الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
معيّن، وأنّ مثل هذا المعنى يفوت لو كانت بالرفع (والمُقِيمُونَ الصَّلَاةَ)، ومثل هذا يمكن أنْ يقال في كلّ ما كان على شاكلته من مخالفة ظواهر الإعراب القرآنية؛ فوراء هذا التخالف الإعرابيّ معانٍ لا بدّ أن تُطلب، فإذا ما وصلنا إليها، لم تكن هناك مشكلة إعرابية، وإنما يكون الوجه الإعرابيّ حينئذٍ أقوى ما يكون، لا يحتاج معه إلى القول بتلك التكلّفات التي امتلأت بها كتب الإعراب والتفسير".
5 -
قال تعالى:
(إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (69))
.
وجه الطَّعن:
لحَّن الطَّاعنون قوله تعالى: (وَالصَّابِئُونَ)، وقالوا: هو بالنصب، أمّا رفعه فخطأ.
قالت الزّنادقة: "وهو موضع نصب لا إشكال فيه على أحد ".
وقال قسيس: "وكان الوجه أن يقول: (والصَّابئين)، كما قاله في سورة البقرة (آية 62)، وسورة الحجّ (آية 17) ".
وقال أيضاً: "لما وقف المفسرون على هذا اللَّحن تمحلوا له تأويلاً".
وقال آخر على موقع في (الإنترنت) بعنوان "هل يوجد أخطاء لغوية في القرآن؟ ":
"وكان يجب أن ينصب المعطوف على اسم (إن)؛ فيقول: (والصابئين)، كما فعل هذا في سورة البقرة: 2/ 62، والحج: 22/ 17 ".
رد الطعن وبيان وجه الصواب:
الملاحظ على الطَّاعنين في إعراب القرآن أن الآخِر يأخذ باطله من الأول، فما عند القسيس عند الزنادقة، وما في الموقع على (الإنترنت) أخذه صاحب المقال من كتاب (تذييل مقالة في الإسلام)، وهذا لا غرابة فيه، فالهدف واحد.
توقّف المفسّرون والمعربون عند هذا الموضع، وأوردوا فيه تسعة مذاهب، وخص الأُستاذ الدكتور أحمد حسن فرحات هذه الآية ببحث مع الموضعين في قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ
الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (62)، وقوله تعالى:(إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (17)).
وتكلَّم عن هذه الآيات بتفصيل حسن من حيث سبب النزول والسياق، وأورد كلام المعربين؛ لقوله تعالى:(وَالصَّابِئُونَ)، وتوصل إلى نتائج طيّبة، أزالت كُلَّ إشكال.
وأهم الأقوال في إعراب قوله تعالى: (وَالصَّابِئُونَ):
الأوّل: ارتفع (الصَّابِئُون) على أنه مبتدأ، والخبر محذوف، وينوي به التأخير، والمعنى:(إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ، وَالصَّابِئُونَ كَذلك).
وإنما حذف خبر (وَالصَّابِئُونَ) لدلالة خبر إنّ عليه.
قال سيبويه: "وأمّا قوله عز وجل: (وَالصَّابِئُونَ)، فعلى التقديم والتأخير، كأنّه ابتدأ على قوله: (وَالصَّابِئُونَ) بعدما مضى الخبر".
وقال الزجاج: "وقال سيبويه والخليل، وجميع البصريين: إن قوله: (وَالصَّابِئُونَ) محمول على التأخير، ومرفوع بالابتداء
…
وأنشدوا في ذلك قول الشاعر:
وإلا فاعلموا أنَا وأنتم
…
بغاة ما بقينا في شقاقِ
المعنى: وإلَّا فاعلموا أنَّا بُغاة ما بقينا في شقاق، وأنتم - أيضاً - كذلك ".
"ولعلّ السرّ في التقديم وذكرهم بين طوائف أهل الأديان الدّلالة على أنّ الصابئين مع ظهور ضلالهم وزيغهم عن الأديان كلها تُقبل توبتهم، إنْ صحّ منهم الإيمان والعمل الصالح، فغيرهم من أهل الأديان أحرى وأوْلى ".
الثاني: ذهب الأخفش والمبرد إلى أن خبر (إنّ) محذوف دل عليه الخبر الثاني، وعلى هذا التأويل يجوز عطف (وَالصَّابِئُونَ) على موضع اسم (إنَّ)؛ لأنه جاء بعد تمام الاسم والخبر.
وقال الدكتور أحمد حسن فرحات عن هذا المذهب: "هو أبعد الأقوال المذكورة عن التكلّف، وأقربها مراعاةً
للنظم، وأرجحها في المعنى".
الثالث: لفظ (إنَّ) وإنْ كان ينصب المبتدأ لفظاً، ولكنه لا يزال مرفوعأ محلّاً؛ فيصحّ لغةً أن يعطف (وَالصَّابِئُونَ) على محل اسم (إنَّ) سواء كان ذلك قبل مجيء الخبر أو بعده.
قال أبو البركات الأنباريّ: "ذهب الكوفيّون إلى أنّه يجوزُ العطفُ على موضع (إنّ) قبل تمام الخبر، واختلفوا بعد ذلك، فذهب أبو الحسن الكسائيّ إلى أنّه يجوز ذلك على كل حال، سواء كان يظهرُ فيه عمل (إِنَّ) أوْ لم يظهر، وذلك نحو قولك:(إنَّ زبداً وعمرٌ وقائمان، وإنَّك وبكرٌ منطلقان)
…
فاحتجّوا بأن قالوا: الدليل على جواز ذلك النقل والقياس. أما النقل، فقد قال الله تعالى:(إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى)، وجه الدَليل أنّه عطف (الصابئين) على موضع (إنّ) قبل تمام الخبر".
وامتدح هذا المذهب الرازي قائلاً:
"هو مذهب حسن وأوْلى مِنْ مذهب البصريّين؛ لأنّ الذي قالوه إنما يقتضي أنّ كلام الله على الترتيب الذي ورد