المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌متى يكون للقانون سلطان - الإسلام وأوضاعنا القانونية

[عبد القادر عودة]

فهرس الكتاب

- ‌من نور كتاب الله:

- ‌دعاء

- ‌مَعْذِرَةً إِلَى القَانُونِ:

- ‌أَنَا قَاضٍ وَلَكِنِّي مُسْلِمٌ:

- ‌ذَلِكُمْ هُوَ حُكْمُ الإِسْلَامِ:

- ‌عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ أَنْ يُؤَدِّيَ وَاجِبَهُ:

- ‌وَظِيفَةُ القَانُونِ:

- ‌أُصُولُ القَانُونِ:

- ‌قَانُونُ كُلِّ أُمَّةٍ قِطْعَةٍ مِنْهَا:

- ‌قَوَانِينُنَا غَرِيبَةٌ عَنَّا:

- ‌القَانُونُ يُوضَعُ لِحِمَايَةِ العَقَائِدِ:

- ‌مَتَى يَكُونُ لِلْقَانُونِ سُلْطَاٌن

- ‌القَوَانِينُ الوَضْعِيَّةُ يُبْطِلُهَا الإِسْلَامُ:

- ‌القَوَانِينُ الوَضْعِيَّةُ بَاطِلَةٌ بِحُكْمِ نَفْسِهَا

- ‌مَاذَا فَعَلَتْ بِنَا القَوَانِينُ الوَضْعِيَّةُ

- ‌خَسِرْنَا مَعْرَكَةَ الاِسْتِقْلَالِ بِالاِنْحِرَافِ عَنْ الإِسْلَامِ:

- ‌القَوَانِينُ الوَضْعِيَّةُ تُهَدِّدُ نِظَامَنَا الاِجْتِمَاعِي:

- ‌لِمَاذَا يُحَالُ بَيْنَ المُسْلِمِينَ وَالإِسْلَامِ

- ‌1 - الاسْتِعْمَارُ:

- ‌2 - الحُكُومَاتُ الإِسْلَامِيَّةِ:

- ‌أَيُّهَا المُسْلِمُونَ آنَ أَنْ تَعْمَلُوا

الفصل: ‌متى يكون للقانون سلطان

‌مَتَى يَكُونُ لِلْقَانُونِ سُلْطَاٌن

؟

قلنا فيما سبق أن القانون باعتباره معنى ضرورة لَا مَفَرَّ منها للجماعة وحاجة لا غنى عنها للبشر في هذه الحياة الدنيا، فبالقانون تنظم الجماعات، وتمنع المظالم وتحفظ الحقوق الفردية والعامة وتوزع العدالة الاجتماعية والقضائية، وتوجه الشعوب إلى الخير والكمال.

ولكن القانون باعتباره معنى لا يمكن أن يحقق أهدافه الإنسانية العليا إلا إذا صيغ في نصوص ومواد تحفظ المعاني القانونية الرفيعة من التحريف والانحراف والنسيان وهذه النصوص والمواد هي ما نسميه بجسم القانون، ويقوم بوضعها الحكام والمقننون ومن لهم حق التشريع.

ونستطيع بعد ذلك أن نقول إن القانون كالكائن الحي له جسم وله روح، فأما جسم القانون فقد عرفنا أنه النصوص التي يضعها المُتَشَرِّعُ لتحقيق الأغراض التي وجد من أجلها القانون، وأما روح القانون فنعني بها سلطان القانون على الجماهير.

ص: 36

والقانون بلا سلطان هو جسم بلا روح، ونصوص لا قيمة لها. وصلاحية أي قانون لحكم الناس تقدر بما له من سلطان عليهم، وتختلف هذه الصلاحية تَبَعًا لقوة سلطان القانون ولضعفه.

وسلطان القانون على الجماهير يقوم على عنصرين لا ثالث لهما:

1 -

عنصر روحي خالص، وهو الصلة التي تصل نصوص القانون بنفوس الأفراد وقلوبهم، فتجعلهم يتقبلون نصوص القانون، ويقبلون على طاعتها، ويحرصون على احترامها، ويشعرون في ذات أنفسهم بأنهم يأثمون بمخالفتها.

ولا يمكن أن يتوفر هذا العنصر إلا إذا قامت نصوص القانون على عقائد تؤمن بها الجماهير، أو دين يتدينون به أو مبادئ يجلُّونها أو تقاليد يحرصون على احترامها.

2 -

عنصر الإلزام في القانون، وهو الجزء الذي يرتبه القانون على مخالفيه، كالعقوبة والتعويض والرد والفسخ والبطلان وما أشبه.

أَنْوَاعُ القَانُونِ بِالنِّسْبَةِ لِسُلْطَانِهِ:

والقوانين والتشريعات في كل العالم ترجع بالنسبة لما لها من سلطان إلى ثلاثة أنواع:

النوع الأول:

وهو ما يقوم سلطانه على العنصر الروحي وعنصر الإلزام مَعًا، وهذا النوع من التشريعات هو أصلحها للبقاء، وأقواها

ص: 37

سلطانًا على الجماهير، لأنه يحكم سلوك الناس الباطن حين يتصل بعقائدهم وتقاليدهم، ويحكم سلوكهم الظاهر بما يفرضه من جزاء عليهم، ولأنه يستعين على حكم سلوكهم الظاهر بعقائدهم وضمائرهم، ولأنه يوائم بين سلوكهم الظاهر وسلوكهم الباطن ويوجههم وجهة واحدة، فهم يطيعون القانون في الباطن والظاهر وفي السر والعلن وفي الشدة والرخاء، تدفعهم إلى الطاعة قلوبهم المؤمنة وتردهم إلى الطاعة نفوسهم اللوامة.

الشَّرِيعَةُ الإِسْلَامِيَّةُ أَصْلَحُ مَثَلٍ لِهَذَا النَّوْعِ:

وأصلح الأمثلة لهذا النوع هو الشريعة الإسلامية وإن كان يدخل تحته بعض القوانين الوضعية، على أنه يجب أن لا يفهم من هذا أن طبيعة الشريعة الإسلامية من طبيعة القوانين، فإن بين الشريعة والقانون الوضعي خلافات أساسية ترجع إلى اختلاف في طبيعة التشريعين.

أهم الخلافات بين طبيعة الشريعة وطبيعة القانون:

وأهم الخلافات بين طبيعة الشريعة الإسلامية وطبيعة القانون الوضعي هي:

[أ]- من وجهة العنصر الروحي:

هذا العنصر في الشريعة الإسلامية أقوى منه في أي قانون أو شريعة أخرى على وجه الأرض، لأن الشريعة الإسلامية تجعل للعنصر الروحي نصيبًا في كل نص تشريعي وفي كل قاعدة تشريعية، سواء كانت كلية أو فرعية، ذلك أن الإسلام يوجب

ص: 38

على المسلم أن يكيف أخلاقه وعاداته وتقاليده وآدابه ومعاملاته وَصِلَاتُهُ بالغير وكل ما يصدر عنه من قول أو فعل تكييفًا إسلاميًا بحتًا على مقتضى ما جاء به الدين الإسلامي، ولما كانت الشريعة الإسلامية هي مجموعة الأوامر والنواهي والتوجيهات التي جاء بها الدين الإسلامي، فمعنى ذلك أن كل نص من نصوص الشريعة الإسلامية يقوم على الدين ويرجع إليه ويتصل بعقيدة الأفراد وإيمانهم ويمس قلوبهم ونفوسهم.

وليس الحال كذلك في القوانين الوضعية التي إذا قام فيها نص على الدين أو الأخلاق أو العادات والتقاليد قامت بجانبه مئات النصوص على رغبات الحكام ومطامعهم، فالعنصر الروحي إذن لا يمكن أن يكون له نصيب في دائرة القوانين الوضعية إلا في قليل من القواعد القانونية.

ومن المعروف أن أساس القوانين الوضعية في أوروبا كلها هو القانون الروماني، وقد وجد هذا القانون وكمل قبل أن يوجد الدين المسيحي الذي تتدين به البلاد الأوروبية، فلما جاء الدين لم يكن له مكان هام في القانون خُصُوصًا وأنه لَمْ يَأْتِ بتشريع خاص، واكتفى المتشرعون بأن يضيفوا إلى القانون بعض النصوص التي اقتضاها وجود الدين الجديد وقيام الحكومات عليه واهتمامها بنشره بين الناس.

[ب]- من وجهة الأخلاق:

تَعتبِر الشريعةُ الأخلاقَ الفاضلةَ الدعامة الأولى التي يقوم

ص: 39

عليها المجتمع، ولهذا فهي تحرص على حماية الأخلاق، وتتشدد في هذه الحماية حتى لتكاد تعاقب على كل الأفعال التي تمس الأخلاق، أما القوانين الوضعية فتكاد تهمل المسائل الأخلاقية إهمالاً تامًا، ولا تعني بها إلا إذا أصاب ضررها المباشر الأفراد أو الأمن أو النظام، فالقوانين الوضعية لا تعاقب على الزنا مثلاً إلا إذا أكره أحد الطرفين الآخر أو كان الزنا بغير رضاه رضاء تامًا، لأن الزنا في هاتين الحالتين يمس ضرره المباشر الأفراد كما يمس الأمن العام، أما الشريعة الإسلامية فتعاقب على الزنا في كل الأحوال والصور، لأنها تعتبر الزنا جريمة تمس الأخلاق، وإذا فسدت الأخلاق فقد فسدت الجماعة وأصابها الانحلال. وأكثر القوانين الوضعية لا تعاقب على شرب الخمر، ولا تعاقب على السُّكْرِ لذاته، وإنما تعاقب السكران إذا وجد في الطريق العام في حالة سُكْرٍ بَيِّنٍ، لأن وجوده في هذه الحال يعرض الناس لأذاه واعتدائه، وليس العقاب على السكر لذاته باعتباره رذيلة، وعلى شرب الخمر باعتباره مُضِرًّا بالصحة متلفًا للمال مفسدًا للأخلاق، أما الشريعة فتعاقب على مجرد شرب الخمر ولو لم يسكر منها الشارب لأنها تنظر إلى المسألة من الوِجْهَةِ الخُلُقِيَّةِ التي تتسع لشتى الاعتبارات، فإذا صينت الأخلاق فقد صينت الصحة والأعراض والأموال والدماء وحفظ الأمن والنظام.

والعلة في اهتمام الشريعة الإسلامية بالأخلاق على هذا الوجه، أن الشريعة تقوم على الدين، وأن الدين يأمر بمحاسن الأخلاق، ويحث على الفضائل، ويهدف إلى تكوين الجماعة الصالحة الخيرة، ولما كان الدين لا يقبل التغيير والتبديل فمعنى ذلك أن الشريعة ستظل حريصة على حماية الأخلاق متشددة في حمايتها.

والعلة في استهانة القوانين الوضعية بالأخلاق أن هذه

ص: 40

القوانين لا تقوم على أساس وإن اهتمت بعض نصوصها بالدين، ومعظم نصوصها يقوم على أساس الواقع وما تعارف عليه الناس. القواعد القانونية الوضعية قابلة بطبيعتها للتغيير والتبديل، ويقوم بوضعها وتغييرها عادة الأفراد الظاهرون في المجتمع بالاشتراك مع الحكام، وهم يتأثرون في عملهم بأهوائهم وضعفهم البشري ونزوعهم الطبيعي إلى التخلل من القيود، فكان من الطبيعي أن تهمل القوانين الوضعية المسائل الأخلاقية شَيْئًا فَشَيْئًا، وأن يأتي وقت تصبح فيه الإباحية هي القاعدة والأخلاق الفاضلة هي الاستثناء، ولعل البلاد التي تطبق القوانين الوضعية قد وصلت إلى هذا الحد الآن.

[ج]- من جهة المصدر:

مصدر الشريعة هو الله - جَلَّ شَأْنُهُ -، لأنها تقوم على الدين الإسلامي وهو من عند الله {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلَامُ} [آل عمران: 19]. {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ} [آل عمران: 85]. أما مصدر القوانين الوضعية فهم البشر الذين يقومون بوضع هذه القوانين، ويترتب على كون الشريعة الإسلامية من عند الله نتيجتان هامتان:

النتيجة الأولى: احترام القواعد الشرعية احترامًا تَامًّا سواء من الحاكم أو المحكوم لأن كليهما يعتقد أنها من عند الله وأنها واجبة الاحترام، وهذا الاعتقاد بالذات يحمل الأفراد

ص: 41

على طاعة القواعد الشرعية، لأن الطاعة تقربهم إلى الله طبقا لقواعد الدين الإسلامي، ولأن العصيان يؤدي إلى العقوبة في الدنيا وإلى ما هو شر من العقوبة في الآخرة، فنسبة الشريعة إلى الله أدت إلى احترام الأفراد لها وطاعتها، وكل شريعة في العالم تقدر قيمتها بقدر ما لها في نفوس الأفراد من طاعة واحترام، وليس في العالم اليوم شريعة تداني الشريعة الإسلامية فيما لها من سلطان، ولا شك أنه كلما احترم الأفراد شريعتهم وأطاعوها وأحبوها استقرت أمورهم وحسنت أحوالهم وتفرغوا لشؤون دنياهم.

النتيجة الثانية: ثبات القواعد الشرعية واستمرارها، ولو تغير الحكام أو اختلفت أنظمة الحكم، فيستوي أن تكون الهيئة الحاكمة محافظة أو مجددة، ويستوي أن يكون نظام الحكم جمهوريا أو ملكيا، فإن ذلك لن يؤثر على القواعد الشرعية في شيء ما، لأن القواعد الشرعية لا ترتبط بالهيئة الحاكمة ولا بنظام الحكم وإنما ترتبط بالدين الإسلامي الذي لا يتغير ولا يتبدل، والذي يؤمن به كل حاكم ويستخدم له كل نظام، وليس الأمر كذلك في القوانين الوضعية التي يضعها الحكام لحماية المبادئ التي يعتنقونها، وخدمة الأنظمة التي يقيمونها، فإن هذه القوانين عرضة للتغيير المستمر، وفي طبيعتها عدم الاستقرار، ويكفي أن تتغير الهيئة الحاكمة أو يتغير النظام القائم لتغيير القوانين وتنقلب الأوضاع.

هذا هو شأن الشريعة وما ترتب على نسبتها لله - جَلَّ

ص: 42

شَأْنُهُ -، أما القوانين الوضعية فهي كما قلنا من صنع الفئة الحاكمة، وهي حين تضعها تراعي مصلحتها دون غيرها من الفئات، وتحاول أن تحمي بالقوانين أشخاص الحاكمين، والمبادئ التي يعتنقوها والأنظمة التي يقيمونها، فإذا ما ذهبت هذه الفئة وجاء غيرها تغيرت القوانين لتحمي الفئة الجديدة والمبادئ الجديدة والأنظمة الجديدة، وهكذا تتغير القوانين بتغير الحاكمين والمبادئ والأنظمة التي يقوم عليها الحكم، وهي لا تفتأ تتغير وتتبدل بين حين وآخر، وهذا يؤدي إلى عدم احترام القانون وذهاب سلطانه من النفوس.

ولقد أصبحنا اليوم نرى الأحزاب المعارضة في العالم تحرض أنصارها على الاستهانة بالقانون والخروج على أحكامه لتصل على أشلائه إلى أغراضها. وما على الأحزاب المعارضة وأصحاب الدعوات الجديدة حرج فيما يدعون إليه ما داموا يرون أن القانون من صنع أفراد مثلهم، وأنه وضع لحماية أفراد ليسوا خَيْرًا منهم، أو أنظمة هي شر في نظرهم.

ولعل فيما هو حادث اليوم في البلاد الأوروبية من تبدل الأنظمة والحكام وشكل الحكومات الدليل المقنع على زوال سطوة القانون وانعدام سلطانه، وإذا استمر الحال كذلك فسيأتي قريبًا الوقت الذي تفقد فيه القوانين الوضعية قيمتها، وَلَا تُقََوَّمُ بأكثر من الورق الذي كتبت عليه.

ص: 43

النوع الثاني:

وهو ما يقوم سلطان القانون فيه على عنصر الإلزام فقط، وسلطان هذا النوع من القانون ضعيف، لأن القانون لا صلة له بالنفوس والقلوب، ومن ثم يتقبله الناس كارهين، ولا يقبلون عليه طائعين، ولا يتحرجون من مخالفته إذا أمنوا سطوته.

والناس مهما بلغ علمهم أو بلغت الثقافة بهم لا يستجيبون إلا لنداء المبدأ والعقيدة، ونداء المروءة والخلق الرفيع، ونداء المنفعة والمصلحة، فإذا خلا القانون مما يتصل بالمبادئ والعقائد، وإذا خلا القانون مما يتصل بالأخلاق والفضائل، وكان للفرد منفعة أو مصلحة في مخالفة القانون فقل سلام على القانون.

ويدخل تحت هذا النوع معظم القوانين الوضعية في العالم وبصفة خاصة القوانين التي جردت من كل ما له مساس بالدين والعقائد والأخلاق والفضائل الإنسانية.

القَوَانِينُ الوَضْعِيَّةُ قَبْلَ الثَّوْرَةِ الفِرَنْسِيَّةِ وَبَعْدَهَا:

ومن الحق أن نقول أن القوانين الوضعية كانت إلى ما قبل الثورة الفرنسية ذات سلطان، وكان سلطانها يقوم على عنصر روحي محدود وعلى عنصر الإلزام، وكانت نصوص القانون مَزِيجًا من القواعد الآمرة والناهية الموروثة عن الرومان أو غيرهم، ومن بعض المبادئ الخُلُقِيَّةِ والعادات والتقاليد المرعية

ص: 44

والسوابق القضائية، وكان يتخلل هذا المزيج قليل من القواعد الدينية التي تختلف باختلاف الدين واختلاف المذهب.

وبعد الثورة الفرنسية أخذ المتشرعون الأوروبيون في تجريد القوانين الوضعية من كل ما له مساس بالدين والعقائد والأخلاق والفضائل الإنسانية حتى تم لهم ذلك إلى حد كبير، وأصبحت هذه القوانين قائمة على تنظيم علاقات الأفراد المادية، وعلى ما يمس الأمن ونظام الحكم أو النظام الاجتماعي، وبذلك انعدم العنصر الروحي في القانون فانعدم سلطانه على الأفراد والشعوب.

وقد أدى إهمال الدين والعقائد وإبعاد الأخلاق والفضائل عن دائرة القانون إلى نتائجه الحتمية، ففسدت الأخلاق وشاعت الفوضى، ونبتت في الجماهير روح التمرد والاستهانة بالقانون، وكثرت الثورات وتعددت الانقلابات وتغيرت النظم طِبْقًا للأهواء وانتفى الاطمئنان والاستقرار من حياة الشعوب.

الصَّخْرَةُ التِي حَطَّمَتْ القَانُونَ:

ولقد أوقع المتشرعين الوضعيين في هذا الخطأ الفاحش أنهم أرادوا أن يحققوا مبدأ المساواة بين الأفراد، وأن يطبقوا مبدأ حرية الاعتقاد، فلم يروا وسيلة لتطبيق هذين المبدأين مَعًا إلا أن يجردوا القانون من كل ما يمس العقائد والأخلاق، فأدى بهم هذا التطبيق السيء إلى تلك النتائج المحزنة، ولو

ص: 45

أنهم أخذوا بطريقة الشريعة الإسلامية لضمنوا تحقيق ما شاءوا من مبادئ ولمنعوا من وقوع هذه المساوئ.

كَيْفَ تَخَطَّتْ الشَّرِيعَةُ هَذِهِ العَقَبَةَ؟

إن الشريعة الإسلامية شريعة أساسها الإسلام، فهي بطبيعتها شريعة دينية، ومن قواعدها الأولية أنها تسري على المسلمين وغير المسلمين ممن يتوطنون دار الإسلام، وهؤلاء يسمون اصطلاحًا بالذميين، ومن أهم المبادئ التي جاءت بها الشريعة مبدأ المساواة ومبدأ حرية العقيدة، وظاهر من الجمع بين هذه المبادئ أن الشريعة تعرضت لنفس المشكلة التي قوضت القانون الوضعي، فماذا يا ترى فعلت الشريعة؟ إنها وضعت للمشكلة أبدع حل وأبسطه أنها سَوَّتْ بين المسلمين والذميين فيما هم فيه متساوون، وخالفت بينهم فيما هم فيه مختلفون.

ولا يختلف الذميون عن المسلمين إلا فيما يتعلق بالعقيدة، ولذلك كان كل ما يتعلق بالعقيدة لا مساواة فيه، والواقع أنه إذا كانت المساواة بين متساويين عَدْلاً خَالِصًا فإن المساواة بين المتخالفين ظلم واضح، ولا يمكن أن يعتبر هذا استثناء من قاعدة المساواة التي أخذت بها الشريعة نفسها، بل هو تأكيد للمساواة إذ المساواة لم يقصد بها إلا تحقيق العدالة، ولا يمكن أن تتحقق العدالة إذا سوي بين المسلمين والذميين فيما يتصل بالعقيدة الدينية، لأن معنى ذلك هو حمل المسلمين على ما يتفق مع عقيدتهم، وحمل الذميين على ما يختلف مع

ص: 46

عقيدتهم، ومعناه أَيْضًا عدم التعرض للمسلمين فيما يعتقدون، والتعرض للذميين فيما يعتقدون وإكراههم على غير ما يدينون، ومعناه أخيرًا الخروج على نص القرآن الصريح {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ} [البقرة: 256].

ومن الأمثلة على ما تفرق فيه الشريعة بين المسلمين والذميين الجرائم القائمة على أساس ديني محض كشرب الخمر وأكل لحم الخنزير، فالشريعة تحرم شرب الخمر وأكل لحم الخنزير، ومن العدل أن يطبق هذا التحريم على المسلم الذي يعتقد طِبْقًا لدينه بحرمة شرب الخمر وأكل لحم الخنزير، ولكن من الظلم أن يطبق هذا التحريم على غير المسلم الذي يعتقد أن شرب الخمر وأكل لحم الخنزير لا حرمة فيه، ولو طبقت قاعدة المساواة تطبيقًا أعمى لأخذ الذميون بأفعال هي في معتقدهم غير محرمة وفي هذا ظلم بَيِّنٌ، فكان من العدل أن قصر التحريم على المسلمين دون غيرهم؛ فالمسلم إذا شرب الخمر وأكل لحم الخنزير ارتكب جريمة يعاقب عليها، أما الذمي فلا يعتبر شربه الخمر وأكله لحم الخنزير جريمة.

النوع الثالث:

وهو ما يقوم فيه سلطان القانون على عنصر الإلزام وحده، ولكن تأتي نصوص القانون مضادة لعقائد الجماعة، خارجة على الأخلاق الموروثة والفضائل المتعارف عليها، ومثل هذا القانون يعتبر مُجَرَّدًا من السلطان، وَأَنَّى يكون له

ص: 47

سلطان على من يهاجم عقائدهم، ويسفه أحلامهم وفضائلهم، ويؤلم نفوسهم ويعذب ضمائرهم؟

إن السلطان لا ينتظر لمثل هذا القانون، وإنما ينتظره المقت الشديد والعداء السافر والمقاومة المستميتة التي تطيح بالقانون وبمن يدافع عنه، وليس في العقوبة أَيًّا كانت غناء عن مثل هذا القانون، فقد تعلم الناس أن أصحاب العقائد لا تزعجهم العقوبة ولا تردهم عما يريدون.

القَوَانِينُ المِصْرِيَّةُ مِنْ هَذَا النَّوْعِ:

ومن الأمثلة على هذا النوع القوانين الوضعية السائدة في مصر وغيرها من البلاد الإسلامية التي استبدلت بالشريعة القوانين الوضعية، تلك القوانين التي بَيَّنَّا فيما سبق أنها خرجت على وظيفتها، ولم تقم على أصولها، وأنها لا تنتسب إلينا ولا تخدم مصالحنا، وليس لها سلطان على نفوسنا ولا مكان في عقولنا أو قلوبنا.

الاِسْتِعْمَارُ أَدْخَلَ هَذِهِ القَوَانِينَ فِي بِلَادِنَا:

إن طبيعة الإسلام أن يحكم كل بلد يدخله، وإذا كان الإسلام دِينًا فهو شريعة كاملة لكل مسلم، لذلك كانت الشريعة الإسلامية هي القانون الوحيد لكل بلد إسلامي من يوم أن دخله الإسلام، وظلت كذلك حتى كان تسلط الاستعمار على البلاد الإسلامية، فأدخل فيها القوانين الوضعية الأوروبية، أو أغرى حكامها الذين وضعهم تحت حمايته أو تحت رحمته

ص: 48

بإدخالها، وكانت الحُجَّةُ المتكررة في إدخال هذه القوانين أنهم يريدون الأخذ بالأسباب المدنية الأوروبية والتقدم الأوروبي، كأنما التقدم الأوروبي والمدنية الغربية راجعة إلى هذه القوانين البشرية، وكأنما تأخر المسلمين وضعفهم راجع إلى شريعتهم السماوية.

وقد وجدت هذه الحُجَّةُ الفارغة عقولاً فارغة في البلاد الإسلامية تصدقها وتؤمن بها، وتلقنها للنشء في معاهد الدراسة وتثبتها في الكتب المدرسية.

حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ:

وكان من السهل على هؤلاء المستغفلين الغافلين لو فكروا أن يعلموا أن حُجَّتَهُمْ دَاحِضَةٌ، وأن هذه القوانين التي فتنوا بها ليست في أصولها إلا قوانين الدولة الرومانية، وأن هذه القوانين لم تمنع العرب والمسلمين من هدم الدولة الرومانية، وأن هذه القوانين لم تعصم أوروبا كلها من الهزيمة المنكرة في الحروب الصليبية.

وكان من السهل على هؤلاء المستغفلين الغافلين لو فكروا أن يعلموا أن الشريعة الإسلامية كانت شريعة المسلمين الأول، وأنها كانت تحكمهم وهم قلة مستضعفة يخافون أن يتخطفهم الناس، وأنهم في ظل هذه الشريعة وبعد عشرين سَنَةٍ من موت الرسول استطاعوا أن يزيلوا الدولة الفارسية من الوجود، وأن يحسروا مَدَّ الدولة الرومانية عن الشام ومصر وشمال إفريقية، وأن يصبحوا سادة العالم وقادة البشر أكثر من

ص: 49

أَلْفِ سَنَةٍ، وأنهم في ظل هذه الشريعة حطموا الصليبيين وتغلبوا على التتار، وغزوا شرق أوروبا وجنوبها وغربها واحتلوها مئات السنين.

وكان من السهل على هؤلاء المستغفلين الغافلين أن يرجعوا إلى العهد القريب ليعلموا أن مصر الإسلامية في عهد محمد علي باشا كانت أقوى وأعظم من كثير من البلاد الأوروبية، وأنها استطاعت أن تطرد الفرنسيين من أرضها وأن تلقي بالانجليز في البحر، وأن تغزو اليونان وتتغلب على الحشود التي أمدتها بها الدول الأوروبية، كما استطاعت أن تضم الحجاز والسودان والشام، وأن تغزو تركيا حتى لتكاد الجيوش المصرية تدخل القسطنطينية لولا تكتل الدول الأوروبية وتآمرها على مصر الإسلامية العربية. ولقد فعلت مصر هذا كله في ظل الشريعة الإسلامية لا في ظل القوانين الوضعية. فكيف يقول قائل بعد هذا كله أن القوانين الوضعية هي سبب تقدم الدول الأوروبية وأن الشريعة الإسلامية هي سبب تأخر الأمم الإسلامية! ألا إنها الغفلة أو هو الغرض الذي يعمي ويصم! أفلم يقرأ هؤلاء التاريخ ليعرفوا شَيْئًا عن الدول الإسلامية والمدنية الإسلامية وليعرفوا سر النهضة الأوروبية وعلى أي شيء قامت المدنية الغربية؟ {أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ} [الحج: 46].

تَأَخُّرُ المُسْلِمِينَ لَا يَرْجِعُ لِلْتَّشْرِيعِ:

إن تأخر المسلمين لا يرجع للتنظيم والتشريع، فالشريعة

ص: 50

الإسلامية أفضل وأسمى من أي قانون وضعي على وجه الأرض، وما من نظرية أخذت بها القوانين حتى اليوم إلا وهي موجودة في الشريعة على أفضل الوجوه وأكمل الأوضاع، وما من نظرية حديثة اتجه إليها علماء القانون أو فكروا فيها إلا وهي مفصلة في الشريعة على خير ما تفصل الآراء والنظريات.

إن تأخر المسلمين لا يرجع للتنظيم والتشريع، وإنما يرجع لترك تعاليم الإسلام، فالمسلمون اليوم في كل بلاد العالم إنما هم مسلمون بأسمائهم وألسنتهم، لا بإيمانهم ولا بأعمالهم، إلا من رحم الله، وقليل ما هم.

ولو كانت التشريعات الحديثة هي التي تقدم الشعوب لوجب أن تكون بلجيكا أقوى وأعظم من إنجلترا لأن القوانين البلجيكية من أحدث القوانين ولأن القوانين الانجليزية من أقدمها وبعضها يرجع إلى الوقت الذي كانت فيه إنجلترا مجهولة لا مكان لها في العالم.

ولو صح أن التشريعات الحديثة لها أثر في تقدم الشعوب لوجب أن تكون الشعوب الإسلامية أكثر شعوب العالم قوة وتقدما، لأن الشريعة الإسلامية على قِدَمِهَا أحدث من كل القوانين الوضعية التي تقوم كما قلنا على القانون الروماني وتأخذ عنه وتتمسك بنظرياته واتجاهاته ولا تتطور إلا بقدر ما تقتضيه الظروف تطورًا هو امتداد للأصل وفي حدود الأصول الفقهية الرومانية.

ص: 51

ألا فليعلم المسلمون أن الإسلام هو الذي خلقهم من العدم وجعلهم خير أمة أخرجت للناس وسلطهم على دول العالم، وأن الشريعة الإسلامية هي التي علمتهم وأدبتهم، وأشعرتهم العزة والكرامة، وأمدتهم بالقوة والعزيمة، وأوجدت فيهم أبطالاً فتحوا البلاد وأسسوا الممالك، وعلماء وأدباء خدموا العلوم والآداب أجل الخدمات.

ألا فليعلم المسلمون أن الشريعة الإسلامية هي أول شريعة أخذت الناس بالمساواة التامة والعدالة المطلقة، وأوجبت عليهم أن يتعاونوا على البر والتقوى وأن يدعوا إلى الخير ويأمروا بالمعروف وينهوا عن المنكر، وأن القوانين الوضعية لم تصل من هذا كله حتى اليوم إلا إلى بعض ما جاءت به الشريعة الإسلامية.

ألا فليعلم المسلمون أن الشريعة الإسلامية أدت وظيفتها طالما كان المسلمون متمسكين بها، فلما تركوها وأهملوا أحكامها تركهم الرقي وأخطأهم التقدم، ورجعوا القهقرى إلى الظلمات التي كانوا يعمهون فيها قبل الإسلام، فعادوا مستضعفين مستبعدين، لا يستطيعون دفع معتد، ولا الامتناع من ظالم.

لقد آمن المسلمون الأوائل وحسن إيمانهم فمكنهم الله لهم في الأرض، وإن الذي مكن لهم على قلتهم وضعفهم لقادر أن

ص: 52

يمكن لنا في الأرض إذا آمنا وحَسُن إيماننا؛ ذلك وعد الله لعباده، ومن أوفى بعهده من الله {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ} [النور: 55].

{قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ، يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [المائدة: 15، 16].

ص: 53