الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
القسم الرابع:
التَّرْكُ البياني، أو التَّرْكُ التشريعي، وهو ما تَرَكَه صلى الله عليه وسلم بيانًا للشرع؛ كتَرْكه صلى الله عليه وسلم الأذان للعيدين وتَرْكه الاحتفال بمولده صلى الله عليه وسلم.
وهذا القسم من تَرْكه صلى الله عليه وسلم هو المُراد من السُّنَّة التَّرْكية، وإنما يُحْتج به فيجب تَرْك ما تَرَكَ صلى الله عليه وسلم ، إذا وجد السبب المُقتضي لفعل هذا المتروك في زمنه صلى الله عليه وسلم وانتفى المانع من فعله كما سيأتي.
ومما يلتحق بهذا القسم - أعني التُّرْك البياني - ثلاثة أنواع من التَّرْك:
الأول: تَرْكه صلى الله عليه وسلم واجتنابه لما هو مُحَرَّم شرعًا، ومن ذلك: تَرْكه صلى الله عليه وسلم وهو مُحْرِم للطيب والصيد؛ فإن المعلوم من شاهد الحال أن ذلك لأجل الإحرام (1).
الثاني: قاعدة: "تَرْك الاستفصال في حكاية الحال مع قيام الاحتمال يُنَزَّل منزلة العموم في المقال، ويحسن بها الاستدلال"، وهي مقالة مشهورة عن الإمام الشافعي (2).
(1) انظر: إرشاد الفحول ص (213).
(2)
وقد نقل عنه قول آخر يخالف هذا القول هو: "حكاية الحال إذا تطرق إليها الإحتمال كساها ثوب الإجمال وسقط منها الاستدلال".
وقد استشكل ذلك بعض العلماء، وجعلهما بعضهم قولين للشافعي وجمع بعضهم بين القولين بأن الاحتمال إذ كان قريبًا سقط بها الاستدلال وإذا كان بعيدًا فلا يسقط.
انظر القواعد والفوائد الأصولية ص (234، 235) وشرح الكوكب المنير (3/ 172 - 174).
ومعنى القاعدة: أن النبي صلى الله عليه وسلم إذا تَرَك السُّؤَال عن تفاصيل واقعة ما فإن عدم السؤال يدل على عموم حكمها، وذلك أن غيلان بن سلمة الثقفي رضي الله عنه أسلم وله عشر نسوة في الجاهلية فأسلمن معه، فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يتخير أربعًا منهن (1).
فدَّل تَرْكه صلى الله عليه وسلم سؤاله: هل عقد عليهن معًا أو مرتبًا على عموم الحكم وعدم الفرق بين الأمرين (2).
قال تاج الدين السبكي: "اشتهر عن الشافعي رضي الله عنه أن تَرْكَ الاستفصال في حكاية الأحوال مع قيام الاحتمال ينزل منزلة العموم في المقال".
وهذا وإن لم أجده مسطورًا في نصوصه فقد نقله عنه لسان مذهبه، بل لسان الشريعة على الحقيقة أبو المعالي رضي الله عنه.
(1) رواه ابن ماجة في سننه (1/ 628) برقم (1953) والترمذي (3/ 435) برقم (1128) وقال: والعمل على حديث غيلان بن سلمة عند أصحابنا منهم الشافعي وأحمد وإسحاق.
(2)
انظر: القواعد والفوائد الأصولية ص (234، 235) وشرح الكوكب المنير (3/ 171 - 174) وأضواء البيان (5/ 100، 581، 6/ 516، 547).
ومعناه صحيح؛ فقد كانت من عادته صلى الله عليه وسلم أن يستفصل ويستقصي بحيث لا يدع غاية في البيان ولا إشكالا في الإيضاح.
الثالث: سكوته صلى الله عليه وسلم على حكم لو كان مشروعًا لبينه، فإنه يدل على عدم الحكم (1).
ومن أمثلته: القول بأن المرأة لا كفارة عليها في الوقاع في نهار رمضان؛ إذ لو وجبت على المرأة كفارة لبَيَّنَهَا رسول الله صلى الله عليه وسلم ولأمر الأعرابي بتبليغ ذلك لأهله؛ كما أمر أنيسًا لمَّا قال له: «واغْدُ يا أنيس على امرأة هذا فإن اعترفت فارْجُمْها» (2).
ومما يدل على ذلك: قوله صلى الله عليه وسلم «إن الله عز وجل فرض فرائض فلا تضيعوها وحرَّم حُرُمات فلا تنتهكوها وحدَّ حدودًا فلا تعتدوها، وسكت عن أشياء رحمة لكم من غير نسيان فلا تبحثوا عنها» (3).
ويدل على ذلك - أيضًا - قول ابن عباس رضي الله عنهما «وما سكت عنه فهو مما عفا عنه» (4).
(1) انظر: مفتاح الأصول ص (581 - 583) والموافقات (1/ 161) وما بعدها.
(2)
أخرجه البخاري ص (562) برقم (2724 - 2725) ومسلم ص (902) برقم (1697، 1698).
(3)
أخرجه الدارقطني في سننه (4/ 183) برقم (42) من كتاب الرضاع والحديث حسنه النووي في الأربعين النووية: الحديث الثلاثون.
(4)
أخرجه أبو داود (3/ 354) برقم (3800) وصححه الحاكم ووافقه الذهبي انظر المستدرك (4/ 115) وقد رواه مرفوعًا ابن ماجه في سننه (1/ 1117) برقم (3367) والترمذي (4/ 220) برقم (1726) وقال حديث غريب لا نعرفه مرفوعًا إلا من هذا الوجه، وقال: وكأن لحديث الموقوف أصح.