الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ولما أتم الكلام على ما قصد ذكره من أحكام الضمائر أخذ في نوع آخر من المعارف وهو
العلم
فقال:
العلم
اسم يعين المسمى مطلقا
…
علمه كجعفر وخرنقا
وقرنٍ وعدنٍ ولاحقٍ
…
وشدقم وهيلة وواشق
عرف أولا بالعلم قبل الكلام على أقسامه وأحكامه ليكون الكلام على معروف، وهو الحق الذي ينبغي، فذكر أنه اسم يعين المسمى مطلقًا.
فقوله: (اسمٌ) هو الجنس الأقرب، ولو أتى باللفظ أو بالكلمة لكان جنسًا بعيدًا، والإتيان بالقريب أولى، فذكر أنه من قبيل الأسماء وأنه لا يكون في الأفعال ولا في الحروف، فإن سمي بها صارت إذ ذاك أسماء، وصح كونها أعلامًا، لأنها قد خرجت عن جنس الأفعال والحروف، وقوله:(يعين المسمى) معناه يوضحه ويبنيه، ويخرجه عن الإيهام بين أشخاص جنسه، حتى يصير كالمشار إليه حسًا أو ذهنًا، وخرج بهذا القيد النكرات كلها كرجل وفرس، إذ لا تعين مسمياتها، من حيث إنها وضعت لواحدٍ لا بعينه، فإذا لا يعترض هذا التعريف بنحو: شمسٍ
وقمرٍ، لأن لفظ شمس لا يعين مدلوله من حيث الوضع له، ولكن التعيين إنما حصل بعد الوضع، لأمرٍ عرض في المسمى، وهو الانفراد في الوجود الخارجي، لا أن ذاك في أصل التسمية، فليس الاسم هو المعين، بل المعين هو التعين في الخارج، وكذلك القول في قمر من غير فرق وما أشبههما الناظم بقوله (يعين المسمى) وقد تكلف السيرافي في شمس وقمر أنهما موضوعان لكثيرين موجودين في الخارج، فإن لفظ شمس يطلق حقيقة على القرص، ويطلق على الشعاع الجزئي مجازًا، كالواقع منه على الدار والحانوت والسوق والجبل وأشباه ذلك، وكذلك قمرٌ. وهذا الذي قال إذا سلم فلم يحتاج إليه. وقوله: في التعريف (مطلقًا) يحتمل تفسيرين:
أحدهما: أن يكون معناه أن تعيين العلم للمسمى، ليس باعتبار أمرٍ، حتى يكون باعتبار أمرٍ آخر غير معين، كما في المضمر، فإن "أنت" مثلًا موضوع للمخاطب نفسه، من حيث هو مخاطب، ولفظ "هو" موضوع للغائب المعين، من حيث هو غائبٌ، "فأنت" أو "هو" بهذا الاعتبار معرفة، وإذا اعتبرت لفظ "أنت" أو لفظ "هو" من جهة أخرى وجدته صالحًا لغيره من المخاطبين أو الغائبين، كما يصلح رجل ونحوه لكل واحد من أشخاص جنسه، فإذا كان مثلا "أنت" أو "هو" صالحًا لما عين به ولغيره، فهو من هذه الجهة غير معرفة، وإن كان هذا الاعتبار مجازيًا فهو من الاعتبارات
المقصودة، ويتضح ذلك بنحو قول امرئ القيس:
وأنت إذا استدبرته سد فرجه
وبلا شك أنه لا يريد شخصًا مشارًا إليه معينًا، وإنما مقصوده خطاب من يقع عليه هذا الاسم، وهو عندهم من المقاصد البيانيه، وكذلك اسم الإشارة فإن "ذا" مثلا وضع لشخص مفردٍ مذكرٍ قريب، فهو باعتبار الحال والمحل معرفة، / وباعتبار صلاحية اللفظ لكل من اتصف بتلك الحال وحل ذلك محل غير معرفة، وكذلك سائر المعارف إذا اعتبرتها، بخلاف العلم فإن تعريفه ليس باعتبار أمرٍ، بل تعريفه تعريفٌ مطلقٌ بالإطلاق الوضعي وعلى كل الجهات، فتحرز بهذا القصد من سائر المعارف، وهذا التفسير لابن مالك في "شرح التسهيل" فسر به قوله في "التسهيل" - في تعريف العلم-: هو المخصوص مطلقًا، وهو جارٍ هنا من غير شك.
والتفسير الثاني: أن يكون قوله: (مطلقًا) يريد غير مقيد في أصل وضعه، كما تقدم، لكن على وجه آخر، وذلك أن المضمر مثلا إنما وضعه للتعريف بقيد يصحب مدلوله وهو التكلم أو الحضور، الذي يعطي المواجهة أو الغيبة التي تقتضي الإحالة على ذلك المدلول، ولذلك قال قبل هذا:(فما لذي غيبة أو حضور كأنت وهو) وقال
فيه في "التسهيل" مشعرًا بتكلمه أو خطابه أو غيبته. فإذا ليس تعيينه للمسمى تعيينًا بإطلاق، بل بقيد وكذلك اسم الإشارة، وضعه في الأصل على أن يعين المسمى بقيد كونه مشارًا إليه بذلك الاسم، لا على الإطلاق، والموصول كذلك أيضا، ليس تعريفه إلا من حيث وضع على أن تكون الصلة هي المبينة والموضحة له، وكذلك ذو الألف واللام، والمضاف، فأنت ترى أن سائر المعارف غير العلم إنما تعين مسمياتها بقيد، وذلك القيد الثابت بالوضع الأول لها، بخلاف العلم فإن خاصته أن وضع أولا لتعيين مدلوله، وإبرازه عن غيره، مطلقا من غير تقييد بحال من الأحوال، فخرجت المعارف سوى العلم، بهذا القيد الذي هو قوله:(مطلقا)، وبهذا الثاني فسره ابن الناظم في شرحه فقال: كل معرفة ما عدا العلم دلالته على التعيين بقرينة خارجة عن دلالة لفظه، وتلك القرينة إما لفظية كالألف واللام والصلة، وإما معنوية كالحضور والغيبة. وما قاله حسن، وهو أولى من تفسير الناظم في "شرح التسهيل" فإنه إن لم يسامح فيه ورد عليه ما ورد على القرافي وابن هانئ وقد تقدم ذلك أول الباب.
ويعترض هذا التعريف على كلا التفسيرين بالعلم الجنسي، فإنه لا يعين المسمى، إذ هو موضوع وضع الجنس، لا فرق بينهما إلا في الأحكام اللفظية، على حسب ما ينبه عليه آخر الباب، ولما لم يدخل له في الحد الذي حد به العلم في "التسهيل"، لأن قيوده تنافيه استدركه بقوله: أو الشائع الجاري مجراه، وهنا لم يفعل ذلك.
وقد يجاب عن ذلك بأنه لم يعتمده بالذكر، لأنه ليس من قبيل الضروري اللائق بهذا المختصر على الإطلاق، بل هو أدنى رتبة، ومن قبيل ما لا يتكلم فيه أرباب المختصرات، وأيضا فإنه لا يسع جمعه مع العلم الشخصي في حد، لتنافيهما في محصول المعنى، إذ يدخل عليه به النكرة فاقتصر على حد العلم الشخصي، ثم لما أراد التنبيه على العلم الجنسي أتى به في آخر الباب، تكميلًا للفائدة، وتنبيها (على) أن هذا النوع ليس مما يضطر إلى ذكره، كالاضطرار إلى ذكر علم الشخص، وأيضا فإنه مخالف لقانون العلمية ومعناها المشهور، إذ لا كبير فرق بينه وبين النكرة في المعنى، فلذلك لم يعتن بحده ولا باعتبار في الحد والله أعلم.
وقوله: (علمه) مبتدأ، خبره قوله:(اسم يعين المسمى) والهاء عائدة على اسم، وهو في معنى الجنس، فكأنه قال: علم الأسماء هو المعين لمسماه مطلقًا ثم أتى بأمثلة من العلم ثمانية.
أحدها: "جعفر" وهو من أسماء الرجال مشهورٌ، وهو أيضا أبو قبيلةٍ من عامر وهو جعفر بن كلاب بن ربيعة بن عامر وهم الجعافرة.
ويدخل تحت هذا/ المثال كل ما كان من أسماء الرجال نحو: زيدٍ وعمروٍ وخالدٍ وعامرٍ وياهلة والحارث والنعمان وما أشبه ذلك.
والثاني: "خرنق"، وهوا سم امرأة شاعرة، قال أبو عبيدة: وهي خرنق بنت هفان من بني سعد بن ضبيعة رهط الأعشى وهي القائلة:
لا يبعدن قومي الذين هم
…
سم العداة وآفة الجزر
ويشمل التمثيل كل ما كان علما للنساء نحو: هند وزينب وفاطمة وحفصة وأسماء وما أشبه ذلك.
والثالث: "قرن" وهواسم حي من مراد، أبوهم قرن بن ردمان بن ناجية بن مراد، وإليه ينسب أويس القرني- رضي الله عنه ويدخل تحت المثال نحو: أسد وغطفان وتميم وثقيف وقريش وثمود سبأ ويهود ومجوس وما أشبه ذلك من الأعلام الواقعة على القبائل والأحياء.
والرابع: "عدن" وهو اسم موضع باليمن، ويدخل تحت هذا المثال ما كان مثله من أسماء الأماكن والبلدان نحو: مكة، والمدينة، ومصر، وبغداد، وغرناطة، ومالقة، وما أشبه ذلك.
والخامس: "لاحق" وهو اسم فرسٍ كان لمعاوية بن أبي سفيان-
رضي الله عنه-، ونقل القالي في " الذيل" عن الأصمعي قال: الوجيه ولاحق، والغراب، وسبل- وهي أم أعوج- كانت لغني. ونبه بذلك على ما كان مثله من أسماء الخيل، كجروة، وأعوج، والحرون بن الأثاثي بن الخرز بن ذي (الصوفة) بن أعوج، وقرزل
والنعامة، واليحموم، وما أشبه ذلك.
والسادس: "شدقم"، وهو اسم فحل من فحول الإبل، كان للنعمان بن المنذر، وإليه تنسب الإبل الشدقمية قال الكميت:
غريرية الأنساب أو شدقمية
…
يصلن إلى البيد الفدافد فدفدا
ومثله كل ما كان اسمًا لجمل أو ناقة أو نحو ذلك، كالقصواء لناقة النبي صلى الله عليه وسلم، وكذلك العضباء، والجدعاء، وعسكر، اسم جملٍ كان له عليه السلام.
وقيل: عسكر: اسم للجمل الذي ركبته عائشة- رضي الله عنها يوم الجمل، وكان له عليه السلام جمل يقال له: المثعلب، عقره الكفار يوم الحديبية، وغرير: اسم لجملٍ معروف عند العرب وإليه نسب الكميت حيث قال:
غريرية الأنساب
…
والسابع: هيلة، وزعم الزمخشري أنه اسم شاةٍ، فيدخل تحته ما كان من أسماء الشياه الأعلام، وقد روى أنه كان للنبي صلى الله عليه وسلم شاةُ تسمى "غوثه" وقيل:"غيثة" وعنز تسمى "اليمن".
والثامن: "واشق"، وهو اسم كلب، ومثله من أسماء الكلاب "كساب" مثل حذام اسم كلبة، وكذلك "ضمران" اسم كلب، وقع في شعر النابغة، وكلب أهل الكهف كان اسمه "قطمير"، وقيل:"ريان" وقيل: "ميسور"، وقيل:"الرقيم" ذكره السهيلي، ومقصوده بهذه الأمثلة الكثيرة الإبانة عن مسميات الأعلام، من أي نوع تكون، فأشار إلى أن مسمياتها الأناسي، وما يختلط بالأناسي ويلابسهم وذلك أن (سائر) ما يؤلف ويخالط كثيرًا تدعو الضرورة إلى تعيين شخصه في العلم، ليخبر به وعنه فوضعوا لأجل هذا المقصد الأسماء الأعلام، وأكثر من يحتاج إليه في الإخبار الإنسان، فوضعوا لكل شخص اسمًا يخصه، لا يشاركه فيه غيره وإن شاركه فبالغرض، ثم يليه في هذا المعنى ما تكثر ملابسته ومخالطته مما ليس بإنسان، كالخيل والبغال والحمير والإبل والبقر والغنم والكلاب والأماكن
والمياه/ والجبال والكواكب والأيام والشهور والكتب وكذلك القبائل والأحياء، وما أشبه ذلك مما تمس الحاجة إلى تعيينها فوضعوا لها أعلامًا تشخصها، ليحصل الإخبار بمعين، أو عن معين، فهذا هو الذي قصد الناظم- رحمه الله بتكثير الأمثلة وتنويعها، وعادته أن يأتي بالأمثلة فيستغني بإشارتها عن تقرير المسائل والضوابط، قصدًا للاختصار، وعبارته في "التسهيل" عن هذا المعنى هي قوله: ومسميات الأعلام أولوا العلم، وما يحتاج إلى تعيينه من المألوفات.
ثم أخذ في تقسيم العلم بعد تعريفه فقال:
واسمًا أتى وكنية ولقبا
…
وأخرن ذا إن سواه صحبا
وإن يكونا مفردين فأضف
…
حتما وإلا أتبع الذي ردف
فسمه قسمين:
أحدهما: بحسب دلالته في أصل وضعه علمًا على مسماه.
والثاني: بحسب المقاصد الطارئة على ذلك القصد الأول، من جهة اللفظ ودلالته على معنى سابق. فأما التقسيم الأول فهو الذي شرع الآن في تقريره، فذكر أن العلم ينقسم ثلاثة أقسام.
اسم غير كنية ولا لقب، وهو الذي عبر عنه بقوله:(واسمًا أتى) يعني ليس بكنية ولا لقب، وإلا فالكنية واللقب اسمان علمان أيضًا فإنما
أراد الاسم الخاص بالمسمى الذي ليس بكنية ولا لقب، فهو في قوة الاسم المعدول في اصطلاح أهل المنطق، واسم هو كنية، والكنية هي ما أضيف إليه الأب أو الأم، فما أضيف إليه الأب منها هي الكنية المختصة بالذكور، وما أضيف إليه الأم هي المختصة بالإناث، واسمٌ هو لقب واللقب: ما غلب على المسمى حتى اشتهر به على جهة الرفعة أو الضعة.
فالأول نحو: زيد وعمروٌ وقيس وجعفر وامرئ القيس ومعدي كرب وعبد الله وبرق نحره.
والثاني نحو أبي القاسم، وأبي بكر، وأبي عمرو، وأبي كرب، وأبي طالب، وأبي الحسن، وأم قيس، وأم كلثوم، وأم العلا، وأم هانئ.
والثالث نحو: عتيق، وسيبويه، وذي اليدين، وذي الشهادتين، وورش، وقالون، وبطة، وقفه، وأنف الناقة، وكرز، ثم إن الناظم ألحق بهذا القسم الأخير حكمين أفرده بهما عما تقدم:
أحدهما: تأخيره إن صحب غيره من اسم أو كنية، وذلك قوله:(وآخرون ذا إن سواه صحبا) فـ"ذا": إشارة إلى أقرب مذكور وهو اللقب و (سواه) هما القسمان الأولان، فأراد أن اللقب إذا لم يصحب اسما غيره فلا كلام فيه ولا نظر، ولأجل ذلك سكت عن النص عليه، وإنما دل على وجوده ثانٍ في قوله:(سواه صحبا) يعني فإن لم يصحب فلا إِشكال فتقول: جاءني بطة وقفة، ونحو ذلك، كما تقول: هذا زيد، وهذا عبد الله، فإن صحب غيره من اسم أو كنية فحكمه أن تؤخره عن ذلك الاسم أو عن تلك الكنية، فتقول: هذا زيد بطة، وهذا عبد الله كرز، ورأيت عبد الله أنف الناقة، ولا تقول: هذا قفة عبد الله، ولا هذا بطة زيد، ووجه ذلك أن اللقب
في الغالب منقول من اسم آخر نكرة كبطة وقفة، كما أن الغالب في الأعلام النقل/ كفضل وأسد وزيد وعمرو، فلو قدم اللقب لذهب الوهم إلى أنه الاسم العلم لذلك الشخص الأصلي له، فلما أخر أمن ذلك اللبس، وارتفع المحذور، فلم يعدل عنه.
والثاني: من الحكمين إضافة العلم إليه، أو إتباعه إياه، وذلك قوله: (وإن يكونا مفردين فأضف حتما
…
) إلى آخره ضمير "يكونا" عائدٌ على اللقب، وما صحبه من الاسم العلم الأصلي أو الكنية، وذلك أن الاسم مثلا واللقب إذا اجتمعا على أربعة أقسام، إذ لا بد أن يكونا معًا مفردين كسعيد كرز وزيد بطه، أو مضافين معًا نحو: عبد الله أنف الناقة وامرؤ القيس وزن سبعة، أو يكون الأول مفردًا دون الثاني نحو: سعيد وزن سبعة، وزيد أنف الناقة أو بالعكس نحو: عبد الله قفة، وامرؤ القيس بطة، فأما الأول فإن حكمه الإضافة، أعني إضافة الاسم إلى اللقب وذلك قوله:(إن يكونا مفردين فأضف حتمًا) أي: صيرهما مضافًا ومضافا إليه، وذلك إنما يتصور بأن يضاف الأول إلى الثاني، فتقول: هذا سعيد كرز، وزيد بطة، وعثمان ورش، وعيسى قالون، ولا يجوز هنا الإتباع حيث حتم الحكمة بالإضافة، والحتم هو اللازم الواجب إذا قلت: أمرٌ حتم، وأصله المصدر، وهو في كلام الناظم مصدر في موضع الحال من فاعل (أضف)، أي: حاتمًا بذلك وقاضيًا به، أو من قوله:(أضف) على حد قولهم: ضربته شديدًا، أي: إضافة ذات حتم، فإذا لا يجوز أن تقول هذا سعيد كرز على الإتباع ولا ما أشبه
ذلك، ويكون قول أبي القاسم بن فيره الشاطبي- رحمه الله في قصيدته:
وقالون عيسى ثم عثمان ورشهم
يجب فيه إضافة عثمان إلى ورشهم بناء على ما قاله الناظم.
فإن قلت: وكيف يكون هذا وورش مضافًا، فليسا إذا بمفردين أعني الاسم واللقب؟
فالجواب: إن هذه مغالطة، إذ لم يلقب بالمضاف والمضاف إليه فيجب الإتباع، وإنما إضافة ورش هنا كإضافة زيد في قوله:
علا زيدنا يوم النقا
…
رأس زيدكم
فليس الاسم إلا زيدًا، لا زيدكم، فكذلك اللقب هنا ورش لا ورشهم وعلى هذا يكون قول ابن مالك هنا:(وإن يكوكنا مفردين) معناه: في أصل الوضع
لا مطلقا إلا أن عليه فيه دركا يذكر إثر ها بحول الله، فقد حصل أن قول الشاطبي:"ثم عثمان ورشهم" يجب فيه الإضافة بمقتضى قول الناظم هذا، كما إن قوله:"وقالون عيسى" من الضرورات حيث قدم اللقب على الاسم، والأصل التأخير بمقتضى وقول الناظم:"وأخرن ذا".
وأما الأقسام الثلاثة الباقية فحكمها واحد، وهو الإتباع الذي نص عليه بقوله:(وإلا أتبع الذي ردف) فقوله: "وإن لا" حذف فيه فعل الشرط وأبقى حرفه والجواب للعلم بما حذف، إذ هو جائز حسب ما يذكره في بابه، وتقديره: وإلا يكونا مفردين فأتبع الذي ردف، أي: اجعل الذي ردف تابعا للأول، وهذا الإتباع يكون إما على البدل وإما على عطف البيان نحو: مررت بعبد الله بطة، وهذا زيد أنف الناقة، وهذا عبد الله وزن سبعة، و "ردف" معناه تبع فكأنه قال: وإلا أتبع الذي تبع، لكن الإتباع الأول اصطلاحي والثاني لغوي، فالمعنى: اجعل اللفظ الثاني الذي تبع الأول، أي: تلاه وهو اللقب تابعا من التوابع الخمسة بدلا أو عطف بيان، ووجه انحتام الإضافة في المفردين وامتناعها في غيرهما أن أصل التسمية في كلامهم أن يكون للرجل اسمان: أحدهما: مضاف والآخر مفرد أو مضاف، فإنهم يسمون ويكنون، والكنية مضافة/ لا غير، والاسم قد يكون مضافا نحو: عبد الله، وقد يكون مفردا كزيد، وإذا كان أحدهما مضافا تبع الثاني ما قبله عطفا أو بدلا نحو: زيد أبو عبد الله وأبو عبد الله زيد. وكذلك إذا كانا مضافين نحو: عبد الله أبو بكر، على هذا كلامهم،
فليس من أصل تسميتهم أن يكون للرجل اسمان مفردان يتبع أحدهما الآخر بدلا أو عطفا، فعلى هذا الأصل أجروا الألقاب، فإذا اتفق أن يكون الاسم واللقب مفردين ردوهما إلى أصلهم في التسمية، فأضافوا الأول إلى الثاني، حتى يصير اللقب مع الاسم جاريا على أصلهم المعهود في التسمية، وهذا تعليل سيبويه ما تقدم من الحكم إلا أن الناظم يرد عليه في تقرير هذا الحكم سؤالان:
أحدهما: أن جعله الإضافة لازمة في المفردين مشكل، مع ما نص عليه في "التسهيل" من إجازته في المسألة ثلاثة أوجه:
أحدهما: الإضافة كما ذكر.
والآخر: الإتباع على أن يكون الثاني عطف بيان.
والثالث: الإتباع على البدلية كالأقسام الأخر المذكورة في قوله: (وإلا أتبع الذي ردف) بل يجوز أيضا زيادة على ما ذكر القطع، إما إلى الرفع بإضمار مبتدأ، وإما إلى النصب بإضمار فعل، كما يجوز ذلك فيما إذا لم يكونا مفردين وعند ذلك تقول: كان ينبغي له أيضا أن ينبه على القطع فيما سوى المفردين.
فإن قوله: (وإلا أتبع) يظهر منه لزوم الإتباع وليس كذلك، وقد ذكر ذلك كله في "شرح التسهيل" فإذا لا فرق بين القسم الأول وغيره إلا في جواز الإضافة فيه وامتناعها في غيره. قال في "الشرح" المفردان يشتركان
مع غيرهما في الإتباع والقطع، وينفردان بالإضافة، لأنهما على خلاف الأصل، لأن الاسم واللقب مدلولهما واحد، فيلزم من إضافة أحدهما إلى الآخر إضافة الشيء إلى نفسه، فيحتاج إلى تأويل الأول بالمسمى والثاني بالاسم، ليكون تقدير قول القائل: جاء سعيد كرز، جاء مسمى هذا اللقب، فيتخلص من إضافة الشيء إلى نفسه، والإتباع والقطع لا يحوجان إلى تأويل، ولا يوقعان في مخالفة أصل، قال: فاستغنى سيبويه عن التنبيه عليهما. يعني في المفردين، إذ لم يذكر فيهما غير الإضافة، ما قال وهو يقتضي إجازة غير في المفردين، كما ترى وأنه مذهب سيبويه، فاقتصاره على الإضافة فيهما فيه ما ترى.
والسؤال الثاني: أن إطلاقه القول بامتناع الإضافة في ثلاثة الأقسام مشكل وإنما يصح له ذلك فيما إذا كان الاسم مضافا سواء أكان اللقب مفردا أم لا، إذ لا يصح أن يضاف إلى ما بعده، لوقوع المضاف إليه موقع تنوينه، كما لا تصح الإضافة إلى اثني عشر في قولك: هذه اثنا عشرى لوقوع عشر موضع النون، فكأنها موجودة فكذلك هنا، وأما إذا كان الاسم مفردا ففيه تفصيل، فلا يخلو أن يكون إضافة اللقب بحكم الأصل، كوزن سبعة وأنف الناقة، أو لا، فإن كانت كذلك فالحكم ما ذكر، وإن لم تكن كذلك فالإضافة غير ممتنعة، بل لا يجوز غيرها على مذهبه، لأن الإضافة في حكم العدم إذ ذاك، كزيد في قولك: زيد بني تميم، وكرز إذا قلت كرز بني فلان، إذ تعرض الإضافة للعلم كما قال:
علا زيدنا يوم النقا رأس زيدكم
…
بأبيض ماضي الشفرتين يمان
وعلى هذا جاء قول ابن فيره/: "ثم عثمان ورشهم"، وإذا ثبت هذا كان إطلاقه في كلا النوعين مشكلا، لا يقال إن الإضافة إنما أراد بها الإضافة الأصلية، وهي التي كانت في أصل وضع اللقب كوزن سبعة، فإن التلقيب أولا لم يكن بوزن وحده، ثم أضيف بعد استقرار اللقب إلى سبعة، بل كان التلقيب بالجميع، بخلاف ورشهم، فإن الملقب به ورش دون هم، ثم أضيف إلى الضمير بعد ذلك، فكأن الإضافة لم تكن فخرج إذا عن انحتام الإتباع، مثل: عثمان ورشهم، إلى انحتام الإضافة إذ ليس بمضاف في الحقيقة، ولا يبقى على هذا إشكال، لأنا نقول: هذا الاعتذار إن كان ينهض في نحو: عثمان ورشهم، فلا ينهض فيما إذا كانت هذه الإضافة لاحقة للاسم دون الكنية، كما إذا قلت: زيدهم قفة، فإن إضافة زيد إلى قفة لا يصح لوجود إضافة أخرى، وإن كانت في حكم العدم، إذ لا يجتمع في لفظ واحد إضافتان، فإن كان الناظم أراد الإضافة بحكم الأصل، اقتضى أن يضيف قفة إلى زيدهم، وذلك غير صحيح ولا جائز باتفاق، وإن كان أراد مجرد الإضافة دخل عليه أن مثل عثمان ورشهم لا يضاف فيه الاسم إلى اللقب وفيه ما قد رأيت.
والجواب عن الأول: أن الناظم اتبع في ذلك غيره من النحويين، فقد تكلم سيبويه على المسألة فلم يتكلم فيها على غير الإضافة، وهذا وإن لم يكن فيه دليل منصوص على منع غيره، فقد يدل على ذلك
تعليله، وقد ذكرته قبل، حيث ذكر أن ترك الإضافة والإتباع ليس من أصل تسميتهم، فهذا كالنص في منع غير الإضافة، وقد صرح به المبرد في "المقتضب" فقال: إذا لقبت مفردا بمفرد أضفته إليه لا يجوز غير ذلك، وكذلك الزمخشري في "المفصل" اقتصر على الإضافة كسيبويه، ولم أر من شراح الكتاب من حكى غير ما حكاه سيبويه، فإذا ما تأوله المؤلف على سيبويه لا يثبت فالحاصل أن الناظم هنا متبع للإمام والنحويين، وقد نقل ابنه في الشرح أن جواز الإتباع والقطع مذهب الكوفيين، فإن كان كما قال فهو الذي اتبع في "التسهيل" وأما اقتصاره في غير المفردين على الإتباع دون القطع فلا إخلال فيه، لإمكان أن يكون ترك ذلك لموضع هو أخص بذكر ذلك من هذا الموضع، وهي أبواب التوابع.
والجواب عن الثاني أن نقول: إنما قصد هنا بالذكر ما كانت فيه الإضافة بحق الأصل، كالمثل المتقدمة، وأما نحو: عثمان ورشهم، فلم يتعرض له وإن كان حكمهما حكم المفردين. والله أعلم.
وها هنا مسألة تتعلق بالنظم وهي أن ما كان من مفردات الألقاب بالألف واللام نحو: الصديق، والفاروق، والمهدي، والرشيد، والزبرقان فإن ظاهر الناظم أن حكمها حكم غيرها مما ليستا فيه، فيلزمهما الإضافة كما تقدم، كما تلزم نحو: قفة وبطة.
وهذا الحكم فيه نظر، وذلك أن بعض طلبة فارس ذاكرني في المسألة وأخبرني أن بعض من ينتحل إقراء العربية هنالك أجراها مجرى ما ليس فيه الألف واللام، تعلقا بمجرد كونها تسمى ألقابا، وربما وجدوا ذلك في كلام بعض المتأخرين، فزعمت أن الإضافة لا تجوز فيما فيه الألف واللام، مستندا إلى أن هذه الألقاب في الأصل أوصاف/ جارية على موصوفاتها، لكنها استعملت بالألف واللام وغلبت على بعض من جرت عليه، حتى صارت مختصة كالأعلام فهي- وإن سميت ألقابا- معتبرة بأصلها من الوصيفة وعدم الاختصاص، والألف واللام تحرز ذلك فيها، فخالفت بذلك قفة وبطة إذ لا محرز فيها لأصل فجرت مجرى زيد وعمرو، ثم وجدت لابن خروف ما يشعر بما ذكرته، مع التنبيه على عدم السماع بالإضافة في هذه الأشياء، قال: وإن لم يقولوا هارون الرشيد ولا محمد المهدي. بالإضافة، دليل أنهما صفتان غلبت عليهما كالرحمن. قال: وأيضا فإنهم لا يسمون بما فيه الألف واللام، وإنما هو في كلامهم غالب لا كالمضاف. قال: فلما لم يسموا بذلك لم يضيفوا العلم إليه، وما قاله صحيح في القياس وعلى مقتضى السماع.
أما السماع: فإن العرب لم يسمع منها إضافة مثل هذا مع كثرة استعماله على ألسنتهم للأمراء وغيرهم.
وأما قياسه: فلأن اللقب علم من الأعلام، وقع على مسماه وقوع زيد وعمرو على مسماه، لكن مع التنبيه على معنى الرفعة أو الضعة،
كما نبهوا على ذلك حين سموا بالأوصاف وغيرها. وأما ما فيه الألف واللام فإنما يجري مجرى العلم في معنى الاختصاص بالمسمى، وهو في غير ذلك جار مجرى أصله قبل الاختصاص، حتى كأنه اسم نكرة عرف بالألف واللام، بل الخليل يجعل ما كان مثل النجم والدبران باقيا على أصله في الحكم كأنه لم ينتقل إلى اختصاص عليه، ويؤيد ذلك أنك إذا سميت بالرجل ونحوه مما فيه الألف واللام كان عند سيبويه على حكمه قبل أن يسمى به في اعتبار الألف واللام وأنه لا ينادى من أجلهما، وإن لم يبق لمعناهما في الأصل اعتبار لكنهما لا يسقطان من أجل التسمية، فإذا كان كذلك فيما كان غالبا وعلميته مأخوذة من اعتبارهما أولى أن يعتبرا في تعريفه، فلا يصح إلغاء معناهما في الأصل، فيبقى إذا معنى الوصفية، فلا تصح الإضافة إلى الفاروق ونحوه إلا عند من يجوز إضافة الموصوف إلى صفته كمسجد الجامع وليس الكلام فيه، فثبت بهذا أن عمر الفاروق وأشباهه لا تصح فيه الإضافة وإن سمي لقبا، ويبقى بعد النظر في الزبرقان ونحوه مما ليس بصفة في الأصل، وفيه الألف واللام، والحكم جريانه مجرى الصفة، من منع الإضافة للحظ معنى الصفة فيه، ألا ترى أنه لقب حصين الزبرقان لصفرة عمامته، تشبيها بالزبرقان وهو القمر لما فيه من الصفرة. وأصل الاشتقاق من الزبرقة وهي الصفرة، وعلى هذا المنزع يجرى ما كان من ذلك النحو، ولا إشكال بعد ذلك في المسألة- إن شاء الله- إلا على إطلاق الناظم حيث لم يقيد المفردين بكون اللقب منهما بغير ألف ولام، وأيضا فإن هذا القيد كان يلزمه بالنسبة إلى الاسم الأول، فإن الاسم العلم إذا
كان بالألف واللام لم تدخل فيه الإضافة، دخلتا للمح الصفة أو لغير ذلك، إلا أن هذا يجاب عنه بأن فقد الألف واللام من شرط الإضافة، وليس هذا مما يذكر هنا، وإنما يعترض على الناظم باللقب ذي الألف واللام/ كالصديق والفاروق.
وقد يمكن أن يجاب عن ذلك بأن الألف واللام لما كان ملحوظ الأصل غير منسيه ووجد محرز ذلك وهو الألف واللام لم يعتبر فيه طران الاختصاص فلم يستحكم فيه معنى اللقب، بل بقى على أصله من الوصفية، وإلى هذا المعنى أشار ابن خروف فيما تقدم؛ لأن اللقب في الحقيقة علم من الأعلام، هذا ليس كذلك، ويوضح أن هذا مراد الناظم أنه لم يذكر هذا النوع في باب العلم، وإنما ذكره في باب المعرف بالأداة، حيث قال:
وقد يصير علما بالغلبه
…
مضاف أو مصحوب أل كالعقبه
فلم يعده من الأعلام المحضة، وسيأتي بيان ذلك إن شاء الله.
فإذا ليس بلقب على مذهبه، وإذا لم يكن لقبا حقيقة لم يجر مجرى الألقاب في وجوب الإضافة، بل ولا في جوازها وهذا ظاهر، وبالله التوفيق.
وفي لفظه من جهة العربية شيء في موضعين:
أحدهما: جعله "سوى" متصرفا لأنه مفعول صحب في قوله: (وإن سواه صحبا) وسوى عند سيبويه لا يتصرف إلا في ضرورة نحو ما
أنشده سيبويه من قول الأعشى:
وما قصدت من أهلها لسوائكا
لكن الناظم جرى على مذهبه فيها من جواز تصرفها حسبما نص عليه في "باب الاستثناء" فلا درك عليه هنا في استعمالها متصرفة من وجهين.
والثاني: حذفه الفاء من جواب الشرط، وفعل الجواب فعل أمر، وذلك قوله:(وإلا أتبع الذي ردف) فكان الواجب أن يقول: وإلا فأتبع الذي ردف، إذ لا يجوز أن تقول: إن أكرمك زيد أكرمه، إلا في الضرورة، ونحوه من المختص بالشعر قوله:
من يفعل الحسنات الله يشكرها
فالناظم حذف الفاء للضرورة.
***
ثم أخذ في التقسيم الثاني من القسمين فقال:
ومنه منقول كفضل وأسد
…
وذو ارتجال كسعاد وأدد
وجملة وما بمزج ركبا
…
ذا إن بغيرويه تم أعربا
وشاع في الأعلام ذو الإضافة
…
كعبد شمس وأبي قحافه
فقسم العلم بحسب اللفظ ودلالته على معناه قبل العلمية إلى أربعة أقسام: مفرد، وجملة، ومركب تركيب مزج وخلط، وذو إضافة.
فأما المفرد فهو المراد بقوله: (فمنه منقول
…
وذو ارتجال) أي فمنه مفرد صفته كذا وكذا، ودل على ذلك قوله بعد (وجملة) وكذا وكذا وجعل المفرد على ضربين:
أحدهما: أن يكون منقولا، والمنقول ماله أصل في النكرات مستعمل ثم سمي به الشخص، فتصييره علما على شخص معين بعد أن كان موضوعا ليدل على معنى من المعاني الجنسية، هو النقل الذي لأجله سمي منقولا، كأنه نقل عن موضعه في الأصل إلى غيره، وأتى له بمثالين دالين على معنيين:
أحدهما: "فضل" وهو منقول من مصدر قولك: فضل الرجل يفضل فضلا فهو فاضل.
والثاني: أسد، وهو منقول من/ اسم جنس الحيوان المفترس، ونبه بذلك على أن النقل في الأعلام يكون من أسماء المعاني كالمثال الأول، فيدخل تحته بمقتضى التشبيهه كل ما كان نحوه مثل: أوس، إذا قلنا: إنه منقول من العطية، وزيد المنقول من زاد يزيد، أو عمرو إذا أردت نقله من العمر بمعنى الحياة، ويدخل أيضا تحته المنقول من
الفعل الماضي نحو: بذر وشمر، والمضارع نحو: يزيد، ويشكر، وتغلب، والأمر نحو: إصمت، وما أشبه ذلك.
وقد يكون النقل من أسماء الأعيان كالمثال الثاني، وما كان مثله من نحو: بكر وجبل وعمرو، إن جعلته واحد عمور الإنسان أو الفرط، وكذلك فهر، وكلب، وحجر، ونمر، ويشمل أيضا المنقول من الصفات كحارث وعباس، وخالد، وعامر، وعائشة وما أشبه ذلك.
والضرب الثاني: أن يكون المفرد مرتجلا، وهو ذو الارتجال في كلامه، ومعناه ما ليس له أصل في النكرات، ولا استعمل قبل العلمية لغيرها، كأنه ابتدئ الآن من غير تقدم فيه من قولهم: ارتجلت الخطبة والشعر، والمرتجل في كلام سيبويه على وجهين:
أحدهما: ما لم يقع له مادة مستعملة في الكلام العربي. قالوا: ولم يأت من ذلك إلا فقعس وهو أبو قبيلة من بني أسد، وهو فقعس بن طريف بن عمرو بن الحارث بن ثعلبة بن دودان بن أسد، فلم يستعملوا مادة ف ق ع س في غير هذا الموضع.
والثاني: ما استعملت مادته، لكن لم تستعمل تلك الصيغة بخصوصها في غير العلمية وهذا الثاني هو الكثير وإليه أشار الناظم بمثاليه معا وهما "سعاد" و "أدد" لكن أحدهما لمذكر، والآخر لمؤنث. أما سعاد وهو اسم امرأة، فإنه لم تستعمل بنيته في النكرات، واستعملت مادة "س ع د" في السعد، والساعد، والسعدان، وغير ذلك.
وأما "أدد" وهو اسم لأبي قبيلة من اليمن، وهو أدد بن زيد بن كهلان بن سبأ بن حمير، وذكر سيبويه أنه من "الود" من مادة "ود د"، فأصل همزته الواو، وهذه مستعملة في الود، والودود وغيرهما، ويدخل تحت المثالين أمثالهما نحو: حمدان وعمران وغطفان وعمر وقثم وزفر وزحل وكذلك حيوة ومكوزة وتهلل ومحبب ويأجج وأشباه ذلك.
وأما الجملة: وهو القسم الثاني من الأربعة فهو الذي قال فيه: (وجملة) وهو معطوف على منقول، أي: ومنه جملة، يريد ما أصله الجملة وهي الكلام المستقل، ويلزم من ذلك أن يكون العلم الذي أصله الجملة منقولا كالمنقول في المفردات فيقع بحسب الظاهر التداخل، لأن تقدير الكلام فمنه مرتجل ومنقول وهذا فاسد. والعذر عنه قد تقدمت الإشارة إليه، وهو أن الذي ذكر أولا هو المفرد لا غيره، فإنما معنى قوله:(فمنه منقول)، أي: منه مفرد منقول، ولو صرح بذلك لم يكن في جعله قسيما للجملة إخلال، فحاصل الكلام، فمنه مفرد وهو ينقسم إلى منقول ومرتجل، ومنه جملة، والجملة لا تكون إلا منقولة وهذا/ كلام صحيح، وأيضا فإن المنقول عبارة اصطلاحية إنما يطلقها أرباب الصناعة على المفرد لا على المضاف، ولا المركب تركيب إسناد أو مزج، ولذلك لما تكلم ابن جني (في "المبهج") على
المنقول والمرتجل وأقسامهما خص ذلك بالمفرد، ثم لما أتم الكلام عليهما أتى بقسم المضاف والمركب والجملة، فإنما جرى الناظم على اصطلاحهم، ولا مشاحة في الاصطلاح ومثال الجملة قولهم: تأبط شرا وهو لقب ثابت بن جابر الفهمي، وبرق نحره، وذرى حبا، أنشد سيبويه للطهوي:
إن لها مركنا إرزبا
…
كأنه جبهة ذرى حبا
وقال أبو ذؤيب:
على أطرقا باليات الخيا
…
م إلا الثمام وإلا العصي
و "أطرقا" اسم بلدة، وأنشد ابن جني وغيره:
نبئت أخوالي بني يزيد
…
ظلما علينا لهم فديد
فـ "يزيد" فيه ضمير الفاعل.
وأما المركب بتركيب المزج والخلط وهو القسم الثالث، فهو الذي نص عليه بقوله:(وما بمزج ركبا)، وتركيب المزج هو أن تصير الكلمتان كالكلمة الواحدة، حتى يقع الإعراب في آخرها، فيصير آخر الكلمة الأولى وسطا في الحكم على خلاف ذي الإضافة، ومن هنا توصل الكلمتان في الخط فتكتب رامهرمز وبعلبك وبلالاباذ، وشبه ذلك موصولا كأن الكلمتين امتزجتا فصارتا كلمة واحدة كهاء التأنيث في نبقة وكلمة، بل جعل سيبويه الكلمتين بمنزلة عيضموز وعنتريس.
ثم ذكر أن هذا القسم على ضربين:
أحدهما: ما ركب من كلمتين ليست الثانية منهما صوتا نحو: مارسرجس ورامهرمز، ومعدى كرب، وحضرموت، وبعلبك، وهذا الضرب
حكمه الإعراب ولا يبنى، إذ ليس مجرد التركيب بموجب للبناء وهو مراد الناظم بقوله:
(ذا إن بغيرويه تم أعربا) و (ذا) إشارة إلى أقرب مذكور وهو قسم المركب مزجا، يريد أنه إن كان قد تم بكلمة غير هذا اللفظ هو "ويه" أي: ثاني اللفظين غير صوت أعرب، فيقول: هذا معدى كرب ورأيت معدى كرب، (ومررت بمعدى كرب)، ومفهوم هذا الشرط أنه إن تم بويه فلا يعرب، وهو الضرب الثاني نحو: سيبويه وعمرويه ونفطويه وخالويه. فهذا الضرب مبنى فتقول: هذا سيبويه، ورأيت سيبويه ومررت بسيبويه، وبناؤه بناء الصوت لختمه بالصوت فعومل معاملته.
قال سيبويه: وأما عمرويه فزعم يعني الخليل أنه أعجمي وأنه ضرب من الأسماء الأعجمية، وألزموا آخره شيئا لم يلزم الأعجمية، قال: فكما تركوا صرف الأعجمية جعلوا ذا بمنزلة الصوت؛ لأنهم قد رأوه قد جمع أمرين فحطوه درجة عن إسماعيل ونحوه، وجعلوه بمنزلة غاق منونة مكسورة في كل موضع، يعني في الرفع والجر والنصب، والتنوين إنما يكون إذا نكر، ولا ينون في المعرفة، ولم يحك سيبويه في هذا الضرب غير البناء، فجرى الناظم على مهيعه من التزام البناء، وهي اللغة الشهرى، وفيه لغة أخرى قليلة، وهي إعرابه إعراب ما لا ينصرف إلحاقا له بالضرب الأول، فتقول: هذا سيبويه، ورأيت سيبويه، ومررت بسيبويه.
فإن قيل: ففي أي أنواع الشبه الحرفي يدخل هذا البناء؟
فالجواب: أنه راجع إلى بناء الصوت/ وسيأتي وجه بيانه مكملا في باب أسماء الأفعال والأصوات.
وأما ذو الإضافة- وهو القسم الرابع- فهو الذي عنى بقوله: (وشاع في الأعلام ذو الإضافة) وذو الإضافة هو الاسم المركب من المضاف والمضاف إليه، يعني أن هذا النوع من الأعلام شاع، وكثر في كلام العرب واشتهر وهو على ضربين نبه عليهما المثالان:
أحدهما: ما ليس بكنية وهو المشار إلهي بعبد شمس، وهذا الاسم سمت به العرب كثيرا كعبد شمس بن عبد مناف وغيره، ومثله عبد المطلب، وعبد الله، وعبد مناف، وعبد الكعبة، وامرؤ القيس، وأنف الناقة، ووزن سبعة، وأشباه ذلك.
والثاني: ما هو كنية وهو المشار إليه بأبي قحافة، وهو كنية والد أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وهو عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤي، ومثله أبو بكر، وأبو طالب وأبو عمرو، وأبو القاسم، وأبو عاصم، ونحو ذلك، ومنه ما أوله أم كذا، من كنى النساء نحو: أم رومان، وأم كلثوم، وأم العلا. وقد تم تفسير كلامه، ويتعلق بعد هذا بالفصل مسائل:
إحداها: أن العلم المنقول ثلاثة أضرب: منقول من اسم معنى كفضل ومنقول من اسم عين كأسد، ومنقول من صوت كتسميتهم بعض
بني هاشم ببه وإنما ببه صوت كانت أمه ترقصه به وهو صبي، وذلك قولها له:
لأنكحن ببه
…
جارية خدبة
مكرمة محبه
…
تجب أهل الكعبه
وقال الجوهري: ببه لقب عبد الله بن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب والي البصرة وهو الذي يقول له الفرزدق:
وبايعت أقواما وفيت بعهدهم
…
وببة قد بايعته غير نادم
فهذا النوع من المنقول لم ينبه عليه الناظم، وكان من حقه ذلك.
والجواب: أن هذا غير وارد على الناظم من ثلاثة أوجه:
أحدها: أنه عند ابن مالك ليس بمنقول من الصوت، وإنما هو منقول من قولهم للصبي قد تببب فهو بب، والأنثى ببة، أي: سمنا فكأنه منقول من الصفة عنده، لا من الصوت.
والثاني: أنه لو سلم أنه صوت في الأصل فهو في المنقولات قليل حتى أنهم لا يكادون يجدونه في غير ببه، وهذا يكفي في عدم اعتباره له.
والثالث: أنه وإن سلم وجوده فهو داخل تحت قوله: (ومنه منقول) إذ لم يحصر المنقول في نوعين فقط، وليس في كلامه ما يدل على ذلك، وإنما أتى بمثالين يدلان على نوعين خاصة، فكلامه لا نقض فيه على كل تقدير.
والثانية: أن إثباته المرتجل نص في أنه موجود في كلام العرب على ما ذهب إليه الجمهور، وقد نفاه قوم وزعموا أن كل اسم علم منقول، فما علمنا أصله فلا إشكال فيه وما لم نعلم أصله فهو على وجهين: إما أنه استعمل له أصل لكن لم يبلغنا، وإما أنه على تقدير النقل من أصل لم ينطق به، كما كان عباديد وشماطيط ومذاكير، جموعا لما لم ينطق به، وإنما ذهبوا إلى هذا لأن الغالب في الأعلام النقل، فما خفى أصله وجب حمله على الأكثر، وقد يظهر هذا المذهب من كلام سيبويه حيث تكلم على الدبران والعيوق ونحوهما من الأسماء/ الغالبة فقال: فإن كان عربيا نعرفه ولا نعرف الذي اشتق منه، (فإنما) ذلك لأنا جهلنا ما علم غيرنا، أو يكون الآخر لم يصل إليه علم وصل إلى الأول المسمى. والإنصاف أن الخلاف في المسألة لفظي فلا مشاحة في تسمية ما لم نعلم له أصلا مرتجلا، إذ القائل بوجود المرتجل لا ينفي إمكان النقل فيه، لكن سمي ما لم يبلغه أصله مرتجلا اصطلاحا، فهو في المعنى موافق للقائل بنفيه، من حيث إمكان وجود أصله، ولم يبلغنا، ومن حيث أن ما بلغنا أصله فسمي منقولا أكثر مما لم يبلغه أصله، فهذا يقول: نسميه منقولا أيضا اعتبارا بالأكثر، وحملا عليه، والآخر يقول: نسميه مرتجلا اعتبارا بعدم علمنا بأصله وهذا قريب.
والثالثة: أنه أطلق القول في الجملة ولم يقيدها باسمية ولا فعلية والموجود في كلام العرب التسمية بالجملة الفعلية خاصة كما تقدم في التمثيل، فيحتمل أن يكون إطلاقه قياسيا، لأن التسمية بالجملة الاسمية سائغ، فلو سميت بـ "زيد قائم" أو هذا أبوك، وما أشبه ذلك لجرى مع برق نحره، وذرى حبا، على طريق واحد، ويحتمل أن يكون إحالة على ما سمع فكأنه يقول: قد سموا بالجملة، فإليك البحث على أي الجملتين هي، ولا محذور في هذا.
والرابعة: أن قوله: (ذا إن بغير ويه تم إعربا) فيه إطلاق القول بالإعراب فيشمل وجهين:
أحدهما: إضافة الأول إلى الثاني فيقال: هذا بعل بك ورام هرمز كما يقال: هذا عبد الله وامرؤ القيس. قال سيبويه: ومن العرب من يضيف بعل إلى بك، كما اختلفوا في رام هرمز، فجعله بعضهم اسما واحدا وأضاف بعضهم رام إلى هرمز، وكذلك مارسرجس وقال بعضهم:
* .... مارسرجس لا قتالا*
قال: وبعضهم يقول في بيت جرير:
لقيتم بالجزيرة خيل قيس
…
فقلتم مارسرجس لا قتالا
يعني بالإضافة، وكذلك معدى كرب، ومنهم من يضيف ويصرف كرب
ومنهم من يضيف ولا يصرف.
والوجه الثاني: وهو الأكثر أن يكون الإعراب في آخر العجز فقط كما حكى ذلك سيبويه في مارسرجس، وكذلك حكى في معدى كرب فقال: ومنهم من يقول معدى كرب فيجعله اسما واحدا، فكل ما كان مركبا تركيب المزج وليس عجزه "ويه" فحكمه الإعراب على أحد هذين الوجهين.
ثم استدرك التنبيه على علم الجنس وجعله آخر الفصل دلالة على أنه على خلاف الأصل في العلمية، وعلى أنه لم يعتمد عليه في التبويب أولا فقال:
ووضعوا لبعض الأجناس علم
…
كعلم الأشخاص لفظا وهو عم
عرف هنا بمقصد آخر للعرب في وضع العلم، وهو أن يكون المعتنى به في التخاطب تخصيص الأجناس باسم مخصوص، بحيث يكون كل فرد من أفراد ذلك الجنس يقع عليه ذلك الاسم، لما قصدوه من الإخبار عنه، إذ لم تكن لهم عناية بالأفراد والإخبار عنها، فيخصوا كل واحد من تلك الأفراد باسم يخصه، فذكر أن العرب وضعت لبعض الأجناس- وهي التي يعنيك (معرفة أسمائها) - أعلاما تجري مجرى الأعلام المتقدمة في الحكم، وعلى ذلك/ نبه بقوله:(كعلم الأشخاص لفظا وهو عم) يعني أن هذا للعلم الموضوع للأجناس كالعلم الموضوع للأشخاص في الأحكام اللفظية. فيجري عليه منها ما يجري على علم الأشخاص، ويجري مجرى أسماء الأجناس في المعنى، وذلك المراد بقوله:(وهو عم) يعني أنه قد عم في المعنى على حد عموم
أسماء الأجناس، إذ هي لا تختص بشخص من ذلك الجنس دون آخر. أما كون هذه الأعلام في اللفظ كعلم الأشخاص فيتبين بأمور منها: عدم احتياجها إلى ما يعرفها، فإنها غير مفتقرة إلى الإضافة، إلا على حد ما يفتقر زيد إليها في قوله:
علا زيد نا يوم النقا رأس زيدكم
ولا يلحقها حرف التعريف فلا تقول الأسامة ولا الثعالة. قال سيبويه: ويدلك على أن ابن عرس، وأم حبين، وسام أبرص، وابن مطر معرفة أنك لا تدخل في الذي أضفن إليه الألف واللام فصار بمنزلة زيد وعمرو. ألا ترى أنك لا تقول: أبو الجخادب. قال: وهو قول أبي عمرو، وحدثنا به يونس عن أبي عمرو.
ومنها أنها لا توصف بالنكرة، وإنما توصف بالمعرفة فتقول: مررت بأسامة المفترس، ولا تقول: مررت بأسامة مفترس، كما تقول: مررت بأسد مفترس، وقد جاء ما يتوهم فيه الوصف، وهو قولهم: هذا ابن عرس مقبل، فحمله سيبويه على أحد وجهين: إما أن يكون على حد قولهم: هذا زيد مقبل، فمقبل خبر بعد خبر أو بدل من زيد، وإما أن يكون نكر العلم كما ينكر زيد في قولك: رأيت زيدا من الزيود فجعلوا عرسا بمنزلة رجل، كما جعلوا زيدا بمنزلة رجل أيضا.
ومنها انتصاب الحال عنها كثيرا، فإنكن تقول: هذا ثعالة مقبلا وهذا أبو جخادب باديا ونحو ذلك
ومنها أن تقع مبتدأة بلا شرط، فتقول: أسامة مقبل، كما تقول: زيد مقبل.
ومنها أنها لا يصرف منها ما زاد سببا آخر على العلمية كأسامة وثعالة وابن قترة وحمار قبان.
قال سيبويه: فأما ابن قترة وحمار قبان وما أشبههما فيدلك على معرفتهن ترك صرف ما أضفن إليه. وأما كونها في المعنى عامة كأسماء الأجناس فإنك إذا قلت: هذا أسامة، فليس هذا الاسم مختصا بذلك الشخص الذي أنت مشير إليه دون غيره، ولكن هو صالح لكل ما كان من جنسه، مما يشار إليه ويخبر عنه من الأسود، كما كان الأسد صالحا لكل ما كان من جنسه، فقولك: هذا أسامة في معنى قولك: هذا الأسد إذا أرت به الجنس كزيد في الأشخاص إذا قلت: هذا زيد، فإنه مرادف لقولك: هذا الرجل إذا أحلت على معهود مشخص فإن قلت: كيف تقول هذا الأسد فتشير إلى واحد بعينه وأنت تعني الجنس؟
فالجواب: أن أصل الاسم الوضع على جملة الجنس، فإذا أشير إليه أو أخبر عنه فإنما يعني به ذلك الفرد من حيث الفرد من حي هو معروف الجنس، معلوم الأشباه، إذا لم يقصد من حيث الإخبار ذلك الأسد بعينه، حتى لو كان صاحب الخبر غيره لم يعتن بنقله مثلا، فإنك لو أردت ذلك لم تأت بلفظ أسامة البتة، فقولك: أقبل الأسد أو أقبل الرجل يقال على وجهين:
أحدهما: معهودًا بينك وبين مخاطبك قد تقدم، لكما فيه بعينه عهد لا في/ غيره من أفراد جنسه.
والثاني: أن تريد معهود الجنس الذي أنت تعرفه من بين سائر الأجناس لا أن تريد ذلك المقبل بعينه، وإنما قصدت هذا الذي تعرف جنسه، وهما مقصدان، فالأول: علمه إذا وضع علم الشخص وهو الموجود في زيد عمرو، والثاني: علمه علم الجنس الموجود في أسامة وثعالة فلا يصح لك أن تقول على الأول أقبل أسامة، ولا على الثاني أقبل زيد.
فإن قيل: فقد كان لهم أن يستغنوا بقولهم: أقبل الأسد، عن قولهم: أقبل أسامة إذا كان معناه معناه؟
فالجواب: أن اسم الجنس قد يستعمل على غير هذا الوجه فإنك قد تقول: هذا الأسد، وأنت تعني كمال الأسدية فيه، وقد تقوله وأنت تريد الجنس، فأرادوا أن يخلصوا ما أرادوا من المعنى باسم علم يخصه كما أن الرجل لما كان يستعمل على غير معنى واحد، خصوا أحد معانيه باسم علم فقالوا: زيد، فالعلم الشخصي والجنسي في هذا القصد على معنى واحد، فتدبر هذا المعنى، فإنه معنى كلام سيبويه والنحويين ومراد العرب، وهو الذي قصد الناظم بقوله:(كعلم الأشخاص لفظا وهو عم).
فإن قلت: هل العلم الجنسي يرادف اسم الجنس النكرة أم لا؟
فالجواب: أنه ليس بمرادف لها من حيث هي واقعة على واحد غير معين في جنسه، كما أن زيدا لا يرادف النكرة كذلك، وإنما هو مرادف لاسم الجنس المعرف باللام الجنسية، وهو الذي أشار إليه
الناظم بقوله (وهو عم) أي: وقع علما على جملة الجنس، بحيث يصدق على كل فرد، فإن ذكر أحد من النحويين أنه مرادف للنكرة فعلى لحظ معنى الجنس فيها، لا على لحظ وقوعها على واحد من أفراد الجنس لا بعينه، وهما مقصدان متباينان سيأتي التنبيه عليهما في موضعه إن شاء الله، وأيضا فقد نص ابن خروف في كتابه في الرد على أبي المعالي أن أعلام الأجناس كأسماء الأجناس باللام عامة، وأنا لاستغراق الجنس أصلا واستعمالا. قال: ولا خلاف في هذا بين النحويين أجمعين، فقد ظهر إذا أن علم الجنس مرادف في المعنى لاسم الجنس المعروف باللام العهدية في الجنس، كما أنه لا فرق في المعنى بين علم الشخص واسم الجنس المعروف باللام العهدية في الشخص غير أن اسم الجنس يحتمل من المعاني معاني أخر لا يحتملها العلم لقصرهم إياه على أحدها، وكل ما يقال خلاف هذا فلا تعرفه العرب، بل سمعت شيخنا القاضي أبا القاسم الشريف- رحمه الله يقول: لا فرق بين الأسد وأسامة إلا في الأحكام اللفظية فقط، وأنا في المعنى مثله من كل وجه قال: وكل ما يقال خلاف هذا فهذيان. وقد خالف هذا التفسير بعض من تأخر ممن لم يطلع على مقاصد العرب، ولا فهم كلام الأئمة في تقرير معناه، فذكروا للعلم الجنسي سوى ما أشار إليه الناظم تفسيرين:
أحدهما: ما نقله القرافي عن شيخه الخسروشاهي بعد ما نبه على (عسر) المسألة فقال: وتحرير الفرق بين علم الجنس وعلم الشخص وعلم الجنس واسم الجنس هو من نفائس المباحث ومشكلات المطالب.
قال: وكان الخسروشاهي يقرره ولم أسمعه من أحد/ إلا منه، وكان يقول: ما في البلاد المصرية ن يعرفه غيري. قال: وهو أن الوضع فرع التصوير، فإذا استحضر الواضع صورة الأسد ليضع عليها فتلك الصورة الكائنة في ذهنه هي جزئية بالنسبة إلى مطلق صورة الأسد، فإن هذه الصورة واقعة لهذا الشخص في هذا الزمان، ومثلها يقع في زمان آخر، أو في ذهن شخص آخر، والجميع مشترك في مطلق صورة الأسد، فهذه الصورة جزئية من مطلق صورة الأسد، فإن وضع لها من حيث خصوصها فهو علم الجنس أو من حيث عمومها فهو اسم الجنس، وهي من حيث عمومها وخصوصها تنطبق على كل أسد في العالم، بسبب أنا إنما أخذناها في الذهن مجردة عن جميع الخصوصات، فتنطبق على الجميع، فلا جرم يصدق لفظ الأسد وأسامة على جميع الأسود، لوجود المشترك فيها كلها، فيقع الفرق بين اسم الجنس وعلم الجنس وعلم الجنس بخصوص الصورة الذهنية، والفرق بين علم الجنس
وعلم الشخص أن علم الشخص موضوع للحقيقة بقيد الشخص الخارجي، وعلم الجنس موضوع للماهية بقيد الشخص الذهني. انتهى كلامه. وقد رد الناس هذا المذهب حتى ألف عليه بعض أهل العصر جزءا قصد فيه الرد عليه وإحالة مذهبه كلن بقبول سواه، ولا حاجة بنا إلى ذكر ذلك لورود رده، وتصريحه بأن أهل قطره لا يعرفه منهم أحد سواه شاهد بأنه لا يعرفه.
رأيت منقولا من خط شيخنا القاضي أبي عبد الله المقري- رحمه الله سألني يعني الأستاذ أبا محمد عبد المهيمن الحضرمي عن الفرق بين علم الجنس واسم الجنس فقلت له: زعم الخسروشاهي أنه ليس بالديار المصرية من يعرفه غيره، وأنا أقول ليس في الدنيا عالم إلا وهو يعلمه غيره، لأنه حكم لفظي أوجب تقديره المحافظة على ضبط القوانين كعدل عمر ونحوه فاستحسن ذلك، انتهى نص شيخنا المقري ولله دره فيه.
والتفسير الثاني: ذكره ذلك المتأخر الراد على الخسروشاهي وأظنه قد سبق إليه وأشار إلى أنه مراد سيبويه في المسألة، فلذلك أورد نصه في المقصود ليتبين ما فيه أولا فقدم أولا مقدمة في معنى الكلي والجزئي ثم قال: فإذا تقرر هذا فلنرجع إلى ما قصدنا إليه فنقول: إن للشيء وجودا في الأعيان، وهي حقيقته في نفسه، ووجودا في الأذهان، وهي صورته المجردة ومثاله، ومن حيث إنه موجود في الأعيان فهو جزئي بالذات، كلي بالعرض، ومن حيث إنه موجود في الذهن فهو كلي بالذات جزئي
بالعرض، وبسط القول هذا المعنى ثم قال: وإذا تبين هذا فاللفظ الموضوع باعتبار ذلك المعنى الجزئي على أ، هـ مستقل بإفادته هو العلم الشخصي كزيد اسم رجل وأعوج اسم فرس، وشدقم اسم جمل، وهيلة اسم عنز، وضمران اسم كلب، ونحو ذلك مما هو موضوع للدلالة على شخص معين في الخارج.
قال: وأما اللفظ الموضوع باعتبار المعنى الكلي، فإن أخذ مع النظر إلى جزيئاته وشياعه بين أشخاصه فهو المخصوص باسم الكلى، وإن أخذ ذلك بالنظر إلى تعينه في الذهن، /من بين سائر الحقائق الذهنية من غير نظر إلى ما تحته من الجزيئات، فهو المعنى المدلول عليه بالعلم الجنسي، ومثال الأول وهو اللفظ الكلي إنسان وفرس وأسد، ونحو ذلك من الأسماء النكرات الشائعة.
ومثال الثاني: وهو العلم الجنسي أسامة للأسد، وذؤالة للذئب وثعالة للثعلب، ونحو ذلك من الأسماء المعارف التي لا تخص شخصا دون شخص من نوعه، فتسمية الأسد أسدا باعتبار معنا الكلي العام لجزيئاته وتسميته أسامة باعتبار معناه المتعين في الذهن، من بين سائر الحقائق الذهنية من غير نظر إلى كليته وعمومه، وإلا لكان كليا، ومن غير نظر أيضا إلى شخص معين من الأشخاص التي يقع عليها، وإلا لكان علما شخصيا، قال: وهو يشبه العلم الشخصي من وجه به سمي علما، ويشبه الكلي من وجه آخر به سمي جنسيا، ووجه شبهه بالعلم الشخصي هو في كونه وضع لمعنى متعين، من بين
غيره من المعاني المشتركة معه في الكلية، كما أن العلم الشخصي موضوع لشخص معين، من بين سائر الأشخاص المشتركة معه في كلية، ووجه شبهه بالكلي هو في صلاحيته لتناول كل شخص من ذلك النوع كما أن الكلي يتناول جزيئاته.
قال: ولما كان ما هو خارج عن ملابسة الناس ومداخلتهم إنما يعنيهم منه نوعه دون أشخاصه على التعيين، وضعوا لذلك النوع باعتبار (تشخصه في الذهن) من بين سائر الأنواع والأجناس الذهنية اسما علما، كما وضعوا لما يعنيهم من الأشخاص باعتبار تشخصه خارج الذهن يعادلوا بين الجهتين.
قال سيبويه: فإذا قلت: هذا أبو الحارث، فإنما تريد هذا الأسد، أي: هذا الذي سمعت باسمه أو هذا الذي عرفت أشباهه ولا تريد أن تشير إلى شيء قد عرفه بعينه قبل ذلك كمعرفته زيدا، ولكنه هذا الذي كل واحد من أمته له هذا الاسم فاختص هذا المعنى باسم، كما اختص الذي ذكرت بزيد. انتهى ما قال هذا المتأخر، ولا يبعد مغزاه عما قبله وإن تحذق قائله بعض التحذق، ولكنهما معا جاريان على أصل واحد، نأى عن مقصود العرب، وأحسبه أن شيخنا القاضي الحسني- رحمه الله كان يطعن على هذا القائل خصوصا، ويراه فيما قاله خارجا عن سبيل المسألة.
والصواب في المسألة ما تقدم، ولا حاجة بنا الآن إلى الإطالة في الرد على هذين المذهبين لئلا نخرج عن المقصود، وبالله التوفيق.
وقوله: (ووضعوا لبعض الأجناس علم) أراد علما، لكنه حذف التنوين في الوقف من المنصوب، وأجراه مجرى المرفوع والمجرور، على لغة من قال:
*وآخذ من كل حي عصم*
ثم أخذ في تمثيل العلم الجنسي فقال:
من ذاك أم عريط للعقرب
…
وهكذا ثعالة للثعلب
ومثله برة للمبره
…
كذا فجار علم للفجره
فقسم هنا ما وضع علما للجنس قسمين:
أحدهما: ما وضع على أجناس الأعيان، والآخر: ما وضع/ على أجناس المعاني، وأتى لكل قسم بمثالين وبدأ بالقسم الأول فقوله:(من ذاك أم عريط للعقرب) يعني أن من جملة الأعلام الموضوعة للجنس قولهم: للعقرب أم عريط، وهو من الكنى، فإن العلم الجنسي قد يكن اسما، وكنية ولقبا، كعلم الشخص، ومثل أم عريط من الكنى بالأمهات للضبع: أم عامر، وأم عنثل، وأم زعم، وأم ختون، وأم خنور، وأم رمال، وأم نوفل، وأم عمرو، وللداهية:
أم حبو كرى، وأم فأر، وأم خشاف، وأم اللهيم، ثم قال:(وهكذا ثعالة للثعلب) وهو من الأسماء غير الكنى، ويقال للثعلب أيضا: أبو الحصين، وسمسم، ومثله من الأسماء ذألان للذئب، وحضاجر، وجعار، وجيأل، وقثام للضبع، وقثم للضبعان، ومحوة لريح الشمال، وخضارة للريح، وهنيدة لمائة من الإبل، وشبوة للعقرب ونبه على القسم الثاني بقوله:(ومثله برة للمبره) يريد ما تقدم من الأعلام الجنسية برة، وهو اسم علم للمبرة، والمبرة من المعاني التي جعلوا لجنسها اسما علما، فإن من المعاني ما يضطرون إلى الإخبار عنها والإحالة عليها كما يضطرون إلى ذلك في الأعيان، ومنه أيضا فجار، وهو اسم للفجور وعلم له، معدول عن فجرة علما هكذا دون ألف ولام، لا عن الفجرة، فإنه من باب حذام للعدول عن علم مثله، فقول سيبويه: إن فجار معدول من الفجرة تجوز، كذا قال ابن جني والمحققون، والألف واللام في الفجرة في كلام الناظم لا إشكال فيها، إذ لم يرد العلم كما أراد سيبويه، وإنما مراده الجنس الذي هو مطلق الفجور، ومثل هذين المثالين فينة في قولهم: ما ألقاه إلا فينة، أي: في الندرة.
قال ابن جني: وهو علم لهذا المعنى، ومنه عنده "سبحان" في
قول الأعشى أنشده سيبويه:
*سبحان من علقمة الفاجر *
هو علم لمعنى التسبيح، ومنه غدوة وبكرة علمين للوقتين، وحماد للمحمدة، ويسار للميسرة، وأم قشعم، وشعوب، وحلاق، وأم اللهيم للمنية.
ومنه أسماء الأعداد المطلقة نحو: ثلاثة نصف دستة، وأربعة ثلثا ستة وما أشبه ذلك، وأشار الناظم بتعيين مثالي "برة" و"فجار" لبيت النابغة الذي أنشده سيبويه:
إنا احتملنا خطتينا بيننا
…
فحملت برة واحتملت فجار
وفي عبارته شيء، وهو أن الفجرة هي المرة الواحدة من الفجور فإنك تقول: فجر فجورا، أي: كذب، وفجر أيضا بمعنى فسق فجورا كذلك فإذا أردت المرة الواحدة قلت: فجر زيد فجرة واحدة ولم يعد، ومعلوم أن فجار
ليس علما لجنس المرة الواحدة من الفجور، فإن أهل اللغة لم ينقلوا إلا أنه اسم علم للفجور المطلق، لا للمرة الواحدة، ولا يصح أن يريد أن فجار اسم جنس للفجرة المعدول هو عنه، إذ لم يقولوا ذلك ولا يصح في نفسه فثبت أن قوله:(كذا فجار علم للفجرة) مشكل.
والجواب: أن إتيانه بالفجرة مقصود له، وذلك أن القاعدة في فعال أنه مؤنث أو معدول عن مؤنث، وقد بين ذلك سيبويه في أبواب ما لا ينصرف غاية البيان، حتى إنه/ قدر ما لم يستعمل مؤنثا كأنه استعمل كذلك، ثم جعل فعال ومعدولا عنه، وإذا كان كذلك فالاسم المعدول عنه وهو العلم المقدر اسما لجنس مؤنث، إذ لابد من مطابقته له في التأثيث، ولذلك قال:(ومثله برة للمبرة) ولم يقل للمبر ولا للبرور، لما لم يكن مطابقا في التأنيث لعلمه، وكذلك قال غيره في يسار إنه اسم للميسر لا لليسر، وفي حماد إنه اسم للمحمدة لا للحمد وكذلك ما أشبهه، فإذا يجب فيما كان من أسماء الأجناس غير مؤنث فجعل له اسم على فعال أن يقدر له التأنيث، و "فجار" الذي مثل به الناظم من هذا القبيل، فلابد من تقدير اسم الجنس مؤنثا، وذلك ما ذكره من الفجرة.
وقد قدر سيبويه في حضار وسفار أنه اسم الكوكبة والماء وهما من علم الشخص، وقال في بداد: إنه معدول عن بددي مؤنثا، وفي حماد أنه معدول عن حمودي مؤنثا. قال السيرافي في
بداد: إنه معدول عن البدة أو المبادة أو غير ذلك. يعني مما يقدر مؤنثا يعطي معنى ذلك المذكر، فكذلك فجار اسم للفجرة بمعنى الفجور وإن لم يستعمل على ذلك المعنى، لا أنه اسم لفجرة التي يراد بها المرة الواحة، وهو مراد سيبويه أيضا، حيث قال: ففجار معدول عن الفجرة، ومراد غيره أيضا في الباب. فالحاصل أن الناظم نبه بمثال الفجرة على أن فعال علم لاسم الجنس المؤنث، فإن كان مستعملا فذاك وإلا قدر له اسم مؤنث، وهذه قاعدة محل بيانها باب ما لا ينصرف وقلما تجد في هذا النظم لفظة إلا وهي تحتوي على معنى أو معان ولا تجد فيها لفظة ذكرها فضل ولا أسلوبا خاليا من القصد الحسن والتنبيه على غور مسألة إلا قليلا حسب ما تراه منبها عليه إن شاء الله.