المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ في أفق الصراع السياسي(1913 - 1119) - سلسلة جهاد شعب الجزائر - جـ ٦

[بسام العسلي]

الفصل: ‌ في أفق الصراع السياسي(1913 - 1119)

2 -

‌ في أفق الصراع السياسي

(1913 - 1119)

غادر الأمير خالد الجزائر، وتوجه إلى باريس، فوصلها مع نهاية سنة 1913، وبدأ جولته بإلقاء المحاضرات عن (الظروف السياسة والاجتماعية التي يعيشها المسلمون في الجزائر). وطرح خلال محاضراته برنامج حزب (الجزائر الفتاة) ودافع عنه بكبرياء

ولكن بطريقة ديبلوماسية.

ومما قاله: (نحن أبناء عرق له أمجاده، وله عظمته، وهو ليس بالعرق الأدنى، غير أنه يعاني في هذه المرحلة من قصور كبير في التقويم. وهو يرفض أن يزج نفسه على طرق المستقبل التي يفتحونها أمامه. ولكنه لن يستمر في رفضه هذا) ومما قاله أيضا: (يشتكي المسلمون من حرمانهم من فرص التعليم، كما يشتكون من النطام الاستثنائي الذي فرض عليهم). ويتعرض الأمير خالد

لمواقف جده الأمير عبد القادر حين يقول: (عندما نعتقد بأن تاريخنا قد انتهى، فإنه سيبدأ معكم أنتم الإفرنسيون. تماما على نحو ما انتهى تاريخ أجدادكم المغول ليبدأ مع روما). وفي النهاية

ص: 104

أثار الأمير خالد قضية التقارب الإفرنسي - العربي في الجزائر فقال: (إن الحلف العضوي الذي يمزج قوى الإفرنسيين بقوى المواطنين الجزائريين من شأنه تحقيق التقارب في المستقبل بين العرقين - أو الجنسيتين - ومن الحكمة بمكان منح هؤلاء الذين قبلوا أداء كل واجباتهم بما في ذلك دفع الضرائب - وضريبة الدم خاصة - أن ينالوا بالمقابل حقوقهم) وأنهى محاضرته بقوله: (افتحوا أمامنا أبواب العلم، واعملوا على مساعدتنا قدر ما تستطيعون في أيام السلم. وشاركونا في رفاهكم وعدالتكم. وعندئذ سنقف إلى جانبكم في ساعات الخطر).

استقبل الليبراليون الإفرنسيون بالهتاف والتصفيق هذا الأسلوب الذي طرح فيه الأمير خالد قضية بلاده في محاضراته طوال سنة 1914، وبلغة امتزج فيها الفخر بالسياسة، وضم فيها ما تميز به العرق العربي من الفخر بالماضي التليد والاعتزاز بأرض الأجداد، واستعادة الأصالة السياسية التي تجمع بين الشعبين. وكتب صحيفة (الأزمنة) الإفرنسية في ذلك:(لقد نظرت باريس إليه بعيون امرأة خاضعة لتأثيره). غير أن الحاكم العام للجزائر اسقبل ردود الفعل هذه بغضب جامح. وأصبح الأمير خالد واحدا من دعاة ومؤسسي الاتحاد الإفرنسي - الجزائري الموجه لإجراء إصلاحات ليبرالية في الجزائر. ولم يتردد الأمير خالد في دعم هذا الاتجاه فكان مما قاله بهذا الشأن: (إذا كان من السهل التفاهم مع الإفرنسيين في فرنسا، فإن ذلك يعني أن وجود مشكلة اسمها (مواطني الجزائر) هو تعبير عن خطأ الإفرنسيين في الجزائر).

ص: 105

وصرح الأمير خالد بعد ذلك: (إنه لا يستطيع الثقة بالإدارة الجزائرية التي يجب عليها تطبيق القوانين التي وضعت - أو التي سيتم وضعها. أو تنفيذ السياسة الجديدة التي حددها مجلس النوواب الإفرنسي - في شهر شباط - فبراير -1914).وعلى هذا طالب إلى الأمير خالد برجاء - أن يحدد مباشرة الحقوق التي يرغب حزب (الجزائر الفتاة) في استردادها لمصلحة المواطنين. فطلب الأمير خالد: (1 - استخدام اليد العاملة الجزائرية في فرنسا وتأمين الحماية لها. 2 - رفع الضغط الذي يمارسه النظام عن المواطنين والقبائل جميعها ودونما استثناء. 3 - إجراء تمثيل صحيح ونزيه للمواطنين الجزائريين في كل الهيئات الاستشارية والمجالس التشريعية).

وكان مما قاله بهذا الشأن: (إن من يطلق عليهم اسم ممثلينا قد صنعوا في الحقيقة للعمل ضد استرداد حقوقنا الشرعية وخدمة مصالحهم الشخصية فقط، في حين أن الجزائر الفتاة، باسقلاليتها وعدم وجود مصالح شخصية لأفرادها، تمثل أصدق تمثيل الرأي العام الجزائري).

يظهر مما سبق، وبشكل واضح تماما، أن الأمير خالد، قد وضع نفسه في موضع الخصم العنيد للإدارة الإفرنسية في الجزائر

ولمن يتم انتخابهم من قبل هذه الإدارة باسم (نواب إداريين). وقام منذ ذلك الحين صراع بين الحكومة الإفرنسية في الجزائر، والتي أخذت في العمل للتخلص منه، وبين وزارة الخارجية الإفرنسية التي التزمت طويلا بالدفاع عنه وحمايته. وبينما كانت الإدارة

ص: 106

الإفرنسية في الجزائر ترى في الأمير خالد عدوا للجمهور الجزائري، كانت الوزارة الإفرنسية تعتبره رجلا مستقلا يدين بالولاء لباريس.

ما أن اندلعت نار الحرب العالمية الأولى حتى أسرع النقيب خالد للتطوع على الفور في وحدات المتطوعين الجزائريين (القوم). وقد نظرت باريس إلى هذه المبادأة بتقدير كبير. في حين اعتبر الحاكم العام للجزائر أن هذه المبادأة تنطوي (على سوء النية وذات طابع تحريضي مثير). وفكر وزير الحرب الإفرنسي - في كانون الأول - ديسمبر، 1914 - بإرساله إلى سوريا من أجل العمل ضد الأتراك - العثمانيين.

غير أن الحاكم العام للجزائر عارض هذه الفكرة وأسقطها. أما الأمير خالد، فكان من أنصار مبدأ قيام (الثورة العربية) التي أقرها المؤتمر العربي الأول في باريس (في كانون الثاني - يناير - 1913) والتي كانت تحتضنها الحكومة الإفرنسية وتشجعها وتروج لها منذ زمن بعيد. وقد أظهر الأمير خالد حماسته للإسهام في مشروع الثورة العربية ومعه فرسان الصبايحية الجزائريين. وصرح بعدئذ في كانون الثاني - يناير - 1915، لصحيفة الأزمنة، (بأن تدخل الألمان في شؤون الإمبراطورية العثمانية سيكون حافزا للقيام بالثورة ضد السلطة غير الشرعية). غير أن حماسة الأمير خالد اصطدمت بعقبات أحبطت تطلعاته. وكان في جملة هذه العقبات غير المتوقعة رغبة الإدارة الإفرنسية في مقاومة الطموح لدى سلالة الأمير عبد القادر، وما يتميز به أفراد هذه السلالة من الفخر

ص: 107

والاعتداد بقوة الشخصية القيادية.

وجاءت مسيرة الأحداث مؤيدة لوجهة نظر الإدارة الاستعمارية، ففي 10 آذار - مارس - 1915 غادر عبد الملك - عم الأمير خالد - مدينة طنجة بصورة مباغتة، والتحق بمنطقة الاستعمار الإسباني ليرفع في منطقة الريف راية (الجهاد في سبيل الله) ضد المستعمرين. وانتقلت عائلة الأمير خالد بدورها إلى منطقة الاستعمار الإسباني أما الأمير خالد، فقد أعلن على الملأ التزامه بالولاء لفرنسا. وفي هذه الفترة أعلنت أجهزة الإعلام الألمانية - في رسائل مزعومة من عبد الملك وعلي باشا - تاريخها 11 كانون الأول - ديسمبر - 1914، الاستيلاء على تازه، وأعقب ذلك نشر رسالة مزعومة ثالثة تاريخها 25 كانون الثاني - يناير - 1915، تعلن توجه الأمير خالد إلى الصحراء ومعه (7) آلاف رجل.

وأكدت السلطات الاستعمارية في الجزائر أن الألمان قد أعلنوا عن تنصيب الأمير خالد سلطانا على الجزائر في 12 كانون الثاني - يناير -. واجتاحت الجزائر خلال هذه الفترة شائعة تقول: (أن هناك نبوءة تنتشر من قبل الحرب عن ظهور أحد أبناء هذا الذي أضاع الجزائر، يأتي لإنقاذ الجزائر، وأن هذا الإبن سيحمل لقب السلطان، وسيأتي إلى الجزائر من الريف. وخدمت هذه الشائعة قضية عبد الملك الذي اختار له اسما حركيا هو: الحاج قداح).

وعلى أثر ذلك، فكر وزير الحرب الإفرنسي بإيقاف الأمير خالد واعتقاله، غير أن الحاكم العام شك في صحة المعلومات التي توافرت لديه، واكتفى بالرد: (أن مثل هذا الإجراء سيؤكد

ص: 108

للمواطنين الجزائريين ما يتم تناقله من شائعات). وأثناء ذلك، كان الأمير خالد يمارس عمله في جبهة القتال، وقد أرسل إلى زوجته وابنه أمرا حاسما بترك تطوان والعودة إلى الجزائر. كما التمس من الحاكم الإفرنسي تقديم المساعدة لإرجاع زوجته وابنه، وقد تم تنفيذ ذلك فعلا. واعترفت الحكومة الإفرنسية بسلامة موقف الأمير خالد، وقررت منحه التعويض السنوي الذي كان يتقاضاه عمه عبد الملك، وهو مبلغ خمسة آلاف فرنك.

ولم تمض على ذلك أكثر من فترة قصيرة حتى منح الأمير وسام جوقة الشرف، وكان للشجاعة التي أظهرها في القتال تقديرها، فتم منح الأمير خالد وسام الصليب الحربي، مع الإشارة - ببطورلاته في عدد من المرات (بواسطة تعميم الأوامر اليومية). وقد كان لذلك دوره في إرغام الحاكم العام للجزائر على إخفاء حقده الدفين ضد الأمير خالد. غير أن ذلك لم يمنعه من الاستمرار في اعتراض رسائل الأمير خالد ومراقبتها، وإحاطته بشبكة من الجواسيس حتى في وحدته، شأنه شأن المواطنين عامة. وكانت هذه الجاسوسية مصدر إثارة حقيقية للضباط وصف الضباط المسلمين مما دفع بعضهم للفرار، وإعلانهم أنهم لجئوا إلى الفرار للتخلص من هذه الرقابة المزعجة.

بقيت السلطات العسكرية مستمرة، على كل حال، في التعامل مع الأمير خالد بتقدير واحترام كبيرين. على نحو ما كان أمرها معه باستمرار. وكان الأمير خالد أثناء ذلك، في حركة دائمة وتنقل مستمر بين الوحدات الجزائرية، لمعالجة كل ظاهرة من ظواهر

ص: 109

الضعف، وليعيد الهدوء والثقة لنفوس المقاتلين، وليثير حماسة الرماة بكلماته البليغة، وليؤم الصلاة علنا ويقيم شرائع العبادة الإسلامية، حتى بات من المعروف في الجزائر بأن الأمير خالد يمارس دور الشيوخ ورجال الدين.

عاد الأمير خالد إلى الجزائر مع نهاية سنة 1916، بعد أن أمضى في الجبهة فترة ثمانية عشر شهرا، لقضاء إجازته، غير أنه عاد في الحقيقة بسبب ما كان يعانيه من مرض (التدرن الرئوي - السل). وأظهرت الإدارة الإفرنسية تذمرها على الفور من وصول الأمير خالد إلى الجزائر، وذلك لأنه لم يتم إعلامها مسبقا، ولأن محرضي الشعب كانوا في انتظاره. ولم تلبث الإدارة الإفرنسية في الجزائر أن أعلنت بأن هذا المرض منتشر جدا في أوساط الشبيبة الجزائرية، وقام مدير صحيفة الإسلام - صادق بن دندون - بالترويج لهذه المقولة. وأعلنت الإدارة الإفرنسية في الجزائر - في سنة 1917 - بأن مرض الأمير خالد هو (مرض مزعوم) وكانت حجتها في ذلك أن عودته قد ترافقت مع فترة الإصلاح في الجزائر، وأن الأمير خالد قد أقدم على خطبة حفيدة باشآغا مسكره - ولد القاضي - على الرغم من كونه متزوجا وله ابن من زوجته السابقة.

وأضيف إلى ذلك رحلة الأمير خالد إلى باريس، للاشتراك في مؤتمر (جامعة حقوق الإنسان) الأمر الذي لم ترض عنه الإدارة الإفرنسية في الجزائر. ذلك لأن هذا المؤتمر الذي عقد في تشرين الثاني - نوفمبر - 1916، قد طالب بأن تتضمن معاهدة السلام المقبلة:(الاعتراف بحق الشعوب في تقرير مصيرها) وكان

ص: 110

الحزب الوطني التونسي هو أول من رفع هذا الشعار وطالب بتنفيذه. وقد عمل مؤتمر سنة 1917 على دراسة المشكلة الجزائرية، وقرر قبول اعتناق قدامى المحاربين الجزائريين للجنسية الإفرنسية مع احتفاظهم بوضعهم الإسلامي، مع منحهم حق الاشتراك في انتخابات مجلس النواب والشويح، وكذلك حقهم في ترشيح أنفسهم لشغل المناصب البرلمانية في المجلسين المذكورين؛ وكذلك تعميم التعليم وجعله إلزاميا للجنسين الذكور والإناث. وفي الواقع، فقد تأثر الأمير خالد تأثرا كبيرا بمقررات هذا المؤتمر، وتكونت لديه قناعة بأن العالم السياسي الإفرنسي بات مستعدا لمنح المسلمين حتى التمثيل النيابي - البرلماني - بدون أن يتخلى هؤلاء عن أوضاعهم الدينية.

ما إن تماثل الأمير خالد للشفاء من مرضه حتى طلب إلى القيادة الإفرنسية إعفاءه من الخدمة بصورة نهائية، لكن القيادة رفضت طلبه هذا، فعاد إلى الخدمة، ووجد نفسه، عندما تم توقيع الهدنة، قائدا - لسرية في كتيبة الصبايحية الأولى - في المدية - وكانت الإدارة الإفرنسية في الجزائر تتابع تردده الدائم على مدينة الجزائر واتصالاته بحزب الجزائر الفتاة وأعضائه العاملين. كما كانت تهتم بما يظهره من تفاخر بعلاقته مع (ماريوس - موتيه)(1) ومع

(1) ماريوس موتيه: (MARIUS MOUTET) نائب اشتراكي فرنسي، أرسله كليمنصو إلى الجزائر ومنحه سلطات مطلقة للتحقيق في الأسباب التي أثارت الاضطرابات في أوريس، ووضع مقترحات إصلاحية تم إصدارها في قانون 4 شباط - فبراير - 1919.

ص: 111

الحاشية المحيطة بالرئيس الأمريكي (ويلسون) وبنتيجة هذه العلاقة، أخذت الإدارة الإفرنسية في الجزائر باتهامه بإقامة علاقات غير مباشرة مع الرئيس ويلسون والإيحاء له:(لوضع مبادئه في حقوق الشعوب لتقرير مصيرها، وبالتالي استعادة الجزائر لاستقلالها).

واستطاع الأمير خالد باستمرار الدفاع عن نفسه، وتحدي متهميه لإثبات صحة أقوالهم. وكان يردد:(لو فعلت ذلك، لغادرت الجزائر منذ عهد بعيد، ولما بقيت فيها). وظهر أن تلك الاتهامات لم تكن تستند إلا على تقارير الشرطة، وهي تقارير كانت تفتقر إلى الصحة والدقة، كما أن التقارير التي قدمها - المتطوعون - عن علاقاته بالحزب الدستوري التونسي، لم تكن صحيحة. الأمر الذي دفع الإدارة الإفرنسية في الجزائر إلى طي الموضوع، وعدم رفعه إلى حكومة باريس، ووضع حد حاسم للحوار حول هذا الموضوع. غير أن الحقيقة الثابتة هي أن المبادىء التي طرحها ويلسون بشأن (حق تقرير المصير) قد تركت أصداء قوية في أوساط المواطنين الجزائريين حتى بات الحديث عن هذا الحق هو محور أحاديث العامة والخاصة في المجتمع الجزائري لمدة طويلة من الزمن.

بقي الأمير خالد محافظا على ولائه لفرنسا بصورة عامة، على الرغم من كل المداخلات والإغراءات. وها هو أحد رؤسائه (العقيد كلوزيه) سجل في تقريره عنه سنة 1919 ما يلى: (أعرف النقيب خالد منذ واحد وعشرين عاما، إنه ضابط يتمتع

ص: 112

بكفاءة عالية جدا، وهو يدرك تماما الموقف والسلوك اللذين يفرضهما عليه أصله

وإني أعتبره - شخصيا - بمثابة نموذج رائع للجندي. وإن ما حصل عليه من الأوسمة والثناءات لتؤكدان ذلك. إنه رجل واجب ومسؤولية، فخور وأبي ومتحفظ ووفي بالإضافة إلى ما ينفرد به من فضائل نبيلة وأخلاق عالية).

انطلاقا من هذا الموقف، فإن الأمير خالد لم يشترك في مؤتمر (المغاربة الوطنيين المنفيين في لوزان) سنة 1916. كما لم يشترك في المؤتمر الثالث للوطنيين المضطهدين والذي طالب باستعادة تونس والجزائر لاسقلالهما. ولم يشترك أيضا في (جمعية المسلمين لاستقلال الجزائر وتونس) وهي الجمعية التي تأسست في برلين (في كانون الثاني - يناير - 1916)(والتي ضمت إليها عمه الأمير باشا وابن عمه الأمير سعيد)(1). وهكذا بقي الأمير خالد ملتزما بحزب (الجزائر الفتاة) لا أكثر ولا أقل، وهو الحزب الذي صنفته ألمانيا في الحرب العالمية الأولى بأنه حزب معاد لها، لأن أعضاءه لم ينقادوا للوطنيين المنفيين والذين اجتمعوا في مؤتمر برلين.

وقد أعلن الأمير خالد في بداية سنة 1919، أنه من أنصار

(1) الأمير علي باشا هو الذي وضع (النداء الشهير للمسلمين) وطالبهم بالخدمة في جيوش الحلفاء لإنقاذ الخليفة وإنقاذ المسلمين وأماكنهم المقدسة وتحرير الجزائر وتونس والمغرب. وقد صدر هذا النداء باللغة العربية في برلين سنة 1916. أما الأمير سعيد فقد انضم إلى الحلفاء، وتولى القيادة في دشق قبل دخول الجيش العربي إليها.

ص: 113

تشكيل وفد جزائري وإرساله إلى (مؤتمر السلم). ذلك لأن إنكلترا قررت على ما يقال إحاطة نفسها بممثلين عن مستعمراتها والدول التابعة لها - الدومينيون -، وأن على فرنسا أن تفعل ذات الشيء بالنسبة لمستعمراتها ومحمياتها. وقد أثارت هذه المقولة الإدارة الإفرنسية التي اعتقدت:(بأن الأمير خالد يريد تقليد الوطنيين الهنود، وإنه يعمل على تحقيق الاستقلال للجزائر من خلال مؤتمر السلم). ويجب أن يضاف إلى ذلك، أن الإرادة الإفرنسية فرضت على الجزائر في تلك الفترة ستارا من الشكوك حول كل شباب (الجزائر الفتاة):(هذه الحفنة من المتعلمين والطموحين والمتآمرين) والذين ما فتؤوا يثيرون المتاعب لأنهم لم يفيدوا شيئا من إصلاحات سنة 1919، وذلك لأن نسبة النواب المسلمين لا زالت محددة بما لا يتجاوز معدل ربع عدد الأعضاء في المجالس الاستشارية العامة، وثلث عدد أعضاء المجالس البلدية، وثلاثين بالمائة من عدد المنتخبين الماليين. وباتت الإدارة الإفرنسية تخشى من أن تقف وهي عاجزة عن تعيين المرشحين للانتخابات واحتواء نشاطاتهم وأعمالهم ، لقد كان عدد من يحق لهم الانتخاب في سنة 1914 لا يتجاوز خمسة آلاف ناخب، وها هو العدد يقفز إلى مائة ألف (أو على وجه الدقة 103،149 ناخب يشكلون أحد عشر بالمائة من مجموع المواطنين الجزائريين الذكور والذين يتجاوزون الخامسة والعشرين من عمرهم) فهل تستطيع الإدارة الإفرنسية في الجزائر توجيه هذا العدد؟

لقد كان لزاما على الإدارة الإفرنسية إعداد هؤلاء الناخبين الجدد، وتعليمهم في مؤسسات التعليم الخاصة

ص: 114

بالدولة، غير أن الإدارة عملت بدلا من ذلك على اتباع أسلوب مبتكر يتلخص بإنقاص عدد الناخبين، وإثارة الانشفاق بين الشبيبة الجزائرية وخلق التناقضات بين العروق - الأجناس - الجزائرية وضرب بعضها ببعض.

أمام هذا الموقف، حاول الأمير خالد تشكيل حزب إسلامي واحد وموحد يضم القبائل والعرب وسواهم ويكون لهذا الحزب فروعه في كل مكان. وكان مما يردده بهذا الشأن:(لنبتعد عن العقلية العرقية فالدين الإسلامي - يضمنا جميعا). ولم تقف الإدارة الإفرنسية أمام هذه المحاولة موقف المتفرج، فأسرعت إلى دفع عملائها ورجال أجهزة مخابراتها للعمل بنشاط - في المدن الكبرى خاصة - من أجل إثارة التناقضات، وشحن العداء بين العرب والقبائل - البربر - والنصارى، وتحريض بعضهم على بعض. وعملت على بعث الأحقاد فيما بين القبائل، عن طريق نشر قوائم الخصوم المرشحين للانتخابات البلدية المقبلة.

بقيت (الجزائر الفتاة) تضم حتى تلك الفترة في صفوفها المسلمين - الإفرنسيين (أي الذين حصلوا على الجنسية الإفرنسية). وأراد قائد الشرطة استثمار هذا الموقف فألقى قنبلته لتمزيق وحدة الحزب من خلال طرح السؤال المتعلق بقانون الجنسية.

وكان هذا السؤال هو: هل يجب قبول الجنسية التي جاء قانون سنة 1919 ليفسح المجال أمام الجزائريين لاكتسابها، الأمر الذي يساعد ويدعم بعض أعضاء حزب الجزائر الفتاة، من أمثال

ص: 115

الدكتور ابن شامي والمحامي بو دربا والأستاذ صوالاح وكلهم يحملون الجنسية الإفرنسية مما يجعلهم في يوم من الأيام يقفون على قدم المساواة مع الأوروبيين عن طريق غزو المجلس الجزائري؟. أو هل يجب العمل بما يناقض ذلك، والتنكر لكل حاملي الجنسية الإفرنسية وذلك بتطبيق مبدأ التنازل عن الحالة الشخصية للمسلم كشرط لحصوله على الجنسية الإفرنسية. حتى لا يسترد إلا حقوقه السياسية؟

كان الشيخ العجوز الحاج موسى عضوا منتخبا في المجلس الاستشاري لبلدية الجزائر منذ سنة 1884، وقد احتفظ دائما بإخلاصه لعقيدته الإسلامية، كما احتفظ بقدرته على تحسس مشاعر قومه والاستجابة لهم. ولهذا فقد أقر الوضع الذي تفرضه الإجابة على السؤال الثاني. ووافقه على ذلك عدد من شباب حزب الجزائر الفتاة، وفي مقدمتهم الأمير خالد، والمهندس قائد حمود ومدير صحيفة الجزائر الفتاة (الأقدام) وهو الحاج عمار حمو. وأخيرا تم وضع لائحتين انتخابيتين معاديتين. وبقي أمل حزب الجزائر الفتاة معلقا بحسم القضية - قضية الجنسية - عن طريق انتخابات المسلمين في الجزائر.

ص: 116