنونه، فلا يجوز للمجاهدين أن يجاهدوا بدون إمام لهم حتى وإن قل عددهم أو كثر، مثلما لا يجوز للمسلمين الصلاة في جماعة بدون إمام، ومثلما لا يجوز للمسلمين العيش بدون حاكم أو إمام حتى وإن قل عددهم أو كثر عددهم.
ثالثا: لو سقط شرط واحد من شروط القتال يُعتبر القتال غير شرعي.
(1) مشكاة المصابيح – باب الكتاب إلى الكفار ودعائهم إلى الإسلام – 2/ 1150.
(2)
سورة التوبة – الآيتان 14، 15
(3)
نقلا من كتاب كلمات مضيئة في الدعوة إلي الله صـ 167
رابعا: قال المفسرون: أن آية السيف نسخت 124 آية من القرآن المكي، ولكن في الحقيقة نسخت 90 سورة مكية (1) وتُسمى هذه السورة بقرآن الدعوة.
(1) اختلفت عبارات العلماء في تحقيق هذه المراحل، فادعي بعضهم أن كل مرحلة جديدة نسخت حكم ما قبلها فالمراحل الثلاثة الأولي منسوخة اليوم، وإنما الباقية اليوم هي المرحلة الأخيرة وهي الرابعة فقط 00 وخالفهم آخرون، فقالوا: إن المراحل الأولي ليست منسوخة، وإنما هي مرتبطة بظروف مخصوصة، كلما عادت، عادت أحكامها، ومن مقدمة من قال ذلك العلامة بدر الدين الزركشي رحمه الله فإنه قال: إنه ليس في مراحل الجهاد نسخ، بل يعمل بكل مرحلة عند الحالة المشابهة للحالة التي شرعت فيها، ويقول في كتابه البرهان في علوم القرآن (1/ 41): قسم بعضهم النسخ من وجه آخر إلي ثلاثة أضرب: الثالث: ما أمر به لسبب ثم يزول السبب، كالأمر حين الضعف والقلة بالصبر والمغفرة للذين لا يرجون لقاء الله ونحوه، من عدم إيجاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد ونحوها، ثم نسخها إيجاب ذلك، هذا ليس بنسخ في الحقيقة وإنما هو نسأ كما قال تعالي:(أو ننسها) فالمنسأ هو الأمر بالقتال إلي أن يقوي المسلمون، وفي حال الضعف يكون الحكم وجوب الصبر علي الأذي00 وبهذا التحقيق تبين ضعف ما لهج به كثير من المفسرين في الآيات الآمرة التخفيف أنها منسوخة بآية السيف، وليست كذلك، بل هي من المنسأ، بمعني أن كل أمر ورد يجب امتثاله في وقت ما لعلة توجب ذلك الحكم، ثم ينتقل بانتقال تلك العلة إلي حكم آخر، وليس بنسخ، إنما النسخ الإزالة، حتى لا يجوز امتثاله أبدا.
والحقيقة أن هذا الاختلاف لا يرجع إلي فرق عملي، وإنما هو اختلاف اصطلاح، فكلهم يقول: إن هذه الأحكام منوطة بظروف مخصوصة فأحكام الصبر والعفو محكمة في حالة الضعف والعجز، وإباحة القتال في حالة هي فوق الحالة الأولي، ووجوب قتال الدفع هو حالة فوقها، ووجوب الابتداء عندما حصل علي المسلمون علي قوة يقدرون معها علي ذلك، ولكن الطائفة الأولي تسميها قسما من النسخ، والزركشي يسميه إنساء ولا يرضي بتسميته نسخا (كتاب أوليس في سبيل الله إلا من يقتل؟ صـ 33).=
= وهذا الكلام في غاية العظمة وقد أوردته لأنه يوضح كلام الشيخ نعمان، حيث أنه بدأ الكلام بأثر ابن عباس الدال علي أن القتال لم يترك فيه الدعوة، وفي اليرموك قام خالد بن الوليد بدعوة جرجة إلي الله حتى أسلم أثناء القتال، وفي القادسية دعوة ربعي لرستم قائد الفرس قبل بدء القتال بثلاثة أيام00 فالدعوة لم تنسخ بحال من الأحوال.
خامسا: بعض المقارنات بين القتال والدعوة:
1) قال تعالى: {فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَاداً كَبيراً} (1)
نزلت في الدعوة .. وهي جهاد الفترة المكية .. والقتال في الفترة المدنية بعد الهجرة .. ولفظ الجهاد لم يذكر في القرآن المكي إلا ثلاث مرات وهم: (الآية 110 من سورة النحل .. والآية 52 من سورة الفرقان .. والآية 69 من سورة العنكبوت) والسور المكية عددها من 86: 90 سورة، ولفظ القتال ذكر في السور المكية في آية واحدة في سورة المزمل، قال تعالى:{إِنّ رَبّكَ يَعْلَمُ أَنّكَ تَقُومُ أَدْنَىَ مِن ثُلُثَيِ الْلّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مّنَ الّذِينَ مَعَكَ وَاللهُ يُقَدّرُ الْلّيْلَ وَالنّهَارَ عَلِمَ أَلّن تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسّرَ مِنَ الْقُرْآنِ عَلِمَ أَن سَيَكُونُ مِنكُمْ مّرْضَىَ وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصّلَاةَ وَآتُوا الزّكَاةَ وَأَقْرِضُواُ اللهَ قَرْضاً حَسَناً وَمَا تُقَدّمُوا لأنفُسِكُمْ مّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللهِ هُوَ خَيْراً وَأَعْظَمَ أَجْراً وَاسْتَغْفِرُوا اللهَ إِنّ اللهَ غَفُورٌ رّحِيمٌ} (2)(3).
(1) سورة الفرقان - الآية 052
(2)
سورة المزمل - الآية 20 0
(3)
يقول ابن كثير رحمه الله في تفسير هذه الآية: أي علم أن سيكون من هذه الأمة ذوو أعذار في ترك قيام الليل من مرضى لا يستطيعون ذلك ومسافرين في الأرض يبتغون من فضل الله في المكاسب والمتاجر وآخرين مشغولين بما هو الأهم في حقهم من الغزو في سبيل الله وهذه الآية بل السورة كلها مكية ولم يكن القتال شرع بعد فهي من أكبر دلائل النبوة، لأنه من باب الإخبار بالمغيبات المستقبلة، ولهذا قال تعالى:{فَاقْرَءُوا مَا تَيَسّرَ مِنْهُ} أي قوموا بما تيسر.
أما السور المدنية مثل: البقرة وآل عمران والنساء والأنفال وبراءة والحشر وغيرها تتحدث عن القتال.
فالمرحلة المكية التي ذكر فيها القرآن، القتال ثلاث مرات، يوجد فيها جهد مكتسب، مثل: قيام الليل .. قراءة القرآن .. الذكر .. العفو والصفح .. كظم الغيظ .. الصبر .. الأخلاق الحسنة .. المحافظة علي الصلوات .. وعلاوة علي ذلك الدعوة إلي الله عز وجل .. وبذلك يهب الله عز وجل لنا الجهد.
فالجهد ليس المقصود، ولكن المقصود إحياء الدين ونشر الأعمال، في مرحلة التربية والإصلاح، وعندما تمت التربية واليقين علي الله عز وجل وصفاته عند الصحابة الكرام، أُذن لهم بالقتال.
ومعروف أن من أساسيات العلم: أنه لا يستغني بجهد، عن جهد آخر
، مثل: لا يجوز الاستغناء عن جهد الطهارة، بجهد الصلاة، أو بجهد الصيام عن الصلاة.
2) دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم وقتاله رحمة:
لأن بعثته صلى الله عليه وسلم رحمة، قال تعالى:{وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاّ رَحْمَةً لّلْعَالَمِينَ} (1) لأنه صلى الله عليه وسلم بديل بنزول العذاب الجماعي.
فسورة التوبة بدون البسملة وفيها:
وقال تعالى: {قَاتِلُوهُمْ يُعَذّبْهُمُ اللهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مّؤْمِنِينَ* وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللهُ عَلَىَ مَن يَشَآءُ
وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} (4).
(1) سورة الأنبياء – الآية 107.
(2)
سورة التوبة – الآية 5.
(3)
سورة التوبة - الآية 12.
(4)
سورة التوبة – الآيتان 14، 15.
وفى آخر السورة قال تعالى: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رّحِيمٌ} (2) فدعوته صلى الله عليه وسلم رحمه، وأيضا قتاله رحمه.
3) والقتال لحل مشكلة دعوية: فالكافر الذي نقاتله هو رفض رحمة الله سبحانه وتعالى .. رفض الحق بنفسه .. ولكن عندما يمنع وصول رحمة الله سبحانه وتعالى لغيره، نقاتله حتى يمكن توصيل الرحمة لمن خلفه 0
كونوا مثلنا (أي اسلموا مثلنا) .. أو دفع الجزية عن يدٍ وأنتم صاغرون .. أو نقاتلكم .. يعنى يبدأ القتال بالدعوة وينتهي بالدعوة أيضا .. أي الدعوة الأصل.
4) القتال حاجه والدعوة مقصد: وإليك بعض الأمثلة لتوضيح ذلك:
أ_ مثل الطبيب: يقطع رجل المريض لمصلحة باقي الجسم، قال تعالى:{لِيَقْطَعَ طَرَفاً مّنَ الّذِينَ كَفَرُوَاْ أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنقَلِبُوا خَآئِبِينَ} (3) فقتل جزء صغير من الكفار لمصلحة باقي الكفار.
(1) سورة التوبة– الآية 36.
(2)
سورة التوبة – الآية 128.
(3)
سورة آل عمران - الآية 127.
ب _ مثل المدرس: يستعمل العصا ليضرب بها الطلبة حتى يهتموا
…
بتحصيل العلم .. ولكن من رآه فقط في حالة الضرب، وسُئلَ عن المدرس؟ فيقول: هو الذي يضرب الطلبة بالعصا .. ؟ ومعروف قصة خالد بن الوليد رضي الله عنه مع جرجة قائد الروم ودعوته وسط المعركة .. واستشهاده بعد إسلامه.
ج _ مثل الشرطي .. يضرب بالعصا أو المسدس ضد الخارجين على القانون لمصلحة باقي الناس، قال تعالى:{وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاّ رَحْمَةً لّلْعَالَمِينَ} (1) سواء كان ذلك دعوة أو عمل صالح أو قتال .. فالمقصود بالدعوة: الرحمة فيسلم المدعو فيدخل الجنة.
5) ومقصود القتال: إيصال الرحمة إلي من وراء المانع للدعوة، قال تعالى:
{لِيَقْطَعَ طَرَفاً مّنَ الّذِينَ كَفَرُوَاْ} (2) مثل خالد وعكرمة وغيرهم.
6) الدعوة: استخدام القوة الخُلقية:
قال تعالى: {فَاصْفَحِ الصّفْحَ الْجَمِيلَ} (3).
وقال تعالى: {فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلا} (4) ً.
وقال تعالى: {وَاصْبِرْ عَلَىَ مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلاً} (5).
(1) سورة الأنبياء - الآية 107.
(2)
سورة آل عمران - الآية 127.
(3)
سورة الحجر - الآية 85.
(4)
سورة المعارج - الآية 5.
(5)
سورة المزمل - الآية 10.
أما القتال: استخدام القوة الغضبية:
ولا يستطيع أحد أن يوقف القوة الخُلقية بمعنى حين تُكرم أحد فلا يقول لك لا تُكرمني .. أو لا تعفو عنى أو لا تعاملني بأخلاق كريمة.
ولكن لا يستطيعون إيقاف القتال أو يتغلبوا عليه فالمقاتل قد يمنع أو يهزم .. أما الداعي فلا يستطيع أحد أن يمنعه.
7) الدعوة جهد عام لكل الأمة:
قال تعالى: {قُلْ هََذِهِ سَبِيلِيَ أَدْعُو إِلَىَ اللهِ عَلَىَ بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللهِ وَمَآ أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} (2) فالكل يقوم بها بدون أعذار (يقوم بها الضعيف والقوى .. المريض والصحيح .. الغني والفقير .. المبصر والأعمى .. الأعرج والسليم .. الأُمي والمتعلم .. الصغير والكبير .. المرأة والرجل .. الشاب والشيخ.
أما القتال فجهد خاص: لأن فيه أعذار، مثل المريض، والأعمى، والأعرج، قال
(1) سورة الأحقاف - الآية 35.
(2)
سورة يوسف - الآية 108.
وقال تعالى: {لّيْسَ عَلَى الأعْمَىَ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الأعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى
(1) سورة التوبة - الآيتان 91، 92 0
(2)
وجوب الدعوة علي أهل الحرج: بين تعالى في هذه الآية الأعذار التي لا حرج على من قعد فيها عن القتال، فذكر منها ما هو لازم للشخص لا ينفك عنه، وهو الضعف في التركيب الذي لا يستطيع معه الجلاد في الجهاد، ومنه العمى والعرج ونحوهما، ولهذا بدأ به. ما هو عارض بسبب مرض عن له في بدنه، شغله عن الخروج في سبيل الله، أو بسبب فقره لا يقدر على التجهز للحرب، فليس على هؤلاء حرج إذا قعدوا ونصحوا في حال قعودهم، ولم يرجفوا بالناس، ولم يثبطوهم، وهم محسنون في حالهم هذا؛ ولهذا قال:(ما على المحسنين من سبيل والله غفور رحيم)
وقال سفيان الثوري، عن عبد العزيز بن رفيع، عن أبي ثمامة رضي الله عنه – قال: قال الحواريون: يا روح الله، أخبرنا عن الناصح لله؟ قال: الذي يؤثر حق الله على حق الناس، وإذا حدث له أمران – أو: بدا له أمر الدنيا وأمر الآخرة – بدأ بالذي للآخرة ثم تفرغ للذي للدنيا.
الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَمَن يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنْهَارُ وَمَن يَتَوَلّ يُعَذّبْهُ عَذَاباً أَلِيماً} (1)
فعند عدم امتلاك مستلزمات القتال: قال تعالى: {وَلَا عَلَى الّذِينَ إِذَا مَآ أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَآ أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ توَلّوْا وّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدّمْعِ حَزَناً
أَلاّ يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ} (2) فيحتاج أشداء أقوياء.
إذن أعذار القتال لا تصلح أن تكون أعذار للدعوة، لأن الله سبحانه وتعالى عندما أسقط عنهم جهد القتال، ما أسقط عنهم جهد الدعوة، فقال:{إِذَا نَصَحُوا للهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ وَاللهُ غَفُورٌ رّحِيمٌ} (3).
8) سلاح الدعوة (الحكمة) أما سلاح القتال (القوة):
القتال أسباب خارجية:
قال تعالى: {وَأَعِدّوا لَهُمْ مّا اسْتَطَعْتُمْ مّن قُوّةٍ وَمِن رّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوّ اللهِ وَعَدُوّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُوا مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللهِ يُوَفّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُون} (4) فالقوة ليست سببا
(1) سورة الفتح - الآية 17.
(2)
سورة التوبة - الآية 92.
(3)
سورة التوبة الآية 12.
(4)
سورة الأنفال الآية 60
للنصر، ولكن لإرهاب العدو ومن وراءه، ومن علي شاكلته، لأن النصر من عند الله عز وجل، قال تعالى:{ِوَمَا النّصْرُ إِلاّ مِنْ عِندِ اللهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ} (1).
والدعوة أسبابها داخلية: قال تعالى: {ادْعُ إِلِىَ سَبِيلِ رَبّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنّ رَبّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} (2).وقد يفقد الداعي الأسباب الخارجية، ولكن لا يفقد الصفات الطيبة والأخلاق الحسنة، مثل الرسول صلى الله عليه وسلم في الطائف، فقد روى الطبراني: برجال ثقات عن عبد الله بن جعفر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما انصرف عنهم (أي أهل الطائف) أتى ظل شجرة فصلى ركعتين ثم قال: (اللهم إني أشكو إليك ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس يا أرحم الراحمين أنت رب المستضعفين وأنت ربي إلى من تكلني إلى بعيد يتجهمني أو إلى عدو ملكته أمري إن لم يكن بك علي غضب فلا أبالي ولكن عافيتك هي أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة من أن تنزل بي غضبك أو تحل علي سخطك لك العتبى حتى ترضى ولا حول ولا قوة إلا بك)(3).
9) في الدعوة: الانشغال بالمحاسن، ودفع المساوئ (عفو .. صفح .. إكرام .. إيثار).
أما في القتال: (هجوم .. انتقام .. قتل .. أسر .. غنيمة).
(1) سورة آل عمران _ الآية 126.
(2)
سورة النحل - الآية 125.
(3)
سبل الهدي والرشاد في سيرة خير العباد2/.
10) الكيفيات في الدعوة: لا تختلف من أول سيدنا نوح عليه السلام، حتى النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وصحابته رضي الله عنهم.
أما الكيفيات في القتال: تتغير حسب الظروف، وممكن يستفاد فيه من خبرة الغير، كما حدث وأشار سلمان الفارسي رضي الله عنه علي النبي صلى الله عليه وسلم بحفر الخندق، في غزوة الخندق (الأحزاب) .. وفي غزوة بدر أشار الحباب بن المنذر رضي الله عنه، علي النبي صلى الله عليه وسلم أن ينتقل بالجيش إلي بئر بدر.
11) لا يمكن التخلق بالأخلاق الدعوية في القتال، مثل: اللين والرفق .. الشفقة والرحمة .. العفو والصفح، كما حدث في صلح الحديبية، حينما ذهب عروة بن مسعود الثقفي، للنبي صلى الله عليه وسلم ليثنيه عن دخول مكة، نيابة عن قريش، فرد عليه أبو بكر رداً عنيفا، وإليك القصة كما جاءت في كتب السيرة: فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد! تركت كعب ابن لؤي وعامر بن لؤي على أعداد مياه الحديبية، معهم العوذ المطافيل قد استنفروا لك الأحابيش ومن أطاعهم، قد لبسوا جلود النمور، وهم يقسمون بالله لا يخلون بينك وبين البيت حتى تجتاحهم، وإنما أنت ومن قاتلهم بين احد أمرين إن تجتاح قومك ولم يسمع برجل اجتاح قومه وأهله قبلك، أو بين أن يخذلك من ترى معك، وإني والله لا أرى معك وجوها وإني لا أرى إلا أوباشا، وفي رواية: فاني لأرى أشوابا (1) من الناس، لا أعرف وجوههم ولا أنسابهم، وخليقا أن يفروا ويدعوك.
وفي رواية: وكأني بهم لو قد لقيت قريشا أسلموك فتؤخذ أسيرا، فأي شئ أشد عليك من هذا؟ فغضب أبو بكر رضي الله عنه، وكان قاعدا خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: أمصص بظر اللات، أنحن نخذله أو نفر عنه؟! فقال عروة رضي الله عنه: من ذا؟ قالوا:
(1) الأوشاب الأوباش، والأخلاط من الناس، انظر المعجم الوسيط 2/ 1045.
أبا بكر. فقال عروة: أما والله لولا يد لك عندي لم أجزك بها لأجيبنك، وكان عروة قد استعان في حمل دية، فأعانه الرجل بالفريضتين والثلاث، وأعانه أبو بكر بعشر، فكانت هذه يد أبي بكر رضي الله عنه عند عروة (1).
ولا يمكن استخدام أساليب القتال في الدعوة، مثل: الغضب، والتجسس، والمكر والخديعة، والقتل والأسر، والغنيمة، والمداهنة، والانتقام.
12) في الدعوة: حفظ (الأعراض، والأموال، والدماء):
أ) النبي صلى الله عليه وسلم عند هجرته أناب عليا رضي الله عنه لرد الأمانات التي عنده، لأصحابها الكفار.
ب) سيدنا يوسف عليه السلام: {قَالَ مَعَاذَ اللهِ إِنّهُ رَبّيَ أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنّهُ لَا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ} (2).
ولكن في القتال: القتل والأسر .. وأخذ الغنائم والأموال وسبى النساء والذرية.
13) مصطلحات دعوية:
قال تعالى: {أُبَلّغُكُمْ رِسَالاتِ رَبّي وَأَنَاْ لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ} (3)
(1) سبل الهدي والرشاد في سيرة خير العباد 5/.
(2)
سورة يوسف - الآية 23.
(3)
سورة الأعراف - الآية 68.
وقال تعالى: {لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رّحِيمٌ} (2)
وقال تعالى: {وَإِلَىَ عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ مَا لَكُمْ مّنْ إِلََهٍ غَيْرُه} (3)
وقال تعالى: {وَإِلَىَ ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ مَا لَكُمْ مّنْ إِلََهٍ غَيْرُهُ} (4)
وقال تعالى: {وَإِلَىَ مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ مَا لَكُمْ مّنْ إِلََهٍ غَيْرُهُ} (5)
كلها مصطلحات تنبو عن حبهم، وشفقتهم وعطفهم علي أقوامهم.
(1) سورة هود - الآية 88.
(2)
سورة التوبة- الآية 128.
(3)
سورة الأعراف – الآية 65.
(4)
سورة الأعراف - الآية 73.
(5)
سورة الأعراف – الآية 85.
أما مصطلحات القتال: قال تعالى: {فَقَاتِلُوَاْ أَئِمّةَ الْكُفْرِ إِنّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلّهُمْ يَنتَهُونَ} (1).
وقال تعالى: {قَاتِلُوهُمْ يُعَذّبْهُمُ اللهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِم وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ
وَيَشْفِ صُدُورَ قوْمٍ مّؤْمِنِينَ} (2)
وقال تعالى: {وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَآفّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَآفّةً وَاعْلَمُوَاْ أَنّ
اللهَ مَعَ الْمُتّقِينَ} (3)
وقال تعالى: {ِ فَقَاتِلُوَاْ أَوْلِيَاءَ الشّيْطَانِ إِنّ كَيْدَ الشّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفاً} (5)
وقال تعالى {:مَا كَانَ لِنَبِيّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَىَ حَتّىَ يُثْخِنَ فِي الأرْضٌ} (6).
14) الولاء والبراء:
(1) سورة التوبة - الآية 12.
(2)
سورة التوبة - الآية 14.
(3)
سورة التوبة – الآية 36.
(4)
سورة التوبة – الآية 123.
(5)
سورة النساء - الآية 76.
(6)
سورة الأنفال – الآية 67.
أولا: في الدعوة إلي الله (عز وجل):
قال تعالى: {يا بُنَيّ ارْكَبَ مّعَنَا وَلَا تَكُن مّعَ الْكَافِرِينَ} (1)
وقال تعالى: {فَاصْفَحِ الصّفْحَ الْجَمِيلَ} (2)
وقال تعالى: {قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبّيَ إِنّهُ كَانَ بِي حَفِيّا ً} (3)
وقال تعالى: {فَقُولَا لَهُ قَوْلاً لّيّناً لّعَلّهُ يَتَذَكّرُ أَوْ يَخْشَىَ} (4)
وقال تعالى: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} (5)
وقال تعالى: {إِنّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} (6)
ثانيا: في القتال:
قال تعالى: {لاّ تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الَاخِرِ يُوَآدّونَ مَنْ حَآدّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوَاْ آبَآءَهُمْ أَوْ أَبْنَآءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلََئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ وَأَيّدَهُمْ بِرُوحٍ مّنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا
(1) سورة هود – الآية 42.
(2)
سورة الحجر _ الآية 85.
(3)
سورة مريم – الآية 87.
(4)
سورة طه - الآية 44.
(5)
سورة الأعراف - الآية 199.
(6)
سورة الشعراء - الآية 135.
الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُوْلََئِكَ حِزْبُ اللهِ أَلَا إِنّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} (1).
فلو قابل أحد المسلمين ابنه، أو أباء، أو أخاه، أو صديقه، في صفوف المشركين لقتله.
14) العدو:
أولا: في كل السور المكية (90 سورة) هو الشيطان فقط:
قال أخوة يوسف عليه السلام: {اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضاً يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِن بَعْدِهِ قَوْماً صَالِحِينَ} (2).
ما شعر يوسف عليه السلام بالعداء ضد إخوته، وألق بالمسؤولية على الشيطان، قال تعالى: {وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السّيّئَةُ ادْفَعْ بِالّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الّذِي
(1) سورة المجادلة – الآية 22.
(2)
سورة يوسف – الآية 9.
(3)
سورة يوسف - الآية 100.
بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنّهُ وَلِيّ حَمِيمٌ} (1).
ثانيا: العدو في القتال:
كل المشركين والكفار كل من يقف أمام الدعوة أو من يغتصب شبرا من أرض الإسلام.
15) في القتال: (رهبان بالليل، فرسان بالنهار)
وفي الدعوة:
أولا: ليل الداعي: قال تعالى: {ُ يَأَيّهَا الْمُزّمّل * قُمِ الْلّيْلَ إِلاّ قَلِيلاً * نّصْفَهُ أَوِ انقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً * إِنّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً * إِنّ نَاشِئَةَ اللّيْلِ هِيَ أَشَدّ وَطْأً وَأَقْوَمُ قِيلاً} (2).
قال تعالي: {تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ} (3)
وقال تعالي: {كَانُوا قَلِيلًا مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ} (4) في الليل: يا رب! عبادك .. توجيه رحمة الله إلي العباد .. اللهم أعز الإسلام بأحد العمرين.
(1) سورة فصلت - الآية 34.
(2)
سورة المزمل – الآيات من 1: 6.
(3)
سورة السجدة – الآية16.
(4)
سورة الذاريات – الآية 17 0
ثانيا: نهار الداعي:
قال تعالي: {يا أَيّهَا الْمُدّثّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ * وَرَبّكَ فَكَبّرْ * وَثِيَابَكَ فَطَهّرْ
* وَالرّجْزَ فَاهْجُرْ * وَلَا تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ * وَلِرَبّكَ فَاصْبِر} ْ (1).
وقال تعالى: {إِنّ لَك َ فِي النّهَارِ سَبْحَاً طَوِيلا ً} (2)
وقال تعالى: {الَر كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النّاسَ مِنَ الظّلُمَاتِ إِلَى النّورِ بِإِذْنِ رَبّهِمْ إِلَىَ صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيد ِ} (3)
16) الدعوة ليست فيها مقابلة:
فالرسول صلى الله عليه وسلم لم يقل بلال معي ولا أبو جهل ضدي .. أو أمية بن خلف ضدي .. وإذا مر علي مثل (عمار بن ياسر وأبيه وأمه سميه) وهم يعذبون يصبرهم: صبرا آل ياسر فإن موعدكم الجنة .. وفي الليل: يدعو الله أن يهدى من يعذبهم .. لأن الجميع ميدان جهده.
وأما في القتال: هذا معيَّ وهذا ضدي.
17) الدعوة ليس فيها تحزب ضد أحد: قال تعالى: {وَمَآ أَنَاْ بِطَارِدِ الّذِينَ آمَنُوَاْ
(1) سورة المدثر – الآيات من 1: 7.
(2)
سورة المزمل - الآية 7.
(3)
سورة إبراهيم - الآية 1.
إِنّهُمْ مّلَاقُو رَبّهِمْ وَلََكِنّيَ أَرَاكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ} (1)
ً
…
وإذا أخطأ في الدعوة لا نتحزب ضده، ولكن نتعاون في الإصلاح والتعليم والتفهيم.
18) في القتال نُحب استعجال النصر: قال تعالى {وَأُخْرَىَ تُحِبّونَهَا نَصْرٌ مّن اللهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشّرِ الْمُؤْمِنِينَ} (3)
وفي الدعوة: عدم الاستعجال:
والله عز وجل يقول لنبيه صلى الله عليه وسلم: {فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِل لّهُمْ كَأَنّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوَاْ إِلاّ سَاعَةً مّن نّهَارٍ
(1) سورة هود - الآية 29.
(2)
سورة الأنعام - الآية 52.
(3)
سورة الصف - الآية 13.
(4)
سورة العنكبوت – الآية 14.
بَلَاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلاّ الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ} (1)
وقال تعالى: {فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبّكَ وَلَا تَكُن كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَىَ وَهُوَ مَكْظُومٌ} (2)
19) القتال: شر في ذاته حسن لغيره .. والدعوة حسنة لذاتها.
20) الشهادة (القتل): في القتال مكسوبة، والقتال موسم الشهداء.
والشهادة في الدعوة موهوبة، مثل:(صاحب يسين .. عروة بن مسعود (3) .. سمية بنت الخياط زوجة ياسر وأم عمار بن ياسر (4)).
(1) سورة الأحقاف - الآية 35.
(2)
سورة القلم - الآية 48.
(3)
أخرج الطبراني عن عروة بن الزبير رضي الله عنه قال: لما أنشأ الناس الحج سنة تسع قدم عروة بن مسعود علي رسول الله صلى الله عليه وسلم مسلما، فاستأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يرجع إلي قومه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" إني أخاف أن يقتلوك "، قال: لو وجدوني نائم ما أيقظوني، فأذن له رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجع إلي قومه مسلما، فرجع عشاءً فجاء ثقيف يحيونه، فدعاهم إلي الإسلام، فاتهموه، وأ غضبوه وأسمعوه، وقتلوه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " مثل عروة مثل صاحب يسين دعا قومه إلي الله فقتلوه. وأخرجه الحاكم بمعناه (حياة الصحابة – باب دعوة الصحابة في القبائل وأقوام العرب _ دعوة عروة بن مسعود في ثقيف 1/ 182).
(4)
أخرج الحاكم عن عبد الله بن جعفر رضي الله عنهما، قال: مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بياسر وعمار وأم عمار وهم يؤذون في الله تعالي، فقال لهم: صبرا آل ياسر! صبرا آل ياسر! فإن موعدكم الجنة.
ورواه بن الكلبي عن ابن عباس رضي الله عنهما نحوه، وزاد: وعبد الله بن ياسر، وزاد: وطعن أبيو جهل سمية في قبلها فماتت، ومات ياسر في العذاب، ورمي عبد الله فسقط (كذا في الإصابة 3/ 647).
وعند أحمد: قال مجاهد: أول شهيد كان في أول الإسلام استشهد أم عمار سمية طعنها أبو جهل بحربة في قبلها (كذا في البداية 3/ 59).
وعموما أكثرا لشهداء يموتون علي الفرش، فعن ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:" إن أكثر شهداء أمتي لأصحاب الفرش، ورب قتيل بين الصفين الله أعلم بنيته "(1).
21) مقصد الداعي: واضح في قوله تعالي: {اهْدِنَا الصّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} (2).
ولكن مقصد القتال: إسلام .. جزية .. قتال.
22) في الدعوة: إذا مات المدعو علي الكفر، نأسف ونحزن.
وفي القتال: إذا مات الكافر نفرح ونغنم .. وإذا أسلم نفرح ونكبر .. فلولا جهد الحق ما تحرك سيف خالد بن الوليد رضي الله عنه.
23) في الدعوة: تظهر الرحمة في طلب إبراهيم عليه السلام المهلة من الملائكة اللذين جاءوا ليدمروا قوم لوط: {فَلَمّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرّوْعُ وَجَآءَتْهُ الْبُشْرَىَ يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ *إِنّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوّاهٌ مّنِيبٌ} (3).
(1) أخرجه الإمام أحمد رحمه الله في المسند 1/ 367، وضعفه الألباني وابن باز.
(2)
سورة الفاتحة - الآية 6.
(3)
سورة هود – الآيتان 74، 75.
وفي قصة إسلام زيد بن سعنة الحبر اليهودي، فأراد عمر رضي الله عنه أن يقتله، فقال صلى الله عليه وسلم: " مهلا يا عمر .... ففي الدعوة نتعلم الصبر.
وفي القتال: ليس هناك مهلا، بل نقتله، إلا إذا نطق بالشهادتين، فنتركه.
24) بلال رضي الله عنه أثنا الدعوة يُعذب ويقول: أحد .. أحد.
أما خالد بن الوليد رضي الله عنه أثناء القتال سيف الله المسلول.
25) في ميدان الدعوة: النبي صلى الله عليه وسلم يسأل عن خالد بن الوليد قبل إسلامه، ويقول لأخيه الوليد بن الوليد_ أثناء عمرة القضاء _: أين خالد؟
فقال: يأتي الله به.
فقال صلى الله عليه وسلم: " مثله جهل الإسلام ولو كان جعل نكايته وجده مع المسلمين على المشركين كان خيراً له، ولقدمناه على غيره ".
بقول خالد رضي الله عنه في قصة إسلامه _: وكان أخي الوليد بن الوليد قد دخل مع النبي صلى الله عليه وسلم في عمرة القضية فطلبني فلم يجدني، فكتب إلي كتاباً فإذا فيه: بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد: فإني لم أر أعجب من ذهاب رأيك عن الإسلام وعقلك عقلك، ومثل الإسلام جهله أحد؟ وقد سألني رسول الله صلى الله عليه وسلم عنك وقال: أين خالد؟ فقلت: يأتي الله به.
فقال: " مثله جهل الإسلام ولو كان جعل نكايته وجده مع المسلمين على المشركين كان خيراً له، ولقدمناه على غيره " فاستدرك يا أخي ما قد فاتك فقد فاتتك مواطن صالحة.
قال: فلما جاءني كتابه نشطت للخروج وزادني رغبة في الإسلام، وسرني سؤال رسول الله صلى الله عليه وسلم عني، وأرى في النوم كأني في بلاد ضيقة مجدبة، فخرجت في بلاد خضراء واسعة، فقلت: إن هذه لرؤيا.
فلما أن قدمت المدينة قلت لأذكرن لأبي بكر.
فقال: مخرجك الذي هداك الله للإسلام، والضيق الذي كنت فيه من الشرك.
قال: فلما أجمعت الخروج إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت من أصاحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فلقيت صفوان بن أمية، فقلت: يا أبا وهب أما ترى ما نحن فيه، إنما نحن كأضراس وقد ظهر محمد على العرب والعجم، فلو قدمنا على محمد واتبعناه فإن شرف محمد لنا شرف، فأبى أشد الإباء، فقال: لو لم يبق غيري ما اتبعته أبداً، فافترقنا وقلت: هذا رجل قتل أخوه وأبوه ببدر. فلقيت عكرمة بن أبي جهل فقلت له: مثل ما قلت لصفوان بن أمية، فقال لي مثل ما قال صفوان بن أمية، قلت: فاكتم علي، قال: لا أذكره.
فخرجت إلى منزلي فأمرت براحلتي، فخرجت بها إلى أن لقيت عثمان بن طلحة فقلت: إن هذا لي صديق فلو ذكرت له ما أرجو، ثم ذكرت من قتل من آبائه فكرهت أن أذكره، ثم قلت: وما علي وأنا راحل من ساعتي، فذكرت له ما صار الأمر إليه.
فقلت: إنما نحن بمنزلة ثعلب في جحر لو صب فيه ذنوب من ماء لخرج، وقلت له نحواً مما قلت لصاحبي، فأسرع الإجابة وقال: لقد غدوت اليوم وأنا أريد أن أغدو، وهذه راحلتي بفج مناخة.
قال: فاتعدت أنا وهو يأجج إن سبقني أقام، وإن سبقته أقمت عليه.
قال: فأدلجنا سحراً فلم يطلع الفجر حتى التقينا بيأجج، فغدونا حتى انتهينا إلى الهدة فنجد عمرو بن العاص بها.
قال: مرحباً بالقوم، فقلنا: وبك، فقال: إلى أين مسيركم؟ فقلنا: وما أخرجك؟ فقال: وما أخرجكم؟ قلنا: الدخول في الإسلام واتباع محمد صلى الله عليه وسلم.
قال: وذاك الذي أقدمني، فاصطحبنا جميعاً حتى دخلنا المدينة فأنخنا بظهر الحرة ركابنا، فأخبر بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فسر بنا، فلبست من صالح ثيابي، ثم عمدت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلقيني أخي فقال: أسرع فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أخبر بك فسر بقدومك وهو ينتظركم، فأسرعنا المشي فاطلعت عليه فما زال يتبسم إلي حتى وقفت عليه، فسلمت عليه بالنبوة فرد علي السلام بوجه طلق. فقلت: إني أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله. فقال: " تعال "، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" الحمد لله الذي هداك، قد كنت أرى لك عقلاً رجوت أن لا يسلمك إلا إلى خير ". قلت: يا رسول الله! إني قد رأيت ما كنت أشهد من تلك المواطن عليك معانداً للحق فادعو الله أن يغفرها لي. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " الإسلام يجب ما كان قبله ". قلت: يا رسول الله على ذلك؟ قال: " اللهم اغفر لخالد بن الوليد كل ما أوضع فيه من صد عن سبيل الله ". قال خالد: وتقدم عثمان وعمرو فبايعا رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: وكان قدومنا في صفر سنة ثمان. قال: والله ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعدل بي أحداً من أصحابه فيما حزبه (1).
وفي ميدان القتال: يقول النبي صلى الله عليه وسلم: " من ظفرتم به من رجال يهود فاقتلوه ".
(1) البداية والنهاية لابن كثير4/ 238
وفي البخاري: عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من لكعب بن الأشرف فإنه قد آذي الله ورسوله .... "(1)
25) ميدان الدعوة: طول الحياة:
نوح عليه السلام 950 سنة .. موسي عليه السلام 80 سنة .. محمد صلى الله عليه وسلم 23.
ويقول صلى الله عليه وسلم: " لو وضعت الشمس في يميني، والقمر في يساري، ما تركت هذا الأمر حتي يُظهره الله أو أهلك في طلبه "(2).
وميدان القتال: وقت قليل:
ففي غزوة بدر: يوم واحد (ودار القتال لبضع ساعات).
وفي غزوة أحد: يوم واحد (ودار القتال لمدة نصف يوم).
وفي غزوة الخندق: 45 يوما.
وفي غزوة حنين: يوم واحد.
26) في ميدان القتال: الغضب حق لله عز وجل .. والتلطف في القتال فشل.
وفي ميدان الدعوة: ليس مطلوب الغضب ولا الغلظة في الدعوة.
27) في القتال: حمل الكتائف (السلاح وغيره).
أما في الدعوة: حمل اللطائف.
(1) حياة الصحابة _ باب النصرة 1/ 366.
(2)
حياة الصحابة _ باب حب الدعوة والشغف بها 1/ 28.
28) في القتال: قد يغلب المقاتل إذا جاءه من هو أقوي منه.
أما في الدعوة: لا يُغلب الداعي علي جهده، ولو كان في السجن، مثل: يوسف الصديق عليه السلام.
29) الدعوة في كل مكان .. أما القتال فليس في أي مكان.
30) الدعوة تكريم للبشرية .. والقتال ليس تكريم للبشرية.
31) الدعوة في كل الأحوال .. والقتال حسب الأحوال.
32) في الدعوة المفتاح معك (يعني أنت الذي تبدأ بالكلام) .. أما في القتال ربما يبدأ العدو ويفرض عليك القتال.
33) في الدعوة: دائما أنت مغلوب، والظلم من أجل الدين عزة، والظلم من أجل الدنيا ذلة.
أما في القتال: دائما تكون غالبا ومنتصرا (تتمني وتسعي لذلك).
34) الدعوة: جهد نبوي (مكي ومدني)، أما القتال: جهد نبوي مدني.
35) النبي صلى الله عليه وسلم قبل الهدنة في صلح الحديبية، لمدة 10 سنوات، ولو وفوا بالعهد لوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان فتح مكة بعدها بسنتين .. وفي الدعوة: لم يقبل النبي صلى الله عليه وسلم الهدنة ولو لحظة واحدة.
36) خطاب الدعوة: (يا بني إسرائيل .. يا بني أقم الصلاة .. وإلي عاد أخاهم هودا) .. فلو كان كافرا فأثناء الدعوة تقول له: يا أخي.