الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
[بَابُ الْوَلِيمَةِ]
ِ فَائِدَةٌ
قَالَ الْكَمَالُ الدَّمِيرِيُّ فِي شَرْحِهِ عَلَى الْمِنْهَاجِ فِي " النُّقُوطِ " الْمُعْتَادِ فِي الْأَفْرَاحِ: قَالَ النَّجْمُ الْبَالِسِيُّ: إنَّهُ كَالدَّيْنِ لِدَافِعِهِ الْمُطَالَبَةُ بِهِ، وَلَا أَثَرَ لِلْعُرْفِ فِي ذَلِكَ. فَإِنَّهُ مُضْطَرِبٌ. فَكَمْ يَدْفَعُ النُّقُوطَ، ثُمَّ يَسْتَحِقُّ أَنْ يُطَالِبَ بِهِ؟ انْتَهَى قَوْلُهُ (وَهِيَ اسْمٌ لِدَعْوَةِ الْعُرْسِ خَاصَّةً) . هَذَا قَوْلُ أَهْلِ اللُّغَةِ. قَالَهُ فِي الْمَطْلَعِ. وَفِيهِ أَيْضًا: أَنَّ الْوَلِيمَةَ اسْمٌ لِطَعَامِ الْعُرْسِ كَالْقَامُوسِ، وَزَادَ: أَوْ كُلُّ طَعَامٍ صُنِعَ لِدَعْوَةٍ أَوْ غَيْرِهَا. فَقَوْلُهُمْ " اسْمٌ لِدَعْوَةِ الْعُرْسِ " عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ " لِطَعَامِ دَعْوَةٍ " وَإِلَّا فَالدَّعْوَةُ نَفْسُ الدُّعَاءِ إلَى الطَّعَامِ. وَقَدْ تُضَمُّ دَالُهَا، كَدَالِ الدُّعَاءِ. قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: قَالَهُ ثَعْلَبٌ وَغَيْرُهُ. وَاخْتَارَهُ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ، وَغَيْرُهُمَا. وَقَدَّمَهُ فِي النَّظْمِ. وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: الْوَلِيمَةُ تَقَعُ عَلَى كُلِّ طَعَامٍ لِسُرُورٍ حَادِثٍ. إلَّا أَنَّ اسْتِعْمَالَهَا فِي طَعَامِ الْعُرْسِ أَكْثَرُ. وَقِيلَ: تُطْلَقُ عَلَى كُلِّ طَعَامٍ لِسُرُورٍ حَادِثٍ. إطْلَاقًا مُتَسَاوِيًا. قَالَهُ الْقَاضِي فِي الْجَامِعِ. نَقَلَهُ عَنْهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ رحمه الله. وَقَالَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ: وَلِيمَةُ الشَّيْءِ: كَمَالُهُ وَجَمْعُهُ. وَسُمِّيَتْ دَعْوَةُ الْعُرْسِ وَلِيمَةً لِاجْتِمَاعِ الزَّوْجَيْنِ.
فَائِدَةٌ
الْأَطْعِمَةُ الَّتِي يُدْعَى إلَيْهَا النَّاسُ عَشَرَةٌ: الْأَوَّلُ: الْوَلِيمَةُ. وَهِيَ طَعَامُ الْعُرْسِ.
الثَّانِي: الْحِذَاقُ، وَهُوَ الطَّعَامُ عِنْدَ حِذَاقِ الصَّبِيِّ. أَيْ مَعْرِفَتِهِ، وَتَمْيِيزِهِ، وَإِتْقَانِهِ.
الثَّالِثُ: الْعَذِيرَةُ وَالْإِعْذَارُ، لِطَعَامِ الْخِتَانِ.
الرَّابِعُ: الْخُرْسَةُ وَالْخَرَسُ، لِطَعَامِ الْوِلَادَةِ.
الْخَامِسُ: الْوَكِيرَةُ، لِدَعْوَةِ الْبِنَاءِ.
السَّادِسُ: النَّقِيعَةُ، لِقُدُومِ الْغَائِبِ.
السَّابِعُ: الْعَقِيقَةُ، وَهِيَ الذَّبْحُ لِأَجْلِ الْوَلَدِ، عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي أَوَاخِرِ بَابِ الْأُضْحِيَّةِ.
الثَّامِنَةُ: الْمَأْدُبَةُ، وَهُوَ كُلُّ دَعْوَةٍ لِسَبَبٍ كَانَتْ أَوْ غَيْرِهِ.
التَّاسِعُ: الْوَضِيمَةُ، وَهُوَ طَعَامُ الْمَأْتَمِ.
الْعَاشِرُ: التُّحْفَةُ، وَهُوَ طَعَامُ الْقَادِمِ. وَزَادَ بَعْضُهُمْ:
حَادِيَ عَشَرَ: وَهُوَ الشُّنْدُخِيَّةُ وَهُوَ طَعَامُ الْإِمْلَاكِ عَلَى الزَّوْجَةِ.
وَثَانِيَ عَشَرَ: الْمِشْدَاخُ. وَهُوَ الطَّعَامُ الْمَأْكُولُ فِي خِتْمَةِ الْقَارِئِ. وَقَدْ نَظَمَهَا بَعْضُهُمْ، وَلَمْ يَسْتَوْعِبْهَا، فَقَالَ:
وَلِيمَةُ عُرْسٍ ثُمَّ خُرْسٌ وِلَادَةٌ
…
وَعَقٌّ لِسَبْعٍ وَالْخِتَانُ لِإِعْذَارِ
وَمَأْدُبَةٌ أَطْلِقْ نَقِيعَةَ غَائِبٍ
…
وَضِيمَةُ مَوْتٍ وَالْوَكِيرَةُ لِلدَّارِ
وَزِيدَتْ لِإِمْلَاكِ الْمُزَوَّجِ شُنْدُخٌ
…
وَمِشْدَاخٌ الْمَأْكُولِ فِي خَتْمَةِ الْقَارِئِ
فَأَخَلَّ بِالْحِذَاقِ وَالتُّحْفَةِ. قَوْلُهُ (وَهِيَ مُسْتَحَبَّةٌ) . هَذَا الْمَذْهَبُ. وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، وَلَوْ بِشَاةٍ فَأَقَلَّ. قَالَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ، وَالْفُرُوعِ، وَغَيْرِهِمْ.
وَقَالَ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَغَيْرِهِمْ: يُسْتَحَبُّ أَنْ لَا تَنْقُصَ عَنْ شَاةٍ. قَالَ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ، وَغَيْرُهُمَا: تُسْتَحَبُّ بِشَاةٍ. وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: ذَكَرَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ رحمه الله: أَنَّهَا تَجِبُ وَلَوْ بِشَاةٍ، لِلْأَمْرِ وَقَالَ الزَّرْكَشِيُّ: قَوْلُهُ عليه الصلاة والسلام «وَلَوْ بِشَاةٍ» الشَّاةُ هُنَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ لِلتَّقْلِيلِ. أَيْ: وَلَوْ بِشَيْءٍ قَلِيلٍ، كَشَاةٍ. فَيُسْتَفَادُ مِنْ هَذَا: أَنَّهُ تَجُوزُ الْوَلِيمَةُ بِدُونِ شَاةٍ. وَيُسْتَفَادُ مِنْ الْحَدِيثِ: أَنَّ الْأَوْلَى الزِّيَادَةُ عَلَى الشَّاةِ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَ ذَلِكَ قَلِيلًا. انْتَهَى.
فَائِدَتَانِ:
إحْدَاهُمَا: تُسْتَحَبُّ الْوَلِيمَةُ بِالْعَقْدِ. قَالَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ. وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي الْفُرُوعِ. وَقَدَّمَهُ فِي تَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ. وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ رحمه الله: تُسْتَحَبُّ بِالدُّخُولِ. قُلْت: الْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ: وَقْتُ الِاسْتِحْبَابِ مُوَسَّعٌ مِنْ عَقْدِ النِّكَاحِ إلَى انْتِهَاءِ أَيَّامِ الْعُرْسِ. لِصِحَّةِ الْأَخْبَارِ فِي هَذَا وَكَمَالِ السُّرُورِ بَعْدَ الدُّخُولِ، لَكِنْ قَدْ جَرَتْ الْعَادَةُ فِعْلَ ذَلِكَ قَبْلَ الدُّخُولِ بِيَسِيرٍ.
الثَّانِيَةُ: قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: السُّنَّةُ أَنْ يُكْثِرَ لِلْبِكْرِ. قُلْت: الِاعْتِبَارُ فِي هَذَا بِالْيَسَارِ. فَإِنَّهُ عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ «مَا أَوْلَمَ عَلَى أَحَدٍ مَا أَوْلَمَ عَلَى زَيْنَبَ. وَكَانَتْ ثَيِّبًا» لَكِنْ قَدْ جَرَتْ الْعَادَةُ بِفِعْلِ ذَلِكَ فِي حَقِّ الْبِكْرِ أَكْثَرَ مِنْ الثَّيِّبِ.
قَوْلُهُ (وَالْإِجَابَةُ إلَيْهَا وَاجِبَةٌ) . هَذَا الْمَذْهَبُ مُطْلَقًا بِشُرُوطِهِ. وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ. وَنَصَرُوهُ. قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: لَا خِلَافَ فِي وُجُوبِ الْإِجَابَةِ إلَى الْوَلِيمَةِ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالْمُغْنِي، وَالْكَافِي، وَالْهَادِي، وَالشَّرْحِ، وَالْوَجِيزِ، وَغَيْرِهِمْ. وَقَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالنَّظْمِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ، وَالْفُرُوعِ، وَغَيْرِهِمْ. قَالَ فِي الْإِفْصَاحِ: وَيَجِبُ فِي الْأَشْهَرِ عَنْهُ. وَقِيلَ: الْإِجَابَةُ فَرْضُ كِفَايَةٍ. وَقِيلَ: مُسْتَحَبَّةٌ. وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ رحمه الله. وَعَنْهُ: إنْ دَعَاهُ مَنْ يَثِقُ بِهِ، فَالْإِجَابَةُ أَفْضَلُ مِنْ عَدَمِهَا. وَقَدَّمَ فِي التَّرْغِيبِ: لَا يَلْزَمُ الْقَاضِيَ حُضُورُ وَلِيمَةِ عُرْسٍ. ذَكَرَهُ عَنْهُ فِي الْفُرُوعِ فِي بَابِ أَدَبِ الْقَاضِي. وَذَكَرَهُ فِي الرِّعَايَةِ هُنَاكَ قَوْلًا. قَوْلُهُ (إذَا عَيَّنَهُ الدَّاعِي الْمُسْلِمُ) مُقَيَّدٌ بِمَا إذَا لَمْ يَحْرُمْ هَجْرُهُ. فَإِنْ حَرُمَ هَجْرُهُ: لَمْ يُجِبْهُ وَلَا كَرَامَةَ. وَمُقَيَّدٌ أَيْضًا بِمَا إذَا لَمْ يَكُنْ كَسْبُهُ خَبِيثًا. فَإِنْ كَانَ كَسْبُهُ خَبِيثًا: لَمْ يُجِبْهُ. عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. نَصَّ عَلَيْهِ. وَقِيلَ: بَلَى. وَمَنَعَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي الْمِنْهَاجِ مِنْ إجَابَةِ ظَالِمٍ وَفَاسِقٍ وَمُبْتَدِعٍ، وَمُفَاخِرٍ بِهَا، أَوْ فِيهَا، وَمُبْتَدِعٍ يَتَكَلَّمُ بِبِدْعَتِهِ إلَّا لِرَادٍّ عَلَيْهِ. وَكَذَا إنْ كَانَ فِيهَا مُضْحِكٌ بِفُحْشٍ أَوْ كَذِبٍ كَثِيرٍ فِيهِنَّ، وَإِلَّا أُبِيحَ إذَا كَانَ قَلِيلًا. وَقِيلَ: يُشْتَرَطُ أَنْ لَا يَخُصَّ بِهَا الْأَغْنِيَاءَ، وَأَنْ لَا يَخَافَ الْمَدْعُوُّ الدَّاعِيَ، وَلَا يَرْجُوهُ، وَأَنْ لَا يَكُونَ فِي الْمَحَلِّ مَنْ يَكْرَهُهُ الْمَدْعُوُّ، أَوْ يَكْرَهَ هُوَ الْمَدْعُوَّ.
قَالَ فِي التَّرْغِيبِ، وَالْبُلْغَةِ: إنْ عَلِمَ حُضُورَ الْأَرَاذِلِ، وَمَنْ مُجَالَسَتُهُمْ تُزْرِي بِمِثْلِهِ: لَمْ تَجِبْ إجَابَتُهُ. قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ رحمه الله، عَنْ هَذَا الْقَوْلِ: لَمْ أَرَهُ لِغَيْرِهِ مِنْ أَصْحَابِنَا قَالَ: وَقَدْ أَطْلَقَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ رحمه الله الْوُجُوبَ. وَاشْتَرَطَ الْحِلَّ، وَعَدَمَ الْمُنْكَرِ. فَأَمَّا هَذَا الشَّرْطُ: فَلَا أَصْلَ لَهُ كَمَا أَنَّ مُخَالَطَةَ هَؤُلَاءِ فِي صُفُوفِ الصَّلَاةِ لَا تُسْقِطُ الْجَمَاعَةَ. وَفِي الْجِنَازَةِ: لَا تُسْقِطُ حَقَّ الْحُضُورِ. فَكَذَلِكَ هَاهُنَا. وَهَذِهِ شُبْهَةُ الْحَجَّاجِ بْنِ أَرْطَاةَ. هُوَ نَوْعٌ مِنْ التَّكَبُّرِ، فَلَا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ. نَعَمْ، إنْ كَانُوا يَتَكَلَّمُونَ بِكَلَامٍ مُحَرَّمٍ: فَقَدْ اشْتَمَلَتْ الدَّعْوَةُ عَلَى مُحَرَّمٍ. وَإِنْ كَانَ مَكْرُوهًا: فَقَدْ اشْتَمَلَتْ عَلَى مَكْرُوهٍ. وَأَمَّا إنْ كَانُوا فُسَّاقًا، لَكِنْ لَا يَأْتُونَ بِمُحَرَّمٍ وَلَا مَكْرُوهٍ، لِهَيْبَتِهِ فِي الْمَجْلِسِ: فَيَتَوَجَّهُ أَنْ يَحْضُرَ، إذَا لَمْ يَكُونُوا مَنْ يُهْجَرُونَ، مِثْلَ الْمُسْتَتِرِينَ. أَمَّا إنْ كَانَ فِي الْمَجْلِسِ مَنْ يُهْجَرُ: فَفِيهِ نَظَرٌ. وَالْأَشْبَهُ: جَوَازُ الْإِجَابَةِ، لَا وُجُوبُهَا. انْتَهَى.
قَوْلُهُ (فَإِنْ دَعَا الْجَفَلَى، كَقَوْلِهِ: أَيُّهَا النَّاسُ تَعَالَوْا إلَى الطَّعَامِ، أَوْ دَعَاهُ فِيمَا بَعْدَ الْيَوْمِ الْأَوَّلِ، أَوْ دَعَاهُ ذِمِّيٌّ: لَمْ تَجِبْ الْإِجَابَةُ) . إذَا دَعَا الْجَفَلَى: لَمْ تَجِبْ إجَابَتُهُ. عَلَى الْمَذْهَبِ. وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ. يُحْتَمَلُ أَنْ يَجِبَ. قَالَهُ ابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ. فَعَلَى الْمَذْهَبِ: يُكْرَهُ. عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. جَزَمَ بِهِ فِي الْكَافِي، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْوَجِيزِ، وَغَيْرِهِمْ. قَالَ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ، وَغَيْرُهُمَا: لَمْ تَجِبْ، وَلَمْ تُسْتَحَبَّ. وَقِيلَ: تُبَاحُ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ. وَأَمَّا إذَا دَعَاهُ فِيمَا بَعْدَ الْيَوْمِ الْأَوَّلِ وَهُوَ الْيَوْمُ الثَّانِي، وَالثَّالِثُ: فَلَا تَجِبُ
الْإِجَابَةُ بِلَا نِزَاعٍ. لَكِنْ تُسْتَحَبُّ إجَابَتُهُ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي، وَتُكْرَهُ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ. وَنَقَلَ حَنْبَلٌ: إنْ أَحَبَّ أَجَابَ فِي الثَّانِي، وَلَا يُجِيبُ فِي الثَّالِثِ. وَأَمَّا إذَا دَعَاهُ ذِمِّيٌّ: فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: لَا يَجِبُ إجَابَتُهُ، كَمَا قَطَعَ بِهِ الْمُصَنِّفُ هُنَا. وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ. وَقَالَ أَبُو دَاوُد: قِيلَ لِأَحْمَدَ: تُجِيبُ دَعْوَةَ الذِّمِّيِّ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ رحمه الله: قَدْ يُحْمَلُ كَلَامُهُ عَلَى الْوُجُوبِ. فَعَلَى الْمَذْهَبِ: تُكْرَهُ إجَابَتُهُ. عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. جَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ وَقِيلَ: تَجُوزُ مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ. قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي الْمُغْنِي، قَالَ أَصْحَابُنَا: لَا تَجِبُ إجَابَةُ الذِّمِّيِّ، وَلَكِنْ تَجُوزُ. وَقَالَ فِي الْكَافِي: وَتَجُوزُ إجَابَتُهُ. قُلْت: ظَاهِرُ كَلَامِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ رحمه الله الْمُتَقَدِّمِ: عَدَمُ الْكَرَاهَةِ. وَهُوَ الصَّوَابُ. قَالَ ابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ: لَا بَأْسَ بِإِجَابَتِهِ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ. وَخَرَّجَ الزَّرْكَشِيُّ مِنْ رِوَايَةِ عَدَمِ جَوَازِ تَهْنِئَتِهِمْ وَتَعْزِيَتِهِمْ وَعِيَادَتِهِمْ عَدَمَ الْجَوَازِ هُنَا
قَوْلُهُ (وَسَائِرُ الدَّعَوَاتِ وَالْإِجَابَةُ إلَيْهَا مُسْتَحَبَّةٌ) . هَذَا قَوْلُ أَبِي حَفْصٍ الْعُكْبَرِيِّ وَغَيْرِهِ. وَقَطَعَ بِهِ فِي الْكَافِي، وَالْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَشَرْحِ ابْنِ مُنَجَّا وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ أَبِي مُوسَى. قَالَهُ فِي الْمُسْتَوْعِبِ وَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّ بَقِيَّةَ الدَّعَوَاتِ مُبَاحَةٌ. وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ. وَنَصَّ عَلَيْهِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: اخْتَارَهُ الْأَكْثَرُ. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: قَالَهُ الْقَاضِي، وَعَلَيْهِ عَامَّةُ أَصْحَابِهِ.
وَقَطَعَ بِهِ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْفُصُولِ، وَخِصَالِ ابْنِ الْبَنَّا، وَالْمُذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَالْحَاوِي، وَنَظْمِ الْمُفْرَدَاتِ. وَقَدَّمَهُ فِي الْمُسْتَوْعِبِ، وَالنَّظْمِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْفُرُوعِ، وَغَيْرِهِمْ. وَعَنْهُ: تُكْرَهُ دَعْوَةُ الْخِتَانِ. وَهُوَ قَوْلٌ فِي الرِّعَايَةِ. وَيَحْتَمِلُهُ كَلَامُ الْخِرَقِيِّ. وَأَمَّا الْإِجَابَةُ إلَى سَائِرِ الدَّعَوَاتِ، فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: اسْتِحْبَابُهَا. كَمَا جَزَمَ بِهِ الْمُصَنِّفُ هُنَا. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْكَافِي، وَالْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَشَرْحِ ابْنِ مُنَجَّا. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَهُوَ الظَّاهِرُ. وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ، وَالْفُرُوعِ، وَتَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ، وَغَيْرِهِمْ. وَقِيلَ: تُبَاحُ. وَنَصَّ عَلَيْهِ. وَهُوَ قَوْلُ الْقَاضِي، وَجَمَاعَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُوجَزِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَالنَّظْمِ، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ، وَالْمُنَوِّرِ. وَقَدَّمَهُ نَاظِمُ الْمُفْرَدَاتِ. وَهُوَ مِنْهَا. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَهُوَ ظَاهِرٌ. وَقَالَ أَيْضًا: وَظَاهِرُ رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ، وَمُثَنَّى: تَجِبُ الْإِجَابَةُ. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: لَوْ قِيلَ بِالْوُجُوبِ، لَكَانَ مُتَّجَهًا. وَكَرِهَ الشَّيْخُ عَبْدُ الْقَادِرِ فِي الْغُنْيَةِ: حُضُورَ غَيْرِ وَلِيمَةِ الْعُرْسِ إذَا كَانَتْ كَمَا وَصَفَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم «يُمْنَعُهَا الْمُحْتَاجُ، وَيَحْضُرُهَا الْغَنِيُّ» .
فَائِدَةٌ
قَالَ الْقَاضِي فِي آخِرِ الْمُجَرَّدِ، وَابْنُ عَقِيلٍ، وَالشَّيْخُ عَبْدُ الْقَادِرِ: يُكْرَهُ لِأَهْلِ الْفَضْلِ وَالْعِلْمِ الْإِسْرَاعُ إلَى إجَابَةِ الطَّعَامِ وَالتَّسَامُحِ؛ لِأَنَّ فِيهِ بِذْلَةً وَدَنَاءَةً وَشَرَهًا، لَا سِيَّمَا الْحَاكِمُ.
قَوْلُهُ (وَإِنْ حَضَرَ، وَهُوَ صَائِمٌ صَوْمًا وَاجِبًا: لَمْ يُفْطِرْ، وَإِنْ كَانَ نَفْلًا، أَوْ كَانَ مُفْطِرًا: اُسْتُحِبَّ الْأَكْلُ) .
الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: اسْتِحْبَابُ الْأَكْلِ لِمَنْ صَوْمُهُ نَفْلٌ أَوْ هُوَ مُفْطِرٌ. قَالَهُ الْقَاضِي. وَصَحَّحَهُ فِي النَّظْمِ. وَقَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالْفُرُوعِ، وَتَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ، وَغَيْرِهِمْ. وَقِيلَ: يُسْتَحَبُّ الْأَكْلُ لِلصَّائِمِ إنْ كَانَ يُجْبِرُ قَلْبَ دَاعِيهِ، وَإِلَّا كَانَ إتْمَامُ الصَّوْمِ أَوْلَى. وَجَزَمَ بِهِ فِي الرِّعَايَةِ الصُّغْرَى، وَالْوَجِيزِ. وَهُوَ ظَاهِرُ تَعْلِيلِ الْمُصَنِّفِ، وَالشَّارِحِ. وَقِيلَ: نَصُّهُ " يَدْعُو، وَيَنْصَرِفُ ". وَقَالَ فِي الْوَاضِحِ: ظَاهِرُ الْحَدِيثِ وُجُوبُ الْأَكْلِ لِلْمُفْطِرِ. وَفِي مُنَاظَرَاتِ ابْنِ عَقِيلٍ: لَوْ غَمَسَ إصْبَعَهُ فِي مَاءٍ وَمَصَّهَا: حَصَلَ بِهِ إرْضَاءُ الشَّارِعِ، وَإِزَالَةُ الْمَأْثَمِ بِإِجْمَاعِنَا، وَمِثْلُهُ: لَا يُعَدُّ إجَابَةً عُرْفًا، بَلْ اسْتِخْفَافًا بِالدَّاعِي.
فَائِدَةٌ
فِي جَوَازِ الْأَكْلِ مِنْ مَالِ مَنْ فِي مَالِهِ حَرَامٌ أَقْوَالٌ:
أَحَدُهَا: التَّحْرِيمُ مُطْلَقًا. قَطَعَ بِهِ وَلَدُ الشِّيرَازِيِّ فِي الْمُنْتَخَبِ. قُبَيْلَ بَابِ الصَّيْدِ. قَالَ الْأَزَجِيُّ فِي نِهَايَتِهِ: هَذَا قِيَاسُ الْمَذْهَبِ، كَمَا قُلْنَا فِي اشْتِبَاهِ الْأَوَانِي الطَّاهِرَةِ بِالنَّجِسَةِ. وَهُوَ ظَاهِرُ تَعْلِيلِ الْقَاضِي. وَقَدَّمَهُ أَبُو الْخَطَّابِ فِي الِانْتِصَارِ. قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي فُنُونِهِ فِي مَسْأَلَةِ اشْتِبَاهِ الْأَوَانِي وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ رحمه الله: لَا يُعْجِبُنِي أَنْ يَأْكُلَ مِنْهُ. وَسَأَلَهُ الْمَرْوَزِيِّ عَنْ الَّذِي يُعَامِلُ بِالرِّبَا يَأْكُلُ عِنْدَهُ؟ قَالَ: لَا. قَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى فِي آدَابِهَا وَلَا يَأْكُلُ مُخْتَلِطًا بِحَرَامٍ بِلَا ضَرُورَةٍ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: إنْ زَادَ الْحَرَامُ عَلَى الثُّلُثِ: حَرُمَ الْأَكْلُ، وَإِلَّا فَلَا. قَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ؛ لِأَنَّ الثُّلُثَ ضَابِطٌ فِي مَوَاضِعَ.
وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ: إنْ كَانَ الْحَرَامُ أَكْثَرَ: حَرُمَ الْأَكْلُ، وَإِلَّا فَلَا. إقَامَةً لِلْأَكْثَرِ مَقَامَ الْكُلِّ. قَطَعَ بِهِ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي الْمِنْهَاجِ. نَقَلَ الْأَثْرَمُ وَغَيْرُ وَاحِدٍ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ رحمه الله فِيمَنْ وَرِثَ مَالًا فِيهِ حَرَامٌ
إنْ عَرَفَ شَيْئًا بِعَيْنِهِ: رَدَّهُ. وَإِنْ كَانَ الْغَالِبُ عَلَى مَالِهِ الْفَسَادَ: تَنَزَّهَ عَنْهُ، أَوْ نَحْوَ هَذَا. وَنَقَلَ حَرْبٌ فِي الرَّجُلِ يَخْلُفُ مَالًا إنْ كَانَ غَالِبُهُ نَهْبًا أَوْ رِبًا، يَنْبَغِي لِوَارِثِهِ أَنْ يَتَنَزَّهَ عَنْهُ، إلَّا أَنْ يَكُونَ يَسِيرًا لَا يُعْرَفُ. وَنَقَلَ عَنْهُ أَيْضًا: هَلْ لِلرَّجُلِ أَنْ يَطْلُبَ مِنْ وَرَثَةِ إنْسَانٍ مَالًا مُضَارَبَةً يَنْفَعُهُمَا وَيَنْتَفِعُ؟ . قَالَ: إنْ كَانَ غَالِبُهُ الْحَرَامَ فَلَا.
وَالْقَوْلُ الرَّابِعُ: عَدَمُ التَّحْرِيمِ مُطْلَقًا. قَلَّ الْحَرَامُ أَوْ كَثُرَ، لَكِنْ يُكْرَهُ وَتَقْوَى الْكَرَاهَةُ وَتَضْعُفُ بِحَسَبِ كَثْرَةِ الْحَرَامِ وَقِلَّتِهِ. جَزَمَ بِهِ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ. وَقَالَهُ ابْنُ عَقِيلٍ فِي فُصُولِهِ، وَغَيْرِهِ. وَقَدَّمَهُ الْأَزَجِيُّ وَغَيْرُهُ. قُلْت: وَهُوَ الْمَذْهَبُ عَلَى مَا اصْطَلَحْنَاهُ فِي الْخُطْبَةِ. وَأَطْلَقَهُنَّ فِي الْفُرُوعِ، فِي بَابِ صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ، وَالْآدَابِ الْكُبْرَى، وَالْقَوَاعِدِ الْأُصُولِيَّةِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيَنْبَنِي عَلَى هَذَا الْخِلَافِ: حُكْمُ مُعَامَلَتِهِ، وَقَبُولِ صَدَقَتِهِ وَهِبَتِهِ، وَإِجَابَةِ دَعْوَتِهِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ. وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّ فِي الْمَالِ حَرَامًا: فَالْأَصْلُ الْإِبَاحَةُ، وَلَا تَحْرِيمَ بِالِاحْتِمَالِ. وَإِنْ كَانَ تَرْكُهُ أَوْلَى لِلشَّكِّ. وَإِنْ قَوِيَ سَبَبُ التَّحْرِيمِ فَظَنُّهُ يَتَوَجَّهُ فِيهِ كَآنِيَةِ أَهْلِ الْكِتَابِ وَطَعَامِهِمْ. انْتَهَى.
قُلْت: الصَّوَابُ التَّرْكُ. وَأَنَّ ذَلِكَ يَنْبَنِي عَلَى مَا إذَا تَعَارَضَ الْأَصْلُ وَالظَّاهِرُ. وَلَهُ نَظَائِرُ كَثِيرَةٌ.