الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
مقدمة
1:
في الكشف عن معنى الفصاحة والبلاغة:
وانحصار علم البلاغة في علمي2 المعاني والبيان للناس في تفسير الفصاحة والبلاغة أقوال مختلفة، لم أجد فيما بلغني منها. ما يصلح لتعريفها به، ولا ما يشير إلى الفرق بين كون الموصوف بهما الكلام وكون الموصوف بهما المتكلم 3، فالأولى أن نقتصر على تلخيص القول فيهما بالاعتبارين، فنقول:
1 الإيضاح مقسم إلى: مقدمة وثلاثة فنون وخاتمة، فالمقدمة ليست من قبيل مقاصد علم البلاغة وتوابعها، بل هي تمهيد لذلك. والفنون الثلاثة هي من مقاصد البلاغة إلا أن موضوع كل فن منها يختلف عن موضوع الآخر، فموضوع الفن الأول -وهو علم المعاني- الاحتراز عن الخطأ في تأدية المعنى المراد، وموضوع الفن الثاني -علم البيان- الاحتراز عن التعقيد المعنوي، وموضوع الفن الثالث -البديع- ليس الاحتراز عن شيء أصلًا، بل مجرد تحسين اللفظ وتزيينه. والخاتمة تشمل السرقات والكلام علي حسن الابتداء والتخلص وحسن الخاتمة، فهي من الفن الثالث أو متصلة به بصلة كبيرة.
والمقدمة هنا لبيان معنى شيئين: الأول معنى الفصاحة والبلاغة، والثاني انحصار علم البلاغة في علمي المعاني والبيان، وكل ذلك مما يرتبط بالمقصود من الكتاب.. فالمقدمة هنا هي مقدمة كتاب.
وذكر معنى الفصاحة والبلاغة قبل الشروع في مسائل المعاني والبيان والبديع ضروري، لتوقف معرفة معانيها علي معرفة معنى البلاغة والفصاحة.
2 في الأصل "في علم".
3 في هذا الكلام شيء من المجازفة: فقد سبق أبو هلال ببيان الفرق بين الفصاحة والبلاغة في الصناعتين، فذكر أن البلاغة هي كل ماتبلغ به المعنى قلب السامع فتمكنه في نفسه لتمكنه في نفسك مع صورة مقبولة
.........................................................................
= ومعرض حسن، ثم قال: وأما الفصاحة فقد اختلفوا فيها، فقال قوم: إنها مأخوذة من قولهم: أفصح فلان عما في نفسه إذا أظهره وعلى هذا ترجع الفصاحة والبلاغة إلى معنى واحد وإن اختلف أصلهما في اللغة، وقال بعضهم: الفصاحة تمام آلة البيان، وعلى هذا تكون الفصاحة والبلاغة مختلفين، وذلك أن الفصاحة تمام آلة البيان فهي مقصورة على اللفظ والبلاغة إنما هي إنهاء المعنى إلى القلب فكأنها مقصورة على المعنى إلخ "39 وما بعدها صناعتين".
وذكر ابن سنان الخفاجي في سر الفصاحة أن الفصاحة مقصورة على وصف الألفاظ والبلاغة لاتكون إلاوصفًا للألفاظ مع المعاني، فلا يقال في كلمة واحدة أنها بليغة وإن قيل أنها فصيحة إذا فضلت عن مثلها، وكل كلام بليغ فصيح وليس كل فصيح بليغًا كالذي يقع فيه الإسهاب في غير موضعه، ثم قال: والفصاحة على ذلك شطر البلاغة وأحد جزءيها، ولها شروط إذا تكاملت في الألفاظ فلا مزيد على فصاحتها، وتلك الشروط: منها ما يتعلق باللفظة الواحدة، ومنها ما يوجد في الألفاظ المنظومة بعضها مع بضع.. وهذا كله هو خلاصة رأي القزويني أقتبسه من ابن سنان "راجع ص55 وما بعدها من سر الفصاحة طبعة الرحمانية" وذكر ابن رشيق في العمدة: أن البلاغة والفصاحة راجعان إلى اللفظ والمعنى جميعًا إلخ "ص80 طبعة هندية".
وذكر عبد القاهر: أن البلاغة والفصاحة وما يجري مجارها مما يفرد فيه اللفظ بالنعت والصفة وينسب فيه الفضل والمزية إليه دون المعنى معناها حسن الدلالة وتمامها فيما له كانت دلالة ثم تبرجها في صورة هي أبهى، ولا جهة لذلك غير أن يؤتى المعنى من الجهة التي هي أصح لتأديته ويختار له اللفظ الذي هو أخص به وأكشف عنه وأحرى بأن يظهر مزية "ص35 من دلائل الإعجاز"، وقال في أسرار البلاغة: أما رجوع الاستحسان "أي الوصف بالبلاغة والفصاحة" إلى اللفظ من غير شرك من المعنى فيه فلا يعدو نمطًا واحدًا، هو أن تكون اللفظ مما يتعارفه الناس في استعمالهم ويتداولونه في زمانهم، ولا يكون وحشيًّا غريبًا أو عاميًّا سخيفًا"ص3 أسرار البلاغة"، فالبلاغة والفصاحة عنده مترادفان، وإن اختلف فهم كلامه فيهما وفي هل يرجعان عنده إلى اللفظ أو إلى المعنى. ويرى عبد القاهر أن الفصاحة تقال لكون اللفظ جاريًا على القوانين المستنبطة من استقراء كلامهم كثير الاستعمال على ألسنة العرب الموثوق بعربيتهم "ص353 دلائل الإعجاز" وهو كلام السكاكي أيضًا "ص176 من المفتاح".
ويرى السكاكي أن البلاغة بلوغ المتكلم في تأدية المعاني حدًّا له اختصاص بتوفية خواص التراكيب حقها وإيراد أنواع التشبيه والمجاز والكناية على وجهها، وأما الفصاحة فهي عنده قسمان: قسم يرجع إلى المعنى وهو خلوص الكلام من التعقيد المعنوي، وقسم يرجع إلى اللفظ وهو أن تكون الكلمة عربية أصلية جارية على ألسنة الفصحاء من العرب الموثوق بعربيتهم، لا مما أحدثه المولدون، ولا مما أخطأت فيه العامة "وأن تكون" سليمة من التنافر "راجع ص176 من المفتاح".
ويرى ابن الأثير أنه يحتاج في تأليف الكلمات إلى ثلاثة أشياء: اختيار الألفاظ المفردة، ونظم كل كلمة مع أختها بحيث لا يكون هناك قلق ولا منافرة، والغرض المقصود من ذلك الكلام على اختلاف أنواعه
…
والأول والثاني عنده هما المراد بالفصاحة، والثلاثة بجملتها هي المراد بالبلاغة. وتكلم في كتابة المثل السائر على الصناعة اللفظية "وهي عنده قسمان: قسم اللفظة المفردة، وقسم الألفاظ المركبة"، وعلى الصناعة المعنوية.
كل واحدة منهما1 تقع صفة لمعنيين: أحدهما الكلام كمافي قولك قصيدة فصيحة أو بليغة، ورسالة فصيحة أو بليغة، والثاني المتكلم كما في قولك شاعر فصيح أو بليغ، وكاتب فصيح أو بليغ. والفصاحة خاصة تقع صفة للمفرد فيقال: كلمة فصيحة، ولايقال كلمة2
1- أي من البلاغة والفصاحة.
2-
هذا هو الفرق بين الفصاحة والبلاغة عند الخطيب، فالفصاحة عنده صفة للمفرد والكلام والمتكلم، والبلاغة صفة للكلام والمتكلم فقط. ولاشك أن من يرى أن البلاغة والفصاحة مترادفان بحيز أن يقال كلمة بليغة كمايقال كلمة فصيحة، وإن كان عبد القاهر -الذي يرى أن الفصاحة والبلاغة مترادفان- يجعلهما وصفًا للكلام لا للفظ المفرد فلاتقول عنده كلمة فصيحة ولا كلمة بليغة.
هذا والمراد بالكلام ما يقابل الكلمة فيشمل المركب الإسنادي والمركب الناقص جميعًا، فإنه قد يكون بيت من القصيدة غير مشتمل على إسناد يصح السكوت عليه مع أنه متصف بالفصاحة مثل:
إذا ما الغانيات برزن يومًا
…
وزججن الحواجب والعيونا
فيكون المراد بالكلام تامًّا أو ناقصًا. وورد على هذا الرأي اعتراضات منها: أن المركب الناقص إنما يصح إدخاله في مدلول الكلام لو كانوا يطلقون على مثل هذا المركب أنه كلام فصيح ولم ينقل عنهم ذلك بل المنقول وصفهم له بأنه فصيح دون كونه كلامًا، على أنه يجوز أن يكون وصفه بالفصاحة باعتبار فصاحة مفرداته.
وقيل أن المركب الناقص خارج عن المفرد وعن المركب التام فلايتصف بالفصاحة والبلاغة بالنظر لذاته بل قد يوصف بها بالنظر لمفرداته.
والصحيح أن المراد بالكلام مايقابل المفرد، حقيقة "وهو اللفظة الواحدة المفردة" أو حكماً "وهو المركب الناقص"، فالمركب الناقص على هذا داخل في المفرد؛ لأن المفرد يطلق على ما يقابل المركب، وعلى ما يقابل المثنى والمجموع وعلى ما يقابل الكلام، ومقابلة المفرد ههنا بالكلام قرينة دالة على أنه أريد به ما ليس بكلام تام الإفادة، فيكون المركب الناقص داخلًا فيه -أي في المفرد.
بليغة1.
1 إذالم يسمع ذلك عن العرب، وهذا هو التعليل الصحيح. وبعضهم يعلل لهذا بأن البلاغة إنما هي باعتبار المطابقة لمقتضى الحال وهي لا تتحقق في المفرد، وورد على هذا التعليل بأن عدم تحقق المطابقة لمقتضى الحال في المفرد إنما هو في بلاغة الكلام والمتكلم، فلم لا يجوز أن تكون هناك بلاغة أخرى غير المطابقة يصح وجودها في الكلمة؟
الفصاحة1:
أما فصاحة المفرد2 فهي خلوصه3 من تنافر الحروف والغرابة ومخالفة القياس اللغوي:
1 هي في اللغة تنبئ التزامًا عن الظهور والإبانة "راجع ص353 من الدلائل" يقال: فصح الأعجمي وأفصح: إذا انطلق لسانه وخلصت لغته من اللكنة وجادت فلم يلحن، وأفصح به أي صرح، وفصح اللبن إذا أخذت رغوته وذهب لباؤه، قال أبو محجن الثقفي أو نضلة السلمي:
رأوه، فازدروه، وهو خرق
…
وينفع أهله الرجل القبيح
فلم يخشوا مصالته عليهم
…
وتحت الرغوة اللبن الفصيح
2 بدأ بذكر أقسام الفصاحة وتعريف كل قسم منها على حدة دون أن يعرفها في نفسها على الإطلاق لتعذر جمع المعاني المختلفة غير المشتركة في أمر يعمها في تعريف واحد.. وقدم الكلام على الفصاحة قبل البلاغة؛ لأن معرفة البلاغة سواء كانت بلاغة كلام متكلم موقوفة على معرفة الفصاحة في الجملة "إذ لا دخل لفصاحة المتكلم في بلاغة الكلام أو المتكلم"، لكون الفصاحة مأخوذة في تعريف البلاغة، ولهذا أيضًا قدم فصاحة المفرد على فصاحة الكلام والمتكلم، أما توقف فصاحة الكلام على فصاحة المفرد فظاهر، وأما توقف فصاحة المتلكم عليه فبواسطة أخذ فصاحة الكلام المتوقف عليها في فصاحة المفرد.. هذا وعيب المفرد أما في مادته أي حروفه وهو التنافر أو في صورته وهو المخالفة للقياس اللغوي المستنبط من استقراء اللغة "فالقياس اللغوي هو الضابط المتقرر من استعمالات العرب وهو القياس الصرفي"، وأما من دلالته على معناه وهو الغرابة.
3 تفسير الفصاحة بالخلوص من هذه العيوب لا يخلو عن تسامح؛ لأن الفصاحة تحصل عند الخلوص؛ لأنها هي كون الكلمة جارية على القوانين الصرفية متناسبة الحروف كثيرة الاستعمال، ويلزم من ذلك الخلوص، وبتفصيل أدق أقول: الفصاحة هي كون اللفظ جاريا على القوانين المستنبطة من استقراء كلام العرب كثير الاستعمال على ألسنة العرب الموثوق بعربيتهم.
فالتنافر1:
منه ما تكون الكلمة بسببه متناهية في الثقل على اللسان وعسر النطق بها، كما روي أن أعرابيًّا سئل عن ناقته فقال: تركتها ترعى الهعخع2.
1 هو وصف في الكلمة يوجب ثقلها على اللسان وعسر النطق بها، والحكم في التنافر هو الذوق، وهو قوة يدرك بها لطائف الكلام ووجوه تحسينه، فكل ما يعده الذوق الصحيح ثقيلًا متعسر النطق به فهو متنافر سواء كان من قرب المخارج أو بعدها أو غير ذلك، وقد صرح بذلك ابن الأثير في "المثل السائر". وقال الزوزني: أن قرب المخارج سبب للثقل المخل بالفصاحة، وأن في قوله تعالى:{أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ} ثقلًا قريبًا من التناهي فيخل بفصاحة الكلمة، ولكن الكلام الطويل المشتمل على كلمة غير فصيحة لا يخرج عن الفصاحة، كما لا يخرج الكلام الطويل المشتمل على كلمة غير عربية عن أن يكون عربيًّا. ورد رأي الزوزني بما يأتي:
1 أن فصاحة الكلمات مأخوذة في تعريف فصاحة الكلام من غير تفرقة بين طويل وقصير.
2 وأن الزوزني يرى أن الكلام ما ليس بكلمة، وحينئذ فالقول بوجود كلمة غير فصيحة في كلام فصيح أكثر فسادًا من ذلك القول على تفسير غيره، فالفساد لازم لكلام الزوزني في المركب التام وفي المركب الناقص إذا اشتمل كل منهما على كلمة غير فصيحة، أما على قول غير الزوزني وهو الشارح "السعد" فالفساد في المركب التام فقط؛ لأنه يجعل المركب الناقص داخلًا في الكلمة.
3 على أن القياس على الكلام العربي ظاهر الفساد؛ لأن القرآن عربي باعتبار كله أو جله، وأيضًا فلم يشترط في عربية الكلام عربية الكلمات.
4 ولو سلم عدم خروج السورة عن الفصاحة مع اشتمالها على كلمة غير فصيحة، فإن مجرد اشتمال القرآن على كلام غير فصيح بل على كلمة فصيحة مما يقود إلى نسبة الجهل أو العجز لله.
2 هي اسم شجرة من شجر الصحراء، وتنطق الكلمة بصور كثيرة، وقيل أنها كلمة معاياة لا أصل لها في اللغة.
ومنه ما هو دون ذلك كلفظ مستشزر في قول امرئ القيس:
غدائره مستشزرات إلى العلا
…
تضل العقاص في مثنى ومرسل1
والغرابة:
أن تكون الكلمة وحشية لا يظهر معناها، فيحتاج في معرفته
1 من معلقة امرئ القيس أمام الشعراء الجاهليين التي مطلعها:
قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل
…
بسقط اللوى بن الدخول فحومل
وقبل هذا البيت:
وفرع يزين المتن أسود فاحم
…
أثيث كقنو النخلة المتعثكل
الفرع: الشعر التام. المتن: ظهر المرأة. أثيث: كثير. قنو النخلة: عنقودها. المتعكثل: المتراكم. الغدائر: الذوائب، جمع غديرة. والضمير فيها عائد إلى الفرع في البيت الأول. مستشزرات أي مرتفعات إن كان بكسر الزاي على لفظ اسم الفاعل، أو مرفوعات إن روي بالفتح على لفظ اسم المفعول، استشزره أي رفعه متعديًا، واستشزر أي ارتفع لازمًا. تضل: تغيب وتختفي. العقاص: جمع عقيصة وهي الخصلة المجموعة من الشعر. المثنى: المفتول. المرسل: خلاف المثنى.
والمعنى: أن ذوائبه مشدودة على الرأس وأن شعره مقسم إلى عقاص ومثنى ومرسل والأول يغيب في الأخيرين. والمراد وصف الشعر بالكثافة والكثرة والطول.. والشاهد هنا قوله مستشزرات فهو لفظ متنافر ثقيل على اللسان، ولكنه أقل ثقلًا من "الهعخع".. وقال الخلخالي: أن سبب الثقل في مستشزرات راجع إلى توسط الشين التي هي من الحروف المهموسة "وهي عشرة يجمعها قولهم: سكت فحثه شخص. وما عداها فحروف مجهورة" الرخوة "وهي ما عدا الحروف الشديدة التي يجمعها قولهم: أجد قط بكت، وما عدا الحروف المتوسطة التي يجمعها قولهم: لن عمر"، بين التاء التي هي من المهموسة الشديدة وبين الزاي التي من المجهورة الرخوة، ولو قال: مستشرف لزال الثقل.
ورد رأي الخلخالي بأن الراء المهملة أيضًا هي من الحروف المجهورة.. ومن الألفاظ المتنافرة: أطلخم بمعنى اشتد، ومثعنجر: للسائل من الماء أو الدمع.
إلى أن ينقر1 عنها في كتب اللغة المبسوطة، كما روي عن عيسي بن عمر2 النحوي أنه سقط عن حماره، فاجتمع عليه الناس، فقال: ما لكم تكأكأتم علي تكأكؤكم على ذي جنة افرنقعوا عني، أي اجتمعتم تنحوا.
أو يخرج لها وجه بعيد3 كما في قول العجاج4:
ومقلة وحاجبًا مزججا
…
وفاحما ومرسنا مسرجا
1- ينقر: أن ينقش. والكلمة الوحشية هي التي لا تكون مأنوسة الاستعمال عند العرب الخلص من سكان البادية، لا بالنسبة للمولدين.
2-
عالم جليل من ثقيف ومن أئمة النحو واللغة ومن المتقعرين في كلامهم توفي عام 150هـ، وتروى هذه القصة عن أبي علقمة النحوي حين هاجت به مرة ببعض طرق البصرة فوثب عليه قوم يعضون إبهامه ويؤذنون في أذنه، وكان أبو علقمة نحويًّا مغربًا في ألفاظه.
وقوله: ذي جنة، أي صاحب جنون.
3-
سبب هذا التخريج هو عدم ظهور معنى الكلمة، وسبب التقبيس والتنقير عن الكلمة في المعاجم هو وحشيتها.
وما يحتاج إلى تخريج يعده بعض البلاغيين من التعقيد، والبعض يجعله خطأ، وكلا الوجهين غير صحيح؛ لأن الوارد من هذا الباب إنما مورد من عربي موثوق بعربيته فلا يعد خطأ، كما أن هنا فرقا بين هذا الباب وبين التعقيد؛ لأن التعقيد فيه خطأ ناشئ، عن عدم ظهور الدلالة على المراد. وهنا لا خطأ ولا خفاء في الدلالة فلا تعقيد.
4-
شاعر راجز مشهور أدرك الدولة الأموية. والبيت من أرجوزة العجاج "ما هاج أحزانًا وشجوًا قد شجا". وفي أسرار البلاغة ص48 ذكره عبد القاهر مع الاستعارات القبيحة "في قوله: ومرسنا".. المقلة: العين. مزججا: مدققًا مطولًا. فاحما: أي شعرًا أسود كالفحم. المرسن: الأنف
…
والشاهد في البيت في قوله مسرجًا فإنه غير ظاهر المعنى. إذ أن العلماء قد اختلفوا في معناه. والحاصل أن مسرجًا اسم مفعول مشتق فلا بد له من أصل يرجع إليه فقيل هو:
1 فعل "بالتشديد" للنسبة مثل كرمته أي نسبته للكرم.
ولما لم يوجد التسريج الذي حق النسبة أن تكون إليه جعلنا مسرجًا منسوبًا للسرج أو للسريجي نسبة تشبيهية أي هو منسوب لهما من حيث أنه شبيه بهما. ووجه بعد هذا التخريج أن مجرد النسبة لا يدل على التشبيه.
2 وقيل أنه من فعل بتشديد العين بمعنى صيرورة فاعله كأصله مثل قوس الرجل أي صار كالقوس، فمسرج أي صائر كالسراج أو كالسريجي.. وهذا مردود بأن سرج على هذا لازم فلا يصاغ منه اسم مفعول.
3 وقيل أنه من فعل بمعنى صيرورة فاعله أصله أو صيرورته ذا أصله مثل عجزت المرأة أي صارت عجوزًا وورق الشجر صار ذا ورق، فمسرج أي صار سراجًا أو سريجًا أي مثل أحدهما أو صار ذا سراج وهذا مردود بما يرد به الوجه السابق.
4 وقيل هو اسم مفعول من سرج الله وجهه أي نوره وبهجه، فمعنى مسرج: منور، فليس فيه نسبة تشبيهية، وهذا وإن لم يكن غريبًا من حيث عدم احتياجه لتخريج بعيد، لكنه بعيد من حيث أنه يحتاج إلى تفتيش عليه في كتب اللغة المبسوطة.
فإنه لم يعرف ما أراد بقوله "مسرجًا"، حتى اختلف في تخريجه: فقيل هو من قولهم للسيوف: سريجية، أي منسوبة إلى قين1 يقال له "سريج"، يريد أنه في الاستواء والدقة كالسيف السريجي، وقيل: من السراج، يريد أنه في البريق كالسراج2. وهذا يقرب من قولهم: سرج وجهه أي حسن، وسرج الله وجهه أي بهجه وحسنه3.
1 القين: الحداد.
2 هذان التخريجان هما حاصل الوجه الأول الذي سبق ذكره والذي سبق بيان ما عليه من رد.
3 أي أن الوجه المذكور قريب من هذا الوجه الثاني في أن كلا منهما غريب والكلمة عليهما غير ظاهرة المعنى، وهذا التخريج الثاني هو الوجه الرابع الذي سبق ذكره، ورد بأنه يحتاج إلى تفتيش على معناه فهو غريب. وقال الإمام المرزوقي: أن مسرجًا لفظ مستحدث من السراج أي أنه لفظ أحدثه المولدون وأخذوه من السراج واستعملوه بمعنى حسن ولم يكن ذلك اللفظ واقعًا في لغة العرب أصلًا، ويرد عليه أن العجاج قبل عصر التوليد والاستحداث.
ووجه القرب بين الوجهين المذكورين أن مسرجًا عليهما مشتق من سرج، لكن على الوجه الأول مشتق منه للنسبة التشبيهية، وعلى الوجه الثاني مشتق منه اشتقاقًا لغويًّا لا على إفادة النسبة التشبيهية.
ومخالفة القياس1:
كما في قول الشاعر2:
الحمد لله العلي الأجلل
…
"أنت مليك الناس ربا فاقبل"
قإن القياس الأجل بالإدغام.
وقيل هي:3 خلوصه مما ذكر4، ومن الكراهة في السمع5
1 هو أن تكون الكلمة على خلاف قانون مفردات الألفاظ الموضوعة، أعني على خلاف ما ثبت عن الواضع، فالموافقة للقياس أن تكون الكلمة على وفق ما ثبت عن الواضع سواء وافقت القانون التصريفي أم خالفته ولكن ثبتت عن الواضع كذلك، والمخالفة أن تكون الكلمة على خلاف ما ثبت عن الواضع سواء خالفت القانون الصرفي أيضًا أم لا، فنحو آل وماء وأبي يأبي وعور يعور فصيح؛ لأنه ثبت عن الواضع كذلك.
2 هو أبو النجم الراجز المشهور. وهذا الشاهد في الكتاب لسيبويه صحيفة 302 من الجزء الثاني وروايته فيه هكذا: الحمد لله الوهوب المجزل.
ومثل البيت قول الشاعر:
مهلًا أعاذل قد جربت من خلقي
…
أني أجود لأقوام وإن ضننوا
3 أي فصاحة المفرد.
4 أي من التنافر والغرابة ومخالفة القياس.
5 وهذا القول لابن الأثير في "المثل السائر". قال: الألفاظ داخلة في حيز الأصوات، فما استلذه السمع منها فهو الحسن، وما استكرهه فهو القبيح "راجع ص58 المثل السائر"، وهو رأي أشار إليه ابن سنان الخفاجي في سر الفصاحة ص61.
بأن تمج الكلمة ويتبرأ من سماعها كما يتبرأ من سماع الأصوات المنكرة. فإن اللفظ من قبيل الأصوات، والأصوات منها ما تستلذ النفس سماعه ومنها ما تكره سماعه، كلفظ الجرشي في قول أبي الطيب:
"مبارك الاسم أغر اللقب"
…
كريم الجرشي شريف النسب1
أي كريم النفس، وفيه2 نظر.
ثم علامة كون الكلمة فصيحة، أن يكون استعمال العرب الموثوق بعربيتهم لها كثيرًا، أو أكثر من استعمالهم ما بمعناها3.
1- من قصيدة يمدح بها المتنبي سيف الدولة.. الأغر من الخيل: الأبيض الجبهة، ثم استعير لكل واضح. الجرشي: النفس. والمعنى أن اسم سيف الدولة علي وهو اسم جميل ميمون ولقبه لقب واضح مشهور، وهو كر يم النفس عظيم الحسب، شريف النسب.. والشاهد الجرشي فإنها لفظ غير فصيح، لكراهته في السمع كما يقول هذا القائل، أو لغرابته على رأي من عداه من البلاغيين والبيت في ص62 من سر الفصاحة.
2-
أي في هذا القول وهو أن تكون كراهة الكلمة في السمع سببًا لعدم فصاحتها.. ووجه النظر كما قالوا هو ما يأتي:
1 أن الكراهة في السمع إنما هي من جهة الغرابة المفسرة بالوحشية مثل تكأكأتم، وافرنقعوا، ونحو ذلك.
2 وأن الكراهة في السمع وعدمها يرجعان إلى عدم طيب النغم أو إلى طيبه لا إلى نفس اللفظ. ويمكن رد هذا الوجه الثاني بالقطع باستكراه الجرشي دون "النفس" مع قطع النظر عن النغم.
3-
هذا منقول عن السكاكي "ص176 من المفتاح". وخلاصته: أن فصاحة الكلمة تعرف بأحد أمرين:
1 أن تكون هذه الكلمة كثيرة الاستعمال عند العرب الموثوق بعربيتهم: إذا لم يكن لها مرادف.
2 أو أن تكون هذه الكلمة أكثر استعمالًا عندهم من الكلمات الأخرى المرادفة لها المشتركة معها في المعنى وهذا فيما إذا كان للكلمة مرادف.
وأما فصاحة الكلام:
فهي خلوصه من ضعف التأليف وتنافر الكلمات والتعقيد، مع فصاحتها.
فالضعف1:
كما في قولنا ضرب غلامه زيدًا، فإن رجوع الضمير إلى المفعول المتأخر لفظًا ممتنع عند الجمهور، لئلا يلزم رجوعه إلى ما هو متأخر لفظًا ورتبة.
1 هو أن يكون تأليف الكلام على خلاف القانون النحوي المشهور بين الجمهور كالإضمار قبل الذكر لفظًا ومعنى وحكمًا، نحو ضرب غلامه زيدًا، فلو تقدم المرجع على الضمير لفظًا "بأن يتقدم عليه لفظًا ورتبة مثل ضرب زيد غلامه أو لفظًا فقط مثل ضرب زيدًا غلامه"، أو تقدم معنى بأن يتقدم المرجع على الضمير لفظًا لكن هناك ما يدل على تقدمه معنى، كالفعل المتقدم الدال على المرجع تضمنا نحو اعدلوا هو أقرب للتقوى، وكسياق الكلام المستلزم له استلزامًا قريبا نحو ولأبويه أي المورث أو بعيدًا نحو توارت بالحجاب أي الشمس، وكون المرجع فاعلًا المتقضى لتقدمه على المفعول نحو خاف ربه عمر، أو مبتدأ المقتضى لتقدمه على الخبر مثل في داره زيد، أو مفعولًا أول في باب أعطى مثل أعط درهمه زيدًا، أو تقدم حكمًا، بأن يتأخر لمرجع عن الضمير لفظًا وليس هناك ما يقتضي ذكره قبله إلا حكم الواضع بأن المرجع يجب تقدمه، لكن خولف حكم الواضع لأغراض تأتي في بحث وضع المضمر موضع المظهر. فالمرجع المتأخر لغرض متقدم حكمًا مثل: ربه رجلًا، ونعم رجلًا زيد، وقل هو الله أحد. وفي باب التنازع مثل ضربني وضربته محمد وباب البدل والمبتدأ المفسر بالخبر.
نعم لو تقدم المرجع في كل ذلك جاز ولا يكون هناك ضعف ولا يضر ذلك بفصاحة الكلام.. وقد أشار السكاكي إلى ضعف التأليف في المفتاح ص94.
وقيل يجوز1، كقول الشاعر2:
جزى ربه عنه عدي بن حاتم
…
جزاء الكلاب العاويات، وقد فعل3
وأجيب عنه بأن الضمير لمصدر جزى، أي "جزى"، رب الجزاء4 كما في قوله تعالى:{اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} ، أي العدل.
1 أي يجوز رجوع الضمير إلى المفعول المتأخر لفظًا.
2 هو النابغة الذبياني الشاعر الجاهلي المشهور، كما في الخصائص لابن جني.
3 يدعو الشاعر على عدي بأن يجزيه شرًّا كجزاء الكلاب العاويات التي تضرب وترمى بالحجارة، ثم يقول الشاعر. بل قد حصل هذا الجزاء فعلًا وأصبح حقيقة لا دعاء. والشاهد في البيت قوله:"جزى ربه عني عدي بن حاتم"، فقد رجع الضمير إلى المفعول المتأخر في اللفظ كما هو متأخر في الرتبة.
ومثل هذا البيت قول سليط بن سعد:
جزى بنوه أبا الغيلان عن كبر
…
وحسن فعل كما يجزى سنمار
ومثله:
ألا ليت شعرى هل يلومن قومه
…
زهيرا على ما جرى من كل جانب
وفي معنى البيت قول النابغة:
جزى الله عبسًا عبس آل بغيض
…
جزاء الكلاب العاويات وقد فعل
ومن ضعف التأليف:
فلو أن مجدًا أخلد الدهر واحدًا
…
من الناس أبقى مجده الدهر "مطعما".
4 في هذا تكلف وحمل للأسلوب على ما لا يفيده وإن كان أخف من حمل البيت على ضعف التأليف.
والتنافر1:
منه ما تكون الكلمات بسببه متناهية في الثقل على لسان وعسر النطق بها متتابعة، كما في البيت الذي أنشده الجاحظ2:
وقبر حرب بمكان قفر
…
وليس قرب قبر حرب قبر3
ومنه ما هو دون ذلك كما في قول أبي تمام:
كريم متى أمدحه والورى معي
…
"وإذا ما لمته لمته وحدي4".
1 هو أن تكون الكلمات ثقيلة على اللسان وإن كان كل منها فصيحة.
2 البيت في دلائل الإعجاز ص46 مع تعليق لعبد القاهر عليه..
وهو لا يعرف قائله.
3 حرب: اسم رجل. القفر: الخالي من الماء والكلأ.. ويقول القزويني الرحالة في "عجائب المخلوقات: أن هاتفًا من الجن صاح بحرب ابن أمية فمات فرثاه ذلك الجني بهذا البيت.. قوله "قفر" بالرفع نعت مقطوع. والبيت خبر مراد منه التأسف والتحزن.
4 الواو في "والورى" للحال، وهو مبتدأ، وخبره "معي".. يقول أبو تمام في ممدوحه: هو كريم في خلقه ومعروفه، إذا ما مدحته كان الورى كلهم معي يمدحون ويشيدون أو يسمعون ويؤيدون، وإذا ما أردت لومه على تأخير معروف أو على شبه ذلك وقفت وحدي لا يشاركني في ذلك أحد ولا يؤيدني فيه إنسان.. والبيت في ص46 من دلائل الإعجاز، وذكر الصاحب إسماعيل بن عباد الكاتب أنه أنشد القصيدة التي منها هذا البيت بحضرة الأستاذ ابن العميد الوزير، فلما بلغ هذا البيت قال له الأستاذ: هل تعرف فيه شيئًا من الهجنة؟ قال: نعم مقابلة المدح باللوم وإنما يقابل بالذم أو الهجاء، فقال الأستاذ: غير هذا أريد، فقال: لا أدري غير ذلك، فقال الأستاذ: هذا التكرير في أمدحه أمدحه مع الجمع بين الحاء والهاء وهما من حروف الحلق خارج حد الاعتدال نافر كل النفار، فأشاد الصاحب بذوقه ونقده.
فإن في قوله: أمدحه "أمدحه" ثقلًا لما بين الحاء والهاء من التنافر1.
والتعقيد2:
أن لا يكون الكلام ظاهر الدلالة على المراد به وله3 سببان: أحدهما ما يرجع إلى اللفظ وهو أن يختل نظم4 الكلام. ولا يدري
1 وهناك فرق آخر بين البيت والبيت الذي قبله، وهو أن منشأ الثقل في الأول نفس اجتماع الكلمات وفي البيت الثاني اجتماع حروف منها. ومجموع الحروف التي في الكلمتين والتي حصل الثقل باجتماعها أربعة وهي: الحاءان والهاءان، فما ذكر من مجموع الحروف التي حصل الثقل باجتماعها حاصل مع تكرير أمدحه، ولو قال وفي الثاني تكرير حروف منها لكان أوضح وأخضر. أما ثقل مجرد الجمع بين الحاء والهاء فلا يخل بالفصاحة لوقوعه في التنزيل كما في قوله "فسبحه".
2 أي كون الكلام معقدًا فهو مصدر المبني للمفعول لا للفاعل، والمراد بأنه مصدر المبني للمفعول الحاصل بالمصدر أي الهيئة المترتبة عليه. وتجد الكلام في التعقيد في "أسرار البلاغة ص118، وفي دلائل الإعجاز ص65، وفي المفتاح ص176".
3 أي عدم ظهور المعنى المراد منه للمتكلم، أما الغرابة فهي كون اللفظ غير ظاهر الدلالة على المعنى الموضوع له، وأما اللغز والمعمى: فقيل هما غير فصيحين مطلقًا ولا يعدان من البديع لعدم ظهور الدلالة، وقيل أن الدلالة فيهما إن كانت ظاهرة للفطن فهما فصيحان ويعدان من البديع وإلا فلا. واللغز والمعمى بمعنى وهو قول يدل ظاهره على خلاف المراد.
4 النظم هو تأليف الكلمات مترتبة المعاني متناسقة الدلالات على حسب ما يقتضيه العقل لا تواليها في النطاق وضم بعضها إلى بعض كيفما اتفق، بخلاف نظم الحروف فإنه تواليها في النطق من غير اعتبار معنى يقتضيه "راجع دلائل الإعجاز ص40 و45".
السامع كيف يتوصل منه إلى معناه1، كقول الفرزدق2:
وما مثله في الناس إلا مملكًا
…
أبو أمه حي أبوه يقاربه
إلا مملك أبو أمه أبوه، فإنه مدح إبراهيم بن هشام بن إسماعيل المخزومي3 خال هشام بن عبد الملك بن مروان، فقال وما مثله -يعني إبراهيم الممدوح- في الناس، حي يقاربه -أي أحد يشبهه في الفضائل- إلا مملكًا يعني هشامًا، أبو أمه -أي أبو أم هشام- أبوه -أي أبو الممدوح- فالضمير في أمه للملك، وفي أبوه للممدوح، ففصل بين أبو أمه -وهو مبتدأ- وأبوه -وهو خبره- بحي -وهو أجنبي-، وكذا فصل بين حي ويقاربه وهو نعت حي -بأبوه- وهو أجنبي، وقدم المستثنى على المستثنى منه4، فهو كما تراه في غاية التعقيد.
1 بأن لا يكون ترتيب الألفاظ على وفق ترتيب المعاني، بسبب تقديم أو تأخير أو حذف أو إضمار أو غير ذلك، مما يوجب صعوبة فهم المراد، وإن كان ذلك في الكلام جاريًا على قواعد النحو.. فإن سبب التعقيد يجوز أن يكون اجتماع أمور كل منها شائع الاستعمال في كلام العرب، ويجوز أن يكون التعقيد حاصلًا ببعض منها لكنه مع اعتبار الجميع يكون أشد وأقوى، فذكر ضعف التأليف لا يغني عن ذكر التعقيد اللفظي كما توهمه البعض.
2 هو الشاعر الأموي المشهور قرين جرير والأخطل توفي عام 110هـ. والبيت في 15 و56 أسرار البلاغة، 76 مفتاح، 65 دلائل الإعجاز، 154 و197 الصناعتين، قال ابن عبد ربه في العقد: معناه ما مثل هذا الممدوح في الناس إلا الخليفة الذي هو خاله، فقال أبو أمه حي أبوه يقاربه، فبعد المعنى القريب ووعر الطريق السهل، وليس المعنى بتوعر اللفظ وقبح البنية حتى ما يكاد ينفهم "13/ 4 العقد".
3 من الأمراء الأشراف السادة الفرسان توفي عام 125هـ وهشام أحد الخلفاء الأمويين المشهورين.
4 ما نافية، "مثله" اسمها، "في الناس" خبرها. مملكًا: مستثنى مقدم منصوب على الاستثناء. أبو أمه: مبتدأ ومضاف إليه، وحي بدل من مثله، ففيه أيضًا فصل بين البدل والمبدل منه، أبوه خبر المبتدأ، يقاربه صفة لحى، ويصح أن يكون "مملكًا" مستثنى من الضمير المستثنى في الجار والمجرور الواقع خبر ما. وأبو أمه مبتدأ خبره حي، وأبوه خبر بعد خبر، والجعلة صفة لمملكًا، وكذلك جملة يقاربه وعلى هذا الوجه فلا تعقيد في البيت، ولكن في حمله عليه تكلف شديد.
فالكلام الخالي من التعقيد اللفظي ما سلم نظمه من الخلل، فلم يكن فيه ما يخالف الأصل من تقديم أو تأخير أو إضمار أو غير ذلك، إلا وقد قامت عليه قرينة ظاهرة، لفظية أو معنوية، كما سيأتي تفصيل ذلك كله وأمثلته اللائقة به1.
والثاني ما يرجع إلى المعنى، وهو ألا يكون انتقال الذهن من المعنى الأول إلى المعنى الثاني -الذي هو لازمه والمراد به- ظاهرًا2 كقول العباس بن الأحنف:
1 قال الخلخالي: ذكر ضعف التأليف يغني عن ذكر التعقيد اللفظي. وأجيب بأنه يجوز أن يحصل التعقيد باجتماع عدة أمور موجبة لصعوبة فهم المراد وإن كان كل واحد منها جاريًا على القانون النحوي مثل إلا عمرًا الناس ضرب زيد. وينفرد ضعف التأليف في مثل جاءني أحمد، ويجتمع الضعف والتعقيد في بيت الفرزدق، فبينهما عموم وخصوص من وجه
…
وهذا ومن التعقيد اللفظي قول أبي تمام:
ثانيه في كبد السماء، ولم يكن
…
كاثنين ثان إذ هما في الغار
وقول المتنبي:
أنى يكون أبا البرايا آدم
…
وأبوك والثقلان أنت محمد
وتركيب البيت الصحيح: أنى يكون آدم أبا البرايا وأبوك محمد وأنت الثقلان، وكذلك قول الفرزدق:
إلى ملك ما أمه من "محارب"
…
أبوه ولا كانت "كليب" تصاهره
أي: إلى ملك أبوه ما أمه من محارب ولا كانت تصاهره كليب.
2 أي أن لا يكون الكلام ظاهر الدلالة على المراد لخلل واقع في انتقال الذهن -أي بسبب بطء نفس السامع في انتقالها- من المعنى الأول الذي هو المعنى الأصلي الحقيقي للكلام إلى المعنى الثاني الملابس له وهو المعنى الكنائي أو المجازي. والحاصل أن من شروط فصاحة الكلام أن يسلم من التعقيد المعنوي بأن لا يكون ما فيه من كناية أو مجاز بعيدًا عن الفهم والوضوح: فإن من شروط فصاحة الكناية والمجاز قرب فهم المعنى الثاني من أصله الحقيقي، وإلا كانا غير فصيحين بحيث يفتقر في فهمه إلى وسائط مع خفاء القرينة، فالمدار في صعوبة الفهم على خفاء القرينة كثرت الوسائط أو لا، وخفاء القرائن أو عدم خفائها بحسب جريان الكلام على أسلوب البلغاء أو عدم جريانه، وسبب الخفاء إيراد اللوازم البعيدة المفتقرة إلى الوسائط الكثيرة مع خفاء القرائن الدالة على المقصود بسبب عدم جريان الكلام على أسلوب البلغاء، فلو كانت القرينة ظاهرة فلا خلل تعددت الوسائط أم لا. هذا وتجد الكلام على التعقيد المعنوي في دلائل الإعجاز صحيفة 207.
سأطلب بعد الدار عنكم لتقربوا
…
وتسكب عيناي الدموع لتجمدا1
كنى بسكب الدموع عما يوجبه الفراق من الحزن، وأصاب؛ لأن من شأن البكاء أن يكون كناية عنه، كقولهم: أبكاني وأضحكني أي ساءني وسرني، وكما قال الحماسي2:
1 العباس شاعر عباسي، غزل مجيد. والبيت في 208 دلائل الإعجاز، وتعليق الخطيب على البيت مأخوذ من عبد القاهر في دلائل الإعجاز. وتسكب في البيت بالرفع وهو الصحيح، ونصبه على العطف على "بعد" أو على "لتقربوا" وهم، ومعنى البيت: أني اليوم أطيب نفسًا بالفراق والبعد، وأوطنها على مقاساة الأحزان والأشواق، وأتجرع غصصها وأتحمل لأجلها حزنًا يفيض الدموع من عيني؛ لأتسبب بذلك إلى وصل يدوم فإن الصبر مفتاح الفرج ولكل بداية نهاية ومع كل عسر يسرًا، كما يشير إليه عبد القاهر في دلائل الإعجاز
…
وعلى هذا فالسين في "سأطلب" لمجرد التأكيد على ما ذكره صاحب الكشاف في قوله تعالى "سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا".
2 هو حطان بن المعلى، شاعر إسلامي مشهور. والبيت من السريع، وهو في الحماسة، وتجده أيضًا في دلائل الإعجاز "ص208" ومثل البيت قول مسلم:
أبكاني الدهر مما كان أضحكني
…
والدهر يخلط أحلاء بأمرار
وقول الخنساء:
ألا يا صخر إن أبكيت عيني
…
لقد أضحكتني زمنًا طويلًا
أبكاني الدهر ويا ربما
…
أضحكني الدهر بما يرضى
ثم طرد ذلك في نقيضه، فأراد أن يكنى عما يوجبه دوام التلاقي من السرور بالجمود، لظنه أن الجمود خلو العين من البكاء مطلقًا من غير اعتبار شيء آخر، وأخطأ1:
لأن الجمود خلو العين من البكاء في حال إرادة البكاء منها، فلا يكون كناية عن المسرة، وإنما يكون كناية عن البخل كما قال الشاعر2:
ألا إن عينًا لم تجد يوم "واسط"
…
عليك بجاري دمعها لجمود
ولو كان الجمود يلح أن يراد به عدم البكاء في حال المسرة لجاز أن يدعى به للرجل، فيقال: لا زالت عينك جامدة، كما يقال: لا أبكى الله عينك. وذلك مما لا يشك في بطلانه.
وعلى ذلك قول أهل اللغة: سنة "جماد" لا مطر فيها، وناقة جماد: لا لبن لها، فكما لا تجعل السنة والناقة جمادًا إلا على معنى أن السنة بخيلة بالقطر، والناقة لا تسخو بالدر، لا تجعل العين جمودًا.
1 لعدم فهم ذلك اللازم بسرعة من جمود العين ففيه مخالفة لموارد استعمال البلغاء؛ لأن تعارف البلغاء على خلافه، فهو مخطئ في نظر البلغاء وإن صح أن يكون لكلامه وجه من التأويل يحمل كلامه على ما يصححه بأن نقول: استعمل جمود العين الذي هو يبسها في حال خلوها من الدموع مطلقًا مجازًا مرسلًا من باب استعمال المقيد في المطلق، ثم كنى به عن دوام السرور لكونه لازمًا لذلك عادة، وهذا وان كان معنى صحيحًا إلا أن فيه بعدًا وتعقيدًا.
2 هو أبو عطاء يرثي ابن هبيرة وقد قتل في معركة يوم "واسط".
والبيت في ص208 من دلائل الإعجاز وهو من أبيات عزاها المرتضى لمعن بن زائدة.
ألا وهناك ما يقتضي إرادة البكاء منها، وما يجعلها إذا بكت محسنة موصوفة بأنها قد جادت، وإذا لم تبك مسيئة موصوفة بأنها قد ضنت.
فالكلام الخالي عن التعقيد المعنوي ما كان الانتقال من معناه الأول إلى معناه الثاني -الذي هو المراد به- ظاهرًا، حتى يخيل إلى السامع أنه فهمه من حاق اللفظ، كما سيأتي من الأمثلة المختارة للاستعارة والكناية.
وقيل فصاحة الكلام هو خلوصه مما ذكر1 ومن كثرة التكرار2 وتتابع الإضافات. كما في قول أبي الطيب "المتنبي":
"وتسعدني في غمرة بعد غمرة"
…
سبوح لها منها عليها شواهد3
وكما في قول ابن بابك4:
1 أي من الضعف والتنافر والتعقيد.
2 أي للفظ الواحد اسمًا كان أو فعلًا أو حرفًا.
3 سبوح: أي فرس حسن الجري لا تتعب راكبها كأنها تجري في الماء "لها" صفة لسبوح، و"منها" حال من شواهد، و"عليها" متعلق بشواهد، و"شواهد" فاعل الظرف -أعني "لها"- يعني أن لها من نفسها علامات دالة علي نجابتها وأصالتها. والغمرة: هي الشدة. قيل التكرار ذكر الشيء مرة بعد أخرى ولا يخفى أنه لا تحصل كثرته بذكره ثالثًا بل لا تحصل الكثرة إلا بذكره ست مرات فالتكرار ذكر الشيء مرتين وتعدده بالتربيع وكثرته بالتسديس، وأجيب بأن المراد بالكثرة ما يقابل الواحدة ولا يخفى حصولها بذكرة ثالثًا. والشاهد في البيت كثرة التكرار فيه.
4 من شعراء العصر العباسي. وله ترجمة في اليتيمة. مدح عضد الدولة والصاحب، وتوفي عام 410هـ.
حمامة جرعا حومة الجندل اسجعي
…
"فأنت بمرأى من سعاد ومسمع"1
وفيه نظر 2؛ لأن ذلك 3 أن أفضي باللفظ إلى الثقل على اللسان فقد حصل الاحتراز عنه بما تقدم4، وإلا فلا يخل بالفصاحة، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم:"الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم. يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم"5.
1 الشاهد في البيت كثرة الإضافات المتتابعة، ففيه إضافة حمامة إلى جرعى وجرعى إلى حومة، وحومة إلى الجندل.
والجرعى: تأنيث الأجرع قصرها للضرورة وهي أرض ذت رمل لا تنبت شيئًا. والحومة: معظم الشيء. الجندل: أرض ذات حجارة. السجع: هدير الحمام ونحوه. والمعنى أيتها الحمامة التي تعيش أو تحلق في هذا المكان غنى وأصدحي فأنت بحيث تراك سعاد المحبوبة وتسمع صوتك، يقال: فلان بمرأى مني ومسمع، أي بحيث أراه وأسمع قوله كما في الصحاح، ومن الخطأ أن يقال فأنت بموضع ترين منه سعاد وتسمعين كلامها.
ومثل البيت في تتابع الإضافات قول أبي العتاهية:
سبحان ذي الملكوت أي ليلة
…
مخضت بوجه صباح يوم الموقف
وقول مسلم:
ثاروا إلى صفق الشمول فأشعلوا
…
نيران حرب كؤوسها إشعالًا
2 أي في القول السابق الذي يجعل خلو الكلام من كثرة التكرار وتتابع الإضافات شرطًا لفصاحته.
3 أي كثرة التكرار وتتابع الإضافات.
4 أي بما سبق ذكره من التنافر.
5 يسمى هذا اللون في البديع "الإطراد". ووردت أيضًا مثل للتكرير وتتابع الإضافات غير معيبة، قال تعالى:{وَنَفْسٍ وَمَا سَوَاْهَا، فَأَلْهَمَهَا فُجُوْرَهَا وَتَقْوَاهَا} . وقال: {مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوْحً} . وقال: {ذَكْرُ رَحْمَةِ رَبِكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا} .
قال الشيخ عبد القاهر1: قال الصاحب2. إياك والإضافات المتداخلة، فإنها لا تحسن، وذكر أنها تستعمل في الهجاء، كقول القائل:
يا علي بن حمزة بن عماره
…
أنت والله ثلجة في خياره
ثم قال الشيخ3: ولا شك في ثقل ذلك في الأكثر، لكنه إذا سلم من الاستكراه ملح ولطف. ومما حسن فيه قول ابن المعتز4 أيضًا:
وظلت تدير الراح أيدي جآذر
…
عتاق دنانير الوجوه، ملاح5
ومما جاء فيه حسنًا جميلًا قول الخالدي6 يصف غلامًا له:
ويعرف الشعر مثل معرفتي
…
وهو على أن يزيد مجتهد
وصيرفي القريض وزان
…
دينار المعاني الدقاق، منتقد7
1 راجع هذا القول في ص82 من دلائل الإعجاز.
2 هو الصاحب بن عباد الوزير م 385هـ، والبيت الآتي يتهكم، فيه بعلي بن حمزة البصري اللغوي المتوفى عام 390هـ.
3 أي عبد القاهر أيضًا.
4 هو الخليفة العباسي الشاعر الأديب العالم الناقد، توفي عام 296هـ.
5 الراح: الخمر. جآذر: جمع جؤذر وهو ولد البقرة الوحشية.
6 سعيد بن هشام، من شعراء اليتيمة، رقيق الشعر مطبوع توفي عام 370هـ.
7 الصيرفي: المحتال في الأمور. المنتقد: الخبير بالدراهم الجيدة والزيوف ثم أطلق فصار بمعنى الخبير بالشيء مطلقًا. والمعنى هو مثلي في معرفة الشعر والبصر به ونظمه بل هو لديه القدرة على أن يكون أبرع مما هو فيه، وهو دقيق البصر بالشعر ناقد له يزن المعاني الدقيقة بموازين النقد التي لا تسرف فيه الحكم والتقدير.
..........................................................................
والشاهد في البيت كثرة الإضافات مع حسنها، وهو الشاهد في البيت السابق.
شواهد للإخلال بالفصاحة:
قال تأبط شرًّا:
يظل بموماة ويمسي بغيرها
…
جحيشًا ويعرورى ظهور المسالك
وقال حسان يرثي:
ولو أن مجدًا أخدل الدهر واحدًا
…
من الناس أبقى مجد هـ الدهر مطعما
وقال المتنبي:
كيف ترثي التي ترى كل جفن
…
راءها غير جفنها غير راق
وقال الفرزدق:
وإذا الرجال رأوا يزيد رأيتهم
…
خضع الرقاب نواكس الأبصار
وقال أبو تمام:
قد قلت لما أطلخم الأمر وانبعث
…
عشواء تالية غبسًا دهاريسا
لي حرمة بك أضحى حق نازلها
…
وقفا عليك، فدتك النفس، محبوسًا
وللمتنبي:
جفخت وهم لا يجفخون بها بهم
…
شيم على الحسب الأغر دلائل
وقال:
أقل، أنل، اقطع، احمل سل، أعد
…
زد، هش، بش، تفضل، سر أدن، صل
وقال الشاعر:
فأصبحت بعد خط بهجتها
…
كأن قفرًا رسومها قلما
وللمتنبي:
ومن جاهل بي وهو يجهل جهله
…
ويجهل علمي أنه بي جاهل
فقلقلت بالهم الذي قلقل الحشا
…
قلاقل عيس كلهن قلاقل
وقال الحريري:
غازور من كان له زائر
…
وعاف عافى العرف عرفانه
ولبشر بن عوانة أو للبديع في وصف الأسد:
فخر مضرجًا بدم كأني
…
هدمت به بناء مشمخرًّا
وقال المتنبي:
فلا يبرم الأمر الذي هو حالل
…
ولا يحلل الأمر الذي هو مبرم
وقال المتنبي:
أنى يكون أبا البرايا آدم
…
وأبوك والثقلان أنت محمد
قال امرؤ القيس في وصف الفرس:
وأركب في الروع خيفانة
…
كسا وجهها سعف منتشر
وقال أبو تمام:
جذبت نداء غدوة السبت جذبة
…
فخر صريعًا بين أيدي القصائد
وأما فصاحة المتكلم:
فهي ملكة "1" يقتدر بها على التعبير عن المقصود بلفظ فصيح. فالملكة قسم من مقولة الكيف التي هي هيئة قارة لا تقتضي قسمة ولا نسبة، وهو مختص بذوات الأنفس راسخ في موضوعه.
وقيل: ملكة. ولم يقل صفة، ليشعر بأن الفصاحة من الهيئات الراسخة، حتى لا يكون المعبر عن مقصوده بلفظ فصيح فصيحًا.
إلا إذا كانت الصفة التي اقتدر بها على التعبير عن المقصود بلفظ فصيح راسخة فيه.
وقيل يقتدر بها، ولم يقل بعبر بها، ليشمل حالتي النطق وعدمه: وقيل: بلفظ فصيح، ليعم المفرد والمركب2.
1 الملكة: كيفية راسخة في النفس.
2 أما المركب فظاهر. وأما المفرد فكما تقول عند التعداد: دار، غلام. جارية، ثوب. إلى غير ذلك.
البلاغة.
وأما بلاغة الكلام:
فهي مطابقته لمتقضى الحال1 مع فصاحته.
1 أي لجميع ما يقتضيه الحال على قدر الطاقة، فالمراد المطابقة الكاملة وقوله لمتقضى الحال أي لمناسب الحال لا موجبه، والمراد بمناسب الحال الخصوصيات التي يبحث عنها في علم المعاني دون كيفيات دلالة اللفظ التي يتكفل بها علم البيان إذ قد تتحقق البلاغة في الكلام بدون رعايتها بأن يؤدي الكلام الطابق بدلالات وضعية. نعم إذا أدى المعنى بدلالات عقلية مختلفة في الوضوح والخفاء فلا بد في بلاغة الكلام من رعاية كيفية الدلالة أيضًا.
والحال هو الداعي للمتكلم إلى إيراد الكلام على وجه مخصوص، أي إلى أن يعتبر مع الكلام الذي يؤدي به أصل المعنى خصوصية ما، وهي مقتضى الحال. مثلًا إنكار المخاطب للحكم حال يقتضي تأكيده، والتأكيد مقتضى الحال. ومعنى مطابقته له أن الحال إن اقتضى التأكيد كأن الكلام مؤكدًا وإن اقتضى الإطلاق كان الكلام عاريًا عن التأكيد، وهكذا إن اقتضى حذف المسند إليه حذفه وإن اقتضى ذكره ذكره، إلى غير ذلك من التفاصيل المشتمل عليها علم المعاني. فالإنكار حال، والتأكيد مقتضى، وقولك "إن زيدًا في الدار" مؤكدًا بأن كلام مطابق لمقتضى الحال، يعني أنه مشتمل عليه، إذ هذا المثال مشتمل على التأكيد، وليس المراد بكونه مطابقًا له أنه جزئي من جزئياته إذ لا يصدق عليه أي لا يحمل عليه، ضرورة أن مقتضى الحال هو التأكيد وهو لا يحمل على قولك أن زيدًا في الدار إذ لا يقال "إن زيدًا في الدار" تأكيد، فالمراد بالمطابقة هنا الاشتمال لا مصطلح المناطقة الذي هو الصدق.
والتحقيق أن مقتضى الحال هو الكلام الكلي المشتمل على الخصوصية، ومطابقة الكلام لذلك المقتضى كون الكلام الجزئي الصادر من المتكلم الملقى للمخاطب المشتمل على الخصوصية من أفراد ذلك الكلام الكلي الذي يقتضيه الحال، فإن ذلك المقتضى صادق عليه، فقولنا" إن زيدًا في الدار" مؤكدًا جزئي من جزئيات ذلك الكلام الكلي الذي يقتضيه الحال، الذي هو الإنكار المقتضى لكلام مؤكد بمطلق تأكيد لا بتأكيد مخصوص، فقولنا "أن زيدًا في الدار" مطابق له بمعنى أنه صادق عليه -أي بمعنى أن الكلام الكلي المؤكد الذي هو مقتضى الحال صادق ومحمول على هذا الجزئي لكونه جزئيًّا من جزئياته. فالبلاغة على هذا التحقيق مطابقة هذا الجزئي لذلك الكلي بمعنى كونه جزئيا من جزئياته بحيث يصح حمل مقتضى الحال عليه، فالكلام الجزئي مطابق "بكسر الباء" والكلام الكلي مطابق "بفتحها". هذا هو تحقيق السعد في مختصره، وإن كان قد حقق في كبيره أن التحقيق هو مذهب الجمهور الأول: من أن المقتضى هي الخصوصية والمطابقة هي الاشتمال. وهذا والحال على المذهبين واحد، وهو الأمر الداعي للمتكلم إلى أن يعتبر مع الكلام الذي يؤدي به أصل المراد خصوصية ما، سواء كان ذلك الأمر داعيًا له في نفس الأمر أو غير داع في نفس الأمر بل بتنزيل، فالحال هو الأمر الداعي مطلقًا. أما ظاهر الحال فهو الأمر الداعي في نفس الأمر لاعتبار المتكلم خصوصية ما، فهو أخص من الحال.
ومقتضى الحال مختلف. فإن مقامات الكلام متفاوتة1 فمقام التنكير يباين مقام التعريف2 ومقام الإطلاق يباين مقام التقييد3 ومقام التقديم يباين مقام التأخير4، ومقام الذكر يباين مقام الحذف، ومقام القصر يباين مقام خلافة، ومقام الفصل يباين مقام الوصل،
1 لأن الاعتبار اللائق بهذا المقام يغاير الاعتبار اللائق بذلك، وهذا عين تفاوت مقتضيات الأحوال؛ لأن التغاير بين الحال والمقام إنما هو بحسب الاعتبار، وهو أنه يتوهم في الحال كونه زمانًا لورود الكلام فيه، وفي المقام كونه محلًّا له.
2 فالمقام الذي يناسبه تنكير المسند إليه أو المسند يباين المقام الذي يناسبه التعريف.
3 أي مقام إطلاق الحكم أو التطبيق أو المسند إليه أو السند أو متعلقه يباين مقام تقييده بمؤكد أو أداة أو تابع أو شرط أو مفعول أو ما يشبه ذلك.
4 أي مقام تقديم المسند إليه أو متعلقاته يباين مقام تأخيره.
ومقام الإيجاز يباين مقام الإطناب والمساواة، وكذا خطاب الذكي يباين خطاب الغبي1.
وكذا لكل كلمة مع صاحبتها مقام 2.. إلى غير ذلك كما سيأتي تفصيل الجميع.
وارتفاع3 شأن الكلام في الحسن والقبول بمطابقته للاعتبار المناسب4، وانحطاطه بعدم مطابقته له.
فمتقضى الحال هو الاعتبار المناسب5
1 فإن مقام الأول يباين مقام الثاني؛ لأن الذكي يناسبه من الاعتبارات اللطيفة والمعاني الدقيقة الخفية ما لا يناسب الغبي.
2 راجع ص13 من المفتاح. وقوله ولكل كلمة أي كالفعل، مع صاحبتها أي كأداة الشرط مثل أن الشرطية إذ لها معها مقام ليس لذلك الكلمة مع ما يشارك تلك الصاحبة في أصل المعنى كذا الشرطية، فالفعل الذي قصد اقترانه بأداة الشرط له مع أن مقام ليس له مع إذا وكذلك من أدوات الشرط مع الماضي مقام ليس له مع المضارع، على أن المراد بالكلمة أداة الشرط وبصاحبتها الماضي وبمشارك الصاحبة الفعل المضارع. وهكذا ما يشبه ذلك فللفعل مع هل الاستفهامية مقام ليس له مع الهمزة، والمسند إليه مع المسند الفعلي له مقام معه ليس له مع المسند الاسمي الخ.
3 راجع ص73 من المفتاح تجد ما هنا مأخوذًا منه بالنص والمقصود من هذا بيان تعدد مراتب البلاغة، والحسن المراد منه الحسن الذاتي الداخل في البلاغة لا العرضي الخارج لحصوله بالمحسنات البديعية، والمراد بالقبول عند السامع. والمراد بالكلام الكلام الفصيح.
4 أي باشتماله على الأمر المعتبر المناسب لحال المخاطب، فكلما كان الاشتمال أتم كان الكلام أرفع وأعلى. فالمراد بالاعتبار المناسب الأمر الذي اعتبره المتكلم مناسبًا بحسب السليقة للعرب الخاص أو بحسب تتبع خواص تراكيب البلغاء لغيرهم.
5 يعني إذا علم أن ليس ارتفاع شأن الكلام الفصيح في الحسن الذاتي إلا بمطابقته للاعتبار المناسب على ما يفيده إضافة المصدر –لأنه مفرد مضاف لمعرفة فيعم والعموم في هذا المقام يستلزم الحصر.. فالمعنى كل ارتفاع فهو بالمطابقة. فالباء في قولنا: بمطابقته للسببية القريبة حتى يفيد العموم -ومعلوم أنه إنما يرتفع بالبلاغة التي هي عبارة عن مطابقة الكلام الفصيح لمقتضى الحال. فقد علم أن المراد بالاعتبار المناسب ومقتضى الحال واحد. فهما متحدان أو متساويان. فمقتضى الحال هو مناسب الحال لا موجبه.
وهذا -أعني تطبيق الكلام على مقتضى الحال- هو الذي يسميه الشيخ عبد القاهر بالنظم. حيث يقول: النظم تآخي معاني النحو فيما بين الكلم، على حسب الأغراض التي يصاغ لها الكلام.
فالبلاغة صفة راجعة إلى اللفظ باعتبار إفادته المعنى1 عند التركيب2.
وكثيرًا ما يسمى ذلك3 فصاحة أيضًا4. وهو مراد الشيخ
1 صرح عبد القاهر بأن وصف اللفظ بالفصاحة إنما هو من حيث أنه دال على المعنى "50 دلائل الإعجاز". والحاصل أنه إذا كانت البلاغة هي المطابقة والمطابقة صفة المطابق فتكون المطابقة راجعة للكلام من رجوع الصفة للموصوف. لكن رجوعها له باعتبار أفادته المعنى الحاصل بسبب التركيب، وهو المعنى الثاني الذي يعتبره البلغاء. وهو الخصوصيات التي يقتضيها الحال الزائد على أصل المراد. فالبلاغة إذا وصف بها المعنى كان المراد المعنى الثاني باعتبار أن المقصود من اللفظ إفادته. وإذا وصف بها اللفظ فهو باعتبار إفادته ذلك المعنى المقصود ونفيه عن اللفظ مراد به اللفظ المجرد عن المعنى والخصوصيات. ونفيها عن المعنى مراد به المعنى الأول للفظ الذي هو مجرد ثبوت المحكوم للمحكوم عليه.
2 لأن البلاغة عبارة عن مطابقة الكلام الفصيح لمقتضى الحال، فظاهر أن اعتبار المطابقة وعدمها إنما تكون باعتبار المعاني والأغراض التي يصاغ لها الكلام لا باعتبار الألفاظ المفردة والكلم المجردة.
3 أي الوصف المذكور.
4 كما يسمى بلاغة، فهما مترادفان، عن عبد القاهر حقيقة، وعلى شيء من التجوز عند الخطيب.
عبد القاهر بما يكرره في دلائل الإعجاز من أن الفصاحة صفة راجعة إلى المعنى دون اللفظ، كقوله في أثناء فصل منه:
علمت أن الفصاحة والبلاغة وسائر ما يجري في طريقهما أوصاف راجعة إلى المعاني، وإلى ما يدل عليه بالألفاظ، دون الألفاظ أنفسها.
وإنما قلنا مراده ذلك؛ لأنه صرح في مواضع من دلائل الإعجاز بأن فضيلة الكلام للفظه لا لمعناه، منها أنه حكى قول من ذهب إلى عكس ذلك فقال:"فأنت تراه لا يقدم شعرًا حتى يكون قد أودع حكمة أو أدبًا أو اشتمل على تشبيه غريب ومعنى نادر". ثم قال: "والأمر بالضد إذا جئنا إلى الحقائق وما عليه المحصلون؛ لأنا لا نرى متقدمًا في علم البلاغة مبرزًا في شأوها إلا وهو ينكر هذا الرأي"، ثم نقل عن الجاحظ في ذلك كلامًا منه قوله:"والمعاني مطروحة في الطريق يعرفها العجمي والعربي والقروي والبدوي1 وإنما الشأن في إقامة الوزن وتخير اللفظ وسهولة المخرج وصحة الطبع وكثرة الماء وجودة السبك".. ثم قال: "ومعلوم أن سبيل الكلام سبيل التصوير والصياغة، وأن سبيل المعنى الذي يعبر عنه سبيل الشيء الذي يقع التصوير فيه كالفضة والذهب يصاغ منهما خاتم أو سوار. فكما أنه محال إذا أردت النظر في صوغ الخاتم وجودة العمل ورداءته أن تنظر إلى الفضة الحاملة لتلك الصورة أو الذهب الذي وقع فيه ذلك العمل، كذلك محال إذا أردت أن تعرف كان الفضل والمزية في الكلام أن تنظر في مجرد معناه، وكما لو فضلنا خاتمًا بأن تكون فضة هذا أجود أو فضه أنفس لم يكن ذلك تفضيلًا له من حيث هو خاتم، كذلك ينبغي إذا فصلنا بيتًا على بيت من أجل معناه أن لا يكون ذلك تفضيلًا له من حيث هو شعر وكلام".
1- 340 جـ3 الحيوان.. وذلك في الصناعتين ص55.
هذا لفظه، وهو صريح في أن الكلام من حيث هو كلام لا يوصف بالفضيلة باعتبار شرف معناه، ولا شك أن الفصاحة من صفاته الفاضلة، فلا تكون راجعة إلى المعنى، وقد صرح فيما سبق بأنها راجعة إلى المعنى دون اللفظ.
فالجمع بينهما بما قدمنا بحمل كلامه حيث نفى أنها من صفات اللفظ على نفي أنها من صفات المفردات1 من غير اعتبار التركيب، وحيث أثبت أنها من صفاته على أنها من صفاته باعتبار إفادته المعنى عند التركيب.
وللبلاغة طرفان:
أعلى، إليه تنتهي، وهو حد الإعجاز2، وما يقرب منه3.
1 أي المفردة عن اعتبار إفادة المعنى -وهي الخصوصيات- وليس المراد التي هي غير مركبة.
2 الإعجاز أن يرتقي الكلام في بلاغته إلى أن يخرج عن طوق البشر ويعجزهم عن معارضته.
3 عطف على قوله "وهو"، والضمير في منه عائد إلى أعلى، يعني أن الأعلى مع ما يقرب منه كلاهما حد الإعجاز، وهذا هو الموافق لما في المفتاح فالبلاغة أمر كلي لها ثلاث مراتب: مرتبة عليا ولها فردان، وسفلى وهي فرد واحد، ووسطى ولها أفراد. ويترتب على هذا أن بعض القرآن أبلغ من بعض وإن كان الجميع معجزًا.
ويجوز أن يكون "وما يقرب منه" معطوفًا على "حد الإعجاز" والضمير في منه عائد إليه، يعني أن الطرف الأعلى هو حد الإعجاز. وما يقرب من حد الإعجاز. فهذا عكس الأول، إذ الأول يفيد أن حد الإعجاز نوع له فردان: الأعلى وما يقرب منه، وهذا يفيد أن الطرف الأعلى نوع تحته فردان: حد الإعجاز وما يقرب منه. والمراد بحد الإعجاز البلاغة في أقصر سورة، وما يقرب منه البلاغة في مقدار آية أو آيتين. وفي التقدير الثاني نظرًا؛ لأن القريب من حد الإعجاز لا يكون من الطرف الأعلى الذي هو حد الإعجاز.
وأسفل، منه تبتدئ وهو ما1 إذا غير الكلام عنه إلى ما هو دونه التحق عند البلغاء بأصوات الحيوانات2 وإن كان صحيح الإعراب
…
وبين الطرفين مراتب كثيرة متفاوتة3:
وإذ قد عرفت معنى البلاغة في الكلام وأقسامها ومرابتها، فاعلم
1 أي هو طرف للبلاغة إذا غير الكلام عنه إلى مرتبة هي أدنى منه وأنزل.
2 التي تصدر عن محالها بحسب ما يتفق من غير اعتبار اللطائف والخواص الزائدة على أصل المراد.
3 أي بعضها أعلى من بعض بحسب تفاوت المقامات ورعاية الاعتبارات والبعد من أسباب الإخلال بالفصاحة بناء على أن البلاغة هي المطابقة لمقتضى الحال في الجملة، لكن الحق كما في عبد الحكيم أنها مطابقة الكلام لجميع ما يقتضيه الحال لكن بقدر الطاقة.
هذا وبلاغة الكلام تتفاوت باختلاف الخصوصيات كما أو كيفا والمقام واحد، وباختلاف الخصوصيات تبعًا لاختلاف المقامات، وبترك خصوصية مراعاة لحال المخاطب.
وللبلاغة طرف أسفل وطرف أعلى وما بينهما: أما الأسفل فهو الكلام الفصيح الذي طابق أدنى مطابقة وليس تحته إلا ما يلتحق بأصوات الحيوانات. وأما الأعلى فهو حد الإعجاز الكلام الإلهي وما يقرب منه "وهو أبلغ كلام البشر".. وبينهما مراتب لا تحصى.
ولنا أن نتسائل. هل في طاقة البلغاء -بالطبع أو بالاكتساب- الوصول إلى حد الإعجاز، ولو بأن يأتوا بمثال أقصر سورة من القرآن؟ وللجواب على ذلك.
أقول: ولا شك أن علوم البلاغة ترسم أصول البيان العربي والسليقة العربية ومناهج الأداء والأسلوب، وبالوقوف على ذلك يمكن مع سلامة الذوق محاكاة أهل هذه السليقة في بلاغتهم، فنتكلم عن علوم البلاغة - لأنها قواعد السليقة العربية، وهل توصل إلى حد الإعجاز، وهل هي صالحة كأداة للوصول إلى مرتبة الإعجاز؟ ولا شك أن علوم البلاغة لا تؤدي إلى الوصول لحد البلاغة؛ لأنها لا تعرفنا المقامات بل الخصوصيات وحدها، ولو فرضنا جدلًا أنها تعرفنا مع الخصوصيات المقامات أيضًا، فلا تسلم الإحاطة بها لو فرضنا الإحاطة بها فإنها لا تعطيك قدرة على إنشاء كلام بليغ بدليل أن كثيرًا من علماء البلاغة لم يستطيعوا الإتيان بكلام بليغ، ولو فرضنا أنها تعطي الملكة فلا شك في أن الملكة البشرية لا تقدر على مراعاة الخصائص كلها في الكلام البليغ.
أنه يتبعها وجوه كثيرة1 غير راجعة إلى مطابقة مقتضى الحال ولا إلى الفصاحة، تورث الكلام حسنًا وقبولًا.
1 هذا ويرى علماء البلاغة أن القرآن يتفاوت في بلاغته؛ لأنه:
أقد يقتضي المقام عشر خصوصيات فيأتي الله عز وجل بخمس منها حسب قدرة البشر مراعاة للمقام.
ب وقد تختلف المقامات فيكون مقام مقتضيًا لعشر خصوصيات وآخر مقتضيًا لخمس ولا شك أن الكلام الذي روعيت فيه العشرة أبلغ من الآخر.
وأرى أن القرآن لا تتفاوت بلاغته وأن أسلوبه وسوره وآياته في درجة واحدة من البلاغة. ويمكن الرد على رأي علماء البلاغة بما يأتي:
أأن مراعاة مقام المخاطب والاتيان بكلام يوافق حاله هو البلاغة الكاملة التي ليس فيها تفاوت.
ب لا نسلم أن الكلام الأول أبلغ من الثاني بل هما في درجة واحدة من البلاغة؛ لأن العبرة ليست بالكم بل بالكيف، ولو سلمنا لهم رأيهم لكانت سورة البقرة أبلغ من "قل هو الله أحد" أو لكانت أبلغ من نصفها، أو لكان القرآن أبلغ من سورة منه.
أوهي المحسنات البديعية، وتحسينها عرضي خارج عن حد البلاغة، وإنما تعد محسنة بعد رعاية المطابقة والفصاحة. وجعلها تابعة لبلاغة الكلام دون المتكلم؛ لأنها ليست مما تجعل المتكلم متصفًا بصفة.
والمحسنات البديعية إن أتى بها في الأسلوب من حيث أنها محسنة بحث عنها في علم البديع وكان تحسينها عرضيًّا، أما إذا اعتبرت من حيث المطابقة فتحسينها ذاتي يبحث عنه في علم المعاني.
هذا والبلاغة هي المطابقة والفصاحة واعتبار الخصوصيات، فالمطابقة والفصاحة أعم من البلاغة من حيث التحقق؛ لأنهما يوجدان بدون البلاغة فيما إذا لم تراع الخصوصية، وحينئذ فلا يعلم من كون تلك الوجوه تابعة للبلاغة كونها غيرهما؛ لأنهما تابعان لها أيضًا باعتبار أنهما من جملتها، فاحتاج إلى إفادة أنها غيرهما، فقال الخطيب في التلخيص: ويتبعها وجوه أخر، فقوله "أخر" يفيد أن تلك الوجوه ليست للازمة للبلاغة لكونها سوى الأمرين اللذين تحصل بهما البلاغة وتلك الوجوه في الكلام إنما تكون بعد البلاغة. ويقول السكاكي: البلاغة بمرجعها: علم المعاني وعلم البيان، والفصاحة بنوعيها: اللفظية والمعنوية، ما يكسو الكلام حلة التزيين، وههنا وجوه مخصوصة كثيرًا ما يصار إليها لقصد تحسين الكلام وهي قسمان: قسم يرجع إلى المعنى وقسم يرجع إلى اللفظ ص176 مفتاح.
وأما بلاغة المتكلم:
فهي ملكة يقتدر بها على تأليف كلام بليغ.
وقد علم بما ذكرنا1 أمران:
أحدهما: أن كل بليغ -كلامًا كان أو متكلمًا فصيح2، وليس كل فصيح بليغًا3.
الثاني: أن البلاغة في الكلام: مرجعها إلى الاحتراز عن الخطأ في تأدية المعنى المراد4، وإلى تمييز الكلام الفصيح من غيره5.
1 أي من تعريف البلاغة والفصاحة.
2 لأن الفصاحة مأخوذة في تعريف البلاغة مطلقًا، أي بلاغة كلام أو متكلم، لكن أخذها في بلاغة الكلام صراحة وفي بلاغة المتكلم بواسطة.
3 لجواز أن يكون كلام فصيح غير مطابق لمقتضى الحال. وكذا يجوز أن يكون لأحد ملكه يقتدر بها على التعبير عن المقصود بلفظ فصيح من غير مطابقة لمقتضى الحال.
4 وإلا ربما أدى المعنى المراد بلفظ فصيح غير مطابق لمقتضى الحال فلا يكون بليغًا.
5 الأولى أن يقال: وإلى الاحتراز عن أسباب الإخلال بالفصاحة، وذلك لئلا يؤدي الكلام المطابق لمقتضى الحال بلفظ غير فصيح، فلا يكون أيضًا بليغًا لوجوب وجود الفصاحة في البلاغة. ويدخل في تمييز الكلام الفصيح من غيره تمييز الكلمات الفصيحة من غيرها لتوقفه عليها.
والثاني -أعني التمييز1- منه ما يتبين في علم متن2 اللغة، أو التصريف3، أو النحو4، أو يدرك بالحس5، وهو 6 ما عدا التعقيد المعنوي7.
وما يحترز به عن الأول -أعني الخطأ8- هو علم المعاني. وما يحترز به عن الثاني -أعني التعقيد المعنوى- هو علم البيان9.
وما يعرف به وجوه تحسين الكلام بعد رعاية تطبيقه على مقتضى الحال وفصاحته، هو علم البديع.
1 أي تمييز الفصيح من غيره.
2 وذلك كالغرابة، يعني يعرف بعلم متن اللغة تمييز السالم من الغرابة عن غيره بمعنى أن من تتبع الكتب المتداولة وأحاط بمعاني المفدرات المأنوسة علم أن ما عداها مما يفتقر إلى تنقير أو تخريج فهو غير سالم من الغرابة.
3 وذلك كمخالفة القياس.
4 كضعف التأليف والتعقيد اللفظي.
5 أي بالذوق وذلك كالتنافر في مستشزر مثلًا أو في "وقبر حرب: البيت".
6 وهو أي ما يبين في العلوم المذكورة أو ما يدرك بالحس.
7 إذ لا يعرف بتلك العلوم تمييز السلام من التعقيد المعنوي من غيره.
8 أي في تأدية المعنى المراد.
9 يسمون هذين العلمين علم البلاغة لمكان مزيد اختصاص لهما بالبلاغة وإن كانت البلاغة تتوقف على غيرهما من العلوم كاللغة والنحو والصرف.
وكثير من الناس يسمى الجميع علم البيان1.
وبعضهم يسمى الأول علم المعاني، والثاني والثالث علم البيان، والثلاثة علم البديع.
1 والبيان في غير الاصطلاح هو المنطق الفصيح المعبر عما في الضمير.
ملاحظة:
المعنى الأول هو أصل المراد، وهو ثبوت المحكوم به للمحكوم عليه، والمعنى الثاني هو الخصوصيات. كما يرى ابن قاسم وابن يعقوب والشيخ يسن وسواهم، وقيل المعنى الأول هو ما يفهم من اللفظ بحسب التراكيب وهو أصل المعنى مع الخصوصيات من تعريف وتنكير إلخ، والمعنى الثاني هو الأغراض التي يقصدها المتكلم ويصوغ الكلام لأجل إفادتها وهي أحوال المخاطب التي يورد المتكلم الخصوصيات من أجلها من إشارة لمعهود وتعظيم وتحقير وإنكار وشك إلخ، وهذا بالنسبة لعلم المعاني، وأما بالنسبة لعلم البيان، فالمعاني الأول هي المدلولات المطابقية مع رعاية مقتضى الحال، والمعاني الثواني هن المعاني المجازية أو الكنائية. وهذا هو المأخوذ من الدلائل كما في المطول، وكلام السعد في المختصر يصح حمله على الوجهين.
فأصل المراد إذا -الذي هو المعنى الأول- إفادة ثبوت المسند للمسند إليه بأي طريق كان، والخصوصية هي المزايا البلاغية التي يقصدها البليغ كما يرى السعد وهي المعنى الثاني.. لكن عبد الحكيم يرى أن أصل المراد هو أصل المعنى مع الخصوصيات، والمعنى الثاني هو الأغراض، راجع التجريد عند شرح قوله "ويؤتي باسم الإشارة لإفادة القرب أو البعد أو التوسط" مثلًا. ومما في التجريد نستنبط: أن مباحث علم البلاغة عند السعد تشمل المعاني الوضعية للألفاظ والتراكيب، وهي عند السيد خاصة بمستتبعات التراكيب، وعند عبد الحكيم أن مباحثها شاملة للمعاني الوضعية ولمستتبعات التراكيب.
هذا والنكتة البلاغية لا يشترط فيها الاختصاص بتلك الطرق بل يكفي كونها مناسبة للمتقضى موجبة كانت أو مرجحة أولم تكن كذلك، والترجيح من قصد المتكلم، وهذه هي طريقة المفتاح، ومذهب الشارح أن النكنة لابد أن تكون موجبة أو مرجحة.