الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
5 -
خاتمة البحث:
إن مكتسبات الإنسان المعاصر في مجال الحقوق والواجبات، إنما هي ثمرة جهاد طويل، ونتاج نضال مرير للشعوب عبر تاريخها الطويل، وهي تعبير عن عصارة الثقافات والحضارات التي توالت، واستنارت بهدي الرسالات السماوية.
وفضل الإسلام على الإنسانية، باعتباره الرسالة الخاتمة الخالدة عظيم؛ فقد أنقذ البشرية من مهاوي الضلال وظلمة الأهواء، وما ارتكست فيه من عفن البغضاء والعداوات المفضية إلى الحروب والنزاعات، وإهدار القيم الإنسانية النبيلة، قال سبحانه وتعالى:{وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا} [آل عمران: 103].
ولا يزال نضال الإنسان متواصلًا مستمرًّا، تبعًا لطموحه اللامحدود، في مزيد تثبيت حقوقه وتوسيع مداها، انتصارًا للقضايا العادلة للشعوب والأفراد، وصونًا لها من كل مخاطر الردة والانتكاس.
إن المجتمع الدولي مطالب اليوم، أكثر من أيِّ وقت مضى، لتحمّل مسئولياته الجسيمة في فض النزاعات وتحقيق السلام، ومقاومة مظاهر التمييز والعنصرية، والوقوف إلى جنب الشعوب المضطهدة لنيل حقوقها في الحرية وتقرير المصير، وفق ما نصَّ عليه الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وتعد قضية الشعب الفلسطيني العادلة في استرجاع أراضيه وبناء دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشريف، قضية إنسانية متأكدة ذات أولوية، حقنًا للدماء البشرية المهدورة، وحماية للأنفس البريئة مما يقع عليها من أبشع صور الاضطهاد والقتل والتشريد والتدمير.
إن حوار الأديان والحضارات، هو الجسر الذي يمكن أن تتخطّى به الإنسانية آلامها، والبلسم الذي يتسنَّى لها به أن تداوي جراحها، بروحٍ من التسامح والاعتدال والوسطية، وبعيدًا عن أشكال التعصب الأعمى المقيت، من أجل حياة إنسانية أكثر مساواة وعدالة وسلامًا وأمنًا.
وختامًا، لا يسعنا كعلماء وخبراء ومختصين، في إطار هذا المجمع العلمي الإسلامي المهيب، إلّا أن ندعم كل الجهود الخيرة، ونبارك كل العزائم الجادة، المؤمنة إيمانًا عميقًا بقضايا الإنسان، وسعيها لتثبيت حقوقه على كل المستويات التشريعية والتطبيقية، ليظل الإنسان -كما أراده الله- كائنًا مكرمًا مفضلًا في وجوده المادي والمعنوي.
ولا يفوتني أن أثني على الجهود العلمية الجبارة لمجمعنا، في إيلائه لقضية حقوق الإنسان المسلم حيزًا كبيرًا من أعماله، بتشريك الدول الأعضاء من خلال ممثليهم، في إبداء وصياغة القرارات والإدلاء بالبحوث العلمية الدقيقة.
وأعبّر عن أملي في أن تنتهي أشغال دورتنا هذه، إلى قرارات تستجيب لحاجات شعوبنا العربية والإسلامية، في أن يكون لها ميثاقها وإعلانها، المعتبر لخصوصياتها العقدية والثقافية والحضارية، دون أن يكون ذلك انزواء عما يشهده العالم اليوم من تطورات، ودون أن يؤدي إلى انطواء على الذات، أو اصطدام بين الحضارات الإنسانية.
إن رسالة الإسلام، بتوجهها إلى الناس كافة:{وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا} [سبأ: 28]، أفرادًا وشعوبًا وأممًا، قد استجابت ولا زالت إلى نداء الفطرة الإنسانية، وإلى صوت السلام المختلج في أعماق الإنسان أينما كان؛ قال تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ} [البقرة: 208] ، وما مجموع الحقوق التي شرعها ديننا، إلّا ضرورات لا غنى للبشرية عنها؛ لأنها تمثل التكريم الإلهي للإنسان، الذي أسجد له الله ملائكته الكرام.
ودعوتنا إلى الإنسانية جمعاء، أن يجلّي الله بصيرتها، ويرفع حجب الغشاوة عنها، لتهتدي إلى سواء السبيل، وتؤدي على خير وجه رسالة الاستخلاف المستأمنة عليها، لتسعد البشرة جمعاء، وتهنأ بنعمة السلام النفسيّ والماديّ، والله الهادي إلى سواء السبيل.