الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الكثرة؛ لأنّ كلّ واحدة من المطلّقات تتربّص ثلاثة أقراءٍ، ورجّحه الهمدانيّ.
الرابع: إنه قائمٌ على الحذف، والأصل فيه؛ "ثلاثة أقراء من قروءٍ".
فها أنت ترى أن الطاعنين كشفوا عن جهلهم بهذه اللّغة الشريفة، وبانت سرقاتُهم، ولتعلم أنّ آراءَهم ظنون يريدون إبطال الحق بها!
4 -
قال تعالى:
(لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ
أَجْرًا عَظِيمًا (162))
وجه الطعن:
طعن أقوامٌ في قوله تعالى: (وَالْمُقِيمِينَ)، وقالوا: إنّ الصواب الرفع، ولا وجه لغيره.
قالت الزَّنادقة: "وموضع (وَالْمُقِيمِينَ): رفع واجب في
هذا الموضع وجوباً ظاهراً بينا
…
وأنّ ذلك إنَّما هو تخليط ممّن جمع القرآن، وكتب المصحف ".
وقال صاحب (تذييل مقالة في الإسلام): "وكان الوجه أن يقول: (والمقيمون الصلاة)، كما قال بعده:(والمُوتُونَ الزكاةَ) هذا ما تقتضيه القاعدة؛ إلَّا أنّ المفسّرين زعموا أنه نَصَب المقيمين الصلاة على المدح أيضاً، فَلِمَ استحقَّ هؤلاء المدح ولم يستحقّه المؤمنون بالله واليوم الآخر
…
؟ ".
ردُّ الطَّعن وبيان وجه الصواب:
سنقف مع الطاعنين في قضيّتين:
الأُولى: دعوى خطأ مَنْ كتب المصحف: نقل هؤلاء آثارا باطلة تدلّ بزعمهم على خطأ الكاتب، وأنّ (وَالْمُقِيمِينَ) في مصحف ابيّ بالرفع.
وهذا الذي ذكروه باطل محض، رددنا عليه عند حديثنا عن الشُّبهة الأولى من شُبه الطاعنين في إعراب القرآن. ولكن أحبّ أن أذكر نصوصاً مهمّة عن أئمّتنا تَفِي عن التّكرار.
قال الإمام الطبريّ، وهو يردّ على مَنْ زعم أنّها في مصحف أبيّ (وَالمُقِيمون):
"وفي اتّفاقِ مصحفِنا ومصحف أُبَيّ في ذلك، ما يدل على أنّ الذي في مصحفِنا من ذلك صواب غيرُ خطأ. مع أن ذلك لو كان خطأ من جهةِ الخط، لم يكنِ الذين أُخِذَ عنهم القرآنُ من أصحابِ رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلِّمون مَنْ علَّموا ذلك من المسلمين على وجهِ اللَّحْنِ، ولأصلَحُوه بألسنَتِهم، ولقَّنوه الأُمّةَ تعليماً على وجهِ الصواب. وفي نقلِ المسلمين جميعا ذلك قراءةً على ما هو به في الخط مرسوما، أدلُّ الدليلِ على صحةِ ذلك وصوابه، وأن لا صُنْعَ في ذلك للكاتب ".
وقال الإمام الزمخشريّ:
" (وَالْمُقِيمِينَ) نصب على المدح لبيان فضل الصلاة، وهو باب واسع
…
ولا يلتفت إلى ما زعموا من وقوعه لحناً في خط المصحف، وربما التفت إليه مَنْ لم ينظر في الكتاب، ولم يعرف مذاهب العرب وما لهم في النصب على الاختصاص من الافتنان، وغبي عليه أنّ السابقين الأوّلين الذين مثلهم في
التوراة ومثلهم في الإنجيل، كانوا أبعد همّة في الغَيْرة على الإسلام وذبّ المطاعن عنه، مِنْ أن يتركوا في كتاب الله ثلمة ليسدّها مَنْ بعدهم، وخرقاً يرفوه من يلحق بهم ".
وقال أبو حيَّان الأندلسيّ:
"وذُكِر عن عائشة وأبان بن عثمان أنَّ كتبها بالياء من خطأ كاتب المصحف، ولا يصح عنهما ذلك، لأنهما عربيَّان فصيحان. قطع النعوت أشهر في لسان العرب، وهو باب واسع، ذَكَر عليه شواهد سيبويه وغيره، وعلى القطع خرَّج سيبويه ذلك ".
الثانية: تخريج قوله تعالى: (وَالْمُقِيمِينَ) على قواعد النَّحو: ذكر الطاعنون في إعراب القرآن أنّ المفسّرين خرجوا (وَالْمُقِيمِينَ) على أنّه نصب على المدح، وجعلوه مشكلا من حيث المعنى.
والذي يطالع كتب المفسّرين والمعربين يراهم قد ذكروا وجوها متعدّدة، وقد أفردها ببحث مستقلّ الأستاذ الدكتور أحمد حسن فرحات، فأجاد وأفاد، وذكر أكثر من سبعة أقوال فيها.
ونوجزها بما يأتي:
أولاً: ذهب أكثر العلماء إلى نصب (وَالْمُقِيمِينَ) على المدح؛ فهو صفة لـ (الرَّاسِخُونَ)،
"ولكنَ الكلامَ لما تطاوَلَ، واعْتَرَض بينَ الراسخين في العلم والمقيمين الصلاةَ ما اعْتَرَض من الكلامِ، فطال، نصبَ المقيمين الصلاةَ على وجهِ المدحِ؛ قالوا: والعربُ تفعلُ ذلك في صفةِ الشيءٍ الواحدِ ونعتهِ، إذا تطاولت بمدح أو ذم، خالفوا بين إعرابِ أولهِ وأوسطهِ أحياناً، ثم رجعَوا بآخره إلى إعرابِ أوله، وربما أجْرَوْا إعرابَ آخرهِ على إعرابِ أوسطهِ، وربما أجْرَوْا ذلك على نوعٍ واحدٍ من الإعراب ".
وقال الزجَّاج: "ولسيبويه والخليل وجميع النحويين في هذا (باب) يسمونه (باب المدح) قد بيَّنوا فيه صحة هذا وجودته ".
ثانياً: وذهب الكسائيّ وآخرون إلى أنّ (وَالْمُقِيمِينَ) عطف على (ما) في قوله: (بِمَآ أُنزِلَ)، أي: يؤمنون بما أُنزل إلى محمّد صلى الله عليه وسلم وبالمقيمين، واختلفت عبارة هؤلاء بالمقيمين، فقيل: الملائكة، وقيل: الأنبياء، وقيل: المسلمون.
وحجّة هؤلاء أنّ الوجه الأول يضعف؛ لأنّه لا يجوز القطع والنصب على المدح إلَّا بعد تمام الخبر.
قال الفرّاءة "وإنَّما امتنع من مذهب المدح - يعني الكسائي - الذي فسَّرتُ لك؛ لأنه قال: لا يُنصب الممدوح إلَّا عند تمام الكلام، ولم يتمم الكلام في سورة النساء، ألا ترى أنَّك حين قلت:(لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ) - إلى قوله: (وَالْمُقِيمِينَ) - (وَالْمُؤْتُونَ) كأنَّك منتظر لخبره، وخبره في قوله:(أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا)، والكلام أكثره على ما وصف الكسائيّ،.
ثالثاً: عطف على غير (مَا) في قوله: (بِمَا أُنْزِلَ) على النَّحو الآتي:
أ - عطف (المُقِيمِينَ) على نفس الظرف، ويكون على حذف مضاف، أي: ومن قبل المقيمين، فحذف المضاف وأُقيم المضاف إليه مُقامه.
وضعف؛ لأنه يحتاج إلى تقدير حذف مضاف، وإذا استوى التقدير وعدم التقدير، فعدم التقدير أوْلى، وهو ضعيف من جهة المعنى.
ب - إنّه معطوف على (الكاف) في (إليكَ)، والتقدير: يؤمنون بما أُنزل إليك وإلى المقيمين الصلاة، وهم الأنبياء.
ج - إنّه معطوف على (الكاف) في (قَبْلِكَ)، أي: ومن قِبَل المقيمين.
هـ - إنّه معطوف على (الهاء والميم) في (مِنْهُم)، والمعنى: لكن الراسخون في العلم منهم ومِنَ المقيمين الصلاة يؤمنون بما أنزل إليك.
وهذه الثلاثة الأخيرة ضعيفة عند أكثر النحويّين.
قال الإمام الطبريّ: "ولا تكاد العرب تعطفُ بظاهر على مكنيّ في حال الخفض، وإن كان ذلك قد جاء في بعض أشعارها ".
وقال العكبري: "وهذه الأوجه الثلاثةُ خطأ؛ لأن فيها عطف الظاهر على المضمر من غير إعادة الجارّ".
وانتصر قوم لما ذهب إليه الكسائيّ، قال الإمام الطبري: "وأوْلى الأقوال عندي بالصواب أن يكونَ (وَالمُقِيمِينَ) في موضع خفضٍ، نَسَقأ على (وَمَا) التي في قوله:(وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ)، وأن يُوخه معنى المقيمين الصلاة إلى الملائكةِ، فيكون تأويلُ الكلام: والمؤمنون منهم يؤمنون بما أُنْزِل إليك
يا محمدُ من الكتابِ، وبما أُنْزِلَ مِنْ قبلك من كُتُبي، وبالملائكةِ الذين يقيمون الصلاةَ. ثم يرجِعُ إلى صفةِ الراسخين في العلمِ، فيقولُ؛ لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ".
في حين ذهب آخرون إلى ترجيح الرأي الأوّل القائل: نصب (وَالْمُقِيمِينَ) على المدح، أجابوا عن الاعتراض الموجّه إليهم بأنّ الخبر على قولهم إنَما هو قوله تعالى:(يُؤمِنُونَ)، وليس فوله تعالى:(أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا).
قال مكّيّ: "ومَنْ جعل نصب المقيمين على المدح جعل خبر الرَّاسخين (يُؤمِنُونَ)، فإنْ جعل الخبر (أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ) لم يَجُزْ نصب المقيمين على المدح؛ لأنَّ المدح لا يكون إلَّا بعد تمام الكلام ".
ويقول الشيخ عبد الرحمن الجزيريّ: "ونحن نقول له: إنّ الصواب هو الذي ذكر في الآية الكريمة؛ وذلك لأنّ القرآن الكريم هو عُمْدتنا في اللّغة وحجّتنا في البيان العربيّ، وهو هنا يُعْلِمنا أنّه إذا وُجدت متعاطفات وأراد المتكلم أن
يعنى بأحدها مزيد عناية، فإنّه ينبغي له أن يغير فيه أسلوب العطف؛ ليدلّ على غرضه بنصبه على المدح، فمعنى قوله تعالى:(وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ) وأمدح المُقيمِينَ الصَّلاة؛ وذلك لأنّ الصلاة قد اشتملت على عمل القلب وهو الخشوع لله تعالى، وعمل الجوارح: من ركوع وسجود ونحوهما من أمارات ذلك الخضوع. وعمل اللّسان: من نطق بالشهادتين وتلاوة كلام الله تعالى، وهي إذا أُقيمت في وقتها على وجهها، فإنها تنهى فاعلها عن الفحشاء والمنكر؛ فكل ذلك من الأسباب التي تجعل للمقيمين الصلاة مِيزة يمتازون بها، فلهذا جاء القرآن الكريم بنصب المقيمين ".
ولهذا يتّضح أن الطاعنين تجاهلوا كلَّ هذه الحقائق، ليطعنوا في كتاب الله تعالى، وهذا يدلّ على جهلهم؛ ولا سيما في لغة القرآن وأسلوبه، وما دروا أن هذه التي سُميت مشكلات إعرابيّة، ما هي إلَّا ضروب من الإعجاز البياني تحتاج إلى تأملٍ.
قال الدكتور أحمد حسن فرحات في ختام دراسته لهذه الآية:
"وهكذ فقد ثبت من خلال هذه الدراسة أن مجيء (الْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ) - بالنصب - إنما كان مقصوداً لأداء معنًى