المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌أ - النزعات الاستقلالية للمهاجرين (المستوطنين): - سلسلة جهاد شعب الجزائر - جـ ٦

[بسام العسلي]

الفصل: ‌أ - النزعات الاستقلالية للمهاجرين (المستوطنين):

هبطت نسبة المهاجرين من الجنسيات الأخرى إلى حد كبير بعد العام 1895. وتوقفت الهجرة أثناء الحرب العالمية الأولى، ثم استؤنفت بعد ذلك، غير أن نوعية المهاجرين تبدلت. فلم يعد المزارعون هم الذين يهتمون بالهجرة إلى الجزائر، بل اقتصرت الهجرة على العمال والتجار ورجال الأعمال وموظفي الحكومة وعمالها. وتعود هذه الظاهرة إلى مكننة الزراعة من جهة (إدخال الزراعة الآلية) وإلى تناقص مساحات الأراضي الصالحة للزراعة من ناحية أخرى.

يبرز العرض السريع السابق أن الجزائر تعرضت لهجمة استيطانية واسعة في أعقاب القضاء على ثورة الحداد والمقراني (ثورة 1871)؛ ويعود سبب ذلك إلى هجرة الإفرنسيين من مقاطعتي الألزاس واللورين اللتين احتلتهما بروسيا سنة 1870، كما أن الآفة الزراعية التي لحقت بالكثير من كروم العنب في فرنسا عام 1878، دفعت عددا من صانعي الخمور إلى الجزائر. المهم في الأمر هو أن هذه الهجرة أدت إلى مجموعة من الظواهر، أو العوامل، التي رسمت أبعادها على صفحة الجزائر وعلى مستقبلها. وهذه الظواهر هي: أ - النزعات الاستقلالية للمستوطنين - المهاجرين. ب - التكون النفسي الخاص بالمستوطنين. ج - موقف الجزائريين من الهجرة.

‌أ - النزعات الاستقلالية للمهاجرين (المستوطنين):

أظهر المستوطنون الأوروبيون في الجزائر جنوحا نحو الاستقلال بأمور الجزائر وإدارتها منذ البداية، وكان هذا الجنوح عاملا أساسيا في جملة عوامل اضطراب الإدارة الإفرنسية في الجزائر، وتأرجح هذه الإدارة بين المدنيين والعسكريين، حتى إذا ما سقطت إمبراطورية نابليون

ص: 37

الثالث إثر الحرب البروسية - الإفرنسية، ظن المستوطنون أن الفرصة باتت مناسبة لهم للاستقلال بأمور الجزائر، فقاموا بمهاجة المراكز العسكرية الإفرنسية، وأنزلوا الإهانات بالعسكريين، وأقاموا لجان الدفاع والأمن العام. وقاموا في شهر تشرين الثاني - نوفمبر 1870 بضرب الحاكم العام العجوز (الجنرال إيستر هازي) وطردوه من مقره.

في هذه الفترة من ظهور الروح الانفصالية للمرة الأولى عند المستوطنين، جرت اتصالات مع (غاريبالدي) في إيطاليا، وملكة إنكلترا، ولكن الحكومة الإفرنسية المؤقتة سرعان ما استعادت سيطرتها على الجزائر. وأخذ المستوطنون بعد ذلك في استخدام قوتهم الاقتصادية الجديدة لممارسة الضغوط السياسية ضد الحكومة الإفرنسية، ولتطبيق السياسة المناسبة لهم. وعندما حاولت فرنسا تطبيق سياسة الدمج بهدف معاملة الجزائر كأي مقاطعة إفرنسية أخرى، انبرى المستوطنون لمقاومة هذه السياسة وإحباطها. وظهر خلاف حاد بين المستوطنين وبين الحكومة الإفرنسية - في باريس - في عهد الجمهورية الثالثة بسبب التناقض في وجهات النظر تجاه القضايا الاقتصادية، ومشاريع الاستثمار ونفقات الإدارة في الجزائر، وبسبب التناقض أيضا بشأن الدور المقبل للجزائريين في بلادهم.

وكان معظم المستوطنين يعتقدون بوجوب إبادة الجزائريين وإفنائهم، بينما كان الليبراليون في فرنسا يعتبرون أن من الواجب تدريب الجزائريين على الأعمال الرخيصة. وهو ما تبرزه مقولة

ص: 38

(جوليوس فيري)(1) رئيس الوزراء الإفرنسي سنة 1892 حيث كتب ما يلي:

(قمنا بدراسة نفسية المستوطن دراسة دقيقة ووثاثقية، فوجدنا أنه إنسان محدود الأفق للغاية. ومن المؤكد أن الكفاءة العقلية ليست هي السبب في ظاهرة تحكم المستوطن في مصير أهل البلاد. غير أن هذا المستوطن ليس مجردا من الفضائل، ففيه تتجسد كل صفات العامل المجد، والإنسان الوطني، ولكنه لا يملك ما يمكن للإنسان أن يسميه (بفضيلة الفاتح) وهي التي تتمثل في إنصاف الروح والقلب، وفي الإحساس بإنصاف الضعيف، وإحقاق الحق بما لا يتعارض مطلقا مع صلابة الحكم والإدارة. ومن الصعب على المستوطن الأوروبي أن يفهم بأن ثمة حقوقا أخرى غير حقوقه في البلاد العربية - الإسلامية .. وأن أبناء هذه البلاد ليسوا شعبا خلق للعبودية، أو للتكبيل بالأصفاد وفقا لرغباته. ويعلن المستوطنون أن الشعب الخاضع للاستعمار هو شعب غير قادر على تحسين أوضاعه، أو على تقبل العلم، دون أن يبذل هؤلاء المستوطنون أي جهد أو محاولة لرفع مستواه العقلي والأدبي من الحالة البائسة التي يعيشها. وليس من شك في أن نيتنا لا تتجه إلى إبادة أهل البلاد، ولا القذف بهم إلى ما وراء الصحراء، ولكن

(1) جوليوس فيري: (FERRY - JULES) رجل دولة فرنسي، من مواليد سان دييه (1832 - 1892) اشتهر بأنه من غلاة الاستعماريين ومتطرفيهم، وقد أسهم بدور كبير في وضع الأسس الأولى لإدارة المستعمرات، كما مارس دورا هاما في التوسع الاستعماري الإفرنسي بالاستيلاء على تونس وطونكين (الهند الصينية) والكونغو.

ص: 39

ليس ثمة فائدة في الاستماع إلى شكاواهم، ولا الاهتمام لتكاثرهم، وهو تكاثر يزداد بصورة مضطردة مع فقرهم).

وهذا ما عاد الجنرال كاترو فأكده بقوله:

(يعيش المستوطنون أكثر من غيرهم من الناس تحت سيطرة غرائزهم، أكثر مما يعيشون وفقا لمتطلبات العقل ومعطيات المثل العليا. وقد ظلوا عن طريق الوراثة الرجعية، على النحو الذي كان عليه آباؤهم عندما ذهبوا إلى إفريقيا لاستيطانها، وهم يشكلون

الرواد الأوائل، حاملين معهم طبيعتهم الميالة إلى العمل وإلى العزلة، فنفذوا بحماسة رائعة ونجاح منقطع النظير مشاريع تحمل طبيعتهم الفردية ومصلحتهم الشخصية. وهم على ضوء هذا يمثلون مجموعة من الأفراد، أكثر من تمثيلهم لجماعة محددة تقوم على مجموعة من الأسس والتقاليد. وهم لا يتنادون إلى التجمع والعمل المشترك إلا دفاعا عن مصالحهم. ولكن هذه المصالح، التي هي في حد ذاتها مصالح طبقية، لا تكون دائما منسجمة مع مصالح فرنسا. ويفتقر هؤلاء الرجال، على الرغم من حسن نيتهم، إلى الفضائل الخلقية الروحية، والتقليل من المفاهيم المادية والأنانية الشديدة الغرور تجاه علاقاتهم مع أهل البلاد. وهم - أي المستوطنون - يفتقرون أيضا إلى خميرة كريمة وأصيلة من الثقافة غير المتحيزة، وإلى تذوق الأفكار، ويتضخم هذا الافتقار مع مرور السنين، ومع ازدياد الثروة، (1).

(1) الجزائر الثائرة (جوان غيسلبي) ص 18 - 24.

ص: 40

المهم في الأمر هو أن امتلاك المستوطنين للثروة قد مكنهم من فرض إرادتهم على الحكم الإفرنسي في باريس، وقد اعترف رئيس الوزراء الإفرنسي (جوليوس فيري) بفشل سياسة (الدمج) في سنة 1894، فتم تشكيل مجلس أعلى للجزائر، يضم ستين عضوا بينهم سبعة عشر فقط من الجزائريين.

وخففت فرنسا في العام 1896 من ارتباطاتها بالجزائر، وأصبح من حق الجزائر - جزائر المستوطنين - في سنة 1900 أن تشرف على شؤونها المالية، ونص قانون صدر في العام 1898 على تكوين هبات مالية جزائرية تضم (24) عضوا من الجزائريين و (48) عضوا من المستوطنين - وكانت هذه الهيئات المالية هي التي تقترح الموازنة الجزائرية التي أطلق عليها اسم (باستيل المستوطنين) وظلت تسيطر على البلاد من العام 1898 إلى العام 1945. وكان المستوطنون والجزائريون من أعضاء هذه الهيئات المالية يمثلون المصالح الضخمة لأصحاب الأملاك. ولم يكن المستوطنون يبدون أي اهتمام بمصالح الجزائريين ورفاهيتهم وكانوا يعزون مشاعر القلق عند الجزائريين إلى التأثيرات الخارجية.

لقد حارب عدد كبير من أبناء الجزائر (ومن أبناء المغرب العربي الإسلامي عامة) تحت العلم الإفرنسي وللدفاع عن (شرف فرنسا) غير أن تضحياتهم قوبلت بالجحود والإنكار من قبل المستوطنين، فقد تصدى هؤلاء لمقاومة كل إصلاح أرادته الحكومة الإفرنسية، لا من أجل مصلحة الجزائريين وإنما من أجل مصلحة فرنسا بالدرجة

ص: 41

الأولى. وهكذا فعندما طرح (كليمنصو)(1) بعض الاقتراحات التي زعم أنها إصلاحية، جابهه المستوطنون بما يشبه الثورة، وهددوا بالانفصال، على نحو ما كانوا قد فعلوه سنة 1871، ووجهوا حملة من الاحتجاجات والعرائض والضغط من قبل النواب الذين يمولهم المستوطنون. وهكذا وجد المحاربون الجزائريون أنفسهم أمام موقف عسير في وطنهم ففضلوا الهجرة إلى فرنسا على البقاء في وطنهم.

لقد أطلق الإفرنسيون على العقود الأربعة الأولى من القرن العشرين لقب (أيام زهو المستوطنين في الجزائر) هذا على الرغم مما تعرضت له الجزائر في هذه المدة من النكسات الاقتصادية التي دفع الجزائريون ثمنها لحساب المستوطنين، ومنها على سبيل المثال (أزمة الخمور) التي وقعت في فرنسا مع مطلع الثلاثينات، وأدت إلى قيام أصحاب صناعة الخمور فيها بالمطالبة بتخفيض مستوردات الخمور من الجزائر. وعلى أثر تهديد المستوطنين بالانفصال ومقاطعه المنتجات الإفرنسية، مما أرغم حكومة (باريس) على إلغاء التعرفة الجمركية العالية التي كانت تعتزم فرضها على خمور الجزائر، ويكفي هنا القول: (أن الجزائر البلد المسلم بات بفضل الحضارة الإفرنسية مصدرا للخمور. وقد كان التوسع في هذه الزراعة على حساب

(1) كليمنصو - جورج (CLEMENCEAU - GEORGES) رجل دولة وسياسي إفرنسي من مواليد مويرون. آن بارد (MOUILLERON EN PAREDS)(1841 - 1929) شغل منصب وزير للحربية، ورئيس مجلس النواب سنة 1917، وكان له دور كبير في مباحثات الصلح التي أعقبت الحرب، ووضع معاهدة فرساي (1919). ويعتبر كليمنصو من كبار الاستعماريين، وغلاتهم.

ص: 42