المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌حديث بني النضير: - شرح الزرقاني على المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - جـ ٢

[الزرقاني، محمد بن عبد الباقي]

فهرس الكتاب

- ‌المجلد الثاني

- ‌تابع المقصد الأول في تشريف الله تعالى له عليه الصلاة والسلام

- ‌إسلام الفاروق

- ‌دخول الشعب وخبر الصحيفة

- ‌الهجرة الثانية إلى الحبشة ونقض الصحيفة

- ‌وفاة خديجة وأبي طالب:

- ‌خروجه صلى الله عليه وسلم إلى الطائف:

- ‌ذكر الجن:

- ‌وقت الإسراء:

- ‌ذكر عرض المصطفى نفسه على القبائل ووفود الأنصار:

- ‌باب هجرة المصطفى وأصحابه إلى المدينة:

- ‌قصة سراقة:

- ‌ذكر بناء المسجد النبوي وعمل المنبر

- ‌ذكر المؤاخاة بين الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين

- ‌باب بدء الأذان

- ‌كتاب المغازي

- ‌مدخل

- ‌بعث حمزة رضي الله عنه:

- ‌سرية عبيدة المطلبي

- ‌سرية سعد بن ملك

- ‌أول المغازي: ودان

- ‌ غزوة بواط

- ‌غزوة بدر الأولى:

- ‌سرية أمير المؤمنين عبد الله بن جحش:

- ‌تحويل القبلة وفرض رمضان وزكاة الفطر

- ‌باب غزوة بدر العظمى

- ‌قتل عمير عصماء

- ‌غزوة بني سليم وهي قرقرة الكدر

- ‌قتل أبي عفك اليهودي

- ‌غزوة بني قينقاع:

- ‌غزوة السويق:

- ‌ذكر بعض وقائع ثانية الهجرة

- ‌ذكر تزويج علي بفاطمة رضي الله عنهما

- ‌قتل كعب بن الأشرف وهي سرية محمد بن مسلمة

- ‌غزوة غطفان:

- ‌غزوة بحران

- ‌سرية زيد إلى القردة

- ‌غزوة أحد

- ‌غزوة حمراء الأسد

- ‌سرية أبي سلمة عبد الله بن عبد الأسد

- ‌سرية عبد الله بن أنيس

- ‌[بعث الرجيع] :

- ‌بئر معونة:

- ‌حديث بني النضير:

- ‌غزوة ذات الرقاع

- ‌غزوة بدر الأخيرة وهي الصغرى

- ‌غزوة دومة الجندل

- ‌الفهرس:

الفصل: ‌حديث بني النضير:

كذا وقع في هذه الرواية، وهو يوهم أن بني لحيان ممن أصاب القراء يوم بئر معونة، وليس كذلك. وإنما أصاب هؤلاء رعل وذكوان وعصية ومن صحبهم من سليم، وأمَّا بنو لحيان فهم الذي أصابوا بعث الرجيع. وإنما أتى الخبر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم عنهم كلهم في وقت واحد، فدعا على الذين أصابوا أصحابه في الموضعين دعاءً واحدًا. والله أعلم. خاتمة.

قال الحافظ اليعمري في العيون تبعًا لشيخه الدمياطي: "كذا وقع في هذه الرواية" يدعو على رعل، ولحيان وعصية، "وهو يوهم أن بني لحيان ممن أصاب القراء يوم بئر معونة وليس كذلك، وإنما أصاب هؤلاء" القراء "رعل، وذكوان وعصية ومن صحبهم من سليم،" كزعب بكسر الزاي، وسكون العين المهملة والموحدة، "وأما بنو لحيان فهم الذين أصابوا بعث الرجيع" كما مَرَّ، "وإنما أتى الخبر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم عنهم كلهم في وقت واحد"، أي: في ليلة واحدة، كما قاله الواقدي، "فدعا على الذين أصابوا أصحابه في الموضعين دعاء واحدًا"، فيحمل على ذلك الحديث، ويندفع الإيهام "والله أعلم".

"خاتمة" ذكر صاحب شرف المصطفى، أنه صلى الله عليه وسلم لما أصيب أهل بئر معونة جاءت الحمَّى إليه فقال لها:"اذهبي إلى رعل وذكوان وعصية الله ورسوله"، فأتتهم، فقتلت منهم سبعمائة رجل بكل رجل من المسلمين عشرة.

قال شيخنا: وإنما لم يخبره سبحانه وتعالى بما ترتَّب على ذهاب القراء، وأهل الرجيع قبل خروجهم، كما أخبره بنظير ذلك في كثير من الأشياء؛ لأنه سبق في علمه تعالى إكرامهم بالشهادة، وأراد حصول ذلك بمجيء أبي براء، ومن جاء في طلب أصحاب الرجيع.

ص: 505

‌حديث بني النضير:

ثم غزوة بني النضير -بفتح النون وكسر الضاد المعجمة- قبيلة كبيرة من اليهود، في ربيع الأول سنة أربعة. وذكرها ابن إسحاق هنا.

حديث بني النضير:

"ثم غزوة بني النضير -بفتح النون، وكسر الضاد المعجمة فتحتية فراء- قبيلة كبيرة من اليهود، دخلوا في العرب وهم على نسبتهم إلى هارون عليه السلام، "في ربيع الأول سنة أربعة، وذكرها" محمد "بن إسحاق" بن يسار، إمام أهل المغازي "هنا"، أي: بعد أُحد وبئر معونة مجزومًا به في مغازيه، وعنه حكاه البخاري، ووقع في رواية القابسي للصحيح إسحاق.

قال عياض: وهو وهم، يعني: إن الصواب ابن إسحاق، ووقع في شرح الكرماني محمد بن

ص: 505

قال السهيلي: وكان ينبغي أن يذكرها بعد بدر، لما روى عقيل بن خالد وغيره عن الزهري قال: كانت غزوة بني النضير على رأس ستة أشهر من وقعة بدر قبل أُحد.

ورجَّح الداودي ما قاله ابن إسحاق، من أن غزوة بني النضير بعد بئر معونة، مستدلًا بقوله تعالى:{وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ} [الأحزاب: 26] .

قال الحافظ أبو الفضل بن حجر: وهو استدلال واهٍ، فإن الآية نزلت في شأن بني

إسحاق بن نصر.

قال الحافظ: وهو غلط، إنما اسم جده يسار.

"قال السهيلي: وكان ينبغي أن يذكرها بعد بدر، لما روى عقيل" بضم العين وفتح القاف "ابن خالد" الإيلي، "وغيره" كمعمر "عن الزهري"، وصدَّر به البخاري تعليقًا جزمًا عنه عن عروة، "قال: كانت غزوة بني النضير على رأس ستة أشهر من وقعة بدر قبل أُحد".

قال الحافظ: وصله عبد الرزاق في مصنَّفه عن معمر، عن الزهري، أتمّ من هذا، وهو في حديثه عن عروة، ثم كانت غزوة بني النضير، وهم طائفة من اليهود، على رأس ستة أشهر من وقعة بدر، وكانت منازلهم ونخلهم بناحية المدينة، فحاصرهم صلى الله عليه وسلم حتى نزلوا على الجلاء، وعلى أن لهم ما أقلّت الإبل من الأمتعة والأموال إلّا الحلقة، يعني السلاح، فأنزل الله فيهم:{سَبَّحَ لِلَّه} [الحديد: 1] الآية، إلى قوله:{لِأَوَّلِ الْحَشْر} [الحشر: 2] الآية، وقاتلهم حتى صالحهم على الجلاء، فأجلاهم إلى الشام، وكانوا من سبط لم يصبهم جلاء فيما خلا، وكان الله قد كتب عليهم الجلاء، ولولا ذلك لعذبهم في الدنيا بالقتل والسباء، فكان جلاؤهم أول حشر حشر في الدنيا إلى الشام، انتهى. وهذا مرسل، وقد وصله الحاكم عن عائشة، وصحَّحه وقال في آخره: فأنزل الله: {سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ} سورة الحشر. الآية.

"ورجَّح الداودي" أحمد بن نصر الطرابلسي في شرح البخاري "ما قاله ابن إسحاق، من أنَّ غزوة بني النضير بعد بئر معونة، مستدلًا بقوله:{وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُم} [الأحزاب: 26] الآية، أي: عاونوا الأحزاب، {مِنْ أَهْلِ الْكِتَاب} [الأحزاب: 26] الآية، وهم قريظة، {مِنْ صَيَاصِيهِمْ} [الأحزاب: 26] الآية. حصونهم.

"قال الحافظ أبو الفضل بن حجر: وهو استدلال واهٍ، فإن الآية نزلت في شأن بني

ص: 506

قريظة، فإنهم هم الذين ظاهروا الأحزاب، وأمَّا بنو النضير فلم يكن لهم في الأحزاب ذكر، بل كان من أعظم الأسباب في جمع الأحزاب ما وقع من إجلائهم، فإنه كان من رءوسهم حيي بن أخطب، وهو الذي حسن لبني قريظة الغدر، وموافقة الأحزاب حتى كان من هلاكهم ما كان، فكيف يصير السابق لاحقًا. انتهى.

وقد تقدَّم قريبًا أنَّ عامر بن الطفيل أعتق عمرو بن أمية لما قتل أهل بئر معونة عن رقبة على أمه، فخرج عمرو إلى المدينة، فصادف رجلين من بني عامر معهما عقد وعهد من

قريظة، فإنهم هم الذين ظاهروا الأحزاب" وهي بعد بني النضير بلا ريب.

"وأمَّا بنو النضير فلم يكن لهم في الأحزاب ذكر، بل كان من أعظم الأسباب في جمع الأحزاب ما وقع" بلا واو على الصواب المذكور في الفتحِ؛ لأنه اسم كان، ولا تدخل عليه الواو، فنسخة الواو تحريف "من إجلائهم، فإنه كان من رءوسهم حيي" بلفظ تصغير "حي ابن أخطب" بفتح الهمزة وبالخاء المعجمة، "وهو الذي حسَّن لبني قريظة الغدر وموافقة الأحزاب، حتى كان من هلاكهم ما كان، فكيف يصير السابق لاحقًا، انتهى" كلامه في الفتح، ومنازعته إنما هي في الدليل فقط؛ لقوله بعد نحو ورقة، وإذا ثبت أن سبب إجلاء بني النضير همهم بالفتك به، وهو إنما وقع عندما جاء إليهم يستعين في دية قتيلي عمر، وتعين ما قاله ابن إسحاق؛ لأن بئر معونة كانت بعد أحد بالاتفاق، وأغرب السهيلي، فرجَّح ما قاله الزهري، انتهى. لكن يقويه السبب الآتي صحيحًا مسندًا، وقد قدم البخاري قول الزهري عن عروة، وجرى عليه وضعًا، فذكر بني النضير عقب بدر فلم يغرب السهيلي في ترجيحه، لا سيما وقد ثبت عن عائشة عند الحاكم وصحَّحه، وأما كون سببها ما ذكره ابن إسحاق فهو مرسل كما يجيء، "وقد تقدَّم قريبًا".

وذكره ابن إسحاق عبد الله بن أبي بكر بن حزم، وغيره من أهل العلم، "أنَّ عامر بن الطفيل أعتق عمرو بن أمية لما قتل أهل بئر معونة عن رقبة كانت على أمه، فخرج عمرو إلى المدينة فصادف" بالقرقرة من صدر قتادة، كما في ابن إسحاق بفتح القاف، والنون "رجلين من بني عامر" ثم من بني كلاب.

قال ابن هشام: وذكر أبو عمرو المدني أنها من بني سليم.

قال ابن إسحاق: حتى نزلا معه في ظل هو فيه، وكان "معهما عقد وعهد من رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يشعر به عمرو، فقال لهما عمرو: من أنتما؟ فذكرا له أنهما من بني عامر،

ص: 507

رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يشعر به عمرو، فقال لهما عمرو: من أنتما؟ فذكرا له أنهما من بني عامر، فتركهما حتى ناما فقتلهما عمرو، وظنَّ أنه ظفر ببعض ثأر أصحابه، فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك، فقال:"لقد قتلت قتيلين لأدينهما".

قال ابن إسحاق وغيره: ثم خرج عليه الصلاة والسلام إلى بني النضير؛ ليستعين بهم في دية ذينك القتيلين اللذين قتلهما عمرو بن أمية؛ للجوار الذي كان صلى الله عليه وسلم عقده لهما، وكان بين بني النضير وبني عامر عقد وحلف.

فلمَّا أتاهم عليه الصلاة والسلام يستعينهم في ديتهما قالوا: يا أبا القاسم، نعينك على ما أحببت مما استعنت بنا عليه، ثم خلا بعضهم ببعض فقالوا: إنكم لن تجدوه على مثل هذا الحال. وكان صلى الله عليه وسلم إلى جنب جدار من بيوتهم.

قالوا: من رجل يعلو على هذا البيت

فتركهما حتى ناما، فقتلهما عمرو، وظنَّ أنه ظفر بثأر" بالهمز، وتركه "بعض أصحابه، فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك" لما قدم عليه" فقال:"لقد قتلت قتيلين لأدينهما"، أي: لأعطين ديتهما لما بيننا وبينهما من العهد.

"قال ابن إسحاق وغيره" الواقدي، وابن سعد، وعائذ: وجل أهل المغازي في سبب هذه الغزوة، "ثم خرج عليه الصلاة والسلام" إلى بني النضير؛ ليستعين بهم في دية ذينك القتيلين اللذين قتلهما عمرو بن أمية؛ للجوار الذي كان صلى الله عليه وسلم عقده لهما" كما حدثني يزيد بن رومان، "وكان بين بني النضير وبني عامر عقد وحلف" بكسر الحاء وسكون اللام.

قال شيخنا: ولعل سؤالهم لسهولة الإعطاء عليهم لكون المدفوع لهم من حلفائهم؛ إذ لو كانوا أعداءهم لشق عليهم الإعطاء لهم، فاندفع ما قيل هذا يقتضي أن الحليف يلزمه دية من قتل من محالفيه، "فلما أتاه عليه الصلاة والسلام يستعينهم في ديتهما، قالوا:" نعم "يا أبا القاسم، نعينك على ما أحببت مما استعنت بنا عليه" يحتمل أنهم قالوا ذلك ليتمكنوا من تدبير ما أرادوه، ويحتمل أنه إنما طرأ لهم الغدر بعد، حين رأوه جنب الجدار.

وفي رواية: إنهم قالوا: نفعل ما أحببت، قد آن لك أن تزورنا، وأن تأتينا، اجلس حتى تطعم وترجع بحاجتك، ونقوم فنتشاور ونصلح أمرنا فيما جئنتنا به. "ثم خلا بعضهم ببعض، فقالوا: إنكم لن تجدوه على مثل هذا الحال" منفردًا ليس معه من أصحابه إلّا نحو العشرة، "وكان صلى الله عليه وسلم" قاعدًا "إلى جنب جدار من بيوتهم، قالوا: من" بفتح الميم "رجل يعلو على هذا البيت، فيلقي هذا الصخرة عليه" هكذا في نقل المصنّف كالفتح عن ابن إسحاق، وظاهره أنه معينة.

ص: 508

فيلقي هذه الصخرة عليه فيقتله ويريحنا منه؟ فانتدب لذلك عمرو بن جحاش بن كعب، فقال: أنا لذلك، فصعد ليقي عليه الصخرة، ورسول الله صلى الله عليه وسلم في نفرٍ من أصحابه، فيهم أبو بكر وعمر وعلي.

قال ابن سعد: فقال سلام بن مشكم لليهود: لا تفعلوا، والله ليخبرنّ بما هممتم، وإنه لنقض للعهد الذي بيننا وبينه.

قال ابن إسحاق: وأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم الخبر من السماء بما أراد القوم، فقام عليه الصلاة والسلام مظهرًا أنه يقضي حاجته، وترك أصحابه في مجلسهم، ورجع مسرعًا إلى المدينة.

واستبطأ النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه، فقاموا في طلبه

وفي سيرة ابن هشام عنه: وجرى عليه اليعمري فيلقي عليه صخرة، وظاهره أن المراد، أي: صخرة "فيقتله ويريحنا منه، فانتدب لذلك عمرو بن جحاش" بفتح الجيم وشد الحاء المهملة آخره شين معجمة "بن كعب، فقال: أنا لذلك، فصعد ليلقي عليه الصخرة".

وفي رواية: فجاء إلى رحى عظيمة ليطرحها عليه، "ورسول الله صلى الله عليه وسلم في نفرٍ من أصحابه، فيهم أبو بكر وعمر وعلي" زاد عكرمة وغيره: وعثمان وطلحة وعبد الرحمن بن عوف. رواه ابن جرير، وزاد غيره: والزبير وسعد بن معاذ وأسيد بن حضير وسعد بن عبادة.

"قال ابن سعد: فقال سلّام" بالتشديد عند ابن الصلاح وغيره، ورجَّح الحافظ التخفيف مستندًا لوقوعه في أشعار العرب كقول أبي سفيان:

سقاني فرواني كميتًا مدامة

على ظمأ مني سلام بن مشكم

"ابن مشكم" بكسر الميم، وسكون الشين المعجمة وفتح الكاف "لليهود: لا تفعلوا، والله ليخبرنّ" بفتح اللام جوابًا للقسم والبناء للمفعول، مؤكَّد بالنون الثقيلة، أي: ليخبره ربه "بما هممتم به، ونه لنقض العهد الذي بيننا وبينه".

وفي رواية قال لهم: يا قوم أطيعوني في هذه المرة، وخالفوني الدهر، والله لئن فعلتم ليخبرنّ بأنّا قد غدرنا به، وإن هذا نقض للعهد الذي بيننا وبينه.

"قال ابن إسحاق: وأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم الخبر من السماء" مع جبريل، "بما أراد القوم، فقام عليه الصلاة والسلام مظهرًا،" أي: موهمًا، "أنه يقضي حاجته" ويرجع، مخافة أن يفطنوا فيجتمعوا عليهم وهم قليل، فقد يؤذون أصحابه، "و" لذا "ترك أصحابه في مجلسهم، ورجع مسرعًا إلى المدينة، واستبطأ النبي أصحابه فقاموا في طلبه." فقال لهم حيي: لقد عجل أبو القاسم، كنا نريد أن نقضي حاجته ونقريه، وندمت اليهود على ما صنعوا، فقال لهم كنانة بن صويراء -بضم الصاد

ص: 509

حتى انتهوا إليه، فأخبرهم الخبر بما أردت يهود من الغدر به.

قال ابن عقبة: ونزل في ذلك قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ} [المائدة: 11] .

المهملة، وفتح الواو، وسكون التحتية وبألف التأنيث الممدودة: هل تدرون لم قام محمد؟ قالوا: والله ما ندري وما تدري أنت؟ فقال: والله أُخْبِرَ بما هممتم به من الغدر، فلا تخدعوا أنفسكم، والله إنه لرسول الله "حتى انتهوا إليه" فقالوا: قمت ولم نشعر، "فأخبرهم الخبر بما أرادت يهود من الغدر به".

"قال" موسى بن عقبة: ونزل في ذلك قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ} [المائدة: 11] الآية. وهكذا قاله عكرمة ويزيد بن أبي زياد ومجاهد وعاصم بن عمر وغيرهم في سبب النزول، كما أخرج عنهم ابن جرير، وكله مرسل أو معضل، وقيل: نزلت لما أراد بنو ثعلبة وبنو محارب الفتك به صلى الله عليه وسلم، فعصمه الله.

وقال ابن عقبة في سبب الغزوة: وكانوا قد دسوا إلى قريش في قتاله صلى الله عليه وسلم، فحضوهم على القتال، ودلوهم على العروة.

وروى ابن مرديه بسند صحيح، وعبد بن حميد عن عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، أخبرني عبد الله بن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال: كتب كفار قريش إلى عبد الله بن أُبَيّ وغيره ممن يعبد الأوثان قبل بدر، يهددونهم بإيوائهم النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، ويتوعدونهم أن يغزوهم بجمع العرب، فهمَّ ابن أُبَيّ ومن معه بقتال المسلمين، فأتاهم النبي صلى الله عليه وسلم فقال:"ماكادكم أحد بمثل ما كادتكم قريش، يريدون أن يلقوا بأسكم بينكم"، فلما سمعوا ذلك عرفوا الحق فتفرّقوا، فلما كانت وقعة بدر كتب كفار قريش بعدها إلى اليهود أنكم أهل الحلقة والحصون يتهددونهم، فاجتمع بنو النضير على الغدر، فأرسلوا إليه صلى الله عليه وسلم أخرج إلينا في ثلاثة من أصحابك، ويلقاك ثلاثة من علمائنا، فإن آمنوا بك اتبعناك، فاشتمل اليهود الثالثة على الخناجر، فأرسلت امرأة من بني النصير إلى أخٍ لها من الأنصار مسلم، تخبره بأمرهم، فأخبر أخوها النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يصدر إليهم، فرجع وصبَّحهم بالكتائب فحصرهم يومه، ثم غدا على بني قريظة فحصرهم فعاهدوه، فانصرف عنهم إلى بني النضير، فقاتلهم حتى نزلوا على الجلاء، وعلى أنَّ لهم ما أقلَّت الإبل إلّا السلاح، فاحتملوا حتى أبواب بيوتهم، فكانوا يخربون بيوتهم فيهدمونها، ويحملون ما يوافقهم من خشبه، وكان جلاؤهم ذلك أوّل حشر الناس إلى الشام.

قال في الفتح: وفي هذا ردّ على زعم ابن التين، أنه ليس في هذه القصة حديث بإسناد،

ص: 510

قال ابن إسحق: فأمر صلى الله عليه وسلم بالتيهؤ لحربهم والسير إليهم.

قال ابن هشام: واستعمل على المدينة ابن أم مكتوم.

ثم سار بالناس حتى نزل بهم، فحاصرهم ست ليال. قال ابن إسحاق: فتحصَّنوا منه في الحصون، فقطع النخل وحرقها

فهذا أقوى مما ذكر ابن إسحاق أن سبب غزوة بني النضير طلبه صلى الله عليه وسلم أن يعينوه في دية الرجلين، لكن وافقه جلّ أهل المغازي.

"قال ابن إسحاق: فأمر صلى الله عليه وسلم بالتهيؤ لحربهم والسير إليهم".

"قال ابن هشام: واستعمل على المدينة، ابن أمّ مكتوم" إمامًا على الصلاة، ولم يستعمل على أمرها أحدًا لقربها؛ لأن بينها وبين المدينة ميلين، كما قال البيضاوي، "ثم سار بالناس حتى نزل بهم، فحاصرهم ست ليال".

وقال ابن سعد والواقدي وأبو معشر والبلاذري وابن حبان: خمسة عشر يومًا.

وقال التيمي: قريبًا من عشرين.

وقال ابن الطلاع: ثلاثًا وعشرين ليلة.

وعن عائشة: خمسًا وعشرين.

وفي تفسير مقاتل: إحدى وعشرين ليلة.

وجمع شيخنا بأن حصار الستة كان وهم مصرون على الحرب طمعًا فيما منَّاهم به المنافقون، وما زاد إلى الخمسة عشر كانوا آخذين في أسباب الخروج، وفيما بعد خرجوا في أوقات مختلفة، فكان آخر خروجهم خمسًا وعشرين، وقد يؤيده ما في الشامية، أنه لما ولّى إخراجهم محمد بن مسلمة، قالوا: إن لنا ديونًا على الناس، فقال صلى الله عليه وسلم:"تعجلوا وضعوا" ، فكان لأبي رافع سلام بن أبي الحقيق على أسيد بن حضير عشرون ومائة دينار إلى سنة، فصالحه على أخذ رأس ماله ثمانين دينارًا، وأبطل ما فضل. انتهى.

"قال ابن إسحاق: فتحصَّنوا منه في الحصون، فقطع النخل،" أي: أمر بقطعها أبا ليلى المازني وعبد الله بن سلام، فكان أبو ليلى يقطع العجوة، وابن سلام يقطع اللين، فقيل لهما في ذلك، فقال أبو ليلى: كانت العجوة أحرق لهم.

وقال ابن سلام: قد عرفت أن الله سيغنمه أموالهم، وكانت العجوة خير أموالهم، فلمّا قطعت العجوة شقّ النساء الجيوب وضربن الخدود ودعون بالويل، "وحرَّقها" بشد الراء كما ضبط به المصنف قول ابن عمر: حرَّق رسول الله صلى الله عليه وسلم نخل بني النضير وقطع. ويجوز

ص: 511

وخرب. فنادوا: يا محمد، قد كنت تنهى عن الفساد وتعيبه على من صنعه، فما بال قطع النخل وتحريقها.

قال السهيلي: قال أهل التأويل: وقع في نفوس بعض المسلمين من هذا الكلام شيء، حتى أنزل الله:{مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ} إلى قوله: {وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ} [الحشر: 5] واللينة: ألوان التمر ما عدا العجوة والبرني

التخفيف، وهو بمعناه كما في القاموس.

وذكر المصباح أن حرَّق إذا أكثر الإحراق.

قال شيخنا: وعليه فالأنسب التخفيف لقول البغوي، قيل: قطعوا نخلة وأحرقوا نخلة، وقيل: جملة ما قطع وحرق ست نخلات، وكتبنا عنه في التقرير أن المناسب هنا التشديد، كأنه بولغ في التحريق والقطع حتى أنكاهم، ونادوه: يا محمد، وشق النساء الجيوب إلخ، ولا ينافي ذلك قول البغوي بفرض صحته؛ لأنهم ظنوا أنه عليه السلام يديم ذلك. "وخرب" أماكنهم، أي: تسبَّب في خرابها بقطع نخيلهم التي هي قوام أمرهم، وهذا لم يقع في ابن إسحاق، ولا في نقل الفتح والعيون عنه، ولا يحمل على يخربون بيوتهم؛ لأنه إنما وقع بعد موافقتهم على الجلاء، "فنادوه: يا محمد، قد كنت تنهى عن الفساد وتعيبه"، أي: تعده عيبًا "على من صنعه، فما بال" أي: حال "قطع النخل وتحريقها" أهو فساد أم صلاح؟ توبيخ على قطعه.

"قال السهيلي: قال أهل التأويل: وقع في نفوس بعض المسلمين من هذا الكلام شيء" فخافوا أن يكون فعلهم فسادًا، وبعض المسلمين قال: بل نقطع لنغيظهم بذلك، وكان أولئك لم يسمعوا أمر النبي صلى الله عليه وسلم الذي لا ينطق عن الهوى بالقطع والتحريق، فاعتقدوا أنه باجتهاد من القاطعين، أو زيادة المباشر على أمره، أو أنه للتهديد، فلا يلزم القطع بالفعل، أو ذلك ممن قرب عهده بالإسلام.

وفي تفسير السبكي: إنَّ من كان يقطع الأجود يقصد إغاظة الكفار، ومن كان يبقيه يقصد إبقاءه للنبي صلى الله عليه وسلم. انتهى واستمر ما في نفوسهم، "حتى أنزل الله تعالى:{مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ} [الحشر: 5] الآية. بيان لما المنصوب محلًّا بقطعتم، "كأنه قيل: أي شيء قطتعتم "الآية إلى قوله -يريد: {أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ} ، فبإذن الله قطعها وتركها ومشيئته {وَلِيُخْزِيَ} [الحشر: 5] الآية بالإذن في القطع {الْفَاسِقِينَ} [الحشر: 5] الآية. اليهود في اعتراضهم، بأن قطع شجر الثمر فساد، وفيه جواز قطع الشجر الكفار وإحراقه، وبه قال الجمهور؛ كمالك والثوري والشافعي وأحمد. "واللينة" بالياء المنقلبة عن الواو لكسر اللام، وجمعها ليان، مثل كتاب، "ألوان" أي: أنواع "التمر" كلها "ما عدا العجوة والبرني،" هكذا قاله في الروض تبعًا لابن

ص: 512

ففي هذه الآية أنه صلى الله عليه وسلم لم يحرق من نخلهم إلّا ما ليس بقوت الناس، وكانوا يقتاتون، العجوة، وفي الحديث: "العجوة من الجنة

هشام، عمَّا حدثه أبو عبيدة به. قال ذو الرمة:

كان فؤادي فوقها عش طائر

على لينة سوقاء تهفو جنوبها

وصدَّر به المصنف في شرح البخاري، وقابله بقوله: وقيل: كرام النخل، وقيل: كل الأشجار للينها، وأنواع نخل المدينة مائة وعشرون نوعًا. انتهى.

وفي الجامع والمصباح والأنوار: اللينة: النخلة، وقيل: الدقل -بفتحتين- أردأ التمر.

وعن الفراء: كل شيء من النخل سوى العجوة، فعلى كلام هؤلاء في تفسيره تسمح؛ لأن اللينة النخلة لا ثمرها.

"ففي هذ الآية: أنه صلى الله عليه وسلم لم يحرق من نخلهم إلّا ما ليس بقوت الناس" ولا يشكل بما روي أنه لما قطع العجوة شقّ النساء الجيوب، وضربن الخدود ودعون بالويل، إما لقلة ما قطع من العجوة، فلم يعتدّ به، أو لأنَّ الحاصل الهم لا القطع بالفعل، "وكانوا يقتاتون العجوة" عطف علة على معلول، ووجه دلالة الآية أن اللينة اسم لما عداها.

وعند البرني: وإنما كانوا يقتاتونها، وكان موضع نخل بني النضير يقال له البويرة -بضم الموحدة وسكون التحتية وفتح الراء بعده هاء تأنيث. قاله المصنف.

وفي الصحيح عن ابن عمر: حرق رسول الله صلى الله عليه وسلم نخل بني النضير وقطع، وهي البويرة، فنزل:{مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ} الآية.

وفي الفتح: البويرة -بضم الموحدة- مصغَّر بورة وهي الحفرة، وهي هنا مكان معروف بين المدينة وبين تيما من جهة الغرب، ويقال لها أيضًا: البويلة بالام، بدل الراء، انتهى.

فجميع نخلهم بهذا الموضع، فلا يقال القطع في جميع بساتينهم، بل في موضع يقال له البويرة كما زعم؛ لأن البويرة اسم لموضع البساتين التي فيها النخل لا لبستان منها يسمَّى بذلك.

"وفي الحديث" الذي رواه أحمد والترمذي وابن ماجه عن أبي هريرة وأحمد والنسائي وابن ماجه عن أبي سعيد وجابر عنه صلى الله عليه وسلم: "العجوة من الجنة"، ولأبي نعيم في الطب عن بريدة: من فاكهة الجنة.

قال الحليمي وغيره: أي في الاسم والشبه الصوري، لا اللذة والطعم؛ لأن طعام الجنة لا يشبه طعام الدنيا، غير أن ذلك الشبه يكسبها فخرًا وفضلًا، ولذا قال في بقية الحديث: وفيها شفاء من السمّ، وذلك لأنه قاتل، وثمر الجنة خالٍ من المضار، فإذا اجتمعا في جوف عدل

ص: 513

وتمرها يغذوا أحسن غذاء"، والبرني أيضًا كذلك. ففي قوله تعالى:{مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَة} ولم يقل من نخلة على العموم، تنبيه على كراهة قطع ما يقتات ويغذو من شجر العدو إذا رجي أن يصل إلى المسلمين.

قال ابن إسحاق: وقد كان رهط من بني عوف بن

السليم الفاسد فدفع الضرر.

وقال البيضاوي: يريد المبالغة في الاختصاص بالمنفعة والبركة، فكأنها من طعامها؛ لأن طعامها يزيل الأذى، أو المراد أنَّ أصلها نزل به آدم من الجنة.

روى الثعلبي عن ابن عباس: هبط آدم من الجنة بثلاثة أشياء: بالآسة وهي سيدة ريحان الدنيا، والسنبلة وهي سيدة طعام الدنيا، والعجوة وهي سيدة ثمار الدنيا، وهي ظاهر ما رواه أحمد، وابن ماجه وصححه الحاكم مرفوعًا:"العجوة والصخرة والشجرة من الجنة"، "وتمرها يغذو أحسن غذاء".

قال السمهوري: لم يزل أطباق الناس على التبرك بالعجوة، وهو النوع المعروف الذي يأثره الخلف عن السلف بالمدينة، ولا يرتابون في تسميته بذلك.

وقال ابن الأثير: ضرب من التمر أكبر من الصيحاني، عمَّا غرسه المصطفى بيده بالمدينة.

"والبرني أيضًا كذلك" كانوا يقتاتونه؛ لأنه يغذو أحسن غذاء، فليس تشبيهًا في كل ما سبق حتى يشمل أنه من الجنة كالعجوة؛ لعدم وروده.

وفي الفتح: والبرني دون اللينة، وأسقط المصنف من كلام الروض عقب قوله كذلك ما لفظه.

وقال أبو حنيفة: معناه بالفارسية: حمل مبارك، فإن بر معناه: حمل وني، ومعناه: جيد أو مبارك، فعربته العرب وأدخلته في كلامها.

وفي حديث وفد عبد القيس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لهم، وذكر البرني أنه من خير تمركم، وإنه دواء وليس بداء، "ففي قوله تعالى:{مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَة} [الحشر: 5] الآية، ولم يقل من نخلة على العموم، تنبيهًا على كراهة قطع ما يقتات، ويغذو من شجر العدو إذا رجي أن يصل إلى المسلمين"، وقد كان أبو بكر يوصي الجيوش أن لا يقطعوا شجرًا مثمرًا، وأخذ بذلك الأوزاعي، فأمّا تأولوا حديث بني النضير، وإما رأوه خاصًّا برسول الله صلى الله عليه وسلم، إلى هنا كلام الروض.

"قال ابن إسحاق": عقب ما مَرَّ عنه قبل كلام السهيلي: "وقد كان رهط من بني عوف بن

ص: 514

الخزرج منهم عبد الله بن أُبَيّ بن سلول، بعثوا إلى بني النضير: أن اثبتوا وتمنَّعوا، فإنا لن نسلمكم، إن قوتلتم قاتلنا معكم، وإن أخرجتم خرجنا معكم. فتربصوا، فقذف في قلوبهم الرعب، فلم ينصروهم. فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجليهم عن أرضهم ويكفّ عن دمائهم.

وعند ابن سعد: أنهم حين هموا بغدره صلى الله عليه وسلم، وأعلمه الله بذلك، بعث إليهم محمد بن مسلمة:"أن اخرجوا من بلدي فلا تساكنوني بها، وقد هممتم بما هممتم به من الغدر، وقد أجَّلتكم عشرًا، فمن رؤي منكم بعد ذلك ضربت عنقه".

فمكثوا على ذلك أيامًا يتجهزون، وتكاروا من أناس من أشجع إبلًا، فأرسل

الخزرج،" منافقون "منهم: عبد الله بن أُبَيّ بن سلول" رأسهم، وديعة بن مالك بن أبي قوقل، وسويد وداعس "بعثوا" سويدًا وداعسًا "إلى بني النضير" حين هموا بالخروج، كما عند ابن سعد، ولذا عقب بها المصنف رواية ابن إسحاق هذه تبعًا لما في العيون قصدًا إلى الإحاطة بالروايتين: "أن اثبتوا وتمنّعوا".

قال البرهان: بتشديد النون المفتوحة، "فإنّا لن نسلمكم، إن قوتلتم قاتلنا معكم، وإن أخرجتم خرجنا معكم فتربصوا" أي: انتظروا ذلك، "فقذف الله في قلوبهم الرعب" بقتل سيدهم كعب بن الأشرف.

روى عبد بن حميد: إن غزوة بني النضير كانت صبيحة قتل كعب بن الأشرف، "فلم ينصروهم،" وفيهم نزل قوله تعالى: {أَلَمْ تَر إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا} الآية. إلى قوله: {كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِم} الآية. قاله ابن إسحاق. "فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجليهم" يخرجهم، "عن أرضهم،" وكان لهم الجلاء نقمة من الله، "ويكف عن دمائهم"، أي: بد سؤالهم في أنه يخرجهم مع بقاء أموالهم، كما أمرهم أولًا، فقال:"لا أقبله اليوم" كما ذكر ابن سعد.

"وعند ابن سعد أنهم حين هموا بغدره صلى الله عليه وسلم، وأعلمه الله بذلك" نهض سريعًا إلى المدينة، "بعث إليهم محمد بن مسلمة" الأنصاري "أن أخرجوا من بلدي" المدينة؛ لأن مساكنهم من أعماله، فكأنها منها، "فلا تساكنوني بها، وقد هممتم بما هممتم به من الغدر" جملة حالية، "وقد أجَّلتكم عشرًا فمن رؤي منكم بعد ذلك ضربت" بالبناء للمفعول "عنقه" يذكر ويؤنث، وهو لغة الحجاز بمعنى: أنه يأذن إذنًا عامًّا يقتل كل يهودي، "فمكثوا على ذلك أيامًا".

روى البيهقي في الدلائل عن محمد بن مسلمة أنه صلى الله عليه وسلم بعثه إلى بني النضير، وأمره أن يؤجلهم في الجلاء ثلاثة أيام، "يتجهزون وتكاروا،" أي: اكتروا، "من أناس من أشجع إبلًا،

ص: 515

إليهم عبد الله بن أُبَيّ: لا تخرجوا من دياركم، وأقيموا في حصونكم، فإن معي ألفين من قومي من العرب يدخلون حصونكم، وتمدكم قريظة وحلفاؤكم من غطفان، فطمع حيي فيما قاله ابن أُبَيّ، فأرسل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنا لن نخرج من ديارنا، فاصنع ما بدا لك.

فأظهر صلى الله عليه وسلم التكبير، وكبَّر المسلمون بتكبيره، وسار إليهم عليه الصلاة والسلام في أصحابه، فصلَّى العصر بفناء بني النضير، وعلي يحمل رايته، فلمَّا رأوا رسول الله صلى الله عليه وسلم قاموا على حصونهم، ومعهم النبل والحجارة، واعتزلهم ابن أُبَيّ ولم يمنعهم، وكذا حلفاؤهم من غطفان،

فأرسل إليهم عبد الله بن أُبَيّ" سويداء "وداعسًا: "لا تخرجوا من دياركم، وأقيمو في حصونكم، فإن معي ألفين من قومي من العرب يدخلون حصونكم، وتمدكم قريظة" بالظاء المعجمة المشالة، "وحلفاؤكم من غطفان، فطمع حيي فيما قاله ابن أُبَيّ، فأرسل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم" مع أخيه جُدَيّ -بضم الجيم، وفتح الدال المهملة وشد التحتية:"إنا لن نخرج من ديارنا، فاصنع ما بدا لك، فأظهر صلى الله عليه وسلم التكبير، وكبَّر المسلمون بتكبيره،" وقال: حاربت يهود، "وسار إليهم عليه الصلاة والسلام في أصحابه"، قيل: مشى المسلمون إليهم على أرجلهم؛ لأنهم كانوا على ميلين، وركب عليه السلام على حمار فحسب، "فصلَّى العصر بفناء بني النضير، وعليّ رضي الله عنه يحمل رايته، فلمَّا رأوا رسول الله صلى الله عليه وسلم قاموا على حصونهم ومعهم البل والحجارة" واعتزلتهم قريظة فلم تعنهم، "واعتزلهم ابن أُبَيّ ولم يمنعهم، كذا حلفاؤهم من غطفان"، فقال ابن مشكم وكنانة لحيي: أين الذي زعمت؟ قال: ما أصنع، هي ملحمة كتبت علينا، وحلمت معه صلى الله عليه وسلم حين سار قبَّة من خشب عليها مسوح، أرسل بها إليه سعد بن عبادة، فلمَّا صلى العشاء رجع إلى بيته في عشرة من أصحابه، واستعمل على العسكر عليًّا، ويقال: أبا بكر، وبات المسلمون يحاصرونهم حتى أصبحوا، ثم أذَّن بلال الفجر، فغدا صلى الله عليه وسلم في أصحابه الذين كانوا معه، فصلى بالناس في فضاء بني خطمة، وأمر بلالًا فضرب القبة في موضع المسجد الصغير الذي بفناء بني خطمة، ودخلها صلى الله عليه وسلم، وكان عزوك اليهودي أعسر راميًا، فتباعدت من النبل، فيرمي فيبلغ القبة، فحولت إلى مسجد الفضيخ -بفاء مفتوحة، فضاد وخاء معجمتين بينهما تحتية، فتباعدت من النبل، ففقد علي في ليلة قرب العشاء، فقال الناس: يا رسول الله، ما نرى عليًّا، فقال:"دعوه، فإنه في بعض شأنكم" ، فعن قليل جاء برأس عزوك، وقد كمن له حين خرج يطلب غرة من المسلمين، وكان شجاعًا راميًا فشد عليه، فقتله وفَرَّ من كان معه، وبعث صلى الله عليه وسلم خلفهم

ص: 516

فيئسوا من نصرهم، فحاصرهم صلى الله عليه وسلم، وقطع نخلهم، وقال لهم عليه الصلاة والسلام:"اخرجوا منها، ولكم دماؤكم وما حملت الإبل إلا الحلقة" -بإسكان اللام، قال في القاموس: الدرع، فنزلت يهود على ذلك، فحاصرهم خمسة عشر يومًا، فكانوا يخربون بيوتهم بأيديهم.

ثم أجلاهم عن المدينة، وولي إخراجهم محمد بن مسلمة. وحملوا النساء والصبيان، وتحمَّلوا أمتعتهم على ستمائة بعير

أبا دجانة وسهل بن حنيف في عشرة، فأدركوا اليهود الذين فروا من علي، فقتلوهم وطرحوا رؤسهم في بعض الآبار، انتهى من السبل. "فيئسوا من نصرهم، فحاصرهم صلى الله عليه وسلم، وقطع نخلهم".

زاد ابن سعد، فقالوا: نحن نخرج من بلادك، فقال: لا أقبله اليوم، "وقال لهم عليه الصلاة والسلام:"اخرجوا منها ولكم دماؤكم وما حملت الإبل إلا الحلقة -بإسكان اللام".

"قال في القاموس: الدرع"، وقيل: السلاح كله، حكاه في النور، واقتصر عليه المصباح، وهو المراد هنا لقوله بعد، ووجد من الحلقة إلخ. "فنزلت يهود على ذلك، وكان حاصرهم خمسة عشر يومًا"، وقيل: أكثر وأقل كما مَرَّ بالجمع. "فكانوا" كما قال الله تعالى: {يُخْرِبُونَ} بالتشديد والتخفيف، من أخرب، {بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ} لينقلوا ما استحسنوه منها من خشب وغيره، {وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ} يخربون باقيها.

وفي الروض: يخربونها من داخل، والمؤمنون من خارج، وقيل: معنى بأيديهم: بما كسبت أيديهم من نقض العهد، وأيدي المؤمنين، أي: بجهادهم، انتهى. "ثم أجلاهم عن المدينة"؛ لأنه كتب عليهم كما في التنزيل {وَلَوْلا} ، أي:{أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا} ، أي: بالقتل والسباء، {وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ} مع ذلك، فلذا لم يستأصلهم بالقتل، أو لأنه رآه مصلحة، وإن حربهم قد يؤدي إلى سفك دماء المسلمين، وقد يرجع حلفاؤهم ويعينونهم، "وولي إخراجهم محمد بن مسلمة" الأنصاري، "وحملوا النساء والصبيان" على الهوادج، وعليهنّ الديباج والحرير والخز الأخضر والأحمر وحلي الذهب والفضة والمعصفر، وأظهروا تجلدًا عظيمًا.

قال ابن إسحاق: حدثني عبد الله بن أبي بكر، أنه حدث أنهم خرجوا بالنساء والأبناء والأموال، معهم الدفوف والمزامير والقينات، يعزفن خلفهم بزهاء وفخر لم ير مثله، قال: ولم يسلم منهم إلا يامين بن عمير وأبو سعد بن وهب، فأحرزوا أموالهما.

قال: وحدثني بعض آل يامين، أنه صلى الله عليه وسلم قال له:"ألم تر ما لقيت من ابن عمك وما هم به من شأني" ، فجعل يامين لرجل من قيس عشرة دنانير، ويقال: خمسة أوسق من تمر على أن يقتل عمرو بن جحاش، فقتله غيلة، "وتحمَّلوا" بمعنى احتملوا، أي: حملوا "أمتعتهم على ستمائة بعير

ص: 517

فلحقوا بخيبر. وحزن المنافقون عليهم حزنًا شديدًا.

وقبض صلى الله عليه وسلم الأموال، ووجد من الحلقة خمسين درعًا وخمسين بيضة، وثلاثمائة وأربعين سيفًا.

وكانت بنو النضير صفيًا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، حبسًا لنوائبه، ولم يسهم منها

فلحقوا بخيبر،" أي: أكثرهم، منهم حيي وسلام بن أبي الحقيق، وكنانة بن صويرا، فدان لهم أهلها، وذهبت طائفة منهم إلى الشام، كما في الشامية، ولا ينافيه قول البيضاوي: لحق أكثرهم بالشام، لجواز أن الأكثر نزلوا أولًا بخيبر، ثم خرج منهم جماعة إلى الشام، فكان جملة من لحق به بآخرة الأمر أكثرهم.

لكن في ابن إسحاق: فخرجوا إلى خيبر، ومنهم من سار إلى الشام، فكان أشرافهم من سار إلى خيبر سلام وكنانة وحيي.

وفي الخميس: ذهب بعضهم إلى الشام إلى أذرعات وأريحاء، ولحق أهل بيتين وهم آل أبي الحقيق وآل حيي بخيبر، انتهى.

وفي الروض: روى موسى بن عقبة أنهم قالوا: إلى أين نخرج يا محمد؟ قال: "إلى الحشر"، يعني: أرض المحشر، وهي الشام، وقيل: كانوا من سبط لم يصبهم جلاء، فلذا قال لأوَّل الحشر، والحشر الجلاء، وقيل: الحشر الثاني، هو حشر النار التي تخرج من قعر عدن، فتحشر الناس إلى الموقف، تبيت معهم حيث باتوا، وتقيل معهم حيث قالوا، وتأكل من تخلف، والآية متضمَّنة لهذه الأقوال كلها، ولزائد عليها لإيذانها أن ثَمَّ حشرًا آخر، فكان هذا الحشر والجلاء إلى خيبر، ثم أجلاهم عمر منها إلى تيماء وأريحاء حين بلغه خبر:"لا يبقين دينان بأرض العرب"، انتهى.

"وحزن المنافقون عليهم حزنًا شديدًا، لكونهم إخوانهم "وقبض صلى الله عليه وسلم الأموال، ووجد من الحلقة" السلاح كله "خمسين درعًا وخمسين بيضة"، أي: خودة، "وثلاثمائة وأربعين سيفًا، وكانت بنو النضير صفيًّا" بالتشديد، أي: مختارة "لرسول الله صلى الله عليه وسلم".

قال في الروض: لم يختلفوا أنَّ أموالهم كانت خاصَّة به صلى الله عليه وسلم، وأن المسلمين لم يوجفوا عليهم بخيل ولا ركاب، ونه لم يقع قتال أصلًا، "حبسًا" بضم الحاء، وإسكان الموحدة وبالسين المهملة، أي: وقفًا كما في النور، ولعله الرواية، "وإلا ففي المصباح الحبس -بضمتين وإسكان الثاني للتخفيف- لغة "لنوائبه" أي: ما يعرض له من النوازل جمع نائبة، فكان ينفق منها على أهله، ويزرع تحت النخل ويدخر قوت أهله سنة من الشعير والتمر لأزواجه، وبني عبد المطلب، وما

ص: 518

لأحد؛ لأن المسلمين لم يوجفوا عليها بخيل ولا ركاب، وإنما قدف في قلوبهم الرعب، وأجلوا عن منازلهم إلى خيبر، ولم يكن ذلك من المسلمين لهم، فقسمها عليه الصلاة والسلام بين المهاجرين؛ ليرفع بذلك مؤنتهم عن الأنصار؛ إذ كانوا قد قاسموهم في الأموال والديار،

فضل جعله في السلاح والكراع -بضم الكاف وخفة الراء، أي: جماعة الخيل، "ولم يسهم منها لأحد؛ لأن المسلمين لم يوجفوا عليها" أي: يحركوا ويتعبوا في السير.

قال عبد الملك بن هشام: أوجفتم: حركتم وأتعبتم في السير. قال الشاعر:

مذاويد بالبيض الحديث صقالها

عن الركب أحيانًا إذا القوم أوجفوا

والوجيف وجيف القلب والكبد، وهو الضربان، "بخيل ولا ركاب وإنما قذف في قلوبهم الرعب وأجلوا عن منازلهم إلى خيبر، ولم يكن ذلك عن قتال من المسلمين لهم"، فكانت له صلى الله عليه وسلم خاصَّة، يضعها حيث شاء، كما حكى عليه السهيلي الاتفاق وأقرَّه الحافظ، وفي الخميس: أكثر الروايات على أنَّ أموال بني النضير وعقارهم كان فيئًا له صلى الله عليه وسلم خاصة له، خصها الله حبسًا لنوائبه، لم يخمسها، ولم يسهم منها لأحد، كما هو مذهب الإمام أبي حنيفة. وورد في بعض الروايات أنه خمَّسَها.

وذهب إليه الإمام الشافعي "فقسمها عليه الصلاة والسلام بين المهاجرين؛ ليرفع بذلك مؤنتهم" أي: مشقتهم "عن الأنصار" باعتبار ما في نفس الأمر، وإن رأى الأنصار ذلك من أَجَلِّ النعم، كما في التنزيل:{وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَة} [الحشر: 9] الآية، "إذ كانوا قد قاسموهم في الأموال والديار" لما هاجروا، وآخى بينهم صلى الله عليه وسلم، فذهب كل أنصاريّ بالمهاجري الذي واخى بينه وبينه صلى الله عليه وسلم إلى منزله، وكفاه المؤنة، ثم تنافسوا حتى آل أمرهم إلى القرعة، فأي أنصاري تخرج القرعة باسمه يذهب بالمهاجري، فبلغت مواساتهم الغاية القصوى حتى ورد في الصحيح: أن سعد بن الربيع الأنصاري قال لأخيه عبد الرحمن بن عوف: هلمَّ أقسم مالي بيني وبينك نصفين، ولي امرأتان، انظر أعجبهما إليك أطلقها، فإذا انقضت عدتها فتزوجها، فقال عبد الرحمن: بارك الله لك في أهلك ومالك.

روى الحاكم في الإكليل من طريق الواقدي بسنده عن أم العلاء قالت: طار لنا عثمان بن مظعون في القرعة، فكان في منزلي حتى توفي: قالت: فكان المهاجرون في دورهم وأموالهم، فلما غنم صلى الله عليه وسلم بني النضير، دعا ثابت بن قيس بن شماس، فقال:"ادع لي قومك". قال ثابت: الخزرج، فقال صلى الله عليه وسلم:"الأنصار كلها" فدعا له الأوس والخزرج، فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، ثم ذكر الأنصار وما صنعوا بالمهاجرين، وإنزالهم إياهم في منازلهم وأموالهم، وأثرتهم على

ص: 519

غير أنه أعطى أبا دجانة وسهل بن حنيف لحاجتهما. وفي الإكليل: وأعطى سعد بن معاذ سيف بن أبي الحقيق، وكان سيفًا له ذكر عندهم.

أنفسهم، "ثم قال:"إن أحببتم قسمت بينكم وبين المهاجرين ما أفاء الله علي من بني النضير، وكان المهاجرون على ما هم عليه من السكنى في منازلكم وأموالكم، وإن أحببتم أعطيتهم وخرجوا من دوركم"، فقال سعد بن عبادة وسعد بن معاذ: يا رسول الله، بل تقسم بين المهاجرين، ويكونون في دورنا كما كانوا، وقالت الأنصار: رضينا وسلّمنا يا رسول الله، فقال صلى الله عليه وسلم:"اللهم ارحم الأنصار وأبناء الأنصار" وقسم ما أفاء الله، وأعطى المهاجرين ولم يعط أحدًا من الأنصار شيئًا. "غير أنه أعطى أبا دانة وسهل بن حنيف لحاجتهما".

وعند ابن إسحاق، أنهما ذكرا فقرًا فأعطاهما.

قال السهيلي: وقال غير ابن إسحاق: أعطى ثلاثة، فذكر الحارث بن الصمّة، انتهى. ونظر فيه بأنه قتل في بئر معونة، ولذا تركه المصنف، والنظر إنما يأتي على أنها بعدها، أما على قول عروة أنها قبلها بمدة فلا نظر.

"وفي الإكليل" لأبي عبد الله الحاكم بقية حديثه الذي سقته، "وأعطى سعد بن معاذ سيف" سلام "بن أبي الحقيق" بحاء مضمومة فقاف مفتوحة فتحتية ساكنة ثم قاف أخرى، "وكان سيفًا له ذكر عندهم".

وذكر البلاذري أنه صلى الله عليه وسلم قال للأنصار: "ليست لإخوانكم من المهاجرين أموال، فإن شئتم قسمت هذه وأموالكم بينكم وبينهم جميعًا، وإن شئتم أمسكتم أموالكم وقسمت هذه خاصة"، فقالوا: بل اقسم هذه فيهم، واقسم لهم من أموالنا ما شئت، فنزلت {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ} [الحشر: 5] الآية.

قال أبو بكر الصديق: جزاكم الله خيرًا يا معشر الأنصار، فوالله ما مثلنا ومثلكم إلّا كما قال الغنوي: وهو بالمعجمة والنون:

جزى الله عنا جعفرًا حين أزلقت

بنا نعلنا في الواطئين فزلت

أبوا أن يملونا ولو أن أمنا

تلاقي الذي يلقون منا لملت

قال: وكان يزرع تحت النخيل في أرضهم، فيدَّخر من ذلك قوت أهله وأزواجه سنة، وما فضل جعله في الكراع والسلاح. انتهى، فهذا صريح في أنه لم يقسم الأرض والنخيل بين المهاجرين، بل الدور والأموال.

قال ابن إسحاق: ونزل في أمر بني النضير سورة الحشر بأسرها.

قال السهيلي: اتفاقًا، انتهى.

فقول البيضاوي: فأنزل الله: {سَبَّحَ لِلَّه} الآية. إلى قوله: {وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير} الآية. لعلَّ المراد منه نزول هذا القدر في أخبار خروجهم حتى جلوا، وبقيتها فيما ترتَّب عليه من قسم الأموال، ومدح الأنصار، وذمّ المنافقين وغير ذلك، فهي كلها فيهم.

وفي البخاري عن سعيد بن جبير، قلت لابن عباس: سورة الحشر، قال: قل: سورة النضير.

قال الداودي: كأنه كره تسميتها بذلك لئلَّا يظن أنه يوم القيامة، أو لإجماله فكرة النسبة إلى غير معلوم، كذا قال.

وعند ابن مردويه من وجه آخر عن ابن عباس، قال: نزلت سورة الحشر في بني النضير، وذكر الله فيها الذي أصابهم من النقمة. ذكره في الفتح، والله أعلم.

ص: 520