الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ج - موقف الجزائريين من الهجرة:
جابه الجزائريون جحافل الغزو الإفرنسي بالمقاومة الضارية منذ بداية الاحتلال الأجنبي وظل رجال القبائل يقاومون بعنف توسع الإفرنسيين طوال الفترة من عام 1830 وحتى عام 1871. واستخدم الجيش الإفرنسي أشد الوسائل وحشية في حملاته المتطاولة لإخماد جذوة الجهاد المتألفة أبدا فوق ثرى جزائر الأحرار.
ولم تكن مقاومة الجزائريين قائمة فقط بسبب تحريض القيادات المؤمنة، بداية من الأمير عبد القادر وأحمد باي قسنطينة والإخوان الرحمانيين والشيخ الحداد والمقرانيين وسواهم، كم لم تكن هذه المقاومة نتيجة سخط الشعب على وحشية الإفرنسيين ووسائلهم البربرية. وإنما كانت مرتكزة أيضا، ولعل هذا هو المهم، على تعلق الجزائريين بدينهم الإسلامي وتمسكهم بأرضهم الطيبة الطهور.
لقد قامت القوات الإفرنسية بتدمير أراضي الجزائريين تدميرا شاملا ثم أدى اغتصابهم لها فيما بعد إلى تمزيق الروابط الأساسية للمجتمع الريفي. وصدر مرسوم في العام 1840 يقضي بمصادرة أملاك الجزائريين الذين امتشقا الحسام ضد الإفرنسيين، والاستيلاء على أراضيهم. وفي سنة 1843م، صدر مرسوم آخر يقضي بمصادرة أراضي (الداي التركي) وأراضي الوقف الإسلامي (الحبوس) التي ينفق ريعها على المساجد وغيرها من شؤون المسلمين؛ فأتاح هذا المرسوم للإفرنسيين فرصة السيطرة على شؤون المسلمين. وفي عامي 1844 و1846 صدرت مراسيم اشتراعية تسمح بمصادرة الأراضي التي لم يكن لأحد فيها حقوق مشروعة - من وجهة نظر القوانين الاستعمارية الإفرنسية -.
واستمرت الإدارة الإفرنسية في إصدار مراسيم المصادرة للأراضي الجزائرية، مغتنمة كل فرصة مناسبة لإحكام سيطرتها على البلاد. وكان فشل ثورة الإخوان الرحمانيين (ثورة المقراني والحداد 1871) فرصة مناسبة للإفرنسيين من أجل اغتصاب عدة ملايين أخرى من الأفدنة، مما أنزل ضربة أخرى بالمجتمع الريفي الجزائري.
وأدى هذا العمل إلى إفقار الكثيرين من رجال القبائل الذين كانوا من أشد الناقمين على فرنسا. ودفع بهم إلى الهجرة، والانتشار في كل أنحاء الجزائر بحثا عن العمل. وصدر قانون إفرنسي في العام 1873 سمح ببيع أراضي القبائل أو أراضي الوقف. وكانت الأرض إذا بيعت، انتقلت إلى الخضوع لقوانين الأراضي الإفرنسية، وأصبح من المحال إعادتها إلى القوانين الجزائرية الإسلامية، حتى لو كان من ابتاعها جزائريا. وأدت الفوارق بين قوانين تملك الأراضي الإفرنسية والإسلامية إلى بقاء هذه المشكلة حتى في القرن العشرين سببا من أسباب نقمة الجزائريين وسخطهم، لا سيما وأن هذه القوانين في جملتها فرضت على رجال القبائل الإقامة في مناطق معينة، وقيدت حركتهم وحركة قطعان مواشيهم عبر المنتجعات ومناطق الرعي الخصبة التي كانت لهم من قبل. كما أدت عمليات الاغتصاب المتعددة، إلى تراجع الجزائريين عن المناطق الساحلية التي تضم الأراضي الخصبة، وانسحابهم نحو الداخل حيث الأراضي الجبلية المقفرة، والتي تصعب زراعتها.
وهكذا تمزقت الطبقة المتوسطة الجزائرية وضعفت، وعلى سبيل المثال، فقد كان عدد سكان الجزائر يقدرون تقريبا بـ (75) ألفا قبل
اجتياح فرنسا للجزائر، وهبط هذا العدد مع بداية الاحتلال إلى (60) ألفا، ثم إلى (20) ألف جزائري فقط. ومرت مدن بليدة وميدية والمعسكر وتلمسان وعنابة وقسنطينة وغيرها، بفترات من الحصار والمذابح، وفر الكثيرون من أبناء المدن إلى الأرياف. واستمرت الهجرات على نطاق واسع أيضا إلى بلاد الشام، طوال القرن التاسع عشر، احتجاجا على الإجراءات الإفرنسية.
غير أن مدينة (قسنطينة) انفردت عن سواها من مدن الجزائر، بأنها استطاعت استعادة مكانتها بسرعة؛ فأصبحت في الربع الأخير من القرن التاسع عشر مركزا سياسيا ودينيا لمقاومة المخططات الاستعمارية الإفرنسية. وقد تم لها ذلك بفضل الطبقة المتوسطة ذات الجذور العريقة والتقاليد الراسخة والثقافة الدينية الرفيعة. علاوة على ما يتوافر لهذه المدينة من انفتاح على داخل البلاد، ووجود فئة متعلمة لها قدرة قيادية. وقد تمكنت هذه الطبقة المثقفة المختارة -بمعونة باي قسنطينة، من تجنب الدمار الذي ألحقه الإفرنسيون بالمدن الجزائرية الأخرى، ولم يعد من الغريب والحالة هذه أن تكون هذه المدينة مهدا لظهور عدد كبير من قادة الثورة الجزائرية وزعمائها في وقت لاحق.
على كل حال، أدى نجاح الإفرنسيين في القضاء على ثورة القبائل (سنة 1871) إلى نهاية فترة من الوطنية الريفية، وبداية فترة أخرى من جهود أهل المدن، يقودهم سكان قسنطينة، للحصول على بعض حقوقهم بوسائل الصراع السلمي. وظلت الطبقة المختارة متماسكة، متلاحمة، في مدينة قسنطينة، لتأخذ على عاتقها قيادة
الجهاد الديني والصراع السياسي. وهكذا كمنت المعارضة للحكم الإفرنسي في تعابير دينية.
وأثناء ذلك، كان المستوطنون قد حصلوا بين عام 1896 وعام 1900 على درجة لا بأس بها من الحكم الذاتي. فجعلوا من الجزائر وحدة إدارية مستقلة عن المقاطعات الإفرنسية ذاتها. واعتبارا من هذا التاريخ، أخد الجدال في الاحتدام حول وضع الجزائريين في بلادهم، حيث لا يتساوى الفريقان في نفس الحقوق الإفرنسية. وتقرر أن يكون للجزائريين نسبة الثلث في التمثيل في اللجان المالية. ومع ذلك لم يعين إلا جزائريان في الفترة الأولى، وهما ينتسبان إلى الطبقة الثرية من أصحاب الأراضي. وعين في العام 1922 واحد وعشرون جزائريا في هذه اللجان (1) وكانت نسبة الأقلية التي أعطيت للجزائريين في هذه اللجان سببا في بقائهم بدون أية سلطة حقيقية وفعلية.
حدثت في الجزائر انتفاضات وثورات قصيرة (في العام 1907 وفي العام 1911) وتمكنت القوات الإفرنسية من قمعها بالقوة. وقامت بتفريق التظاهرات التي جرت احتجاجا على نتائج الانتخابات المزيفة التي حدثت في تلك الفترة. وتألف في الوقت ذاته أول حزب جزائري هو حزب (الجزائر الفتاة) بزعامة الأمير خالد الجزائري، غير أن هذا الحزب لم يعمر طويلا. وقد أعلن هذا الحزب موافقته على الالتزامات التي فرضت حديثا على الجزائريين لأداء
(1) ارتفع هذا الرقم في العام (1937) إلى (24) عضوا.
الخدمة العسكرية - الإلزامية دفاعا عن فرنسا، ولكنه طالب بتوسيع تمثيل الجزائريين في الجمعيات والمجالس المنتخبة، وبتطوير التعليم وتوسيعه، وبإنهاء الضرائب الخاصة المفروضة على العرب، وإلغاء قانون (السكان الأصليين).
وقرر نحو من ثمانمائة مواطن من أهالي تلمسان في العام (1911) الهجرة من مدينتهم والنزوح إلى بلاد الشام (دمشق) احتجاجا على: (قانون التجنيد الذي يرغم الجزائريين على الخدمة تحت راية الصليبيين، ومصادرة أملاك الوقف، وقانون (السكان الأصليين) وجوازات التنقل داخل البلاد، وعدم المساواة أمام المحاكم، وزيادة الضرائب، وعدم تمثيل الجزائريين تمثيلا كافيا في المجالس المنتخبة، ومنافسة الصناعات الأوروبية للصناعات الوطنية - المحلية - وعنف نظام الغابات، والامتيازات الممنوحة لليهود، والغرائم الجمركية والضرائب الثقيلة، وحماية الإدارة الإفرنسية لموظفيها حتى ولو أساؤوا، وعدم اهتمام السلطات بشكاوى الجزائريين). ولد دلت هذه الهجرة الجماعية على إحساس المواطنين الجزائريين باليأس من بذل الجهود لحل مشاكلهم في ظل النظام الاستعماري الجاثم على صدر البلاد.
بدأ بعض الجزائريين بالهجرة من المناطق الريفية على فرنسا بحثا عن العمل، وفرارا من الواقع الذي كانت تعيشه الجزائر، وذلك قبيل الحرب العالمية الأولى. لكن الحرب ذاتها هي التي شكلت الحافز الأساسي لهجرة جماعية واسعة النطاق. وارتفع عدد الجزائريين العاملين في فرنسا من نحو أربعة آلاف أو خمسة آلاف
قبيل الحرب إلى نحو ثمانين ألفا إبانها. واستمرت هذه الهجرة حتى العام 1924، لسد الفراغ في حاجات فرنسا إلى اليد العاملة. وأخذت الهجرة في الهبوط بصورة حادة بعد العام 1924، ولا سيما في العام 1929، بسبب حدوث الأزمة الاقتصادية العالمية. وعندما استؤنفت الهجرة ثانية في العام 1936، بلغ عدد الجزائريين العاملين في فرنسا نحوا من اثنين وثلاثين ألفا. مقابل نحو من مائة ألف في الفترة الواقعة بين عامي 1920 و1924.
أدت جهود العمال والجنود الجزائريين، وتضحياتهم، أيام الحرب العالمية الأولى، وموجة الغضب التي هيمنت على الجزائر، إلى قيام اليسار الإفرنسي بتأييد حركة الإصلاح. ورفض رئيس الوزراء (كليمنصو) الإذعان لمقاومة المستوطنين وضغوطهم، من أجل صرفه عن تنفيذ ما أطلق عليه صفة (اقتراحات معتدلة). وصدر تبعا لذلك قانون في عام 1919، يسمح للمتعلمين الجزائريين - في فرنسا -بالحصول على الجنسية الإفرنسية، شريطة التخلي عن حقوقهم الخاصة بموجب القانون المدني الإسلامي. (وكان القانون الذي بني على تقرير لجنة مجلس الشيوخ الإفرنسي في العام 1865 قد سمح بمثل هذه الإجراءات. غير أن التعقيدات التنفيذية جعلت من المحال على الجزائري الحصول على هذه الجنسية).
ولكن عدد الجزائريين الذين استجابوا للقانون الجديد لم يكن كبيرا، وعندما حل العام 1936، لم يكن عدد الذين اكتسبوا الجنسية الإفرنسية يزيد على بضعة ألوف. وهنا لا بد من الإشارة إلى ذلك الجهد الكبير الذي بذلته (جمعية العلماء المسلمين الجزائرية)
والتنظيمات الإسلامية الأخرى من أجل توعية المواطنين، وإقناعهم بالتمسك بهويتهم الإسلامية؛ ورفض التجنس بالجنسية الإفرنسية.
وعلى كل حال، فقد شرع بعض الجزائريين ممن تعلموا في فرنسا، وتكيفوا مع حياتها، بالمطالبة لقبولهم مواطنين إفرنسيين، على الرغم من القانون المدني الإسلامي. وكان هؤلاء (المعتدلون) يبحثون عن نموذج جديد من الإدماج، ومن المساواة في الأوضاع، ضمن المجتمع الجزائري. وأدت الانتخابات العامة في فرنسا - في أيار، مايو، 1936 - إلى فوز اليسار الإفرنسي بانتصار بارز، وقيام حكومة للجبهة الشعبية بقيادة الاشتراكي (ليون بلوم)(1).
واستجابت الحكومة الإفرنسية لطلبات (المعتدلين الجزائريين) فوافقت على القانون الذي اقترحه (بلوم - فيوليت) والذي كان من المقرر أن يعطي الجنسية - الإفرنسية إلى فئات معينة من الجزائريين المثقفين (المتعلمين في فرنسا) بدون أن يتخلى هؤلاء عن حقوقهم التي يضمنها لهم القانون المدني الإسلامي، ولكن هذا القانون لم يصدق عليه في البرلمان الإفرنسي، بسبب معارضة المستوطنين القوية له. وأدى فشله إلى خيبة أمل الكثيرين من (المعتدلين) الجزائريين، الذين حاولوا الإخلاص لمدرستهم الإفرنسية التي نشؤوا فيها.
(1) ليون - بلوم (BLUM LEON) رجل سياسي فرنسي، من مواليد مدينة باريس (1872 - 1950) زعيم الحرب الاشتراكي. شكل حكومة الجبهة الشعبية في العام 1936 وأبعد إلى ألمانيا منفيا في العام 1943. وعاد إلى فرنسا بعد انتهاء الحرب ليشكل الحكومة الإفرنسية في العام 1946.