المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

شرح العقيدة الطحاوية ‌ ‌الإتباع والتسليم فضيلة الشيخ د. سفر بن عبد الرحمن - شرح العقيدة الطحاوية - سفر الحوالي

[سفر الحوالي]

الفصل: شرح العقيدة الطحاوية ‌ ‌الإتباع والتسليم فضيلة الشيخ د. سفر بن عبد الرحمن

شرح العقيدة الطحاوية

‌الإتباع والتسليم

فضيلة الشيخ د. سفر بن عبد الرحمن الحوالي

العبودية: هي الدرجة العليا في حقيقة كل مخلوق كما قال الله تبارك وتعالى: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ)[الذاريات:56] .

إفتقار الإنسان إلى الله تعالى، وعبوديته له سبحانه شرعاً أو كوناً

فكل مخلوق: هو عبد لله تبارك وتعالى عَلَى الحالتين، إما عبد من الناحية الاختيارية الشرعية، أو من الناحية الإجبارية الكونية، وذلك أن كل إنسان هو مخلوق بلا شك، ومحتاج، ومضطر، وفقير إِلَى من يطعمه، ويسقيه، ويسيِّر له هذا الجهاز الذي يحمله في المخ والقلب والمعدة والدورة الدموية وكل الأعضاء.

فمن الذي يسير كل هذا ويحركه؟! إنه الله سبحانه وتعالى.

ففي الحقيقة أن جميع المخلوقين في هذا الجانب -من حيث التدبير والتصريف والقهر- بل جميع من في هذا الكون هو عبد خاضع لله تبارك وتعالى، إذ هو الذي يحرك هذا الجسد، ويعطيه الغذاء، وهو الذي يسير كل أعماله.

ومع كل هذه النعم إلا أن بعض النَّاس في جانبهم الإرادي: يصرفون هذه الإرادات والحركات في غير طاعة الله سبحانه وتعالى، وفي غير تحقيق العبودية له سبحانه، وهذا هو سبب الشقاء الذي يقع فيه الكفار -أن الإِنسَان منهم مضاد لفطرته- فلو أنك جئت إِلَى إنسان فشققته شطرين، فكيف يمكن أن يستقر هذا الإِنسَان، وأي آلة من الآلات أو جهاز من الأجهزة يمشي في غير اتجاهه، فإنه يتقلب ويتصادم ويتمزق.

ولذلك نجد أن الإِنسَان الذي لا يطيع الله، ولا يحقق العبودية له سبحانه إنسان ممزق مضطرب، وكلما ازداد عبوديةً لله ازداد سكينة، وطمأنينة، وأمناً، وسلاماً، ورخاءً، وكلما بعد عن ذلك كلما زاد فيه الخوف، والشقاء، والتمزق، والاضطراب. فهذه حقيقة العبودية من الناحية الكونية.

ص: 413

أما من الناحية الإرادية؛ فإن الله سبحانه وتعالى ميز الإِنسَان عن سائر الكائنات والمخلوقات؛ بأنه هو الذي يمكن أن يختار، وأن يفعل، وأنه قد يقتنع بالعمل ويفعله، ثُمَّ يندم ويحاسب نفسه لماذا أفعل أو العكس كما قال تعالى: لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ * وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ [القيامة:1-2] بخلاف غير الإِنسَان كالحيوان حتى لو أنه عمل عملاً من الأعمال بدافع الغريزة، وكان عليه فيه ضرر أو ألم، فإنه لا يحس في داخل نفسه أن هذا الشيء مرجعه الندم القريب.

فيعمل ويستمر في العمل ثُمَّ غريزة التراجع عن العمل هي التي ترده إذا رأى فيه ما يضره، كل ذلك بدافع واحد هو: دافع الغريزة فقط.

أمَّا الإِنسَان فالدوافع مختلفة فيه، ولذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم:(أصدق الأسماء حارث وهمام) وقوله (أصدقها) لا يدل عَلَى أفضليتها؛ لأن أفضلها عبد الله، وعبد الرحمن، وإنما أصدقها من حيث إنها ليس فيها مدح ولا ذم، أي كما نقول: فلان إنسان فهو كلام صرف ليس فيه زيادة ولا نقص، والإِنسَان حارث وهمام في طبيعته، فأي إنسان مثلاً سميته هماماً، مسلماً كَانَ أو كافراً فهو صادق عليه؛ لأن كل إنسان يهم، ويريد، ويفكر، ويتحرك قلبه، وشعوره، وإرادته.

وهو أيضاً عامل يعمل في أي نوع من أنواع العمل فأصدق الأسماء: يعني الاسم الذي ينطبق عليه عَلَى الحقيقة البشرية هو: أنه حارث، وهمام، وفي كل الأوقات لا يخلو الإِنسَان من الحرث، ومن الهم.

حقيقة العبودية ومتى تتحقق في الإنسان

ص: 414

حقيقة العبودية أن الإِنسَان المسلم المؤمن بالله سبحانه وتعالى يصرف الحرث، والهم لوجه الله سبحانه وتعالى فيجمع بين الشطر الإرادي، واللاإرادي في حياته، فيكون موحداً، والنفس البشرية تتوحد لذلك التوحيد بأنها تتوجه إِلَى إله واحد وتعبد رباً واحداً يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ [يوسف:39] كما ضرب الله تَعَالَى المثلين -المؤمن والكافر بأن المؤمن مثل (رجلٍ سلماً لرجل) أي: عبد خاص بإنسان واحد فقط، وأما الآخر: فهو عبد مملوك فيه شركاء متشاكسون، يتنازعونه هذا يقول: نعم، وهذا يقول: لا، فهذا إنسان ممزق، وموزع.

المهم: أن حقيقة العبودية تتجلى بهذا كلما كَانَ عبداً لله سبحانه وتعالى واجتهد فيها، كما جَاءَ في الحديث عند التِّرْمِذِيّ وغيره قوله تَعَالَى في الحديث القدسي (من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه -هذه الدرجة الأولى- ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه) هنا درجات، فإذا وصل الإِنسَان إِلَى درجة محبة الله سبحانه وتعالى له، ومحبته لله إِلَى درجة اليقين، وإلى درجة الصبر عَلَى الطاعة، والصبر عن معصية الله والصبر عَلَى أقدار الله سبحانه وتعالى حينئذ تحقق فيه كمال العبودية.

أكمل الناس عبودية

ص: 415

وأعلى النَّاس مقاماً في العبودية هم الأَنْبِيَاء صلوات الله وسلامه عليهم، وأعلى الأَنْبِيَاء وأعلى البشر في ذلك هو نبينا مُحَمَّد صلى الله عليه وسلم، فهو أعلى النَّاس في درجة العبودية؛ ولهذا كما مر معنا أنه في مواضع التكريم، والثناء يأتي وصفه بالعبودية كما قال تعالى: سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى [الإسراء:1] هنا كلمة العبد كأنها تشير أنه الذي حقق العبودية، والذي أعلى صفة له العبودية.

ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: (إنما أنا عبدٌ، فقولوا: عبد الله ورسوله) ، فاختار صلى الله عليه وسلم الآخرة عَلَى الدنيا، واختار العبودية لله سبحانه وتعالى عَلَى الملك.

فحقيقة العبودية في تعريف العبادة: أنها اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه، من الأقوال، والأعمال الظاهرة والباطنة، فكلما حقق الإِنسَان ذلك كلما كَانَ أعلى في الكمال، وأكثر اقتداءً بالنبي صلى الله عليه وسلم الذي هو الغاية، والذروة في كمال العبودية لله سبحانه وتعالى.

وقد ادعى قوم الخروج عن دائرة العبودية ومقتضاها إِلَى شيء آخر وهم فئتان: الأولى: الفلاسفة، والثانية: الصوفية الغلاة، هذا في القديم، وفي عصرنا هذا برز غير ذلك -مما سنذكره إن شاء الله- ممن ادعو الخروج عن مقتضى العبودية، وزعموا أن الكمال؛ إما أنه في درجة الأعلى من العبودية، أو أن الكمال يتحقق بغير العبودية لله سبحانه وتعالى وهاك بيان موقف هذه الفرق:

الفلاسفة والعبودية

ص: 416

يقول الفلاسفة: كمال النفس في أن تعلم، وأن تكون عَلَى مقتضى الحكمة، أي: أن يكون لديها علم، وأن تكون أخلاقها وتصرفاتها عَلَى مقتضى الحكمة العقلية التي يرونها، قالوا: فليس هناك من ضرورة، ولا داعٍ يوجبُ أن يكونَ الإِنسَانُ عبداً لله، وأن يندرج تحت العبودية الشرعية إذ لو أن إنساناً بمقتضى حكمته العقلية يتحلى بالأخلاق الفاضلة، والمعاملات الجميلة التي يتكلم عنها الحكماء في كتبهم وتزين بها، وطبقها لاستغنى عن أن يكون عبداً ولما احتاج أن يدخل تحت هذه العبودية.

وبالغ بعضهم في ذلك فقَالَ: إن النَّاس أكثرهم جهال وعوام، والحكمة العقلية لا يفهمها كل أحد ولا يمكن أن يكون النَّاس عَلَى مستوى يفهمون فيه كلام الحكماء والفلاسفة.

فجاء الأَنْبِيَاء بالوعد والوعيد، والأمر والنهي، والجنة والنار؛ لأنها هي التي تشوق الجماهير وتجذبهم وتجعلهم يعملون الخير، بخلاف ما لو كَانَ كلاماً عقلياً فإنه لا يؤثر، فلذلك فإن هذه الشرائع التي جَاءَ بها الأَنْبِيَاء تصلح للجمهور؛ لكن الإِنسَان الفاهم -الذي يفهم بعقله كل شيء- لا يحتاج إِلَى أن يندرج تحت شرائع الأنبياء، هذا إفكهم وما كانوا يفترون، وهذا كلامهم الذي قالوه من قبل بعثته صلى الله عليه وسلم؛ قاله فلاسفة اليونان، ثُمَّ جَاءَ من يسمون فلاسفة الإسلام، فادعوا ذلك وزعموه ومنهم: ابن سينا والفارابي ومنهم إِلَى حد ماابن رشد.

ولذلك قال بعضهم: إن الشريعة -التي هي الدين- والحكمة -التي هي الفلسفة- شيء واحد وتدعونا إِلَى شيء واحد وطريق واحد، وأنهم اختبروا جميع الشرائع، ووجدوا أن أفضلها: هي شريعة مُحَمَّد صلى الله عليه وسلم، ولذلك يرتاحون لها ويقولون: لو أخذ بها الإِنسَان لكان حسناً.

ص: 417

فكل مكارم الأخلاق التي يتكلم عنها جاءت في هذه الشريعة وهذا منهج صحيح؛ لكنهم لا يوجبون دخول الإِنسَان تحت هذه الشريعة، كما نلاحظ اليوم من بعض المستشرقين، أو الكتاب الأوروبيون، فإنهم يثنون عَلَى الإسلام أنه جَاءَ بالأخلاق الراقية في حقوق المرأة، وفي أنظمة الحكم، ويمدحونه مدحاً طويلاً قد لا يكون لنا عليهم مأخذ في نفس المدح، وبقدر ما يكون الكلام كله مدحاً حقيقياً وصحيحاً؛ لكن لا يرى أنه يلزمه أن يدخل في هذا الدين.

غلاة الصوفية والعبودية

موقف غلاة الصوفية قد أوضحناه في أول الكتاب عندما تحدثنا عن توحيد الربوبية حيث ذكر المُصْنِّف رحمه الله أن: غلاة الصوفية: يجعلون توحيد الربوبية هو غاية التوحيد، ومما أوضحنا به ذلك وشرحناه أننا قلنا: إنهم يرون أن العبد يترقى في مشاهدة الحقيقة -ويسمونها مشاهدة القدر أو شهود الحقيقة الكونية- حتى يصل به الأمر إِلَى أن يرى أن كل شيء في هذا الوجود إنما يحركه في الحقيقة الله سبحانه وتعالى: فالله هو الذي يسيره ويحركه، قالوا: إذا آمن الإِنسَان بهذا الشيء، وازداد الإيمان حتى يصل إِلَى أنه لا تأثير لشيء ولا فاعل في الوجود إلا الله، فحينئذ لا فرق بين أفعال من يصلي وبين أفعال النائم فكلها في الحقيقة بالتأمل وبالفهم العميق: أفعال لله سبحانه وتعالى.

فهم بهذا الزعم -التوحيد الحقيقي شهود الحقيقة الكونية وتوحيد الربوبية الذي هو الكامل كما يزعمون ويسمونه توحيد خاصة الخاصة- يضيعون حقيقة الدين ويسقطون التكاليف، وبعضهم يصل به الأمر في هذا إِلَى الحلول والاتحاد -والعياذ بالله- فينتقل من دعوى أن فعله هو فعل الله إِلَى دعوى أعمق من ذلك فَيَقُولُ: تعمقتُ فترقيتُ فرأيتُ أنه ما في الوجود إلا هو فقط.

فيصل والعياذ بالله إِلَى الكفر، وإن كَانَ الأول كفراً لكن هذا القول الأخير يصل بهم إِلَى الكفر الصراح التي تترفع عنه أية نفس.

ص: 418

فلذلك يخيل لهم الشيطان هذه الأمور، ويزينها لهم بسوء أعمالهم وبتركهم للعبادات، فينقطعون عن العبادات وعن الفرائض، وعن الجمع والجماعات، ويقولون: نَحْنُ بلغنا الحقيقة فرأيناها، ووصلنا إِلَى اليقين الذي قال الله تَعَالَى فيه: وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ [الحجر:99] .

فقالوا: إن العبادة لها أمد فإذا جَاءَ اليقين انتهت، وهذا من أكذب أنواع الافتراء عَلَى الله سبحانه وتعالى لأن الذي أمر بهذه الآية هو: نبينا مُحَمَّد صلى الله عليه وسلم وقد طبقها وقد عمل بها وظل عَلَى العبادة من صلاة وذكر وغير ذلك، ولم يخرج عن العبودية إِلَى أن جاءه اليقين الذي هو الموت، كما جَاءَ في الحديث الصحيح الآخر:(أما فلان فقد جاءه اليقين من ربه) أي جاءه الموت؛ لأن اليقين: هو الموت، فمعنى الآية: واعبد ربك حتى يأتيك الموت، وحتى يقبضك ربك إليه، فهَؤُلاءِ الملاحدة يقولون: إن حقيقة العبودية -عندهم- هي: شهود الحقيقة الكونية، ولذلك لا يرون أن الصلوات الخمس والعبادات التي نفعلها نَحْنُ الآن؛ إلا مجرد مظاهر أو وسائل عَلَى الطريق التي عندهموهم يقسمون الطريق إِلَى ثلاث مراحل:

المتعلم وهو الذي يسمى مريداً وهو: المبتدئ.

ثُمَّ السالك: وهو الذي مشى في الطريق مراحل.

ثُمَّ الواصل: وهو الذي سقطت عنه التكاليف، ولم يعد بحاجة إِلَى أن يعمل أعمال المريدين، أو السالكين الذين هم بحاجة للعبادة ليريحوا أنفسهم.

1) أحوال الخارجين عن دائرة العبودية عند الموت:

ص: 419

مما يكشِف ويدل عَلَى أن الله سبحانه وتعالى قد جعل أمثال هَؤُلاءِ النَّاس فتنة لغيرهم وابتلاهم وفتنهم في أنفسهم ما يروى من أحوالهم عند ما جَاءَ الموت لابن الفارض ولابن سبعين وهما من كبار الدعاة إِلَى هذا المذهب، وهو سقوط العبادات والتكاليف، والوصول إِلَى الحقيقة الكونية، والحلول والاتحاد أو الفناء كما يسمونه، كلها مترادفات أو متداخلات في التعبير عن هذه القضية وابن الفارض هو في الحقيقة من الدرجة الأولى في الشعراء، حتى قال شَيْخ الإِسْلامِابْن تَيْمِيَّةَ - ومنزلة شَيْخ الإِسْلامِ ابْن تَيْمِيَّةَ في اللغة والشعر معلومة ليس فقط في العلوم الشرعية، بل هو في سائر العلوم حتى في علوم اللغة وتذوق الشعر -: إن هذا الرجل وأمثاله قدموا لحم الخنزير في طست من الذهب، فهَؤُلاءِ أتوا بالشعر الراقي الجميل - أي ابن عربي وابن الفارض - لكن؛ الذي يتضمن الحلول والاتحاد ووحدة الوجود والشرك والزندقة -نسأل الله العافية- فالآلة عاليةٌ قيمةٌ لكن المضمون والمحتوى سيء وخبيث وقبيح فلما حضرت وفاة ابن الفارض قَالَ:

إن كَانَ منزلتي في الحب عندكم ما قد رأيت فقد ضيعت أحلامي

أمنية ظفرت نفسي بها زمناً واليوم أحسبها أضغاث أحلام

ص: 420

عندما عاين ملائكة العذاب؟ أراد الله أن يدينه بلسانه ليسمع المريدين الذين حوله. فقَالَ: كَانَ يظن أنه يترقى حتى حلت فيه الألوهية، وإذا به في الأخير يكتشف أنه عبد مخلوق ذليل حقير، وأن ملائكة العذاب قد دنت لتنتزع منه هذه الروح، فهذا المسكين متى صار إله ومتى حل في الله ومتى اتحد في الله؟! كله كلام فارغ لا قيمة له، عند الموت تتجلى الحقائق تماماً، ولذلك لا يَثْبُتَ إلا من ثبته الله عز وجل من كَانَ في الدنيا ثابتاً عَلَى الإيمان والتقوى والاستقامة، ثبته الله عز وجل عند الموت كما أخبر تَعَالَى بقوله يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ [إبراهيم:27] .

ولكن أُولَئِكَ الزائغون المنحرفون الضالون، مهما تصنعوا في الدنيا ومهما جاءوا بالتأويلات والشبهات والعلل وادعوا أنهم أهل الحق، فعند الموت تتطاير وتتبخر وتتلاشى ولا يبقى إلا الحق واليقين فابن الفارض رأى ملائكة العذاب ورأى أن الأجل قد قرب منه فأظهر الله سبحانه وتعالى ذلك عَلَى لسانه، وقال هذين البيتين: الأمنية التي عاش عمره كله يحلم بها أصبحت أضغاث أحلام، ليس فيها أي حقيقة عَلَى الإطلاق.

وأما ابن سبعين فإنه يُحكي عنه مريدوه: أنه لما جاءه الموت وأراد أن يفيض اضطرب وخاف أو جزع، فَقَالَ له أحد مريديه: مالك يا شيخ؟ ما الذي تخاف منه؟ وأنت الذي كَانَ المريد يدخل عندك فيجلس ثلاثة أيام فيخرج وهو ولي من الأولياء في الطريقة، فما الذي يخيفك؟ فَقَالَ له: كل ذلك الآن لا حقيقة له.

ص: 421

الآن لما رأى سكرات الموت لما بدأ يشعر بالانقطاع من الدنيا والإقبال عَلَى الآخرة قَالَ: كل ذلك لا حقيقة له، وليس بصحيح، لا الخلوات ولا الأذكار المنقولة ولا الدرجات كل تلك الفلسفات سقطت، وهو الذي بلغ به الفجور وركوب الرأي عَلَى غير هدى وبصيرة -نسأل الله العافية والسلامة- إِلَى عمى البصيرة، حتى أنه جاور بمكة وذهب إِلَى غار حراء وكان ينام فيه الليالي ويطمع أن ينزل عليه الوحي، ولما سمع رجل قال له: إن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم يقول لا نبي بعدي قال - والعياذ بالله -: (لقد حجَّر واسعاً) أي: ضيق شيئاً واسعاً؛ لأنه -نسأل الله العافية- كَانَ عَلَى نظرية الفلاسفة الذين يقولون: إن النبوة مكتسبة، وليست موهوبة من الله سبحانه وتعالى، وإنما هي مكتسبة يجتهد الإِنسَان كما يزعمون حتى يصل إِلَى الولاية، والولاية عندهم أعظم من النبوة، الولي عندهم فوق النبي وأعظم -فنسأل الله السلامة- وهكذا كَانَ ابن سبعين يفعل بمكة، فلما جاءه الموت تلك اللحظة وجاء التلميذ يريد أن يطمئنه كما طمئن عبد الله بن عباس رضي الله عنه عمرَ بن الخطاب قال له: أبشر يا عُمَر، فوالله لقد كنت تحكم بالعدل، وقد بشرك النبي صلى الله عليه وسلم بالجنة فأخذ يبشرعُمَر ويقول له، ذلك لأنه عَلَى الحق والحقيقة فصدقه عُمَر ولكن قال له أيضاً: إنما خوفي عليك وعلى أمثالك.

فكأنعُمَر رضي الله عنه يقول: إنما أجزع وأخاف عَلَى الرعية وعُمَر لما كَانَ مبشراً بالحق، رضي واطمأن، ومن السنة أن الإِنسَان إذا حضر إِلَى رجل قربت وفاته، أن يأتيه بالرجاء، ولا يذكر له الخوف والترهيب وإنما يأتيه بالترغيب، وما وعد الله سبحانه وتعالى للمؤمنين (وأن الله تَعَالَى يقبل توبة العبد ما لم يغرغر) وأنه لو كَانَ آخر كلامه لا إله إلا الله، دخل الجنة وأمثال ذلك.

ص: 422

فتلاميذ هذا المسكين الضال الزائغ جاؤا من هذا الباب: أرادوا أن يذكروه، فَقَالُوا: أنت الذي في ثلاثة أيام يأتيك المريد ويخرج ولياً من أولياء الله؛ تخاف من أي شيء؟ فقَالَ: كل ذلك الآن لا حقيقة له تبين له أنه لا حقيقة له، نعوذ بالله من سوء الخاتمة.

2) شبهة من يقول بالخروج عن العبودية والرد عليهم:

ومما استدل به من يخرج عن العبودية، أن موسى عليه السلام لما ذهب إِلَى العبد الصالح الخضر وكان عَلَى غير شريعة موسى وهو حق فَقَالُوا: إذاً الولي لا يدخل تحت شريعة النبي، لأنه قد تلقى العلم اللدني

وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً [الكهف:65] .

ص: 423

وهذا القول يعلم بطلانه، لأدلة كثيرة منها أن شريعةَ موسى عليه السلام شريعةً محدودة بعثه الله سبحانه وتعالى إِلَى قومه، أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّه [إبراهيم:5] ، فموسى لم يقل له: لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ [إبراهيم:1]، وإنما: أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ والذي أمره الله أن يخرج النَّاس من الظلمات إِلَى النور، هو مُحَمَّد صلى الله عليه وسلم، بعث للناس كافة وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيرا [سبأ:28] فالعالمية في الرسالة لمُحَمَّد صلى الله عليه وسلم أما موسى فإنه في نفس الحديث الذي جَاءَ فيه قصة الخضر وموسى، قال له الخضر:(يا موسى أنت عَلَى علم علمك الله إياه لا أعلمه، وأنا عَلَى علم علمني الله إياه لا تعلمه) فهذا نبي وهذا نبي، وليس هناك شك في أن موسى هو أعلى درجة عند الله عز وجل من الخضر؛ لأنه من أولي العزم -رغم ما فعل موسى عليه السلام حينما ألقى الألواح، ورغم أنه لما وجد أبانا آدم أنكر عليه فقَالَ: أنت الذي خيبتنا وأخرجتنا من الجنة ويكون موسى عليه السلام في هذه المواقف عَلَى غير الأولى أو في جانب الخطأ، ورغم كل ذلك لم تنزل درجته؛ لأنه من أولي العزم الذين جاهدوا في الله الجهاد العظيم الذي تلاه الله سبحانه وتعالى وفصله علينا، وقاوم أكبر طاغوت في تاريخ الأمم الماضية، وهو فرعون.

فالحاصل أنه ليست درجة الخضر كدرجة موسى، مع أن هذا نبي وهذا نبي، وإنما أراد الله عز وجل لموسى أن يتلقى عن الخضر لحكمٍ عظيمة ذكرها العلماء منها أن لا يدعي أحد العلم المطلق، أو أنه يعلم كل شيء.

ص: 424

لكن نبينا مُحَمَّد صلى الله عليه وسلم لم يكن قبله ولا بعده، ولا في عصره من يمكن أن يتلقى عنه الرَّسُول صلى الله عليه وسلم في أية حال من الأحوال، لأنه هو المبلغ العام للبشرية عامة عن الله عز وجل، فلا أحد أعلم منه بالله أو بدينه في أي أمر من الأمور، وهذا مما يفضل به النبي صلى الله عليه وسلم عَلَى سائر الأنبياء.

فهذه شبه القوم، وردها واضح -إن شاء الله- ولهذا ذكر الشيخ مُحَمَّد بن عبد الوهاب رحمه الله من جملة نواقض الإسلام العشرة: من اعتقد أن أحداً يسعه الخروج عن شريعة مُحَمَّد صلى الله عليه وسلم كما وسع الخضر الخروج عن شريعة موسى؛ ونص عَلَى المثال ليعلم المراد من قوله أن هذا الاعتقاد مخرج لصاحبه من الملة؛ لأن من ادعى أنه خارج عما ذهب إليه النبي صلى الله عليه وسلم فإنه يحكم تلقائياً عَلَى نفسه بالخروج من الملة والخروج من الدين.

3) شبهات الفلاسفة والرد عليهم:

أما الفلاسفة فمن الواضح كونهم يزعمون أن الحكمة العقلية تغني عن الشرائع الدينية والنبوية، وهذه الرد عليها واضح؛ لأن العرب الذين بعث الله سبحانه وتعالى محمداً صلى الله عليه وسلم فيهم، كَانَ لديهم الحكماء وكان عندهم ذو الأصبع العدواني وأكثُمَّ بن صيفي وقس بن ساعدة، كل هَؤُلاءِ كَانَ عندهم الحِكَم في أشعارهم، وأقوالهم ولكن لا قيمة لهذه الحكمة ولا قيمة للتحلي بأمثال هذه الأخلاق في نجاة العبد من عذاب الله عز وجل لأنها مثل شجرة مقطوعة لا صلة لها بالحياة، ولا صلة لها بالأرض فلا تنمو، فهي خشبة جوفاء، بخلاف الإيمان الذي هو شجرة نامية.

ص: 425

فأخلاق العرب مقطوعة عن الإيمان والإخلاص لله سبحانه وتعالى، فلا يترتب عليها فلاح في الدنيا، ولا نجاة يَوْمَ القِيَامَةِ من عذاب الله سبحانه وتعالى، وإنما غاية ما فيها أن يُقال عن الإِنسَان: إنه حسن الأخلاق، وجزاؤه يأخذه في الدنيا مقدماً كما جَاءَ في حديث الثلاثة الذين قاتل أحدهم ليقال له شجاع، قيل له: إنما قاتلت ليُقال لكَ شجاع، فقد قيل أي: أخذت الجزاء. والآخر المنفق يُقال له: إنما أنفقت ليقال لك جواد وقد قيل، ما الذي تطمع فيه بالآخرة كيف ترجو الآخرة.

وكذلك القارئ ليُقَالَ: قارئ وقد قيل، إذاً ما دام أنه قد قيل انتهى؛ لأن هذا هو المراد.

فمهما قلنا عن هَؤُلاءِ الناس، فإنما ينالون جزاءهم في الحياة الدنيا والله سبحانه وتعالى لما بعث الأَنْبِيَاء بعث أكمل النَّاس عقولاً، فإنه جعلهم هم الأَنْبِيَاء وآتاهم الحكمة، وأعظم الحكمة هي توحيد الله وطاعة الله سبحانه وتعالى هذه هي الحكمة الحقيقية ولذلك في سورة الإسراء بعد أن ذكر الله سبحانه وتعالى الوصايا التي تزيد عَلَى ثمانية عشر وصية قال في آخرها ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَة [الإسراء:39] الحكمة تعني: أن ترك الشرك، والتوحيد، وبر الوالدين والإنفاق المعتدل -لا إسراف ولا تقتير- من الحكمة، والوفاء بالكيل والوزن، وترك الفواحش من الحكمة، كل ما ذكره الله سبحانه وتعالى في تلك الآيات هي الحكمة الحقيقية، والتي من عمل بها بلغ غاية الحكمة فنجد أن ما يقوله الفلاسفة ويتكلمون به من المثاليات الجوفاء.

ص: 426

ونجد أن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وأولياء الله وعباده الصالحون: يحققونه واقعياً، حتى أن العامي من الْمُسْلِمِينَ يفعل من الأخلاق مالا يفعله غيره ممن يعلم ضرر وخطأ وخطر البعد والخروج عن مقتضى العقل والحكمة، ومع ذلك يفعله لوجه الله وعلى منهج صائب وطريق مستقيم.

لكن لو تركت العقول كما تشاء، لاختلف النَّاس فيقول أحدهم مثلاً: من الحكمة أن الإِنسَان لا يتزوج إلا زوجة واحدة، بالمقابل، هناك عقول أخرى قالوا: ما المانع من أن الإِنسَان يتزوج مائة لو استطاع، ليس هناك مانع في العقل ولا في الحقيقة، لكن الدين حدد أربعاً.

إذاً عرفنا أن الخمس خارجة عن الحكمة، والذي يدعي أن الأربع منافية للحكمة فهذا قد نافى الدين، فهنا أمر ديني حدد لغير مقتضى عقلي يفرض الأربع أو الثلاث، وإنما هذا تشريع رباني فوق العقول البشرية، وفوق إدراكها، فجعل هناك حداً فما بعده لا يجوز الزيادة عليه.

الطائفة الثالثة دعاة الحرية وموقفهم من العبودية

وهي ليست طائفةً بالمعنى الصحيح، ولكن هي اتجاه فكري، ولم تكتب عنهم الكتب السابقة، لأنهم لم يكونوا قد برزوا في هذا الوضوح.

دعاة الحرية أو التحرر في العصور الأخيرة عصور الإلحاد في أوروبا، والتي انتقلت إِلَى بلاد الْمُسْلِمِينَ فإذا قلت لأحدهم: هذا حرام يقول لك: أنا حر، ولو دققنا في الكلام لوجدنا أن مفهوم كلامه: أنه خارج عن مقتضى العبودية والشرع ودائرة الحلال والحرام، الذي جَاءَ في الشريعة، فيقول لك: انا حر إذا قلت له يا أخي ألبس زوجتك الحجاب، وإذا قلت: يا أخت تحجبي، قالت: أنا حرة سُبْحانَ اللَّه!

ص: 427

فما معنى ذلك؟ إنه التمرد، وعلى من هذا التمرد هل هو عَلَى الأب الذي يأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر، ويقول لكَ أو لها: اتقوا الله عز وجل؟ لا هذا تمرد عَلَى شرع الله عز وجل وخروج وفسوق عما أنزل الله عز وجل أن يدعي أحد كائناً من كَانَ أنه حر، ثُمَّ يفعل ما يشاء، أبداً، هذا كما قال الله عز وجل: أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ [المؤمنون:115] ولو قدرنا أن المليار كل واحد منهم حر، فكيف ستكون الحياة الإِنسَانية، وأين تقف حريتك؟ وحرية كل فرد؟

1-

الحرية الحقيقية هي حرية العبودية لله عز جل:

إن الله سبحانه وتعالى قد بين أحكام الحلال والحرام، وأعطانا الحرية الحقيقية وهي حرية العبودية لله سبحانه وتعالى.

فالحر الحقيقي هو من لم يمتلك قلبه أي شيء إلا محبة الله سبحانه وتعالى، أما من ملكته شهوة أو فتنة أو شبهة فهذا عبد حقير ذليل مقيد، وإن كَانَ يقول أنا حر، فمن أراد الحرية الحقيقية فليتق الله وليتمسك بدينه وليحقق العبودية له تعالى، فكلما كَانَ عبداً له وحده خالصاً كلما كَانَ أكثر حرية، ولهذا تجدون عباد الله الصالحين -الأحرار الحقيقيين- لا يحدهم أي شيء؛ لأن كل ما في الكون من العبيد هم عبيد لله سبحانه وتعالى، وما يصنعه العبيد لا يضرهم في شيء.

فشَيْخ الإِسْلامِ ابْن تَيْمِيَّةَ مثلاً لما سجنوه ثُمَّ أخذوا الأقلام عنه، فتركوه حتى لا يكتب، قَالَ:" ما يصنع أعدائي بي، أنا قتلي شهادة، ونفيي سياحة، وسجني خلوة" فهذه غاية في الحرية، لا يمكن أن يخشى من أحد.

ص: 428

فالحرية الحقيقية هي في التمسك بما أنزل الله سبحانه وتعالى وبالثبات عَلَى دين الله عز وجل، أما الإِنسَان الذي إذا أراد شيئاً من الدنيا يجد أنه يشعر بشيء من العبودية لصاحب هذه الحاجة، وإذا لم تكن لك عنده أي حاجة فإنك تجد نفسك عزيزاً حراً فلا تشعر أنك تتقرب إليه أو تخضع له بأي نوع من أنواع الخضوع، مهما كانت درجته وأياً كَانَ منصبه.

فإذا جرد الإِنسَان التوحيد، ونقى قلبه من الخضوع والعبودية لغير الله؛ فإنه يكون في غاية الحرية التي ينشدها هَؤُلاءِ.

2-

دوافع ظهور ومجيء فكرة التحرر

ص: 429

نحن في ما يسمى بالعالم الشرقي -العالم الإسلامي- أخذنا هذه الفكرة دون أن ندرك ما الذي جعل الغربيين يدعون إليها ويؤمنون بها؟ ومن أين استقوا هذه الكلمة وكيف جاءتهم؟ نَحْنُ أخذناها من باب قول النبي صلى الله عليه وسلم (لتتبعن أو لتركبن سنن من كَانَ قبلكم، حذو القذة بالقذة حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه) هذا الإِنسَان الأوروبي تمرد عَلَى دينه وعلماء دينه، فقَالَ: أنا حر فجئنا نَحْنُ لنقول: نَحْنُ أحرار وعلى من نتمرد وعلى أي دين؟ عَلَى دين الله عز وجل. فالإِنسَان الغربي لم يأت بكلمة الحرية هذه إلا من الضغوط التي كَانَ يعاني منها، أما أنت أيها المسلم فالله عز وجل أنعم عليك وأنقذك بهذا الدين وبعث محمداً صلى الله عليه وسلم، فعلمك وعلم شعوب الأرض حقيقة الحرية فأنت الذي تُعلِّم جميع شعوب العالم الحرية، فأنت الحر الوحيد في هذا الكون لعبوديتك لله سبحانه وتعالى ولو خرجت عنها لوقعت في الذل، لأن الإِنسَان إذا لم يعبد الله عز وجل يعبد الشيطان كما قال الخليل عليه السلام يَا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ [مريم:44] ويقول الله سبحانه وتعالى في الشيطان أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ [يّس:60] فإذا عصيت الله عز وجل، فقد وقعت في عبودية الشيطان.

قَالَ المُصنِّفُ رحمه الله:

[والطريقة المشهورة عند أهل الكلام والنظر، تقرير نبوة الأَنْبِيَاء بالمعجزات، لكن كثير منهم لايعرف نبوة الأَنْبِيَاء إلا بالمعجزات، وقرروا ذلك بطرق مضطربة، والتزم كثير منهم إنكار خرق العادات لغير الأنبياء، حتى أنكروا كرامات الأولياء والسحر، ونحو ذلك ولا ريب أن المعجزات دليل صحيح، لكن الدليل غير محصور في المعجزات]

الشرح:

ص: 430

أهل الكلام جميعاً: المعتزلة، والأشعرية، وأمثالهم، ينصون عَلَى أنه لا دليل عَلَى صدق النبي صلى الله عليه وسلم إلا المعجزة.

إن المتكلمين يريدون أن يدفعوا شبهة ألقاها إليهم الفلاسفة وأمثالهم، وهذه الشبهة مجملها: أن الأديان كلها تقليد، ويقولون: إن اليهودي ولد يهودياً، والنصراني ولد نصرانياً، والمسلم ولد مسلماً، ولا يوجد هناك دين بالعقل أو بالنظر، ويقولون: إن المسألة ليس فيها دليل عقلي وإنما هي تقليد وإرث واتِّباع، فجاء هَؤُلاءِ غلاة المعتزلة، وغلاة الأشعرية وأمثالهم من الذين يسمون أنفسهم المدافعين عن الإسلام، وأرادوا أن يردوا عَلَى هَؤُلاءِ فَقَالُوا: إن النبوة عندنا ليست مجرد تقليد، وإنما نؤمن بالأنبياء وأنهم يأتون بدليل مادي ظاهر لا يملك العقل أن يرده، وهذا الدليل هو المعجزة -وسموها معجزة- والله سبحانه وتعالى يسمى ذلك حتى عَلَى لسان القوم بينة أو آية، والبينة أو الآية: هي التي بها تثبت صحة النبوة، وتثبت نبوة الأَنْبِيَاء بآيات بينات، وبراهين واضحات، وما يزعمه هَؤُلاءِ هو جزء من هذه البينات، وهي أن يجري الله عز وجل عَلَى يديه خارقاً من خوارق العادات، فالدليل عَلَى نبوة موسى عليه السلام ليس فقط أنه ألقى العصا فإذا هي حية تسعى هذه هي آية قامت بها الحجة علىفرعون، لكن ليست هي الدليل الوحيد عَلَى نبوة موسى عليه السلام وهذا بين من أصل نشأته لو فكر هَؤُلاءِ!

من الذي أوحى إِلَى أمه أن تضعه في التابوت؟ ومن الذي ساق التابوت إِلَى أن أوصله إِلَى قصرفرعون؟ ومن الذي ألقى في قلب امرأة فرعونأن تحبه؟ ومن الذي سخر فرعون أن يطيع امرأته لتربى هذا الولد وتحتضنه؟

ثُمَّ يأتي هذا الولد ويقف أمام الطاغوت الأكبر الذي يقول: َأَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى [النازعات:24] فيقول له: أعبد الله، وأنت عبد مخلوق؛ هذا بنفسه: بينة بل بينات وبراهين.

ص: 431

إذاً فالدليل عَلَى نبوة النبي براهين وبينات وأدلة كثيرة ليست محصورة في الخارق الذي يسمونه معجزة، وهى كما أن النبي صلى الله عليه وسلم وضع أصبعه في الماء ففاض، وأعطى سمرة السهم ووضعه في بئر الحديبية ففاضت البئر، وأنه انشق له القمر أو نحو ذلك.

هذه ليست الدليل الوحيد، والدليل عَلَى أنه نبي من عند الله عز وجل؛ بل يعرف بالقرائن والأحوال، ومن رأى حياته وسيرته وسلوكه عرف صدق نبوته صلى الله عليه وسلم.

قالالطّّحاويّ رحمه الله:

[وتفسيره عَلَى ما أراد الله وعلمه] .

وهذا الموضوع وإن كَانَ جَاءَ به ضمن بحث الرؤية، إلا أنه مع ذلك من الموضوعات الأساسية في مباحث العقيدة، وهو معرفة حكم ألفاظ الشارع ومعانيها ودلالتها، وكيف فهمها أهل البدعة والرد عليهم في ذلك، فموضوع التأويل وأخذ الكلام عَلَى ظاهره من أساسيات موضوعات العقيدة ومباحث الصفات التي ينبني عليها: إما حق صراح وإما باطل محض، فعليها ركبت الضلالات والبدع عند أهل البدع، وعلى أساس فهمها الصحيح فهم أهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ ما جَاءَ في كتاب الله وفي سنة رسوله صلى الله عليه وسلم من صفات الله، وكان منهجهم في ذلك واضحاً جلياً، ووضعوا في ذلك قواعد عامة يهتدي بها طالب العلم لمعرفة ما يثبت لله تَعَالَى وما لا يثبت، وكيف يستدل عَلَى إثبات ذلك ولماذا لا يؤول؟ ولا يصرف اللفظ عن ظاهره؟

فيقول أبو جعفر الطّّحاويّ:

[وتفسيره عَلَى ما أراده الله تَعَالَى وعلمه، وكل ما جَاءَ في ذلك من الحديث الصحيح عن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم فهو كما قال، ومعناه عَلَى ما أراد، لا ندخل في ذلك متأولين بآرائنا، ولا متوهمين بأهوائنا، فإنه ما سلم في دينه إلا من سلم لله عز وحل ولرَسُول صلى الله عليه وسلم، ورد ما اشتبه عليه إِلَى عالمه] .

ص: 432

هذا العبارات تعطينا قاعدة عظيمة جداً من قواعد الأسماء والصفات وإثباتها: وهو أننا نثبت ما جَاءَ في كتاب الله وفي سنة رَسُول الله صلى الله عليه وسلم من ذلك ونقول: تفسيره عَلَى ما أراده الله وعلمه، يعني: مع الإيمان بها وبمعناها الظاهر لنا، فإننا نقول: إن الكيفية وحقائق هذه المعاني يعلمها الله، أما المعاني فنحن ندركها ونعلمها من كلام العرب. وكان السلف الصالح أعلم النَّاس بلغة العرب وقد فهموا الآيات والأحاديث في صفات الله من كلام الله ومن كلام رَسُول الله صلى الله عليه وسلم، واستفسروا عما كَانَ قد أشكل عليهم، وهم أعلم النَّاس في هذا الباب.

أما حقائق الكيفيات التي لا يدركها الإِنسَان بعقله، ولا يمكن أن ينالها بنظره وفكره، فهذه نؤمن بها عَلَى ما أراد الله ولا ندخل في ذلك متأولين، كما أشار المُصنِّفُ رحمه الله وبين في القاعدة العظيمة والأصل العظيم "أنه ما سلم في دينه إلا من سلم لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم" فهذه القاعدة تشمل الأحكام، فلا نعترض عَلَى أحكام الله عز وجل إذا أردنا أن يسلم لنا ديننا نسلم لله عز وجل كل حكم يحكم به في الأحكام الشرعية، وحتى في الأحكام الكونية القدرية نسلم لله، ولا نعترض عَلَى أي قدر من أقدار الله في أنفسنا أو في الكون، لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ [الأنبياء:23] فإذا كَانَ هذا هو الواجب علينا في هذه الأحكام فكيف بما يخبرنا به - سبحانه- عن نفسه؟ بل هو أولى؛ لأنه من الغيب المحض الذي لا تناله العقول وتتقاصر دونه الأفهام، فنسلم به لله ولرسوله، وكل ما أتانا من الوحي نؤمن به ولا نعارضه أبداً.

قَالَ المُصنِّفُ رحمه الله:

ص: 433

[وقوله: وتفسيره عَلَى ما أراده الله وعلمه إِلَى أن قَالَ: لا ندخل في ذلك متأولين بآرائنا ولا متوهمين بأهوائنا. أي: كما فعلت المعتزلة بنصوص الكتاب والسنة في الرؤية، وذلك تحريف لكلام الله وكلام رسوله عن مواضعه.

فالتأويل الصحيح هو الذي يوافق ما جاءت به السنة والفاسد المخالف له، فكل تأويل لم يدل عليه دليل من السياق، ولا معه قرينة تقتضيه، فإن هذا لا يقصده المبين الهادي بكلامه، إذ لو قصده لحفَّ بالكلام قرائن تدل عَلَى المعنى المخالف لظاهره، حتى لا يوقع السامع في اللبس والخطأ، فإن الله أنزل كلامه بياناً وهدى، فإذا أراد به خلاف ظاهره، ولم يحف به قرائن تدل عَلَى المعنى الذي يتبادر غيره إِلَى فهم كل أحد، لم يكن بياناً ولا هدى. فالتأويل إخبار بمراد المتكلم، لا إنشاء] اهـ.

الشرح:

الجهمية والمعتزلة الذين ينكرون صفات الله، أنكروا رؤية الله في الدنيا والآخرة، وكذلك من تبعهم من الخوارج ينكرون رؤية الله في الدنيا والآخرة، وكذلك الإمامية فإنهم أخذوا بعقيدة المعتزلة منذ القرن الرابع تقريباً فما بعد فكل هذه الفرق نفت وأنكرت الرؤية، ولم تعمل بما جَاءَ في كتاب الله وفي حديث رَسُول الله صلى الله عليه وسلم فيما يتعلق بإثبات رؤية الله وحرفوا معناها، ولهذا ذهب المُصنِّفُ تبعاً للطحاوي إِلَى أن التأويل باطل، وقوله هنا:[وذلك تحريف لكلام الله وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم عن مواضعه] هذا هو التعريف الصحيح للتأويل الذي يدعيه ويزعمه المتأخرون، فهو في الحقيقة تحريف، ولكنهم سموه تأويلاً.

من معاني التأويل

1-

أنه بمعنى التفسير: وهو أكثر ما كَانَ يستخدمهالسلف الصالح من الصحابة والتابعين ومن بعدهم مثل: تفسير الطبري فعند تفسيره للآية يقول: وتأويل قوله تَعَالَى:

وكان السلف إذا سأل أحدهم عن معنى آية يقول: ما تأويلها. هذا هو معنى التأويل في كلامهم.

ص: 434

2-

هو ما تؤول إليه حقيقة الشيء وقوعه، كقوله: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ [الأعراف:53] أي: يوم يقع هذا الذي ينكرون، وفي قصة يوسف هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيايَ مِنْ قَبْلُ [يوسف:100] أي: وقت وقوع الرؤيا التي رآها وهو صغير وهي قوله: إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ [يوسف:4] .

وبعد أربعين سنة جَاءَ أبوه وأمه وإخوانه الأحد عشر، ورفعوه عَلَى العرش وخروا له سجداً فقَالَ: هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيايَ مِنْ قَبْلُ [يوسف:100] ولهذا فقوله تعالى: وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ [آل عمران:7] يجوز للقارئ أن يقف هنا، وهو قول طائفة من السلف. والمقصود أن كيفية وقوعه وتحققه لا يعلمها إلا الله.

فجاء المتأخرون ووضعوا معنى جديداً وسموه تأويلاً وهو: صرف اللفظ عن الاحتمال الراجح إِلَى الاحتمال المرجوح، لأن اللفظ يحتمل معنيين فيصرفونه عن المعنى الظاهر الراجح إِلَى المعنى المرجوح يضعونه من عند أنفسهم وهذا هو التأويل المذموم، وهو الذي مشى عليه الذين أولوا صفات الله تَعَالَى، وهو من أعظم الأبواب التي هُدم الدين بها، ولهذا جعله ابن القيم في كتاب الصواعق المرسلة عَلَى الجهمية والمعطلة: طاغوتاً من الطواغيت الكبرى، ورد عليه وهدمه؛ لأنه باب دخل منه المؤولة، فنفوا صفات الله: فنفوا اليد والعين والنزول والرضا والغضب وغيرها، وهذا المدخل لما دخل منه نفاة الصفات، وأقروه قالوا: هذا هو دين الإسلام وحقيقته، ولا يجوز لأحد أن يعتقد ظاهر هذه النصوص.

ص: 435

ثُمَّ جَاءَ أناس شر منهم وأخبث، ودخلوا من باب التأويل، وهدموا دين الإسلام بالكلية، وهم الباطنية فقالوا: لا يوجد قيامة ولا بعث، ولا نشور، فيُقال لهم: في القُرْآن والسنة أحاديث تدل عَلَى وجود قيامة وعلى نعيم الجنة، وعذاب القبر ونعيمه، فيقولوا: نؤوله مثلما أولتم آيات الصفات، فذهبوا إِلَى أبعد من ذلك، فأولوا الصلاة والزكاة والحج حتى الأشياء التي تناقلها النَّاس بالعمل.

فالصلوات الخمس عند الباطنية عَلِيّ وحسن وحسين وفاطمة، ومحسن هذه هي الصلوات، وعلى هذا لم يبق من الدنيا شيء يتمسك به، فهَؤُلاءِ القوم أولوا مثلما أول غيرهم، وكان السبب أُولَئِكَ الذين فتحوا باب التأويل وأقروه؛ لأن الإِنسَان عندما يقر مبدأ معيناً ويستخدمه، كيف يمنع خصمه أن يستخدمه، يقول الشاعر:

فلا تغضبن من سيرة أنت سرتها وأول راضٍ سيرة من يسيرها

أول من يرضى بها من سار بها، فلا تغضب إذا سار غيرك هذه السيرة، فكان هذا من أبواب الشر الكبرى التي فُتحت في دين الإسلام، ثُمَّ احتار النَّاس بعد ذلك ماذا يؤولون، وماذا لا يؤولون؟ ووقعت الأمة في خلاف عظيم كما في كتاب قواعد العقائد وقد طبع مستقلاً، وهو جزء من كتاب إحياء علوم الدين للغزالي فعند موضوع التأويل قَالَ: الخلاف في التأويل عظيم: فمن النَّاس من أول كل شيء حتى الصلوات، ومنهم من قَالَ: لا نؤول أي شيء، ومن ذلك الحنابلة، ثُمَّ احتاروا ولو أنهم ردوا الأمر عَلَى ما كَانَ عليه السلف لما كَانَ هناك حيرة.

ص: 436

ثُمَّ هو بين انحلال الباطنية والقائلين بالكشف، أي: الذين يذكرون الله كثيراً حتى يأتيهم الكشف! ثُمَّ يلقي في قلب أحدهم أن هذه الآية أولها، وهذه الآية لا تؤولها، أو يكون في المنام فيأتيه شخص فَيَقُولُ: أنا رَسُول الله أو أبُو بَكْرٍ أو عُمَر أو الشيخ الفلاني وهذه الآية لا تؤولها، وهذه الآية أولها، إِلَى هذا الحد يصل ديننا، فنحتاج إِلَى مكاشفات ومنامات وخيالات حتى نعرف حقيقة ما جَاءَ في كتاب الله وفي سنة رَسُول الله صلى الله عليه وسلم!!

هل أنزل الله القُرْآن هدى وبياناً وشفاءً لما في الصدور وجواباً قاطعاً لكل شبهة إِلَى قيام الساعة أم أنزله في وضع محير للعقول لا بد له من الكشف؟ وكم هم من يستطيع أن ينال الكشف من الناس؟! وإلا تحتار العقول كيف تؤول؟ والحل والمخرج الصحيح هو ما كَانَ عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه من غلق باب التأويل بالكلية.

وقوله: [فالتأويل الصحيح هو الذي يوافق ما جاءت به السنة والفاسد المخالف له] . يعني: أن التفسير الصحيح هو الذي يفسر الآيات أو أحاديث الصفات عَلَى مايوافق السنة، أو عَلَى فهم الصحابة والتابعين النابع من فهمهم لكلام العرب.

ص: 437

ثُمَّ قال المصنف: [فكل تأويل لم يدل عليه دليل من السياق ولا معه قرينة تقتضيه، فإن هذا لا يقصده المبين الهادي بكلامه] والمبين الهادي هو النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي أنزل الله إليه الذكر ليبين للناس ما نُزِّل إليهم، وهو الذي يشرح ويوضح كلام الله تعالى، فإذا جَاءَ معنى من المعاني فلا بد أن يكون إما ظاهراً واضحاً بنفسه لمن تأمله، وأما أن يقول النبي صلى الله عليه وسلم: لا تعتقدوا ظاهر هذا النص وهذا المعنى الواضح، الذي إذا قرأتموه فهمتموه، فإذا كَانَ هذا الأخير، فإنه يجب عليه صلى الله عليه وسلم أن يبين هذا، فإذا كَانَ العرب يفهمون من استوى: استقر وعلا وارتفع وصعد وأمثال هذه المعاني الواضحة من لغة العرب، وفهمها السلف وفسروها بذلك، بينما يكون المعنى الصحيح هو استولى، فالنبي صلى الله عليه وسلم لما أنزل عليه هذا القُرْآن وقرأه بين أظهرهم، وأوجب الله عليه أن يبين لهم، كَانَ ينبغي عليه ولو مرة من المرات في جلسة من الجلسات أن يقول لهم: انتبهوا إذا قرأتم شيئاً من كتاب الله أو قلت لكم حديثاً في الصفات، فلا تأخذوه عَلَى ظاهره؛ بل لا بد أن تؤولوه وتخرجوه عن كلام العرب، وهذا في الحقيقة لم يحصل ولا يمكن أن يحصل.

ولهذا فالذين تراجعوا عن التأويل من المؤولين استدلوا بهذا الدليل الجلي الواضح كما فعل ذلك أبو المعالي الجويني في الرسالة النظامية والتي رجع فيها عن مذهب التأويل مستدلاً بهذا الدليل فقَالَ: وجدنا السلف مطبقين مجمعين عَلَى عدم التأويل، وهم أعلم النَّاس بالدين وأشدهم فهماً وأحرصهم عليه، فلو كَانَ هذا التأويل، حقاً لسبقونا إليه فلما وجدنا إطباقهم جميعاً عَلَى عدمه علمنا أنه باطل، فهذا استدلال صحيح.

ص: 438

لكن تأتينا قضية أخرى لا بد من بيانها: وهي كلمة الظاهر في آيات وأحاديث الصفات، وقولنا تفهم عَلَى ظاهرها فما هو ظاهرها؟ وكيف نفهم هذا الظاهر؟ وما هي أقوال النَّاس في ذلك؟ وهذه القضية من أخطر القضايا التي ضل فيها كثير من الناس، ولم يفهموها حق فهمها.

فنجد في كتاب العقائد من علم الكلام يقولون: (ونؤمن بهذه الصفات ونقرها مع اعتقاد أن ظاهرها غير مراد!) ويأتي بعضهم فَيَقُولُ: "اتفق السلف والخلف عَلَى أن ظاهر الآيات غير مراد ولكن افترقوا فريقين: فالسلف فوضوا والخلف أولوا وطريقة السلف أسلم وطريق الخلف أعلم وأحكم، فعندما يقرأون قوله تعالى: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى فالظاهر الذي فهموه من هذه الآية أن الاستواء هنا مثل استواء المخلوقين، ولهذا قالوا: إن السلف والخلف متفقون عَلَى أن الظاهر غير مراد، فنقول لهم: أخطأتم في إطلاق كلمة الظاهر هنا؛ لأنه لا يمكن أن يكون ظاهر كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم غير مراد! ومقولتكم هذه كانت بسبب ما تقرر لديكم ومن ثُمَّ أوجبتم تأويل ظاهر النصوص.

ص: 439

فيذكر المُصْنِّف هذه القاعدة فَيَقُولُ: فكل تأويل لم يدل عليه دليل من السياق ولا معه قرينة تقتضيه فإن هذا لا يقصده المبين الهادي بكلامه إذ لو قصده -يعني: الهادي المبين وهو الرَّسُول الذي يبين كلام الله وكلامه صلى الله عليه وسلم لو قصده أو حتى القُرْآن لو قصد المعنى غير المتبادر إليه- لحف بالكلام قرائن تدل عَلَى المعنى المخالف لظاهره، حتى لا يوقع السامع في اللبس والخطأ -لأنه إذا لم يبين ذلك وقع السامع في اللبس والخطأ- فإن الله أنزل كلامه بياناً وهدى فإذا أراد به خلاف ظاهره ولم يحف به قرائن تدل عَلَى المعنى الذي يتبادر غيره إِلَى فهم كل أحد، لم يكن بياناً ولا هدى فإذا كَانَ الله تَعَالَى يريد بهذه الكلمة معنى من المعاني، ولم يدل عليه ولم يجعل قرينة تدل عَلَى صرفه عن المعنى الذي يفهمه النَّاس منه، ولم يبين رَسُول الله صلى الله عليه وسلم ذلك فعلى هذا لا يكون القُرْآن هدىً ولا بياناً بل يصبح ذا حيرة ومتاهة، وهذا لا يكون في كلام الله ولا في كلام رسوله صلى الله عليه وسلم أبداً.

ص: 440

والسلف الصالح لم يكن يتبادر إِلَى أذهانهم عند قراءتهم لآيات الصفات أن الظاهر الذي يثبتونه لله هو ما يوافق وما يشابه صفات المخلوقين. فالخطأ عند المبتدعة كأهل الكلام والمعطلة أنهم تصورا أن هذا هو الظاهر، ومن ثُمَّ أخذوا يأولون عَلَى ما تصوروا، لكن السلف الصالح فهموا قوله تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ فكانت قاعدة مقررة لديهم وكل مسلم تُرك عَلَى فظرته السليمة، فإنه يوقن بذلك، فإذا قلت لأحدهم: هل علمك مثل علم الله وحياتك مثل حياة الله؟ فسيقول: أعوذ بالله، وهذا هو لسان العوام الذين لم يعلموا من الدين إلا ما عليه الفطرة السليمة، فكيف يظن بأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم والسلف الصالح أنهم فهموا آيات الصفات أنها تعني مشابهة الله للمخلوقين، بل ظاهرها اللائق بجلال الله تَعَالَى وعظمته هو المعنى الظاهر عند السلف.

وشَيْخ الإِسْلامِ ابْن تَيْمِيَّةَ له رسالة مستقلة في موضوع الظاهر ومعناه، وأدلة السلف على أن ظاهر الصفات هو ما فهمه السلف الصالح وهو اللائق بجلال الله تعالى، وهذه الرسالة تسمى الرسالة المدنية طبعت مستقلة، وكذلك موجودة في الجزء السادس من مجموع الفتاوى والرسالة المدنية كتبها شَيْخ الإِسْلامِ ابْن تَيْمِيَّةَ إِلَى بعض أهل المدينة من أهل العلم يبين لهم حقيقة مذهب السلف الصالح في صفات الله، ورد فيها عَلَى القائلين بالتأويل والمجاز الزاعمين أنه خلاف الظاهر، ثُمَّ بين لهم ما معنى الظاهر وما حقيقته؟ ومن جملة ما بين لهم ما أخذ منه المُصْنِّف هنا بعض المقتطفات

احتياج صرف النصوص عن ظاهرها إلى أمور أربعة

قَالَ: [إن صرف النصوص والأحاديث في الصفات عن معانيها اللائقة بجلال الله إِلَى أي معنى أخر يحتاج فيه إِلَى أربعة أمور] وهذه الأمور لم تتحقق:

ص: 441

الأمر الأول: لا يستطيع أحد أن يثبت أن هذا الظاهر أو أن هذا اللفظ الذي استعمله فيما يتعلق بالصفات استُخدم في القُرْآن وفي السنة بالمعنى المجازي لا بالمعنى الحقيقي، وهذا الذي أشار إليه المُصْنِّف هنا وهي قضية مهمة جداً.

فيقول المُصْنِّف رحمه الله: [فالتأويل إخبار بمراد المتكلم لا إنشاء] والفرق بين الإنشاء والخبر: أن الخبر ما يحتمل الصدق والكذب، كقولك: جَاءَ مُحَمَّد فهو محتمل للصدق والكذب، والإنشاء ما لا يحتمل الكذب أو الصدق كقولك: هل جَاءَ زيد؟ فهذا لا يحتمل الصدق ولا الكذب فالذي يقرأ قوله تعالى: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:5] ويقول: إن استوى بمعنى استولى ويقرأ قوله تعالى: وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ [البقرة:255] ويقول: العلو هنا علو القهر لا علو الذات يقال له: لقد قلت خبراً من عندك فهو إخبار بمراد المتكلم فكأنك تقول: إن ربكم تَعَالَى لما أنزل عليكم هذه الآية يقول لكم اعتقدوا أني عالٍ عليكم بقهري وغلبتي ولا تعتقدوا أني عالٍ عليكم بذاتي، وهذا كلام خطير جداً، هذه القضية الأولى أن يقول قائل: بأن المعنى الذي جَاءَ في الكتاب أو في السنة هو المعنى المجازي أو المعنى الذي يؤولونه به وليس غيره.

ص: 442

القضية الثانية: أن يكون معه دليل يوجب صرف المعنى عن ظاهره، فيقول مثلاً:" العلي": تحتمل العلو بالذات، وتحتمل العلو بالقهر والغلبة؛ و" الاستواء " يحتمل الاستيلاء ويحتمل العلو والارتفاع، وأنا لدي دليل يوجب صرف المعنى الذي يقولهالسلف وهو: الاستواء الحقيقي، بحيث لو قال أحد: إن الله علا عَلَى خلقه بذاته قَالَ: هذا مشبه ومجسم، والاعتقاد الصحيح والراجح الذي يجب عَلَى كل مسلم أن يعتقده أنه علو بالغلبة فقط! أو أنه الاستيلاء وليس الاستواء! فإذا جئت إِلَى الدليل الصارف الذي يصرف المعنى من هذا إِلَى ذلك قال لك: البراهين العقلية تثبت أن الله لا يتصف بعلو الذات أو الاستواء، أي: أنه لا يتصف بصفات المخلوقين، والرد عليهم من وجهين:

الوجه الأول: أن الظاهر -كما سبق أن قلنا- لا يدل عَلَى المشابهة.

والوجه الثاني: أن الذي ينفي هذه المعاني لو احتملها الخيال ليس القواطع أو البراهين العقلية، وإنما هو كتاب الله نفسه قال تَعَالَى:لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشورى:11] .

فمنهج أهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ هو إثبات ونفي لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشورى:11] فما ننفي شيئاً إلا لأن الله نفاه، لا لأن العقول أو القواطع أو البراهين دلت عليه، وما نثبت شيئاً إلا لأن الله أثبته، هذا هو المنهج المتوازن، وليس فيه خلل ولله الحمد.

ص: 443

وأما هم فالخلل كبير جداً عندما أتوا ووضعوا قانون التأويل هكذا يسمونه، وقالوا به نعرف ما الذي يؤول وما الذي لا يؤول، وبمعنى آخر ما هي المواضع التي تقدم فيها البراهين العقلية، وماهي المواضع التي يؤخذ بها بظواهر الآيات، ولقد تكلموا في ذلك وأطالوا، وممن تكلم في ذلك إمامهم فخر الدين الرازي صاحب التفسير الكبير، وقد ذكر الرازي هذا المبدأ في التأويل ورجح أنه إذا تعارض الدليل العقلي مع الدليل النقلي قدم الدليل العقلي، فرد عَلَى هَؤُلاءِ الذين يرون أنه يمكن أن يتعارض دليل عقلي مع دليل نقلي شَيْخ الإِسْلامِ ابْن تَيْمِيَّةَ، في كتابه الكبير الذي لم يكتب في بابه مثله أبداً أي مؤلف لا منأهل السنة ولا من أهل البدعة وهو كتاب درء تعارض العقل والنقل، ذكر في أوله القانون الكلي للتأويل ثُمَّ أخذ يرد عليه من وجوه طويلة جداً استغرقت هذه المجلدات الطويلة، فالحاصل أن دعواهم باطلة، وحجتهم داحضة، فليس هناك دليل يوجب صرف اللفظ عن المعنى الراجح وعن الظاهر المتبادر إِلَى الاحتمال المرجوح.

ص: 444

القضية الثالثة: أن يسلم الدليل الصارف من المعارض، فنفرض وجود لفظ له احتمالات فأتى القوم بدليل يصرفه عن الاحتمال الراجح فيقال لهم: هل تجزمون أن دليلكم هذا سالم من المعارض؟ والجواب إن المعارض موجود وقوي في كل ما أولوه، هذه هي العقبة الثالثة التي لا يستطيعون أن يتجاوزوها. العقبة الرابعة: وهي أنه يجب عليهم أن يأتوا قبل أن يؤولوا ببيان عن رَسُول الله يبين أن الله أو أنه صلى الله عليه وسلم أراد من اللفظ خلاف الظاهر وهذا لا يمكن أن يقع، فالنصوص التي يريد فيها النبي صلى الله عليه وسلم معنى غير المعنى المتبادر، فإنه يوضحها صلى الله عليه وسلم سواءً أحاديث الصفات أو غيرها فمثلاً حديث:(مرضت ولم تعدني) لم يقف النبي صلى الله عليه وسلم، بل جَاءَ بعده فَيَقُولُ:(أتمرض يا ربي! وأنت رَبّ الْعَالَمِينَ، فَيَقُولُ: مرض عبدي فلان ولم تعده) .

ص: 445

فبين صلى الله عليه وسلم أن المرض ليس من صفات الله، والنبي صلى الله عليه وسلم لا بد له أن يبين حتى في غير نصوص الصفات، فالنبي صلى الله عليه وسلم لما قال لأصحابه:(أتدرون من المفلس؟ قالوا يا رَسُول الله: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع) والرَّسُول يريد معنى آخر بين لهم ذلك بقوله: (المفلس من يأتي يَوْمَ القِيَامَةِ بحسنات مثل جبال تهامة، ولكن يأتي وقد ضرب هذا، وظلم هذا، وأخذ مال هذا، فيؤخذ من حسناته فتعطى لهم حتى إذا نفذت أخذ من سيئاتهم فطرحت عليه فوضع في النَّار) فلما كَانَ النبي صلى الله عليه وسلم يريد معنى غير المتبادر، وغير المفهوم عند النَّاس بين لهم. فالقصد أنه عندما نأتي إِلَى آيات وأحاديث الصفات، ولا نجد مرة واحدة قال فيها النبي صلى الله عليه وسلم لا تفهموها عَلَى ظاهرها، فليس العلو مثلاً علو الذات بل هو علو القهر، وليست اليدان حقيقة بل هي الحفظ والرعاية، وليس الرضى والغضب عَلَى الحقيقة بل هو إرادة الانتقام فإن ذلك كله يدل دلالة واضحة عَلَى أن مذهبهم في التأويل باطل ومذهبهم في صرف اللفظ عن ظاهره باطل ولا يعول عليه هذه عقبات أربع لا يمكن أن يتجاوزوها أبداً.

قال المصنف -رحمه الله تعالى-:

ص: 446

[وفي هذا الموضع يغلط كثير من الناس، فإن المقصود فهم مراد المتكلم بكلامه، فإذا قيل: معنى اللفظ كذا وكذا، كان إخباراً بالذي عناه المتكلم، فإن لم يكن الخبر مطابقاً كان كذباً على المتكلم، ويعرف مراد المتكلم بطرق متعددة: منها: أن يصرح بإرادة ذلك المعنى. ومنها: أن يستعمل اللفظ الذي له معنى ظاهر بالوضع، ولا يبين بقرينة تصحب الكلام أنه لم يرد ذلك المعنى، فكيف إذا حف بكلامه ما يدل على أنه إنما أراد حقيقته وما وضع له، كقوله: وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيماً [النساء:164] و (إنكم سترون ربكم كما ترون الشمس في الظهيرة ليس دونها سحاب) ] اهـ.

الشرح:

عندما يتكلم أي متكلم فالمطلوب منا إذا استمعنا له أن نفهم ماذا يريد بكلامه على ظاهره الذي يفهمه أي إنسان مخاطب به، فإذا قيل: معنى اللفظ كذا كان إخباراً به عن المتكلم، فإن لم يكن الخبر مطابقاً كان كذباً على المتكلم، لأنك قد قلت كلاماً ما أراده عندما تكلم به.

وهنا سؤال وهو كيف يعرف مراد المتكلم؟

هناك أوجه عقلية يعرف بها مراد المتكلم:

الأولى: أن يصرح بإرادة ذلك المعنى، بحيث لو اشتبه المعنى على بعض الناس تجده يقول: والمعنى الذي قصدته كذا وكذا، أو لو كانت كلمته مجملة تحتمل عدة معاني فإنه يقول: أنا أردت هذا المعنى ولم أرد ذلك المعنى.

ص: 447

الثاني: أن يستعمل اللفظ الذي له معنى ظاهراً في الوضع الذي وضع له في اللغة ولا يأتي بقرينة تدل على صرفه: فمثلاً كلمة العين في لغة العرب تطلق على الذهب وعلى عين الماء وعلى العين العادية، فلو أن شخصاً قال -بدون أي قرينة-: أنا عندي عين فمن الممكن أن يقصد أن عنده هذه العين التي في رأسه، أو عنده ذهب، أو عنده ماء، لأنه لا يوجد قرينة تدل على أحد هذه الأشياء فلو قال: أنا عندي عين أنظر بها فيكون بهذا قد اتضح المراد فلا يمكن أن تقول بعد ذلك لعل قصده الذهب أو الماء

لوجود القرينة التي تدل على أنه قصد العين التي في رأسه وهي قوله: "أنظر بها"، فإذا دل ظاهر الكلام على المراد ولم تأت قرينة تصرفه عن ذلك، فهذا هو الأصل وهو: أن يؤخذ بظاهر الكلام.

ومن خالف فقد خالف ما هو معهود في كلام الناس فمثلاً يقول تعالى: وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ [البقرة:113] فاليهود عندما قالت: يد الله مغلولة، فهم يقصدون بذلك اليد المعروفة، ولما ردَّ اللهُ عليهم قال: غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ [المائدة:64] وهي الأيدي المتصف بها اليهودالمعروفة أيضاً في اللغة، ثم قال: بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ [المائدة:64] فهل هذا المعنى يحتمل التأويل؟ لا يحتمل التأويل لأنه واضح ومحدد حتى في اللغة العربية، فإذا قال قائل معناها: نعمتاه مبسوطتان، قلنا له: هذا معنى بعيد جداً ولا يمكن أن يتصور في هذه الآية إذ المصدر لا يثنى، فلا يمكن أن يحمل قوله تعالى: بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ [المائدة:64] إلا على المعنى الحقيقي، فكيف يصرف عن المعنى الظاهر والمتكلم قد جاء بالقرائن التي تدل على أنه يريد الظاهر الذي يفهمه كل إنسان من اللفظ.

ص: 448

يقول المصنف رحمه الله: [فكيف إذا حف بكلامه ما يدل على أنه إنما أراد حقيقتة وما وضع له كقوله: وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيماً [النساء:164] وقوله هذا لا يمكن أن يحتمل أن يكون مراده الكلام النفسي أو أنه خلق الكلام في الشجرة، والشجرة خاطبت موسى كما تقول الأشعرية وغيرهم من المؤولة.

فعندما تقول: قابلت فلاناً مقابلةً فإنه لا يمكن أن يكون بالتلفون ولا بالبريد، فإنك قد أتيت بالفعل وأتيت بالمصدر لتؤيد ذلك وتؤكده وعليه تكون قد نفيت أي احتمال، كذلك نصوص الصفات، فقول النبي صلى الله عليه وسلم:(إنكم ترون ربكم عيانا ً كما ترون الشمس في الظهيرة ليس دونها سحاب)، لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يكون المراد منه: إنكم ترون نعمة الله، وفي الحديث الآخر:(كما ترون هذا القمر) فأشار بإشارة حسية إلى شيء معروف لدى جميع المخاطبين، حتى يفهم أقل الناس تفكيراً ونظراً وبهذا يتضح أنه لا يحتمل المعنى الذي ذهبت إليه الفرق التي تنفي رؤية الله سواء كانت المعتزلة أو الجهمية أو الإباضية أو أي فرقة من فرق الضلال.

يقول المصنف -رحمه الله تعالى-:

[فهذا مما يقطع به السامع فيه بمراد المتكلم، فإذا أخبر عن مراده بما دل عليه حقيقة لفظه الذي وضع له مع القرائن المؤكدة كان صادقاً في إخباره وأما إذا تأول الكلام بما لا يدل عليه ولا اقترن به ما يدل عليه فإخباره بأن هذا مراده كذب عليه، وهو تأويل بالرأي وتوهم بالهوى] اهـ.

الشرح:

ص: 449

ومعنى هذا الكلام أنك إذا قلت: إن الله تعالى أو إن رسوله صلى الله عليه وسلم يريد بالرؤية الرؤية الحقيقية البصرية، فأنت تخبر عن الله فلا بد أن تقول هذا بعلم، فإن كنت قلته بناء على أن هذه الآيات والأحاديث واضحة بهذا المعنى فإخبارك عن الله صادق، فمن قال: إن المراد بقوله صلى الله عليه وسلم: (إنكم سترون ربكم كما ترون الشمس في الظهيرة ليس دونها سحاب) أننا نرى الله في الآخرة حقيقة بأبصارنا، فهو صادق في إخباره عن رسول الله أو عن الله تعالى، ولو أتى شخص وقال المراد بالرؤية النعمة، أو المراد انتظارها فإننا نقول: هذا كاذب في إخباره عن الله وعن رسول الله؛ لأنه ليس إنشاءاً بل خبر يحتمل الصدق ويحتمل الكذب.

يقول المُصنِّفُ - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى-:

[وحقيقة الأمر: أن قول القائل نحمله عَلَى كذا، أو نتأوله بكذا، إنما هو من باب دفع دلالة اللفظ عما وضع له، فإن منازعه لما احتج عليه به ولم يمكنه دفع وروده، دفع معناه، وقَالَ: أحمله عَلَى خلاف ظاهره] اهـ.

الشرح:

هذه قاعدة أهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ التي بها عرفوا مدخل أهل البدع، وأصل أهل البدع في جميع الصفات، ولماذا ينفونها؟ وهو أنهم لما قالوا في آيات الصفات نحملها عَلَى كذا ونحملها عَلَى كذا أرادوا أن ينفوا المعنى.

ص: 450

فمثلاً علو الله تَعَالَى نفوه وعندما أتوا إِلَى الآيات التي تثبت العلو لم يقولوا: إن الله لم يقل في القُرْآن أنه العلي، أولم يقل في القرآن: أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ [الملك:16] لأنهم لو فعلوا ذلك لوقعوا في الكفر الصريح الواضح، فهم لا يريدون إثبات المعاني ويريدون أن تبقى الألفاظ، حتى لا يُقَالَ: إنهم أنكروا ألفاظ الكتاب والسنة، فَقَالُوا: لفظ العلو يحتمل معنيين معنى كذا ومعنى كذا، فنحن نصرفه عن المعنى هذا، ونأخذ المعنى الآخر، وهذا مدخل يريدون به أن يبقى اللفظ مجرد رسم وينفوا حقيقته التي أرادها الله تعالى، هذا هو حقيقة مذهبهم وهكذا فهم أهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ مرادهم، فهم لا يستطيعون أن ينفوا الآيات لكن يأتون بما يخلي الآية ويفرغها من مضمونها ومحتواها.

قَالَ المُصنِّفُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى:

[فإن قيل: بل للحمل معنى آخر، لم تذكروه، وهو: أن اللفظ لما استحال أن يراد به حقيقته وظاهره، ولا يمكن تعطيله، استدللنا بوروده وعدم إرادة ظاهره عَلَى أن مجازه هو المراد، فحملناه عليه دلالةً لا ابتداءً] اهـ..

الشرح:

رد أهل البدع والمتكلمون عَلَى ما قلناه فَقَالُوا: نَحْنُ لم نقصد ما قلتموه بل للحمل معنى آخر لم تذكروه ولم تنتبهوا له ياأهل السنة وهو: [أن اللفظ لما استحال أن يراد به حقيقته وظاهره ولا يمكن تعطيله، استدللنا بوروده وعدم إرادة ظاهره عَلَى أن مجازه هو المراد فحملناه عليه دلالة لا ابتداء] .

أي: أننا لم نرد من أول الأمر أن نغير النصوص ونفرغها من معانيها، ولكن عندما قرأنا هذه النصوص استحال بالعقل أن نقول إن الله فوق العالمين بذاته! هكذا قالوا! فاضطررنا أن نؤوله هذا حال المؤولين.

من مداخل المؤولين والرد عليهم

والرد عليهم واضح ومعلوم للجميع، أنه إذا كانت العقول تدرك ما يجب لله وما لا يجوز قبل أن تأتي النصوص، فما الحاجة إِلَى الوحي؟

ص: 451

أما الآخرون فيقولون: نَحْنُ قرأنا الآيات والأحاديث لأننا نريد أن نفهم منها ما يجب لله وما لا يجوز، فلما قرأناها وجدنا أن فيها نصوصاً يستحيل إثباتها عقلاً، ولهذا أولناها، ووجدنا نصوصاً أخرى لا يحكم العقل باستحالتها فأثبتناها.

وإذا قالوا: نَحْنُ مضطرون إِلَى التأويل، فنرد عليهم بأن الله تَعَالَى أنزل في كتابه هذه الآيات الكثيرة وبلغها النبي صلى الله عليه وسلم وذكر جملة من الصفات وفهمها هو والصحابة، والصحابة تعلموها وعلموها غيرهم، وما اضطروا إِلَى تأويلها حتى جئتم أنتم في القرن الخامس وفي القرن السابع والثامن، وقلتم: نَحْنُ مضطرون إِلَى التأويل!!

إذاً: الخطأ في فهمكم أنتم عندما قلتم: يستحيل عقلاً إثباتها، ومعارضتكم للنص -أصلاً- خطأ ولو جعلتم عقولكم تابعة للكتاب والسنة ما وقع عندكم هذا، ولا اضطررتم إليه، وبعضهم يقول: نَحْنُ مضطرون إِلَى أن نؤول حتى لا يكون في كتاب الله تصادم وتناقض! سُبْحانَ اللَّه! ينزل الله في كتابه الهدى والبيان، وأنت أيها العبد الضعيف تأتي بعد قرون تؤول بعضه وتترك بعضه حتى لا يكون متناقضاً! كَانَ الأحرى بك عند توهمك التعارض أن تتهم عقلك وفهمك وأن تسأل أهل العلم كيف يجمعون بين الآيات وبين الأحاديث عند توهم التعارض. وبهذا يعلم أن القوم منهجهم التحريف في نصوص الكتاب والسنة ولا ضابط لهم إلا الهوى والتحكم بغير دليل، وهم فروا من التشبيه ووقعوا في شر منه وهم لا يشعرون.

ذكر استدراك يستخدم في لغة العرب

ولهذا أجاب المُصْنِّف فَقَالَ رحمه الله:

ص: 452

[قيل: فهذا المعنى هو الإخبار عن المتكلم أنه أراده وهو إما صدق وإما كذب، كما تقدم، ومن الممتنع أن يريد خلاف حقيقته وظاهره ولا يبين للسامع المعنى الذي أراده؛ بل يقرن بكلامه ما يؤكد إرادة الحقيقة، ونحن لا نمنع أن المتكلم قد يريد بكلامه خلاف ظاهره إذا قصد التعمية عَلَى السامع حيث يسوغ ذلك، ولكن المنُكَر أن يريد بكلامه خلاف حقيقته وظاهره إذا قصد البيان والإيضاح وإفهام مراده، كيف والمتكلم يؤكد كلامه بما ينفي المجاز ويكرره غير مرة ويضرب له الأمثال] اهـ.

الشرح:

ذكر المُصْنِّف أن الاستدراك الأخير جائز، وقد يقع في لغة العرب أو عند بعض النَّاس وذلك مثل الألغاز اللغوية أو الألغاز النحوية، وهو أن يأتي الشخص بكلامٍ ولا يقصد ظاهره ليعمي عَلَى النَّاس وحتى لايعرف المعنى الذي قصده صاحب اللغز وهو يريد التعمية عليك، ويقع هذا -أيضاً- في المعاريض، فلو سألك شخص أين فلان؟ وهو عندك، وتخشى عليه من صاحب ظلم وشر يريد أن يبطش به، فتقول: ليس هنا! وتشير إِلَى أصبعك فهذا وأمثاله يسمى المعاريض، وهي جائزة في الشرع إذا كانت المصلحة راجحة، فتستخدم مثل هذه الأمور من أجل التعمية والتورية.

لكن هل ينطبق هذا عَلَى الكتاب والسنة؟ بمعنى هل ينزل الله شيئاً في كتابه ويريد به التعمية علينا حتى لا نفقه ظاهره؟ أو أنه جَاءَ بأوضح البيان وقال الله فيه: هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدىً [آل عمران:138] ؟

والجواب واضح وهو: أن هذا البيان والهدى والرحمة الذي أنزله الله تَعَالَى ما كَانَ يجعل فيه تعمية عَلَى العقول! بل حدى التأويل ببعض المؤولة إلى أن يؤولوا أحاديث الدجال فَقَالُوا: المقصود بالدجال الحضارة الغربية؛ لأنها حضارة عوراء فيها الجانب المادي وليس فيها الجانب العملي!

ص: 453

والأحاديث التي فيها أنه رجل وأنه يخرج من المشرق ويمشي إِلَى المغرب ثُمَّ يقابله فتى يقول له كيت وكيت ومكتوب عَلَى جبهته كفر، قَالَ: هذه نؤولها! فيا ترى ما حال هَؤُلاءِ المؤولة عندما يظهر الدجال ويرونه بالوصف الذي أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم، وماهو موقفهم إذا تجلى الله لأهل الجنة ثُمَّ كشف الحجاب عن وجهه ورأوه؟ ماذا يكون موقف الذين ينكرون الرؤيا ذلك الوقت؟ فعلى الإِنسَان أن يحتاط لدينه.

قَالَ المُصنِّفُ -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى-:

[وقوله: فإنه ما سلم في دينه إلا من سلَّم لله عز وجل ولرسوله صلى الله عليه وسلم، ورد علم ما اشتبه عليه إِلَى عالمه، أي: سلَّم لنصوص الكتاب والسنة، ولم يعترض عليها بالشكوك والشبه والتأويلات الفاسدة، أو يقول: العقل يشهد بضد ما دل عليه النقل! والعقل أصل النقل! فإذا عارضه قدمنا العقل! وهذا لا يكون قط، لكن إذا جَاءَ ما يوهم مثلَ ذلك، فإن كَانَ النقل صحيحاً فذلك الذي يدَّعي أنه معقول إنما هو مجهول، ولو حقق النظر لظهر ذلك.

ص: 454

وإن كَانَ النقل غير صحيح فلا يصلح للمعارضة، فلا يتصور أن يتعارض عقل صريح ونقل صحيح أبداً، ويعارض كلام من يقول ذلك بنظيره، فيُقَالَ: إذا تعارض العقل والنقل وجب تقديم النقل؛ لأن الجمع بين المدلولين جمع بين النقيضين، ورفعهما رفع النقيضين، وتقديم العقل ممتنع؛ لأن العقل قد دل عَلَى صحة السمع ووجوب قبول ما أخبر به الرَّسُول صلى الله عليه وسلم، فلو أبطلنا النقل لكنا قد أبطلنا دلالة العقل ولو أبطلنا دلالة العقل لم يصلح أن يكون معارضاً للنقل؛ لأن ما ليس بدليل لا يصلح لمعارضة شيء من الأشياء، فكان تقديم العقل موجباً عدم تقديمه، فلا يجوز تقديمه، وهذا بين واضح، فإن العقل هو الذي دل عَلَى صدق السمع وصحته، وأن خبره مطابق لمخبره، فإن جاز أن تكون الدلالة باطلة لبطلان النقل، لزم ألا يكون العقل دليلاً صحيحاً، وإذا لم يكن دليلاً صحيحاً لم يجز أن يتبع بحال، فضلاً عن أن يقدم، فصار تقديم العقل عَلَى النقل قدحاً في العقل.

فالواجب كمال التسليم للرَسُول صلى الله عليه وسلم، والانقياد لأمره، وتلقي خبره بالقبول والتصديق دون أن يعارضه بخيال باطل، نسميه معقولاً، أو نحمله شبهة أو شكاً أو نقدم عليه أراء الرجال وزبالة أذهانهم فيوحده بالتحكيم والتسليم والانقياد والإذعان، كما وحد المرسِل بالعبادة، والخضوع والذل والإنابة والتوكل.

ص: 455

فهما توحيدان لا نجاة للعبد من عذاب الله إلا بهما: توحيد المرسل وتوحيد متابعة الرسول، فلا يحاكم إِلَى غيره، ولا يرضى بحكم غيره، ولا يقف تنفيذ أمره وتصديق خبره عَلَى عرضه عَلَى قول شيخه وإمامه وذوي مذهبه وطائفته، ومن يعظمه، فإن أذنوا له نفَّذه وقبل خبره، وإلا فإن طلب السلامة فوضه إليهم، وأعرض عن أمره وخبره، وإلا حرفه عن مواضعه، وسمى تحريفه تأويلاً وحملاً فقَالَ: نؤوله ونحمله فلأن يلقى العبد ربه بكل ذنب ما خلا الإشراك بالله خير له من أن يلقاه بهذه الحال؛ بل إذا بلغه الحديث الصحيح يعد نفسه، كأنه سمعه من رَسُول الله صلى الله عليه وسلم، فهل يسوغ له أن يؤخر قبوله والعمل به، حتى يعرضه عَلَى رأي فلان وكلامه ومذهبه؟ بل كَانَ الفرض المبادرة إِلَى امتثاله من غير التفات إِلَى ما سواه ولا يستشكل قوله لمخالفته رأي فلان، بل يستشكل الآراء لقوله، ولا يعارض نصه بقياس بل تهدر الأقيسه وتلغى نصوصه، ولا يحرف كلامه عن حقيقته لخيال يسميه أصحابه معقولاً، نعم هو مجهول وعن الصواب معزول، ولا يوقف قبول قوله عَلَى موافقة فلان دون فلان كائناً من كان] اهـ.

الشرح:

هذا كلام عظيم جداً ينبغي لنا دائماً أن نعرفه، وأن نتعلمه ونعلمه للناس بهذه الألفاظ أو بأي ألفاظ أخرى.

ص: 456

إن ديننا هو دين اتباع وتسليم، ولو أننا كنا لا نؤمن إلا بما تقبله عقولنا لما دخلنا في دين الله تعالى. فعقل هذا لا يقبل عذاب القبر، وعقل هذا لا يقبل العلو، وعقل الثالث لا يتصور كيف ينزل الوحي من السماء، وعقل الرابع لا يتصور أن يكون الرَّسُول من بشر بل لا بد أن يكون عنده من الملائكة أو النور، وعقل هذا يريد أن تكون السنة كلها متواترة، وعقل الآخر يقول: لا داعي للسنة، والقرآن يكفي، كم عقول وكم أراء تواجه دين الله تعالى، فديننا اسمه (دين الإسلام) أي: أن نستسلم لله تَعَالَى بقلوبنا وعقولنا وجوارحنا، ونوحد الله تَعَالَى توحيد المرسل بعبادته والإنابة إليه، والتوكل عليه، والتحاكم إِلَى دينه، والرغبة والرجاء وكل أنواع التوحيد المعروفة وكل أنواع العبادات تصرف له وحده، ونوحد الرَّسُول صلى الله عليه وسلم بالطاعة. وبالاتباع، فعنه نأخذ، وعنه نتلقى، ولا نعارض كلامه بكلام أي أحد من النَّاس كائناً من كان، ولا نوقف الإيمان بشيء جَاءَ في الكتاب أو في السنة حتى نرى ما قال فيه عقل أفلاطون أو ما قال فيه أصحاب الكلام أو ما ذكر الإمام أو المذهب فهذه معصية.

إن من أعظم أسباب انحراف الْمُسْلِمِينَ وحلول الهزائم والمصائب بالأمة الإسلامية أنها أعرضت عن هذا الأصل، فإنك قد تقول لأحدهم: قال الله؛ قال رَسُول الله فيقول لك: أخر ذلك حتى نرى ما قالوا لعلهم أولوها!! سُبْحانَ اللَّه، أنزل الله كلاماً واضحاً ليتعبد به وليؤمن به، وهذا يحيل إِلَى معارض محتمل وإلى معارض متوهم ليعارض به ما جَاءَ في كتاب الله وفي سنة رَسُول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا هو أساس المصائب والبلايا.

ص: 457

والانحراف في الأسماء والصفات سببه كالانحراف في حياة الْمُسْلِمِينَ العامة، الانحراف في العبادات، فلو أنك ذهبت إِلَى بعض البلاد ونظرت إِلَى الصلاة التي يصلونها وما يكون من الأذكار البدعية قبل الصلاة وبعدها ماظننت أنها الصلاة التي يصليها الْمُسْلِمُونَ، مع أن النبي صلى الله عليه وسلم ما جاءنا إلا بدين واحد، وما علم أصحابه إلا صلاة واحدة وما هذه النتيجة إلا لأنه لم يوحد الرَّسُول صلى الله عليه وسلم بالاتباع وبالطاعة وبالتحكيم، ويقدم كلامه عَلَى كلام أي أحد كائناً من كان، فضعنا في عباداتنا وفي أحكامنا وقضاءنا ومعاملاتنا واعتقادنا وفي كل شيء، وسبب الضياع هو عدم التسليم لرَسُول الله صلى الله عليه وسلم فيما يخبر، وعدم الإذعان لأمره، وعدم الانقياد للوحي والإيمان بأنه لا خير ولا نور ولا هدى ولا حكمة إلا فيما أنزل عَلَى رَسُول الله، وما عداه إن عارضه فإننا نضرب به عرض الحائط ولا نبالي به، كما علمنا أئمة الإسلام الكرام رضوان الله عليهم أجمعين.

ومعنى ما ذكره المُصنِّفُ رحمه الله يدور عَلَى موضوع تعارض العقل والنقل وهو من أكبر الأبحاث، وأعظم الموضوعات المهمة في أبواب العقيدة.

بل إننا نقول الآن: إن مسألة المصدر الذي نتلقى منه الحق ونقيس به الأمور، فيعرف صحيحها من سقيمها والتي يجب عَلَى الإِنسَان أن يعرفها، هي أعظم المسائل التي خاضت فيها العقول البشرية والآراء والأفهام منذ القدم، فليس هناك من كتاب في الفلسفة أو التاريخ أو في أي فن من الفنون العلمية، إلا وهو يقول: إن ما نكتبه ونقوله هو الحق، ومعيارنا في ذلك هو الحق وكذلك ما من خطيب أو متكلم إلا ويقول: أنا الذي عَلَى الحق في هذا الرأي ودليلي ومعياري في هذا الحق هو كذا وكذا من الأدلة، ويأتيك بمصدره الذي استقى واستمد منه هذا الحق، ومن هنا نعرف أهمية مصدر الاستمداد والتلقي لكل إنسان.

ص: 458

كل فكرة ومذهب -في اعتقادنا- لا تخرج بأي حال من الأحوال عن مصدرين:

المصدر الأول: الوحي، وهو الكتاب والسنة وما تفرع منهما واتبعهما، من الفهم والفطرة القويمة السليمة.

والمصدر الآخر، باطل: وهو إما الجهل وإما الهوى أو وحي الشياطين، وإن سماه أهله فلسفة أو أموراً عقلية.

وقد ذكر الله ذلك عن الأمم السابقة حين قَالَ: فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ [غافر:83]، فكل نبي يأتي قومه فإنهم يجادلونه وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَق [غافر:5] فالملأ المستكبر في الأرض وأصحاب الديانات في الأمم السابقة. وفي كل مكان يجادلون بما عندهم من الباطل، وكما تقول الحضارة الغربية اليوم: (إن فلسفتنا، إن العلم البشري، إن التجارب، إن الأنظمة البشرية، إن علوم الاجتماع وعلوم النفس، تقول غيرما تقولون أنتم في كتاب الله أو في السنة، فالديمقراطية والاشتراكية تقول هذا وغيرها من الأفكار التي قُدست أو عظمت، وهي في الحقيقة أصنام ولكنها ليست أختاماً منحوتة كتلك التي نحتها قوم إبراهيم عليه السلام فكسرها وحطمها، ولكنها أصنام من المبادئ والأفكار والشعارات المضللة، وكهانها يختلفون عن كهان الأصنام السابقة؛ لأنهم يلبسون ثياب العلم والحضارة والرقي والتمدن، وما أشبه ذلك.

ص: 459

وهذان المصدران قائمان -منذ أن أمر الله الملائكة بالسجود ورفض إبليس ذلك وعصى وقَالَ: قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ [الأعراف:12]- إِلَى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وأصحاب الوحي الشيطاني يقابلون الوحي والأمر الشرعي بالأدلة العقلية أو بالأقيسة، أو بالآراء المخالفة له، كما قال إمامهم في ذلك بعد الأمر الصريح من الله عز وجل اسْجُدُوا لِآدَمَ [البقرة:34] فامتنع إبليس، لماذا لا تسجد إذ أمرتك؟ قَالَ: أنا خير منه؛ لأنه تصور أن المسجود له هو أفضل من الساجد!.

يقول تعالى: هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً [الإِنسَان:1] بلى ولكن الله نفخ فيه من روحه فأصبح شيئاً عظيماً، وكرمه الله عَلَى مخلوقاته ولكن إبليس رجع إِلَى القياس قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ [الأعراف:12] وهي العناصر الأساسية.

يقول هذا لشيطان: لو حللنا قضية الإِنسَان، وقضية الشيطان فرجعنا إِلَى العناصر الأساسية التي يتكون كل منهما، -فسنجد حسب القياس الشيطاني- أن النَّار عنصر أفضل من عنصر التراب..!.

إذاً: أنا محق عندما أرفض أو أعترض عَلَى أمر الله!! ثُمَّ أخذت الأمم طريق إبليس فكل من كذب رسل الله قالوا: ما جَاءَ به الأَنْبِيَاء معارض للعقول أو للحقائق أو للعلمفَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ [غافر:83] ولا غضاضة في أن يسمى علماً؛ لكن هل هو علم يوصل إِلَى الحق؟! والسحر يقال له علم ولكنه كفر وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُر [البقرة:102] فهو كفر وضلال بشهادة الأستاذين الذين هم أول من علم النَّاس ذلك فهذه المعارضة معارضة قديمة، وهي التي أشار إليها المُصنِّفُ رحمه الله هنا.

ص: 460

وقد سبق أن قلنا: إن الذين أنكروا صفات الله تَعَالَى وأولوا دين الله وحرفوا كتابه، إنما اعتمدوا في ذلك عَلَى ما يسمونه الأقيسة والآراء وسبق معنا هذا عند قول المصنف: [وهذا الذي أفسد الدنيا والدين -يعني التأويل والتحريف- وهكذا فعلت اليهود والنَّصارَى في نصوص التوراة والإنجيل وحذرنا الله أن نفعل مثلهم، وأبى المبطلون إلا سلوك سبيلهم وكم جنى التأويل الفاسد عَلَى الدين وأهله من جناية.

يقول: [فهل قُتل عثمان رضي الله عنه إلا بالتأويل الفاسد؟! وكذا ما جرى يوم الجمل وصفين ومقتل الحسين والحرة، وهل خرجت الخوارج واعتزلت المعتزلة، ورفضت الروافض، وافترقت الأمة عَلَى " ثلاثة وسبعين " فرقة، إلا بالتأويل الفاسد.؟!] .

بل إن عباد الأصنام، إنما عبدوها -أيضاً- بالتأويل الفاسد، والشبهات الباطلة.

فالقضية ليست مجرد شبهات إنما هي: هل هذا وحي من عند الله، أو هو آراء وظنون، وتخرصات، سماها أصحابها آراء عقلية أو براهين أو قواطع عقلية؟!

فالأصل الذي يجب أن نعلمه، ويعلمه كل مسلم، هو أنه لا يمكن في أي حال من الأحوال أن يتعارض دليل نقلي صحيح، ودليل عقلي صريح أبداً، فإذا رأينا أن ذلك قد وقع فلا بد أن ننظر، فإما أن يكون الدليل الذي ظنناه عقلياً غير صريح، وإما أن يكون الدليل النقلي غير صحيح، وبسبب الجهل بهذه القاعدة، وقع كثير من الاضطراب في هذه الأمة قديماً.

ص: 461

مثلاً: أتى قوم من رواة الحديث المنتسبين إِلَى علم الحديث والسنة فرووا في باب صفات الله وغيره أحاديث مكذوبة عن ضعفاء، ومجاهيل، ووضاعين، ومن المعلوم أنه لا يجوز أن يستشهد بالحديث الضعيف فضلاً عن الواهيات والموضوعات في أبواب العقيدة، فما بالك إذا كَانَ في أخص الأمور -كصفات الله تعالى- التي هي من أمور الغيب؟! بل لا يجوز ذلك في الفروع -أي: الأحكام- فضلاً عن الأصول، لكن وقع من بعض المنتسبين إِلَى الحديث، والسنة أنهم ذكروا هذه الأحاديث ورووها، فجاء الذين في قلوبهم مرض منأهل الكلام والفلسفة والمنطق وأمثال ذلك.

وقالوا: الوحي لا يؤخذ به في هذا الباب ولا نأخذ العقيدة بحال من الأحوال إذا عارضت القواطع العقلية، والبراهين النظرية التي ذكرها العلماء الثقات في المنطق والفلسفة، وسار عليها النَّاس في هذا المجال، وما هذا إلا لأنهم قرأوا هذه الموضوعات، فَقَالُوا: إذا تعارضت هذه الأحاديث مع ما عندنا من قواطع، ومقررات عقلية نرد النقل ونرد السنة، ولا نأخذ بالأحاديث، وهذا من جهلهم؛ لأن هذه الأحاديث غير صحيحة، أو مكذوبة.

ص: 462

وكان من أسباب وضعها الرافضة، وقدماء الصوفية الذين ذكروا أموراً تتعلق بصفات الله تَعَالَى لا أصل لها، فمثلاً ما يرويه هَؤُلاءِ الوضاعون من أن فلاناً من النَّاس رأى ربه فعانقه وبعضهم يقول: إنه صافحه، ومن هذا الكلام الذي جعل علماء الكلام يقولون: هَؤُلاءِ مجسمة، ومشبهة، وكأنهم هم أهل السنة وهم الذين يتكلمون باسم الإسلام، وهم غير ذلك في الحقيقة، وسبب ذلك هذه الأحاديث الموضوعة، التي قد توجد في بعض كتب أهل العلم الموثوقة كما في كتاب أصول اعتقاد أهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ -مثلاً- وكذلك رد الدارمي عَلَى بشر المريسي، وغيرها من الكتب التي هي موثوقة في الجملة لكن فيها أحاديث ضعاف وقد يكون فيها - أحياناً- موضوعات، فأهل الكلام رأوا تلك الأحاديث فردوا كل ما في هذه الكتب بناء عَلَى هذه الموضوعات الموجودة، وَقَالُوا: كيف تأخذون من التوحيد لابن خزيمة أو من السنة لعبد الله بن أحمد أو من اللالكائي أو غيره وقد رووا كذا وكذا؟!

وفي الحقيقة هل عارضوا الدليل الصحيح أم عارضوا شيئاً مكذوباً؟! وفي المقابل هناك آخرون ممن لديهم علم، وحب للسنة وللعقيدة الصحيحة، وجدوا أن بعض ما يقوله المتكلمون.

كقولهم: إنه لا يجوز أن نصفه تَعَالَى بالتغير، ولا بالحلول، ولا بالتركيب، ولا بالتمثيل، ولا بالتبعيض.

فقالوا: هذه قواعد عقلية صحيحة وسليمة، وهذا حق وأقروا بها، فلما جاءوا ينظرون في بعض الأدلة مثل حديث النزول وهو حديث صحيح، وهم يعلمون أنه صحيح، قالوا: هذه براهين عقلية قطعية ثابتة وعليه فهذا الحديث لا بد أن نؤله.

ص: 463

فالحقيقة أنهم عارضوا النقل الصحيح، وكان الأصل أنه لا تعارض بين نقل صحيح وعقل صريح قطعي الدلالة أبداًَ، وقد حصل تعارض بين صحيح وغير صحيح أو بين صريح وغير صريح، أما إذا كَانَ الدليلان ظنيين فهذا قد يكون من أسباب الخلاف، وذلك أنه قد يوجد حديث يفهمه بعض النَّاس عَلَى أنه مخالف لما يظنه هو -كما مر معنا في حديث التربة- ويقول: أنا أفهم أن هذا الحديث يخالف ما عليه النظريات العلمية الكونية في نشأة الكون -مثلاً- وفهمه لهذا الحديث هو فهمٌ ظني، لأنه ليس هناك قطع بأن الله خلق السموات والأرض في ستة أيام بالأيام التي نعرفها نَحْنُ اليوم، وهذا الإِنسَان عارض هذا الأمر بنظريات ظنية واحتمالات وتخمينات، فيكون بهذا تعارض ظني بظني، وتعارض ظني بظني أهون وأيسر، وما علينا إلا أن نفكر وأن نمحص، فمتى ترجح أحدهما وتحول إِلَى قطعي أو كَانَ ظناً راجحاً أرجح من الآخر عملنا به، ولا غضاضة ولا حرج في ذلك، ولله الحمد.

فيقول المُصنِّفُ رحمه الله: [أو بقوله: العقل يشهد بضد ما عليه النقل، والعقل أصل النقل فإذا عارضه قدمنا العقل] نقول: هذا لا يكون قط؛ لكن إذا جَاءَ ما يوهم مثل ذلك، فإن كَانَ النقل صحيحاً، فذلك الذي يدعى أنه معقول إنما هو مجهول، ولو حقق النظر لظهر ذلك إذا كَانَ النقل صحيحاً لا يمكن أن يعارضه شيء من ذلك أبداً -فمثلاً- عندما يثبت عندنا حديث النزول وفيه:(أن الله تَعَالَى ينزل كل ليلة في الثلث الأخير من الليل) ويثبت عندنا أيضاً الحديث الذي رواه مسلم وأَحْمَد وغيرهما أن النبي صلى الله عليه وسلم: سأل الجارية أين الله؟ قالت: في السماء.

فهل نقول: إن هذه الأحاديث تعارض قولهم: (إنه عز وجل تَعَالَى أن تحيط به جهة، أو أن يكون في مكان، أو يدرك وصفه بعلو أو بغيره، بل نرفع النقيضين ونقول: لا داخل العالم ولا خارجه وهذا هو قاطع عقلي وبرهان عقلي!) .

ص: 464

لا يمكن أن يقال هذا؛ لأن هذا القول لا يصلح أن يكون معارضاً في أي حال من الأحوال لهذه الأحاديث الثابتة، أما إذا كَانَ النقل غير صحيح مثل الأحاديث الموضوعة أو الضعاف الواهيات التي ذكرها بعضهم في صفات الله عز وجل والتي كانت مطية لأن يتطاول علماء الكلام والفلسفة وأهل التأويل عَلَى أهل السنة ويقولون: أنتم تروون أمثال هذه الأحاديث. وتقولون: إننا نأخذ صفات الله من الحديث، ولا نأخذها من العقل، فلا تصلح للمعارضة البتة، فإنه لا يمكن أن يتعارض نقل صحيح وعقل صريح أبداً.

ثُمَّ بين المُصنِّفُ رحمه الله أننا نستطيع أن نرد عَلَى هذه القاعدة: وهي أنه إذا تعارض النقل والعقل قدمنا العقل فنعارض كلام هذا القائل بقاعدة عقلية نظير كلامه، بل هي أقوى: وهي أننا نقول إذا تعارض العقل والنقل، وجب تقديم النقل؛ لأنه قد ثبت بالدليل العقلي والبرهان العقلي الصحيح أنه إذا تعارض العقل والنقل قدمنا النقل؛ لأن العقل قد شهد بصحة النقل والجمع بين المدلولين بين مدلول هذا النقل الصحيح وبين مدلول المعارض العقلي جمع بين النقيضين ورفع النقيضين محال في العلوم العقلية، والنقيضان: هما اللذان لا يمكن أن يرفع أحدهما إلا بوجود الآخر، بخلاف الضديين مثل: الأسود والأبيض، فإذا سألك أحد ما لون هذا؟ فلا تستطيع أن تقول: أسود وأبيض بل إما أن تقول أبيض أو تقول أسود فلا يمكن أن يجتمعا لكن يمكن أن يرتفعا بأن تقول لا أسود ولا أبيض بل هو أحمر أو أخضر.

ص: 465

فالضدان ممكن أن يرتفعا، أما النقيضان إذا ارتفع أحدهما فبالضرورة أن يوجد الآخر، فإذا قلت لك: أزيد داخل البيت أم خارجه؟ فبالضرورة إذا قلت داخله أنه ليس خارجه مطلقاً وهذا معلوم بالضرورة العقلية، وبهذا نعرف بطلان مذهب الأشاعرة، وغيرهم من المؤولين في العلو لأنهم يقولون: لا داخل العالم ولا خارجه فرفعوا النقيضين، ورفع النقيضين محال في العقول البشرية، فإنه لا بد أن يوجد الشيء داخل أو خارج، ولا بد أن يكون كذلك أسفل أو فوق.

ومن أوضح الأمثلة عَلَى النقيضين أن نقول موجود أو غير موجود فإذا كَانَ موجوداً فلا يمكن أن تقول: إنه غير موجود أو العكس فالباطنية وغلاة الجهمية لا يرفعون النقيضين في جميع الصفات فيقولون: لا نقول موجود ولا غير موجود وهذا مذهب الباطنية ومذهب غلاة الجهمية.

والأشاعرة لا يقولون ذلك في جميع الصفات إنما يقولون ذلك في صفة العلو فهم يأخذون بشعبة من التجهم والباطنية والمقصود هنا، كيف نثبت هذه القضية؟

يقولون: إن العقل هو الذي دلنا عَلَى صحة النقل ومن ثُمَّ وجب عند التعارض أن نحكم العقل ونحن عكسنا عليهم القضية وقلنا: العقل قد دل عَلَى صحة النقل، ومن ثُمَّ وجب عند التعارض أن نحكم النقل؛ لأننا إذا حكمنا العقل أبطلنا العقل والنقل معاً؛ لأن العقل هو الدليل، وهو الآلة التي عرفنا بها صحة النقل، فإذا قلنا: إن الدليل الذي دل عَلَى صحة شيء من الأشياء وكان هذا الشيء باطلاً، فإن الدليل الذي دل عليه باطل، فيكون النقل غير صحيح ويقدم عليه العقل، وكيف يدلنا عَلَى صحته وهو باطل؟

ص: 466

وعليه فإن هذا العقل غير صحيح وفي هذه الحالة نكون قد أبطلنا النقل لأن العقل دل عَلَى بطلانه، وعطلنا العقل لأنه دلنا عَلَى شيء باطل إذاً فهو باطل، فيتبين بهذه القاعدة العقلية السليمة أن تقديم العقل عَلَى النقل إبطال للعقل وللنقل معاً. لكن تقديم النقل عَلَى العقل بخلاف ذلك؛ لأن الدليل العقلي دل عَلَى صحة النقل، فنقدم النقل؛ لأنه قد دلنا العقل عَلَى صحته قطعاً فإذا وجد في العقل ما يعارض فإننا نرد هذا القول بنفس القاعدة التي قررها هذا العقل وهي: أن النقل صحيح مقدم.

ويضرب لذلك شَيْخ الإِسْلامِ ابْن تَيْمِيَّةَ مثلاً فَيَقُولُ: كمثل رجل جَاءَ إِلَى مدينة فيها عالم كبير حجة، يرجع إليه في العلم والدين، ووجد رجلاً سليماً صحيحاً معافىً يعرف أهل البلد فوجده وقال له: أريد عالماً أطلب عنده العلم فقَالَ: أنا أعرفه، وأخذ بيده وذهب به إِلَى ذلك العالم الكبير المشهور في البلد وقال له: هذا هو العالم ولما رأى ذلك الرجل هذا العالم واسع العلم، ووجد التعظيم له عند الناس، ووجد الكتب، ووجد النَّاس يرجعون إليه في الفتاوى تيقن صدقاً وقطعاً أن هذا فعلاً عالم، وأن الرجل الذي دله عليه كَانَ فعلاً صادق لم يكذب عليه فأخذ هذا الرجل العلم من العالم وتلقاه منه فلما فهم هذا الرجل مسألة من مسائل العلم الكبرى، وأخذ يبلغها ويدعو النَّاس إليها جَاءَ ذلك الرجل الذي دله وقال له: هذا الكلام غير صحيح، قَالَ: كيف يكون هذا الكلام غير صحيح وأنا أخذته من الشيخ الذي أنت دللتني عليه؟

قَالَ: الذي دللتك عليه قال لك هذا؟!

قَالَ: نعم.

قَالَ: بما أنني أنا الذي دللتك عليه، فأنا أقول لك: لا تأخذ هذا الكلام، فإنه يتعارض مع كلامي ويجب أن تقدم كلامي؛ لأنني أنا الذي دللتك عليه!

فماذا يكون الجواب الصحيح؟

ص: 467

الجواب الصحيح أن يقول له: أنت أصبت عندما دللتني عليه، ولكنك أخطأت عندما عارضت ما عنده من العلم بكلامك، فكونك أصبت بالدلالة عليه لا يعني أنك تحكم في كل شيء يقوله الشيخ! وإلا لو كَانَ كذلك لم يجتمع النَّاس عَلَى الشيخ ولم يأخذوا العلم منه وأنت موجود، فلنرجع إليك ولنأخذ منك العلم ما دمت أنت واقف بالباب وكل من أتى بمسألة من عند الشيخ قلت له: اعرضها عليَّ فإن وافقت عليها وإلا ردها لأنني أنا الذي دللتكم عليه! وهذا كلام -بلا شك- فاسد.

هذا أقرب وأوضح الأمثلة في مسألة التعارض الذي يزعمونه بين النقل وبين العقل.

وقد عُرف صدق الأَنْبِيَاء صلوات الله وسلامه عليهم بالفطرة السليمة، فكل ذي لب من خلق الله يرى نبياً ويسمع ما عنده من البينات يؤمن بأن هذا النبي صادق، وكل من كَانَ لديه عقل سليم من العرب -مثلاً- وسمع آيات من كتاب الله فإنه يوقن بأن هذا لا يمكن أن يقوله بشر بأي حال من الأحوال.

إذاً: بهذه الآلة التي أعطانا الله إياها وهي الفهم والعقل عرفنا صحة النقل، وميزنا بين مُحَمَّد صلى الله عليه وسلم عبد الله ورسوله وبين مسيلمة الكذاب والأسود العنسي حتى عندما قيل للرجل: لماذا تتبعونمسيلمة وتعلمون أنه عَلَى الكذب؟ قَالَ: كذاب اليمامة خير من صادق مضر! فقد شهد النَّاس بصحة نبوة النبي صلى الله عليه وسلم وصحة الدين الذي جَاءَ به، ولكن للأهواء أو الحظوظ الدنيوية أو لأي أمرٍ من الأمور لم ينقادوا.

وبهذا يتضح أن هذه الآلة التي أعطانا الله إياها بعد أن أثبتت صحة الدليل النقلي - الوحي من القُرْآن والسنة -لم يبق إلا أن نسلم لما في الوحي.

ص: 468

ولو أتى أحد وقَالَ: نَحْنُ لا نسلم بالأدلة النقلية إلا إذا عرضناها عَلَى الأدلة العقلية! قلنا: معنى ذلك: أن ترك النَّاس بلا دين وبلا وحي خير وأنفع لهم في دنياهم وأخراهم من أن ينزل عليهم هذا الكتاب ما دام أننا كلما قرأنا آية من هذا الكتاب عرضناها عَلَى العقل، فإذا قرأنا قوله تعالى: وَجَاءَ رَبُّك [الفجر:22] قلنا: يا عقل! أصحيح أنه يجيء؟! وقل ذلك في قوله: بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَان [المائدة:64] وغيرها من الآيات في كل ذلك يقول العقل: لا، فيا ترى ما الفائدة من هذه النصوص التي نحفظها ونكتبها ونرويها بالسند ونتعب فيها ونحن لا ندري خطأها من صوابها! إذاً: لا داعي لها، وتعال يا عقل فأخبرنا عن الله مباشرة هذا هو لازم هذه المقالة.

ص: 469

بل لازم ذلك: أن هَؤُلاءِ النَّاس لا يؤمنون بصدق نبوة النبي صلى الله عليه وسلم، ولبيان ذلك: لنفترض كما ذكر الشيخ هنا -وهذا الكلام منقول من درء التعارض وكلام ابن القيم في مدارج السالكين - لنفترض أن ثلاثة رجال جاءوا إِلَى النبي صلى الله عليه وسلم وهو حي بين ظهرانيهم فأخبرهم بأمر من الأمور، وقَالَ: أنا رَسُول من عند الله، كما ثبت ذلك عنه في أحاديث كثيرة يأتيه الوفد من العرب فيأمرهم وينهاهم ويخبرهم عن الإيمان وعن المغيبات وأمثال ذلك -فقال الأول منهم: هذا الذي قلته يا محمد! لن أؤمن به ولن أصدقك حتى أرجع إِلَى بلادي وأسأل شيخ القبيلة! والآخر قَالَ: أنا أصدق أنك رسول، لكن ما قلته لا أؤمن به حتى أعرضه عَلَى عقلي! والشخص الثالث قَالَ: يا محمد! هذا الكلام الذي قلته مع تصديقي بنبوتك وبرسالتك لا أستطيع أن أؤمن به حتى أتأكد أن ليس له معارض، فأنا أتوقف فيه، فقد يكون هناك شيء معارض له! فهل يُقال في دين الإسلام: إن أحداً من هَؤُلاءِ الثلاثة مؤمن مسلم؟ لا ليسوا بالمؤمنين ولا بالْمُسْلِمِينَ أبداً. ولهذا قال رحمه الله: [ولا تثبت قدم الإسلام إلا عَلَى ظهر التسليم والاستسلام] فهذا أبو طالب ما منعه من أن يسلم وهو في آخر لحظة عند الموت- إلا بسبب المعارض الذي أتى له: وهو ملة عبد المطلب، مع أنه مصدق للنبوة ومقر بأن هذا رسول، لكن المعارض الذي يعارض الإذعان والاستسلام هو ملة عبد المطلب، وهكذا فهَؤُلاءِ لا يسمون مسلمين بأي حال من الأحوال ولا يدخلون في دين الإسلام، فيا أيها المؤولون والمعطلون، والذين تقدمون عَلَى شريعة رَسُول الله شيئاً غيره كيف تدعون الإيمان بدينه ثُمَّ تقولون: صح الحديث ورواه البُخَارِيّ؟!.

ص: 470

وإذا سألت أحدهم هل تؤمن بهذا الحديث؟ قَالَ: اتركني أتأكد هل قال علماء المذهب به؟ وماذا قال شيخ الطريقة؟! هذا هو مثال حال الرجل الأول الذي قرأت له حديثاً صحيحاً عن رَسُول الله وقَالَ: هذا غير معقول فدعني أتأكد فلعل له معارض من العقول أو من العلوم أو من كلام البشر! ثُمَّ يقول بعد هذا: أنا مؤمن برَسُول الله! نقول له: لو آمنت أنه رَسُول من عند الله لقبلت ما جَاءَ به، أما لو تبين للشخص فيما بعد أن هناك دليل شرعي أقوى فهذا شيء آخر، لكن هذا رده أول ما سمعه زاعماً أنه قد يكون له معارضاً، والآخر الذي يقول: لا أستطيع أن أقول بهذا حتى أفكر فيه وأعرضه عَلَى عقلي؛ فيُقَالُ له: أنت إِلَى الآن في مرحلة الشك لم تؤمن برَسُول الله صلى الله عليه وسلم وكثير من النماذج عَلَى هذا حتى في عصرنا الحاضر، ولكن بطرق ملتوية ومن ذلك حديث الذباب وهو حديث صحيح وفيه: أن في أحد جناحيها داء وفي الآخر دواء، قالوا: كيف نغمسه وكيف نعتقد أن في أحد جناحيه داء وفي الآخر دواء؟ فنقول لهم: هل عندكم ما يطعن في إسناده أو في متنه؟ الجواب: لا. وهم ليسوا بعلماء حديث فَقَالُوا: نرى ما تقول معامل الكيمياء ومعامل الأحياء فأوقفنا الإيمان والعمل بحديث صح عن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم حتى تؤكد لنا الكيمياء صحة ذلك؟!.

ص: 471

فلماذا التعب والحفظ للسند والمتن؟ فهذا ليس إسلاماً بل الإسلام لا يثبت إلا عَلَى قدم التسليم والاستسلام، وأكثر النَّاس تسليماً واستسلاماً هم أكثر النَّاس وأقواهم إيماناً بما جَاءَ عن رَسُول الله، ولهذا لما قيل للصديق رضي الله عنه: إن صاحبك زعم البارحة شيئاً عجيباً أنه ذهب إِلَى بيت المقدس ثُمَّ عرج به إِلَى السماء -قالته قريش لأبِي بَكْرٍ - فقَالَ: إن كَانَ قال ذلك فقد صدق، مع أنه قال شيئاً لا تصدقه العقول لكنه صادق ولا يمكن أن يعارض، وفي يوم الحديبية لما لم تكن القلوب قد بلغت السكينة منها مبلغها أخذ الفاروق عُمَر رضي الله عنه يصيح ويقول ألست رَسُول الله؟! ألسنا عَلَى الحق؟! ألسنا الْمُسْلِمِينَ أليسوا بمشركين؟! نرضى بالدنية في ديننا؟ فكان أبو بكر الصديق رضي الله عنه يقول يا عُمَر! "إنه رَسُول الله "، يعلم أنه مادام رَسُول الله فإنه لا يمكن بأي حال من الأحوال أن نعارض قوله بما يخيل إلينا أنه مصلحة، فنلغي العقل ونلغي المصلحة إذا كَانَ في مقابل النص ومقابل قوله صلى الله عليه وسلم وهنا تكون حقيقة الإيمان بالله سبحانه وتعالى.

ص: 472

فإذا كنا قد أبطلنا دلالة العقل فإنه لا يصلح أن يكون معارضاً للنقل؛ لأن ما ليس بدليل لا يصلح لمعارضة شيء من الأشياء، فكان تقديم العقل موجباً عدم تقديمه عَلَى القاعدة العكسية التي قلناها، يقول المُصنِّفُ رحمه الله: [تقديم العقل يوجب عدم تقديمه

إلى أن قَالَ: [لزم أن لا يكون العقل دليلاً صحيحاً وإذا لم يكن دليلاً صحيحاً لم يجز أن يتبع بحال فضلاً عن أن يقدم فصار تقديم العقل عَلَى النقل قدحاً في العقل] بل هو كما قلنا قدح في العقل والنقل معاً وبهذا نخلص إِلَى أنه لا بد من تقديم النقل ولا بد من تجريد المتابعة ولهذا عقب المُصنِّفُ رحمه الله عَلَى هذا الكلام بالنص الذي هو منقول في أصله؛ وقريب من حروفه من مدارج السالكين لـ ابن القيم رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى.

يقول الإمام مالك إمام دار الهجرة رحمه الله ورَضِيَ اللهُ عَنْهُ -: (أو كلما جاءنا رجل ألحن بحجته من الآخر أخذنا بقوله وتركنا ما نزل به جبريل عَلَى مُحَمَّد صلى الله عليه وسلم إذا جعلنا الدين مرتهناً بالجدل والآراء والحجج والبراهين العقلية، فإنه لا بد أنه كلما أتانا رجل ألحن بالحجة ممن قبله، نترك ما نزل به جبريل عَلَى مُحَمَّد صلى الله عليه وسلم ونأخذ بكلام هذا أو ذاك، فإذا كَانَ لدينا المنهج الواضح، فلنتمسك به، وندع تلك الآراء، وتلك الجدليات جميعاً.

ص: 473

وابن القيم رحمه الله لمَّا ذكر هذا الكلام قَالَ: وأنا سألت أحد هَؤُلاءِ الذين يقدمون عقولهم أو آراء مشايخهم عَلَى النص الثابت عن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت له: أنشدك بالله لو أن رَسُول الله حي اليوم بين ظهرانينا، وقال لك: افعل كذا. أيجوز لك ويحق لك أن تقول: انتظر حتى أعرض هذا القول عَلَى قول الشيخ أو الإمام أو المذهب؟ قَالَ: لا ودهش. قَالَ: فقلت: أو إن كَانَ قد غاب بشخصه، وسنته باقية توقف القول والاعتقاد وما كانت عليه سنته حتى تعرضها عَلَى الإمام أو الشيخ أو المذهب؟! ما الفرق بين كونه صلى الله عليه وسلم بشخصه يأمرنا وبين كون سنته تأمرنا؟ أما هو صلى الله عليه وسلم فقد لحق بالرفيق الأعلى لكن دينه وسنته وشرعه باق فإذا بلغنا الحديث الصحيح عن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم فالواجب المبادرة للامتثال والطاعة بدون أي تردد هذا هو الذي يجب عَلَى كل مسلم.

أما أهل الضلال فيأتيهم الحديث عن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم فيقول القائل: وهذا الحديث مع صحته قد ثبت لدى أرباب الكشف خلافه، عجيب!! ومن أرباب الكشف؟ يقول هَؤُلاءِ الذين خوطبوا وكوشفوا بالعلم اللدني!

والآخر يقول: وهذا الحديث وإن رواه الشيخان أو غيرهما إلا أن القواطع العقلية قد قامت عَلَى رده!

بل ذكر بعضهم أن الأخذ بظواهر النصوص من أصول الكفر -عافانا الله وإياكم- يريد دون أن يعرضها عَلَى ما يدعونه من البراهين العقلية، إذاً فهَؤُلاءِ ليسوا موحدين في الحقيقة لأنهم عارضوا ما جَاءَ به النبي صلى الله عليه وسلم إما بخيال -يسمونه كشفاً وهو في الحقيقة خيال وضلال- أو بأوهام وظنون وتخرصات ويظنون أنها آراء عقلية وقواطع وبراهين نظرية.

ص: 474

يقول المصنف: [فنوحده بالتسليم والتحكيم والانقياد والإذعان] أي: نوحد الرَّسُول r بالتسليم والتحكيم والانقياد والإذعان كما نوحد الله تَعَالَى بالعبادة والخضوع والإنابة والتوكل فهما توحيدان لا نجاة للعبد إلا بهما قال جل شأنه: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُول لٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّه [النساء:64] وقال: فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً [النساء:65] فهذا هو الواجب في حقه صلى الله عليه وسلم، فلا يحاكم إِلَى غيره ابتداء ولا يرضى بحكم غيره -إذا بلغه حكمه صلى الله عليه وسلم وإن كَانَ عالماً من أهل الاجتهاد من الصحابة أو ممن دونهم، لانقدم قول أحد منهم عَلَى قول رَسُول الله صلى الله عليه وسلم، نعم، له أجر الاجتهاد ولكن ليس له أجر الصواب؛ لأنه أخطأ عندما قال قولاً يخالف قوله صلى الله عليه وسلم، وإن كَانَ لهذا المعارض مصدراً آخر غير الدين وغير الاجتهاد كَانَ يكون كشفاً أو عقلاً أو فلسفةً أو منطقاً أو علوماً من العلوم التي قال الله عنها: فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ [غافر:83] علم النفس، أو علم الاجتماع، أو علم الاقتصاد، أو أي شيء قيل عنه: إنه علم فإننا نكذبه ونرده.

ص: 475

ثُمَّ يقول المصنف: [ولا يوقف تنفيذ أمره وتصديق خبره عَلَى عرضه عَلَى قول شيخه وإمامه وذوي مذهبه وطائفته ومن يعظمه] فإن أصحاب الطرق يقولون هذا الحديث لا بد أن نعرضه عَلَى شيخ الطريقة، ويقولون: كن بين يديه كالميت بين يدي الغاسل، فما لك أمر ولا نهي حتى تأتي بالحديث تعرضه عَلَى الشيخ، إذاً فالمرجع هنا الشيخ وأصحاب المذهب يقول فيهم المصنف:[إن أذنوا له نفذه وقبل خبره، وإلا فإن طلب السلامة فوضه إليهم وأعرض عن أمره وخبره] يقول: نَحْنُ نريد الحق وهَؤُلاءِ الأئمة الأربعة لا يأخذون إلا من الكتاب والسنة فنحن نفوض الأمر إليهم ونتبعهم، أو يقول أنا مفوض أمري إِلَى شيخ الطريقة وهذا الحديث لابد أنه بلغ صاحب المذهب أو شيخ الطريقة وهو أعرف مني، فما قاله الشيخ أنا أقول به! وكأن المُصنِّفُ يصف ويشرح حالهم قديماً وحديثاً هذا إن طلب السلامة وأكثر من ذلك وأشد ما قاله الرازي: وإلا اشتغلنا بتأويلها عَلَى سبيل التبرع، يعنى: عند ذكر حديث النزول وغيره من أحاديث الصفات فإنه سوف يردها مباشرة لأنها ستعارض القواطع العقلية فيكون ردها جملة بناءً عَلَى القانون الذي ذكره -أي الرازي - أو يقول: عَلَى سبيل التبرع يأخذ هذه الأحاديث واحداً واحداً ويؤولها! وفي هذا غاية الاحتقار للوحي وللنص.

ص: 476

يقول: [وسمى تحريفه تأويلاً وحملاً] فقَالَ: نؤوله ونحمله [فلأن يلقى العبد ربه بكل ذنب -ما خلا الإشراك بالله- خير له من أن يلقاه بهذه الحالة] بل إذا بلغه الحديث الصحيح يعد نفسه كأنه سمعه من رَسُول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأنه صح عنه وثبت، كأنه يقول له: افعل كذا، ولا يؤخر العمل به إن كَانَ مما يعمل به، أو يعتقده اعتقاداً جازماً إن كَانَ خبراً، فلا يؤخر العمل حتى يعرضه عَلَى الشيخ أو المذهب والأصحاب، ولا عَلَى العقل ولا عَلَى أي رأي من الآراء [ولا يستشكل قوله لمخالفة رأي فلان، بل يستشكل الآراء لقوله] فيستشكل كيف خالف فلان الحديث وإن كَانَ عالماً؟ فلا نقول: وهذا الحديث يشكل لأنه خالف ما عليه المذهب، أو القياس! كما يقولون في حديث المصراة وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر الإِنسَان إذا اشترى ناقة أو بقرة أو شاة صريت أن يردها مع صاع من تمر) حديث صحيح لا شك في صحته، فَقَالَ أصحاب القياس: هذا الحديث مشكل؛ لأنه يخالف القياس وحاولوا أن يردوه أو يؤولوه! وأمثال ذلك من الأحاديث التي تجدونها في أبواب الفقه ابتداء من الطهارة وانتهاء بالشهادات والإقرار، وكثير جداً من يقدم محض القياس -كما يسمونه- عَلَى الحديث الصحيح الثابت عن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم.

ص: 477

فَيَقُولُ: [ولا يعارض نصه بقياس بل تهدر الأقيسة وتتلقى نصوصه] إذا كَانَ هذا في الفقه فما الظن في أمور الاعتقاد وأمور الغيب، حتى في الفقه لا شك أن النص يجب أن يقدم وذلك ضرورة عَلَى القياس؛ لأن القياس يقوم عَلَى النص ولهذا فضل شَيْخ الإِسْلامِ في رسالته تفضيل مذهب آراء أهل المدينة عَلَى أهل العراق لأن الأول: مبني عَلَى الحديث والنص، والثاني: عَلَى الرأي والقياس، ويدل عَلَى ذلك المناظرة التي جرت بين أبي يوسف الحنفي، والشَّافِعِيّ وكان شيخهمالك في الحديث وهو معلوم أنه كَانَ متبع للسنة ويعمل بعمل أهل المدينة، وأبو يوسف من تلاميذ الإمام أبي حنيفة على مذهب أهل العراق الذين يأخذون بالرأي.

فَقَالَ الشَّافِعِيّ أنشدك الله أصاحبنا أعلم بالقرآن أم صاحبكم؟

قَالَ: بل صاحبكم.

قَالَ: أنشدك الله أصاحبنا أعلم بالسنة أم صاحبكم؟

قَالَ: بل صاحبكم.

قَالَ: فعلى أي شيء يكون القياس إذا كنا أخذناه القاعدة من الكتاب والسنة، وكان هذا أعلم بالكتاب والسنة؛ فيقدم مذهبه؛ لأن القياس فرع لا يصار إليه إلا عند فقدان الأصل، كما لا يُصار إِلَى التيمم إلا عند فقدان الماء، وكان علماء السلف كالإمام أَحْمَد وإسحاق بن راهويه وأمثالهم من العلماء كابن المبارك، وابن عيينة ممن كانوا عَلَى الأثر، والحديث يعدون أهل الرأي من جملة أهل البدع الذين يردون الحديث بآرائهم، مع أن هذه مسألة أصولية اجتهادية.

فما بالكم بالذين جاؤوا من بعدهم وردوا الدين والغيبيات وأحوال اليوم الآخر وصفات الله بالأقيسة والعقول لا شك أن هَؤُلاءِ أشد بدعة وضلالاً من أُولَئِكَ فالتسليم للوحي هو الأصل الذي يجب أن يكون عليه كل مسلم.

ص: 478

ولا يحاكم إِلَى غير رَسُول الله صلى الله عليه وسلم لا بالأمور الخبرية ولا بالأمور الغيبية الشرعية، فهذا رَسُول الله صلى الله عليه وسلم ثبت لدينا أنه حكم عَلَى الزاني الثيب بالرجم فيقول عبد الله بن عباس رضي الله عنه: من كفر بالرجم فقد كفر بالقرآن حقيقة، وإن لم يذكر في القُرْآن ولكن لأدلة تفصيليه كثيرة، فالذي يعارض ذلك بالقوانين الوضعية المنقولة عن الأمم المتحضرة، التي ترى أن علاقات الحب علاقات سليمة لا غبار عليها، وأن الرجم لرجل وامرأة زنيا بالتراضي بينهما وحشية وكيف يرجما؟ ! هذا هو الكفر الصراح.

وقد كفر العلماء من قال بذلك، وفي القديم جيء إِلَى نصير الكفر الذي يسمونهنصير الدين الطوسي -الذي كَانَ وزيراً للتتار- وقد جيء إِلَى السلطان الوالي برجلين فعلا فاحشة -اللواط- فَقَالَ لا بد أن يقام عليهما الحد فقَالَ: الفاعل منهما إنما فعلت ذلك برضى ذلك المفعول، فَقَالَ نصير الكفر الذي أظهر الله كفره في ذلك المجلس، قَالَ: نعم، وماذا نصنع بشريعة نبي العرب؟! نعوذ بالله فكفره العلماء بذلك فكل من يعلم -منأهل السنة - بحقيقة نصير الكفر الطوسي فإنه يحكم بكفره؛ لأنه مع كفره وزندقته كَانَ رافضياً وعلى دين الفلاسفة الذين يرون هذه الآراء وأصبح هذا الأمر هو القاعدة المعمول بها حتى في ديار الإسلام يزعمون الإيمان بمُحَمَّد صلى الله عليه وسلم وهم لا يقيمون حدود الله التي أمر بها وأقامها بحجة أنهما ماداما متراضيين فلا حرج، وشارب الخمر لا حرج من شربه لها ما لم يحدث حادثا -أي: حادثاً مرورياً- أو اعتداء عَلَى أي شخص، فلا حرج في ذلك أبداً.

ص: 479

فتحكيم أو قبول كلام هَؤُلاءِ وتحكيم أي قانون من هذه القوانين هو محض الكفر والردة عن دين الله تعالى، وتكذيب لمُحَمَّد صلى الله عليه وسلم فإذا قال علماؤنا فيمن يقدم القياس -وهو اجتهاد من الشرع- عَلَى النص ما قد سبق أن نقلناه فكيف بمن يقدم قوانين الكفار؟! كما يقَالَ: أثبت علماء النفس أن الاختلاط يهذب الجنسين، فهل نُقدم كلام علماء النفس أم نُقدم كلام رَسُول الله صلى الله عليه وسلم؟! لذا قال المصنف:[فهما توحيدان لا نجاة للعبد من عقاب الله إلا بهما: توحيد المرسل وتوحيد متابعة الرَّسُول صلى الله عليه وسلم فلا يحاكم إِلَى غيره ولا نرضى بحكم غيره] .

ص: 480

فمثلاً: الاختلاط شر ومعصية حتى لو كَانَ بين الأطفال المميزين الذين قد لا يرتكبون هذا الفاحشة، وحتى ولو من المثقفين الكبار، لا كما يقولون: من الممكن أن تكون الفاحشة بسبب الأمية أو الجهل إذا اختلت المرأة بالرجل، لكن فتاة مثقفة في الطب أو في الجامعة في المراحل النهائية تقع في الفاحشة مع رجل مثقف لا يمكن! وهذه معارضة لقول رَسُول الله صلى الله عليه وسلم:(ما خلا رجل بامرأة) أيا كَانَ هذا الرجل مثقفاً أو غير مثقف وأياً كانت هذه المرأة مثقفة أو غير مثقة (إلا كَانَ الشيطان ثالثهما) بل هذا رَسُول الله صلى الله عليه وسلم لما كَانَ ماشياً ومعه أم المؤمنين ورآه الأنصاريان قَالَ: على رسلكما إنها صفية وهذا لكي يعلمنا الرَّسُول صلى الله عليه وسلم أن هذه الأمور بالغة الدقة والحساسية ويجب عَلَى الإِنسَان أن يبتعد عن أي شبهة في هذا المجال، فكل من قدم، أو قال قولاً أو رأى رأياً، أو دعى إِلَى رأي، وهو يعلم مخالفته لما جَاءَ به الرَّسُول صلى الله عليه وسلم، فإنه لم يوحد الرَّسُول صلى الله عليه وسلم بالتحكيم والمتابعة، وهذا هو الذي ينطبق عليه قوله تعالى: فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً [النساء:65] والأمثلة عَلَى ذلك كثيرة جداً.

ومجمل القول وصفوته هو كلام رَسُول الله صلى الله عليه وسلم فما صح عنه عملنا به وما قاله من خبر آمنا به وصدقناه واعتقدناه عَلَى الغيب فهذا ما يجب أن يكون عليه المؤمنون كما قال في أول سورة بعد الفاتحة الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ [البقرة:3] ثُمَّ قَالَ: وَيُقِيمُونَ الصَلاةَ [البقرة:3] .

قَالَ المُصنِّفُ - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى -:

ص: 481

[قال الإمام أَحْمَد: حدثنا أنس بن عياض، حدثنا أبو حازم عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده - قَالَ: لقد جلست أنا وأخي مجلساً ما أحب أن لي به حمر النعم، أقبلت أنا وأخي وإذا مشيخة من أصحاب رَسُول الله صلى الله عليه وسلم جلوس عند باب من أبوابه فكرهنا أن نفرق بينهم، فجلسنا حجرة إذ ذكروا آية من القُرْآن فتماروا فيها حتى ارتفعت أصواتهم فخرج رَسُول الله صلى الله عليه وسلم مغضباً قد أحمر وجهه يرميهم بالتراب، ويقول: مهلاً يا قوم! بهذا أهلكت الأمم من قبلكم باختلافهم عَلَى أنبيائهم، وضربهم الكتب بعضها ببعض، إن القُرْآن لم ينزل يكذب بعضه بعضا وإنما نزل يصدق بعضه بعضا، فما عرفتم منه فاعملوا به وما جهلتم منه فردوه إِلَى عالمه) .

ولا شك أن الله قد حرم القول عليه بغير علم، قال تعالى: قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْأِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَالا تَعْلَمُونَ [الأعراف:33] وقال تعالى: وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ [الإسراء:36] فعلى العبد أن يجعل ما بعث الله به رسله، وأنزل به كتبه هو الحق الذي يجب اتباعه، فيصدق بأنه حق وصدق، وما سواه من كلام سائر النَّاس يعرضه عليه، فإن وافقه فهو حق، وإن خالفه فهو باطل، وإن لم يعلم: هل خالفه، أو وافقه لكون ذلك الكلام مجملاً لا يعرف مراد صاحبه، أو قد عرف مراده لكن لم يعرف هل جَاءَ الرَّسُول بتصديقه أو بتكذيبه فإنه يمسك عنه ولا يتكلم إلا بعلم، والعلم ما قام عليه الدليل، والنافع منه ماجاء به الرسول، وقد يكون علم من غير الرسول، لكن في الأمور الدنيوية مثل الطب والحساب والفلاحة، وأما الأمور الإلهية والمعارف الدينية فهذه العلم فيها؛ ما أخذ عن الرَّسُول لا غير] اهـ.

الشرح:

ص: 482

هذا الحديث استدل به المُصنِّفُ - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى - عَلَى القضية الأساسية وهي قضية عدم معارضة شيء مما جَاءَ به الرَّسُول صلى الله عليه وسلم بالرأي، ومن هنا نهي عن الجدال؛ لأنه مدعاة لأن يتعصب الإِنسَان لرأيه فيتعسف في الأدلة ويأخذ منها ما يوافق هواه ورأيه ويرفض ما عداها ويقول هذا هو الصحيح فيضرب كتاب الله -تعالى- بعضه ببعض وهذا هو الذي حصل في جميع الفرق التي ضلت وانحرفت.

أهل الوعد وأهل الوعيد

جاء الخوارج والمعتزلة فأخذوا النصوص في الوعيد فقط: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن) فَقَالُوا: لا يمكن أن يقع الزنا من المؤمن. إذاً: من زنا فهو كافر!

وجاءت المرجئة فأخذت النصوص في الوعد (من قال لا إله الله دخل الجنة) قالوا: وإن عمل ما عمل فهو كامل الإيمان.

أهل القدر بصنفيه

وجاءت القدرية الذين ينفون القدر فأخذوا من الآيات والأحاديث ما يدل عَلَى إثبات القدر، وعلى إثبات الفعل للإنسان فنفوا قدر الله تعالى، وأخذوا ما يثبت عَلَى أن الفعل من الإِنسَان وجعلوا الإِنسَان هو الذي يخلق فعل نفسه، وقابل القدرية الجبرية فأخذوا الآيات التي تدل عَلَى أن الله تَعَالَى هو المتصرف وهو الذي يخلق، فجعلوا الإِنسَان معطلاً عن الفعل والإرادة، ونسوا أن العباد هم الذين يفعلون بإرادتهم واختيارهم، فأخذت كل فرقة بشيء من الدين وضاربوا النصوص بعضها ببعض.

سبب تفرق المسلمين وكثرة الفتن

ص: 483

كانت نتيجة ذلك أن تفرق الْمُسْلِمُونَ وكثرت الفتن في الدين والاختلاف فيما أنزل الله تعالى، فضربوا كتاب الله بعضه ببعض، فهذا يقرأ آيات الوعيد، ويضرب بها آيات الوعد، وهذا يقرأ آيات الوعد، ويضرب بها آيات أو أحاديث الوعيد، وكذلك في القدر، وفي الصفات فقد جَاءَ بعضهم فأخذو من قوله تَعَالَى لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى:11] نفي الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:5] ويأتي الآخر فيثبت الاستواء ويقول: إنه يستوي كإستواء المخلوقين وينسىلَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ( [الشورى:11] فالفِرق المنحرفة عن منهج أهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ تضرب كتاب الله بعضه ببعض، وتضرب سنة النبي صلى الله عليه وسلم بعضها ببعض وتماري في الدين بالهوى الذي يزعمون أنه عقل.

مقالة أهل الكشف والذوق

بعد ذلك ظهر من يماري ويجادل في الله تبارك وتعالى بالكشوفات والخيالات والمنامات والأذواق والمواجيد، ويقولون: إن الحق إنما يلتمس فيها، ومن قَالَ: إن الفاصل بين ما يؤول من الصفات وما لا يؤول إنما هو الكشف، فهذا الحديث الآتي أحد الأحاديث التي تنفي ذلك وترد عَلَى هذه المقالات جميعاً يقول: عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده (لقد جلست أنا وأخي مجلساً ما أحب أن لي به حمر النعم، أقبلت أنا وأخي، وإذا مشيخة من أصحاب رَسُول الله صلى الله عليه وسلم جلوس عند باب من أبوابه) هذا المتكلم هو عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه فكرهنا أن نفرق بينهم فجلسنا حجرة إذ ذكروا آية من القُرْآن -أي: جلسوا في ناحية منهم إذ ذكروا آية من القرآن- فتماروا فيها أي: تجادلوا في هذه الآية هذا يقول معناها كذا وهذا يقول: معناها كذا، حتى ارتفعت أصواتهم.

ص: 484

(فخرج رَسُول الله صلى الله عليه وسلم مغضباً) أي سمع النبي صلى الله عليه وسلم جدالهم فخرج مغضباً (قد احمر وجهه -يرميهم بالتراب-) فأنكر النبي صلى الله عليه وسلم عليهم بشدة لاختلافهم في القرآن، وقد ورد في بعض الآثار أن الخلاف كَانَ في القدر، فالصحابة خير النَّاس وأفضلهم وأتقاهم، فلما أن وصل بهم الجدال إِلَى أن ارتفعت الأصوات هذا يقول الحق ما أراه، وهذا يقول: أنت أخطأت في فهم الآية، فخرج عليهم النبي صلى الله عليه وسلم مغضباً قد احمر وجهه يرميهم بالتراب ويقول:(مهلاً يا قوم بهذا قد أهلكت الأمم من قبلكم باختلافهم عَلَى أنبيائهم، وضربهم الكتب بعضها ببعض، إن القُرْآن لم ينزل يكذب بعضه بعضاً؛ بل يصدق بعضه بعضاً، فما عرفتم منه فاعملوا به وما جهلتم منه فردوه إِلَى عالمه) .

الاختلاف على الأنبياء سبب الفتن والهلاك

بين لنا النبي صلى الله عليه وسلم بهذا الإنكار الشديد كيف اختلفت الأمم من قبلنا ووقعت فيهم الفتنة وهلكوا باختلافهم عَلَى أنبيائهم، وما أكثر اختلاف النَّاس عَلَى أنبيائهم، ففي سورة المائدة عندما دعى نبي الله موسى عليه السلام قومه لأمر الله أن يدخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لهم فاختلفوا عليه، وَقَالُوا: إن فيها قوماً جبارين، إِلَى أن آل به الحال أن يقول عليه السلام رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي [المائدة:25] .

ص: 485

واختلفوا حتى في الأمر البين الواضح الجليإِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَة [البقرة:67] أمرٌ إلهي واضح صريح، فلو أخذوا أي بقرة وذبحوها لأجزأ، ولكنه الاختلاف والتنطع والتشدد ومحبة العناد والإخلاد إِلَى الدنيا والتحايل عَلَى أمر الله تعالى، والله لم يشدد عليهم أول الأمر فلما شددوا عَلَى أنفسهم شدد الله عليهم، ومثله حديث الرجل الذي في الصحيح لما قال النبي صلى الله عليه وسلم:(حجوا فإن الله قد كتب عليكم الحج والعمرة فقام رجل فقَالَ: يا رَسُول الله أفي كل عام؟ قَالَ: لو قلت: نعم لوجبت) ثُمَّ ذكر النبي صلى الله عليه وسلم حال الأمم قبلنا وأنهم إنما هلكوا بكثرة سؤالهم واختلافهم عَلَى أنبيائهم، فالإِنسَان يقف عند حدود ما أنزل الله تَعَالَى ولا يجادل ولا يماري ولا يقف ما ليس له به علم فقَالَ:(باختلافهم عَلَى أنبيائهم) هذا أولاً.

أهل الكتاب يضربون كتاب الله بعضه بعض

وقوله: [وضربهم الكتب بعضها ببعض] أي: يأتون إِلَى ما أنزل الله عليهم فيضربون بعضه ببعض، وهكذا كَانَ حال الأحبار والرهبان الذين كانوا يفسرون التوراة والإنجيل، فكانوا يضربون بعضها ببعض، فتفرقت النَّصَارَىواليهود إِلَى ما هم عليه اليوم شيعاً وطرقاً؛ حتى أنهم كتبوا أناجيل من عند أنفسهم، وكذلك أسفاراً للتوراة، فضاعت التوراة الحقيقية وضاع الإنجيل الحقيقي، ولما بعث مُحَمَّد صلى الله عليه وسلم جَاءَ بالوحي المبين ودعاهم إِلَى الدين وإلى الشريعة الناسخة، وكانت كتبهم الماضية قد حرفت جميعاً وتعرضت للتغيير والتبديل، حتى لم يبق منها نسخة يعتمد عليها في الصحة بسبب هذا الاختلاف والشتات والتفرق، وبعض الأناجيل كتبت عمداً لتثبت قضية من القضايا.

ص: 486

فمثلاً: إنجيل يوحنا الذي يجادل به النَّصَارَىإلى اليوم ويفسرونه في إذاعاتهم؛ كتب ليثبت أن المسيح ابن الله -تعالى الله عن ذلك علواً كبيرا- يكتبون الإنجيل ويقولون هذا من عند الله وما هو من عند الله -نعوذ بالله من البهتان ومن الافتراء عَلَى الله عزوجل- فيقول النبي صلى الله عليه وسلم: (بهذا أهلكت الأمم قبلكم باختلافهم عَلَى أنبيائهم وضربهم الكتب بعضها ببعض) .

إن القُرْآن لم ينزل ليكذب بعضه بعضاً -حتى نأخذ آية ونعارض بها الآية الأخرى- بل يصدق بعضه بعضاً فكله من عند الله وكله حق، ولكن منه آيات محكمات هُنَّ أم الكتاب وأخر متشابهات، فالمؤمنون الذين وفقهم الله للحق والخير والهدى يردون المتشابه إِلَى المحكم، فيفهم المتشابه من خلال المحكم، وأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله، فهَؤُلاءِ يتركون الآيات الواضحات المحكمات ويذهبون إِلَى المتشابهات ويضربون كتاب الله تَعَالَى بعضه ببعض.

أمثلة لضرب النصوص الشرعية بعضها ببعض

صاحب كتاب أساس التقديس الرازي وأمثاله يستدلون عَلَى نفي الصفات التي يسمونها الصفات الخبرية ونفي الاستواء، وأمثاله بقوله تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَ6002314يْءٌ [الشورى:11] وقوله: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [الاخلاص:1] إِلَى آخرها وقوله: هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً [مريم:65] وأمثال ذلك من المعارضة.

وكثير من النَّاس اليوم يعارضون كلام الله ورسوله بعضه ببعض فمثلاً: حرم الله الربا فَقَالُوا: إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا، البيع حلال فإذا اشتريتُ هذا بـ (1000) ريال، فأبيعه بـ (1500) ريال ورضي المشتري فهذا حلال، ثُمَّ قَالَ: ما الفرق بين هذا وبين من أقرضته (1000) ريال ثُمَّ ردها إليّ بـ (1500) ريال؟!! إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا فعارضوا بهذا القياس الباطل كلام الله ورسوله.

ص: 487

ومثال آخر يكاد يكون يومياً: كثيراً ما نقرأ الآيات والأحاديث الصحيحة الثابتة التي تأمر المرأة أن لا تخرج من بيتها إلا لضرورة، وأنه يجب عليها أن تستتر عن الأجانب، وأن صلاتها في قعر بيتها أفضل منها في المسجد فكل هذ الأدلة، وما كَانَ عليه واقع الصحابة وواقع الْمُسْلِمِينَ في القرون الماضية شاهد عَلَى ذلك، فيلغون هذا كله ويعارضونه بأن فلانة من الصحابيات اشتركت في غزوة كذا، وأن فلانة خرجت إِلَى العراق وأن فلانة كانت تتعلم العلم وكانت تفتي، فيهدرون جميع الأحاديث الصحيحة بل الآيات الصريحة والواقع الضخم الذي كَانَ معاشاً مقابل أنهم جاؤوا بهذه الجزئية ويضربون كتاب الله بعضه ببعض.

ويأتون إِلَى الآيات التي تحث عَلَى العمل حتى الآية التي أنزلها الله في المنافقين وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ [التوبة:105] .

فيقولون: لا بد أن تعمل المرأة، فيضربون كتاب الله بعضه ببعض وينزلون الآيات والأحاديث في غير موضعها، وهذا كثير حتى عند العامة، وكل هذا مرجعه إِلَى القضية الأساسية، وهي: أنه لم يوحد رَسُول الله صلى الله عليه وسلم بالاتباع والطاعة والتحكيم، ولم يقدر القُرْآن والسنة حق قدرهما، فأصبحت القلوب والعقول خاوية من الفهم الصحيح والتقدير لِمَا جَاءَ به النبي صلى الله عليه وسلم من عند الله ولمعرفة قيمة هذا الوحي والتمسك به.

ص: 488

وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم الواجب في مثل هذا الشأن فقَالَ: (إن القُرْآن لم ينزل يكذب بعضه بعضا بل يصدق بعضه بعضاً) فالواجب علينا عمله هو في قوله: (فما عرفتم منه فاعملوا به) وقد عرفنا الآيات في إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وتحريم الربا وفي تحريم التبرج، في كل ما جَاءَ من الآيات الواضحة الجلية التي نعرفها إما بلغة العرب كما يقرأ القُرْآن ويفهمه العرب، وإما بتعليم أهل العلم لنا (فما عرفتم منه فاعملوا به، وما جهلتم منه فردوه إِلَى عالمه) .

الواجب عدم الخوض فيما لا تدركه العقول، وما لا فائدة منه

أما ما جهلناه من كتاب الله فلا نماري ولا نجادل ولا نخوض فيه بعقولنا الكليلة العاجزة؛ لنبحث في حقائقه ومعانيه وغيبياته التي لن تدركها عقولنا، وقد خاض النَّاس في كتاب الله عز وجل في أمور وفي مسائل قد لا يحتاجون إليها عَلَى الإطلاق وتركوا ما هو أولى وأجدى (فما عرفتم منه فاعملوا به) .

فأولاً: أن نبدأ بما عرفنا فنعمل به، ونترك ما تركه الله تَعَالَى وأخفاه عنا من أمور ليس فيها مصلحة وإنما يشير إليها إشارة، كبعض القصص القرآنية، ثُمَّ تأتي كتب التفسير فتضخم هذه القصة وتذكر فيها الآثار الإسرائيلية وتفصيلات ما أنزل الله بها من سلطان ولا دليل عليها. فالقرآن أنزل للعبرة والاتعاظ فإذا قرأ الإِنسَان القصة عرفها وأخذ العبرة منها.

ص: 489

لكن يأتي أُولَئِكَ النَّاس الذين يتكلفون ويخوضون فيما لا علم لهم به، فيضيعون الأعمار عَلَى أنفسهم وعلى النَّاس فيما لا فائدة منه، مثل: معرفة فرعون؟! واسم أخي يوسف الأكبر والأصغر؟ ومقدار الدراهم التي بيع بها يوسف، وسد ذي القرنين أين يوجد في الشرق أو الغرب؟ ومتى عاش قبل موسى أم بعده؟ أمور متكلفة والفائدة التي منها لا تتجاوز بأي حال من الأحوال تصحيحاً لمعرفة من المعارف التي قيمتها لا تتقدم عَلَى معرفة الأمور الجلية، التي تنقص كثيراً ممن خاضوا في هذه الأمور؛ مثل أمور التوحيد، والفرائض التي فرضها الله وأمثالها، فهذا أيضاً من الخطأ في منهج دراسة القُرْآن الكريم وفي أخذه وتلقيه، فيجد الإِنسَان من الأقوال العظيمة والخلافات الكثيرة، في مسائل لو أغفلت وأغلقت تماماً ما نقص شيء، ولسنا بحاجة إِلَى بحثها أصلاً.

ولهذا يجب أن نمتثل قول النبي صلى الله عليه وسلم: (فما عرفتم منه فاعملوا به، وما جهلتم منه فردوه إِلَى عالمه) ولا حاجة إِلَى إضاعة الأعمار وإلى الجدل في كتاب الله سبحانه وتعالى دون نتيجة.

الجدال والمراء مدعاة إلى القول على الله بغير علم

لهذا عقب المُصْنِّف بقوله: [ولا شك أن الله قد حرم القول عليه بغير علم] ولما كَانَ الجدال والمراء والخوض والتكلف فيما لا تدركه العقول؛ موصلاً إِلَى الافتراء عَلَى الله والقول عليه بغير علم، عقب المُصْنِّف ببيان ذلك فقَالَ: ولا شك أن الله قد حرم القول عليه بغير علم قال تعالى: قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ [الأعراف:33] وكثير من النَّاس يجتنبون الفواحش الظاهرة مثل (الزنى -السرقة- شرب الخمر) لكن يغفلون عن الفواحش الباطنة.

ص: 490

وبعض المفسرين يقول: المقصود من هذه الآية ما أُعلن به وما استخفي به، لكن الذي يظهر ويترجح في معنى "ماظهر": يعني الأعمال الظاهرة، وما "بطن" يعني: الأعمال الباطنة ومن الفواحش الباطنة الأعمال القلبية التي نهى الله عنها.

فالله قد نهى عن الحسد الذي يأكل الحسنات كما تأكل النَّار الحطب وهو عمل باطني في القلب، فقد لا يزني الإِنسَان ولا يسرق ولا يشرب الخمر؛ لكنه يحسد ويحقد عَلَى أخيه المسلم، ولا يحب لأخيه المسلم ما يحب لنفسه بل يتمنى له الضرر؛ بل قد يكون أكبر من ذلك وهو أن يكون في قلبه شك فيما جَاءَ به الرَّسُول صلى الله عليه وسلم، أو يكون فيه مرض من أمراض النفاق، أو أن تكون فيه نكتة من نكت المعاصي والذنوب فهذه من الفواحش الباطنة وَالْأِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ [الأعراف:33] وفي هذه الآية كلما أتى معطوف جديد، فإنه يأتي أكبر من المعطوف الذي قبله وَالْأِثُمَّ َ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً [الأعراف:33] فالشرك أعظم من الإثُمَّ وأعظم من البغي بغير الحق، والإثُمَّ والبغي من أجمع الأسماء الدالة عَلَى المعاصي وعلى الموبقات وأسباب الهلاك، والبر: اسم جامع لكل خير، والإثم: اسم جامع لكل شر.

كذلك البغي إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْأِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [النحل:90] فهذه الآية من أشمل الآيات التي تبين أصول ما يفعل ويستحب، وأصول ما يجتنب وينتهي عنه، قال تعالى: وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً [الأعراف:33] هذا هو الذنب الأعظم من الآثام.

بيان عظم خطر القول على الله بغير علم

ص: 491

وأكبر مما سبق وأعظم وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ [البقرة: 169] هذا الذنب أعظم من الشرك وهو من الشرك ومن الكفر، لكن الكفر بعضه أكبر من بعض، وفي الكفر زيادات كما قال تعالى: إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا [التوبة:37] فالقول عَلَى الله بغير علم أعظم جرماً وبهتاناً من مجرد شرك وهما مقترنان، أي: الافتراء واتباع غير ما أنزل الله تعالى، كما في قصة موسى عليه السلام لما قال للسحرة وَيْلَكُمْ لا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِباً فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ [طه:61] فالسحرة لم يقولوا: إن الله أحل السحر لنا أو أحل لنا عبادة فرعون، لكن كل من شرع سنة أو طريقة، وقَالَ: إنها هي الحق أو هي الصواب ويعلم مخالفتها لدين الله، فإنه قد افترى عَلَى الله الكذب؛ لأنه لا يملك أن يقول للناس: هذا هدىً وهذا ضلال إلا الله عز وجل، فإذا جَاءَ أحد وقَالَ: هذا هو الهدى وهذا هو الضلال، فكأنه ينسب ذلك إِلَى الله، أو يجعل نفسه مكان الله تعالى، ويتلبس بصفات الألوهية فمن هنا كَانَ افتراءً عَلَى الله عز وجل؛ أن يدُعو إِلَى غير الحق وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ [البقرة: 169] الشاهد هنا هو: في النهي عن الجدال بغير الحق، وفي ضرورة اتباع ما أنزل الله تَعَالَى ورد مالم تعلمه العقول وما لم تدركه الافهام إِلَى الله تعالى، كما ثبت ذلك عن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، مثل ما سُئلالصديق وَفَاكِهَةً وَأَبّاً [عبس:31] قيل: ما الأبّ؟ قَالَ: أي سماء تظلني، وأي أرض تقلني إذا قلت في كتاب الله بغير علم، مع أن هذا من كلام العرب، ولا أثر في اعتقاد صاحبه إن قيل الأبّ هو ما تأكل الأنعام، أو ما تأكل الدواب، أو هو الأخضر، أو هو الحشيش كل ذلك لا يؤثر في إيمان قائله أو معتقده.

ص: 492

فكيف بمن يخوض في معاني أسماء الله وصفاته؟! وفي القدر وفي أمر أعظم من هذا الأب وأمثاله، ويقولون: هذا هو الحق، وهذا هو الذي جَاءَ به النبي صلى الله عليه وسلم؟! ويقول تعالى: وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً [الإسراء:36] وكثير من النَّاس ينسى هذه الآية فيقف ما ليس له به علم، والله تَعَالَى لما نهانا عن ذلك ختم الآية بالمسؤولية عن هذه الأعضاء التي هي منافذ العلم والإحساس، فلا تسمع ولا تبصر ولا تفكر إلا فيما أراد الله سبحانه وتعالى وفيما رضي وشرع، وأما فيما سوى ذلك فرد الأمر إِلَى عالمه؛ هو الطريق الأسلم والأجدى.

وما أوتيتم من العلم إلا قليلا

العلم البشري محدود، لذا جَاءَ في آخر سورة الإسراء: وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً [الإسراء:85] فهل يستطيع علماء التشريح والطب والنفس وما إِلَى ذلك أن يجيبوا ما هي الروح؟ فضلاً عن النَّاس في القرون الماضية؟ لم ولن يستطيعوا أبداقُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً [الإسراء:85] وفي قصة الخضر وموسى عليهما السلام المعروفة بعد أن انتهيا وبين له الخضر لماذا فعل هذه الأمور؛ جَاءَ طائر فنقر في البحر بمنقاره فأخذ قطرة من الماء، فَقَالَ الخضر لموسى أرأيت ذلك الطائر ما عندي وعندك من العلم في جانب علم الله إلا مثلما أخذ ذلك الطائر من ذلك البحر.

ص: 493

هذا وهو الخضر الذي قال الله عنه وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً [الكهف: 65] وهو الذي أعلمه الله وأطلعه أنّ خرق هذه السفينة أولى وأجدى لأصحابها وأن هذا الغلام لو كبر سيكون كذا وكذا فليقتل وأن تحت هذا الجدار كنز، وأنه لغلامين يتيمين وأنهما سيكبران ثُمَّ يأخذانه، أمور غيبية عجيبة لا يستطيع الإِنسَان أن يعرفها ولا يصل إليها عَلَى الإطلاق، وكل ما عنده من العلم مما أعطاه الله من علمه لا يتجاوز ما أخذ ذلك الطائر الصغير من هذا البحر العظيم الكبير، حتى تقف العقول البشرية أمام القُرْآن والسنة ذليلة عاجزة خاضعة، ويستسلم الإِنسَان بقلبه وعقله وجوارحه لربه تَعَالَى.

الموقف الشرعي من أقوال الرجال

فكل ما جاءه عن الله ورسوله فليقابله بالتسليم والانقياد والإذعان، وهذا هو منهج النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه الكرام الذين هم أعلم وأذكى وأفهم الناس، فيجب أن يكون حال من بعدهم هو أكثر انقياداً وإذعاناً للنصوص.

قَالَ المُصْنِّفُ رحمه الله: [فعلى العبد أن يجعل ما بعث الله به رسله وأنزل به كتبه هو الحق الذي يجب اتباعه فيصدق بأنه حق وصدق وما سواه من كلام سائر النَّاس يعرضه عليه] .

يقول: إذا جاءك الكلام من النَّاس الآخرين، ابتداءً من صحابة الرَّسُول صلى الله عليه وسلم وهم أفضل النَّاس ثُمَّ العلماء ثُمَّ من بعدهم إِلَى أن نصل إِلَى أهل البدع والضلال، كل من جاءنا بقول نعرضه عَلَى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فإن وافقه فهو حق، وإن خالفه فهو باطل مردود لا يؤخذ به.

ص: 494

[وإن لم يُعلم] أي جاءك قول لا تدري أهو موافق للكتاب والسنة أو مخالف؟ يقول المُصْنِّف رحمه الله: [وإن لم يعلم هل خالفه أو وافقه يكون ذلك الكلام مجملاً لا يعرف مراد صاحبه] قد يكون السبب أن هذا الكلام مجملاً، مثل: كلمة الجهة كلمة مجملة تحتمل حقاً وباطلاً، ونفي الجسم كلام مجمل قد يحتمل الحق وقد يحتمل الباطل، وغير ذلك في باب الصفات وغيره، ففي هذا الكلام المجمل ينظر في مراد صاحبه هل يريد جانب الحق أو الجانب الآخر.

كما كَانَ يدلس بعض المعتزلة ويقول: فلان ليس بمؤمن، فماذا يقصد بها؟ إن قصد بها أنه مسلم لكنه عاصٍ فاسق فاجر فهو محق، وإن قصد أنه ليس بمسلم بل كافر خارج عن الملة لمجرد أنه أذنب ذنباً من الذنوب، عرفنا أن هذا من أباطيل الخوارج ومن شايعهم، فالكلام المجمل إن لم نعرف مراد صاحبه فإنه يتوقف فيه ويمسك عنه، ونقول: إن احتمل كذا كَانَ كذا، وإن احتمل كذا كَانَ كذا، وإن عرفنا مراده ولم يكن الكلام مجملاً بل كَانَ كلامه واضحاً، لكن لا ندري هل هذا الكلام مما جَاءَ به الرَّسُول صلى الله عليه وسلم؟ وهل يدل عليه دليل من الكتاب والسنة؟ أم لا؟ وهل هو حق أم باطل؟ وهذا الأمر صعب ولا يعرف ذلك إلا العلماء وبعد البحث والتنقيب أحياناً.

فالخلاصة أنه إذا عرفنا مراد المتكلم ولم نعرف هل الرَّسُول جَاءَ بتصديقه أو بتكذيبه، فإن الإِنسَان يمسك عنه ويتركه ولا يتكلم فيه إلا بعلم وهذا كثير، فقد تأتي أخبار أو نظريات علمية، فلا ندري أفي كتاب الله ما يوافقها أو يخالفها؟! فالموقف من هذه الإمساك عنها، وعدم إشاعتها بين الناس، وعدم الخوض فيها وألا نجهد أنفسنا، ولا نجهد النَّاس في معرفتها وفي الاستدلال لها أو عليها، فضلاً عن أن نتفرق، فهذا ينفي وهذا يعارض وهذا يؤيد، وما أكثر ما يحدث وخاصة في أمثال هذه الأمور في هذا الزمان.

ص: 495

قول المُصنِّفُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: [ولا يتكلم إلا بعلم] العلم هو ما قام عليه الدليل، هذه هي حقيقة العلم أما ما عدا ذلك مما لم يقم عليه دليل فإنه ظن، والظنلا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً [يونس:36] وهذه الكلمة -أي: العلم- تشمل العلم الشرعي وغير الشرعي، والعلم الشرعي يقوم عَلَى الدليل من الكتاب أو السنة أو القياس أو الفهم الصحيح للأدلة.

تعريف العلم الدنيوي

العلم الدنيوي الحقيقي هو: الذي قام عليه الدليل من تجربة أو برهان من البراهين الذي يكفي مثلها لصحة هذا العلم.

النافع من العلم

قول المُصْنِّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: [والنافع منه ما جَاءَ به الرَّسُول صلى الله عليه وسلم] .

أي: أن أنفع العلوم وأفضلها هو ما جَاءَ به الرَّسُول صلى الله عليه وسلم، ولأن عليه تتوقف سعادة الإِنسَان في الدنيا والآخرة وعليه يتوقف الهدى والضلال، وهذا أعظم مطلب، فحاجة النَّاس إِلَى معرفة الهدى والضلال أعظم من حاجتهم إِلَى معرفة علم الطب مثلاً لأن حاجتك إِلَى أن تعرف ما يدلك إِلَى طريق الجنة ويباعدك عن طريق النَّار أعظم من حاجتك إِلَى معرفة ما يدلك إِلَى طريق السلامة والعافية مما يدلك إِلَى طريق المرض والهلاك، فإن الإِنسَان لو هلك وكان من أهل الجنة لما خسر شيئاً، ولكن لو سلم وعوفي في بدنه وكان من أهل النَّار فإن هذا هو الخسران المبين.

وبذلك نعلم أهمية هذا العلم الشرعي دون أن ننقص من الأهمية للعلم الدنيوي الآخر، وقد يقول قائل: أنتم تقولون: لا نأخذ العلم إلا من الرَّسُول صلى الله عليه وسلم؟ فهل الطب والفلاحة، والهندسة، والكيمياء، والفيزياء، أتت من طريق الرَّسُول صلى الله عليه وسلم حتى لا نأخذها إلا من طريقه؟

ص: 496

نقول ليس هذا هو المراد؛ لأن الأصل في بعثة النبي صلى الله عليه وسلم هو تبيين طريق الهداية لنا، وكذلك القُرْآن هو هدى ونور وشفاء وموعظة وذكرى، وما عدا ذلك من الأمور فهي بالتبع وليست بالأصالة.

إذاً: فأصل ما جَاءَ به النبي صلى الله عليه وسلم ليس أمور الدنيا، ومن هنا يكون قوله صلى الله عليه وسلم:(أنتم أعلم بأمور دنياكم) . ولو أن الفلاسفة والمفكرين أجهدوا أنفسهم في معرفة الزراعة والطب والهندسة لأحسنوا إِلَى الإِنسَانية -لأن لديهم عقولاً ضخمة جبارة- ولأراحوا أنفسهم من العناء، لكن تركوا هذه التي أمروا أن يفكروا فيها، وأخذوا يفكرون في أمور الرسالة.

مثل من يعرض عن ما أنزل الله

ومثل النَّاس الذين يعرضون عن الحق والهدى مع وضوحه مثل رجل جَاءَ وقَالَ: أنا أريد أن أعرف علم الجغرافيا فقيل له: إن الجغرافيا علم موجود من القديم، وهذه الخرائط والأنهار والجبال والنباتات والجغرافيا الطبيعية والاقتصادية موجودة، فقَالَ: حتى نصدق بهذا العلم لا بد أن نعرض هذا العلم عَلَى عقولنا وعلى أنظارنا وأن نفكر، ثُمَّ أخذ يقيس خط الاستواء وأخذ الذراع، ويريد أن يذرع خط الاستواء! وكم خطوط الطول وكم خطوط العرض! وكم طول البحر الأحمر، وكم تبعد مدينة القاهرة عن ،بغداد فهذا الرجل يكون مدعاة للسخرية، بل هو شخص مسكين ضعيف العقل يرثى له! وهذا هو واقع وحال الذين يتركون ما أنزل الله تَعَالَى.

ص: 497

ومعنى قول الصحابة رضي الله عنهم لقد تركنا رَسُول الله صلى الله عليه وسلم وما من طائر يقلب جناحيه في السماء إلا أنبأنا منه علماً أي: أخبرنا صلى الله عليه وسلم بما يصلحنا في دنيانا وفي أخرانا وأخبرنا وبما يصلح قلوبنا، ومعاملاتنا مع أهلينا ومجتمعنا، والمعاملة الناجحة بين الراعي والرعية، وبين الجار وجاره، وبين العبد وربه، وأخبرنا كيف يأتينا الموت؟ وكيف ننتقل إِلَى القبر؟ وماذا يحدث لنا في القبر؟ وكيف تقوم الساعة؟ وكيف نحاسب؟ وكيف نرد الصراط؟ وكيف يدخل أهل الجنة الجنة وأهل النَّار النار؟ فهذا كلام لا يمكن أن تتخيله العقول ولا تصل إليه، مع ذلك فقد وضحه رَسُول الله لنا توضيحاً شافياً كاملاً، حتى كأننا نرى كل هذه الأمور، وما بقي إلا يقع حقيقة هذا الذي أنت قد رأيته بقلبك وإحساسك، ثُمَّ يأتي هَؤُلاءِ ويقولون: نلغي كل هذه العلوم، ويفكرون في الروح، وما هي الروح؟ وكيف تخرج؟ وأين تذهب؟ وأين يذهب الإِنسَان؟ ومن أين جاء؟ والله قد كفانا ذلك، أخبرنا عن ذلك كله.

وقس عَلَى هذا كثيراً من الأمور الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي قد بينها الله حق البيان، ثُمَّ تأتي الدول الاشتراكية والرأسمالية وغيرها، ويتنازعون في وضع قوانين ونظم ينطلقون من خلالها في تعاملاتهم وحياتهم، فيختلفون في ذلك أشد الخلاف، ويعقدون المؤتمرات تلو المؤتمرات ولا يخرجون بنتيجة عَلَى الإطلاق مع أن الحق والهدى بين أيديهم. هذا في الأمور التي تدرك بالعقول وتنضبط بالمعايير المحسوسة، فكيف بأمور الغيب والتي لاتدرك بالحس ولا بالعقول؟!

ص: 498

وصدق الله إذ يقول: وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً [النساء:82] لقد رحمنا الله وأعطانا هذا الدين القويم، وأرسل إلينا هذا النبي العظيم، وأنزل إلينا القُرْآن هذا الذكر الحكيم، وأعطانا كل الخير والهدى واضحاً جلياً، فهذا هو الحق وهذا هو العلم الصحيح الذي هو أعظم وأشرف هذه العلوم، فيجب علينا أن نتمسك بالكتاب والسنة، وأن نعبد الله عَلَى بينة وبرهان، وإن أعرضنا فإننا سوف نلتمس الهدى من عند الذين يخوضون ويبحثون، ولن يعرفوا حقيقة الروح ولن يعرفوا نشأة الكون ولا نهايته، ولن يعلموا الغيب وما يؤول إليه الإِنسَان بعد موته، وكيف يعيش في الدار الآخرة؟

لا يمكن أن يصلوا إِلَى شيء من هذا؛ بل هم خراصون في ذلك كما قال الله، ويفترون عليه الكذب ويضيعون في أودية الكذب، حتى يأتي أحدهم الموت، وهو لم يخرج من هذه الدنيا بخير ولا فائدة.

الأمور الإلهية لا مجال للعقل فيها

وقول المُصْنِّف رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى:

[وأما الأمور الإلهية والمعارف الدينية فهذه العلم فيها، ما أخذ عن الرَّسُول لا غير] أي: العلم في هذه الأمور الإلهية وهي ما يتعلق بالله عز وجل والمعارف الدينية؛ نأخذه من الرَّسُول صلى الله عليه وسلم، ومن رحمة الله أن أرشدنا إِلَى القواعد العامة التي تتعلق بأمور الدنيا، والتي فيها صلاح أبداننا وصلاح عقولنا، فهل نعارض هذا بهذا ونقول مثلاً حديث الذباب لا يصلح؟

ونقول: كون السماوات جرم ولها أبواب وتفتح نرده؟

ونقول: هو اللانهاية، كما يقول علماء الفلك؛ بل نقول: كل ما جَاءَ عن الله ورسوله إن كَانَ من الأصل وهو الهداية أو كَانَ من الأمور التي جاءت تبعاً، وهي الكونية والمعارف والعلوم الدنيوية، فإنه حتى فيما جاءت به هذه العلوم يقدم الرَّسُول صلى الله عليه وسلم عَلَى ما قالوه، ولا يتعارض -بإذن الله- نقل صحيح مع عقل صريح.

ص: 499

قال أبو جعفر الطّّحاويّ رحمه الله:

[ولا تثبت قدم الإسلام إلا عَلَى ظهر التسليم والاستسلام]

قَالَ المُصنِّفُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى:

[هذا من باب الاستعارة، إذ القدم الحسي لا تثبت إلا عَلَى ظهر شيء، أي: لا يثبت إسلام من لم يسلِّم لنصوص الوحيين، وينقاد إليها، ولا يعترض عليها ولا يعارضها برأيه ومعقوله وقياسه.

روىالبُخَارِيّ عن الإماممُحَمَّد بن شهاب الزهري رحمه الله أنه قَالَ: من الله الرسالة، ومن الرَّسُول البلاغ، وعلينا التسليم، وهذا كلام جامع نافع.

وما أحسن المثل المضروب للنقل مع العقل، وهو: أن العقل مع النقل كالعامي المقلد مع العالم المجتهد، بل هو دون ذلك بكثير، فإن العامي يمكنه أن يصير عالماً ولا يمكن للعالم أن يصير نبياً رسولاً، فإذا عرف العامي المقلد عالماً فدل عليه عامياً آخر، ثُمَّ اختلف المفتي والدال، فإن المستفتي يجب عليه قبول قول المفتي دون الدال، فلو قال الدال: الصواب معي دون المفتي لأني أنا الأصل في علمك بأنه مفت، فإذا قدمت قوله عَلَى قولي قدحت في الأصل الذي به عرفت أنه مفت، فلزم القدح في فرعه! فيقول له المستفتي: أنت لمَّا شهدت له بأنه مفت ودللت عليه شهدت له بوجوب تقليده دونك، فموافقتي لك في هذا العلم المعين لا يستلزم موافقتك في كل مسألة، وخطؤك فيما خالفت فيه المفتي الذي هو أعلم منك، لا يستلزم خطأك في علمك بأنه مفتٍ، هذا مع علمه أن ذلك المفتي قد يخطىء] اهـ.

الشرح:

ص: 500

قول الطّّحاويّ رحمه الله: [ولا تثبت قدم الإسلام إلا عَلَى ظهر التسليم والاستسلام] معناه: أن الإسلام هو: الاستسلام لله بالتوحيد، والانقياد له بالطاعة، والخلوص من الشرك، أي: أن يلغي الإِنسَان كل شك أو شبهة تعارض ما جَاءَ به الرَّسُول صلى الله عليه وسلم، ويتمثل قوله تعالى:] يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً [البقرة: 208] أي: ادخلوا في دين الله كله، وعلى ذلك قاتل النبي صلى الله عليه وسلم، وأُمر أن يقاتلوَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ [الأنفال:39] ويكون الإذعان والانقياد والطاعة لله تَعَالَى.

وما قاله المُصنِّفُ عن كلام الطّّحاويّ: إنه من باب الاستعارة، وهي: التشبيه الذي حذف أحد طرفيه، بدلاً من أن نقول: مثل إسلام الإِنسَان كالإِنسَان الذي يقف عَلَى قدميه لا بد أن يقف عَلَى شيء، وهذا الشيء يجب أن يكون ثابتاً مثل التسليم والاستسلام، فنحن حذفنا أحد الطرفين، وهذه تسمى الاستعارة، فَيَقُولُ: القدم الحسي لا تثبت إلا عَلَى ظهر شيء فأخذ ذلك وقَالَ: لا يثبت إسلامك ولا إيمانك إلا عَلَى شيء، وهو: التسليم والاستسلام لله تعالى، فلا يثبت إسلام من لم يسلم لنصوص الوحيين -أي: الكتاب والسنة- وينقاد إليهما، فلا يعترض عليهما ويعارضهما برأيه ومعقوله وقياسه.

ص: 501

ثُمَّ استشهد عَلَى ذلك بما قاله الإمام العظيم مُحَمَّد ابن شهاب الزهري فيما رواه الإمامالبُخَارِيّ عنه قال هذه الكلمة الجامعة "من الله الرسالة" وهذه من رحمته أنه منَّ بها وأرسل رسوله صلى الله عليه وسلم وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ [الأنبياء:107] فالله رحمنا وأرسل الرَّسُول صلى الله عليه وسلم وأنزل الرسالة فمن الله الرسالة "ومن الرَّسُول البلاغ" أي: الرَّسُول صلى الله عليه وسلم مبلغ ومبين لِمَا أنزل الله، وعلينا نَحْنُ التسليم، فهذا الكلام العظيم كلام من تأدب بأدب النبي صلى الله عليه وسلم، وأُعطي العلم النافع الصحيح، كما أخذه عن النبي صلى الله عليه وسلم فكانت له مثل هذه الكلمات وهذا هو الواجب الذي يجب علينا؛ لأن الله قد منَّ علينا بالرسالة ورحمنا بها، والرَّسُول صلى الله عليه وسلم قد بلغ الرسالة وأدى الأمانة، وجاهد في الله حق جهاده، وبين لنا كل خير وكل شر إِلَى أن نلقى الله، وبقي علينا التسليم والانقياد والإذعان.

المثال المضروب للنقل مع العقل

ثُمَّ ذكر المُصْنِّف رحمه الله المثل المضروب للنقل مع العقل وقد ذكره شَيْخ الإِسْلامِ ابْن تَيْمِيَّةَ في درء التعارض فإن الذين يقولون: نقدم العقل عَلَى النقل حجتهم هي: أن العقل هو الذي دلنا عَلَى صحة النقل، فلولا العقل لم نعرف أن هذا رسول، ولم نعرف أن القُرْآن حق، فالعقل هو أصل النقل، وهو الذي دل عليه، والمجنون لا يكلف، ولا يحتاج إِلَى الحق، ولا يعرف صدق رَسُول من كذبه، ولا يفهم آية من غيرها.

ص: 502

فأراد شَيْخ الإِسْلامِ ابْن تَيْمِيَّةَ رحمه الله أن يزيل هذا اللبس الذي حصل عندهم في علاقة هذا الدليل مع المدلول عليه، فقَالَ: هذا المثل الذي هو للتقريب -وإلا فإنه ليس تشبيهاً من كل جهة- وهو أن مثل العقل مع النقل كالعامي المقلد مع العالم المجتهد، فهذا العامي المقلد كلما أمره العالم بشيء فكر فيه وفهمه، ثُمَّ نفذه هذا هو الدور الحقيقي الذي يجب أن يكون عليه هذا.

وليس في هذا المثل مطابقة من كل وجه؛ لأن هذا العامي المقلد يمكن أن يتعلم فيصير عالماً مجتهداً، بخلاف العقل فإنه لن يصل إِلَى رتبته؛ لأن الوحي أو الغيب لا تصل إليه العقول أبداً، فالعالم العاقل مهما أعمل عقله لن يصبح نبياً ولن يعرف علوم الأَنْبِيَاء أبداً، يقول: فإذا عرف العامي المقلد عالماً، ثُمَّ جَاءَ هذا العامي المقلد ودل عامياً آخر عَلَى هذا العالم، وقال له: خذ منه العلم، وكل شيء يقوله لك الشيخ لا بد أن تعرضه عليَّ، فإما أن أوافق عليه وإما أن أخالفه.

فيقول ذلك العامي الغريب: أنت دللتني عليه عَلَى أساس أنه عالم آخذ منه العلم، وإذا كَانَ الأمر كذلك فأنت العالم! فلماذا تدلني عَلَى الشيخ؟ لا حاجة إذن إِلَى العالم أصلاً، وهذا الذي نقوله لمن يقول: تقدم العقول عند التعارض، فنقول: ما فائدة الوحي إذن إذا كنا سنحكم بآرائنا وعقولنا؟!

ص: 503

يقول المُصْنِّف رحمه الله: [فإن المستفتي يجب عليه قبول قول المفتي] أي: يجب عَلَى هذا المستفتي أن يسمع قول المفتي العالم ولا يسمع كلام الذي دله عليه، فلو قال الدال: إن الصواب معي دون المفتي؛ لأني أنا الأصل في علمك بأنه مفتي، فإذا قدمت قوله عَلَى قولي قدحت في الأصل الذي به عرفت أنه مفتي، ولزم من ذلك القدح في فرعه وهو النقل، فيقول له المستفتي الغريب: أنت لما شهدت له بأنه مفتي ودللت عليه شهدت له بوجوب تقليده دونك، ولا أتبعك أنت، فأنت لا تتجاوز قدرك وطورك، فموافقتي لك في هذا العلم المعين لا تستلزم موافقتك في كل مسألة، وخطأك فيما خالفت فيه المفتي الذي هو أعلم منك لا يستلزم خطأك في علمك بأنه مفتي.

أي: نَحْنُ عندما نقول للعقل أيها العقل بما أنك قد دللتنا عَلَى صحة الوحي وعلى صحة النقل، فهذه شهادة منك بأن الوحي هو الذي يرجع إليه، وأن المتَّبع هو الوحي، ولا نهدر قيمة العقل، وخطأك أيها العقل في أمر تخالف فيه الوحي لا يستلزم خطأك في قولك إن الوحي هو الصواب، فهو قد جَاءَ بحق وجاء بباطل، فالحق قوله: إن الوحي هو الصواب، والباطل هو قوله: إن ما جَاءَ به الوحي لابد أن تعرضوه عليَّ لأخبركم ما تأخذون منه وما لا تأخذون.

فنقول: لا يلزم منا هذا، فلا يلزم من صوابك في الدلالة أن نأخذ كلامك دون الوحي، ولا يلزم من خطئك فيما عارضك فيه الوحي أنك مخطئ في دلالتك عَلَى صدق الوحي، وهذا من أحسن الأجوبة والأمثلة التي يتضح بها قيمة عقل الإِنسَان مع ما أنزل الله من الوحي الذي تعبدنا الله تَعَالَى به دون ما سواه.

حقيقة المعارض لما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم

قَالَ المُصْنِّفُ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -:

ص: 504

[والعقل يعلم أن الرَّسُول معصوم في خبره عن الله تعالى، لا يجوز عليه الخطأ، فيجب عليه التسليم له والانقياد لأمره، وقد علمنا بالاضطرار من دين الإسلام أن الرجل لو قال للرسول: هذا القُرْآن الذي تلقيه علينا، والحكمة التي جئتنا بها قد تضمن كل منهما أشياء كثيرة تناقض ما علمناه بعقولنا، ونحن إنما علمنا صدقك بعقولنا، فلو قبلنا جميع ما تقوله مع أن عقولنا تناقض ذلك، لكان قدحاً في ما علمنا به صدقك، فنحن نعتقد موجب الأقوال المناقضة لما ظهر من كلامك، وكلامك نعرض عنه لا نتلقى منه هدياً ولا علماً، لم يكن مثل هذا الرجل مؤمناً بما جَاءَ به الرسول، ولم يرض منه الرَّسُول بهذا، بل يعلم أن هذا لو ساغ لأمكن كل أحد أن لا يؤمن بشيء مما جَاءَ به الرسول، إذ العقول متفاوتة، والشبهات كثيرة، والشياطين لا تزال تلقي الوساس في النفوس، فيمكن كل أحد أن يقول مثل هذا في كل ما أخبر به الرَّسُول وما أمر به!!

ص: 505

وقد قال تعالى: وَمَا عَلَى الرَّسُول ولِ إِلَّا الْبَلاغُ [النور: 54]، وقَالَ: فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ [النحل: 35] وقَالَ: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُول لٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ [إبراهيم:4]، قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ [المائدة: 15] ، حم وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ [الزخرف:1، 2] ، تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ [يوسف:1] ، مَا كَانَ حَدِيثاً يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ [يوسف: 111] ، وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ [النحل: 89] ، ونظائر ذلك كثيرة في القرآن. فأمر الإيمان بالله واليوم الآخر: إما أن يكون الرَّسُول تكلم فيه بما يدل عَلَى الحق أم لا؟ والثاني باطل، وإن كَانَ قد تكلم بما يدل عَلَى الحق بألفاظ مجملة محتملة، فما بلغ البلاغ المبين، وقد شهد له خير القرون بالبلاغ، وأشهد الله عليهم في الموقف الأعظم، فمن يدعي أنه في أصول الدين لم يبلغ البلاغ المبين، فقد افترى عليه صلى الله عليه وسلم] اهـ.

الشرح:

ص: 506

نسأل الله تَعَالَى أن يوفقنا جميعاً إِلَى أن نعرف قدر رَسُول الله صلى الله عليه وسلم، وأن نحبه صلى الله عليه وسلم، ونطيعه كما أمر الله، وكم في هذا القول وهو تقديم العقل عَلَى النقل وأمثاله من المخالفات واللوازم الباطلة التي ألقاها الشيطان في النفوس، وألقتها الطواغيت من الجن والإنس، وألقتها الشهوات والعقول الفاسدة، من قوانين أو مناهج أو براهين أو علوم أو ما أشبه ذلك من الأباطيل؛ ليعارض بها ما جَاءَ به الرَّسُول صلى الله عليه وسلم، والأمثلة التي ذكرت هنا أو هذه القواعد هي مما لا يزال ينخر في كيان الأمة الإسلامية إِلَى اليوم، فقد يحسب بعض النَّاس أنه إنما خاض في ذلك علماء الكلام وانحرفوا عن الجادة، والحقيقة أن كل متبع للشيطان أو للهوى فإنه معارض لما أنزل الله عَلَى رسوله صلى الله عليه وسلم.

وكل شيء مما هو مخالف لما جَاءَ به الرَّسُول صلى الله عليه وسلم إِلَى قيام الساعة فإنه يشمله هذا الحكم وتدل عَلَى بطلانه هذه القواعد.

من لوازم معارضة ماجاء به النبي صلى الله عليه وسلم

ومن لوازم معارضة ماجاء به الرَّسُول صلى الله عليه وسلم أن الرَّسُول صلى الله عليه وسلم إما أنه لم يبلغ -عياذاً بالله- أو أنه بلغ غير ما أوحي إليه، أو أن بلاغه لأي أمر يتوقف تنفيذه عَلَى شيء سواه، وهذا كلام ليس مجرد بحوث عقلية؛ بل قد صار في الواقع العملي، فإنك ترى كثيراً ممن يدَّعون الإسلام يعرض عليهم تحريم الخمر وأن الله تَعَالَى أنزل حرمتها في كتابه، فيقولون نعرض الأمر عَلَى مجلس كذا وكذا، فإذا أقر المجلس أنها حرام حرمت، وإذا لم يقرها تعرض في الدورة التي بعدها أو التي بعدها أو تسقط قانونيتها.

ص: 507

وأمثال هذه المصائب والبلايا التي هي السبب في انحطاط الْمُسْلِمِينَ، وذلك أن يأتي الأمر من الله أو من رسوله صلى الله عليه وسلم فيوقف تنفيذه لآراء البشر أو لأهواء الناس، والأصل أن كل أحد دونه صلى الله عليه وسلم فإنه يجب أن يخضع وأن يلتزم لأمر الرَّسُول صلى الله عليه وسلم قال الله تعالى: وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُول ولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا [الحشر:7] وهذا هو الأولى والأجدى فإن المسلم لا يكون مسلماً حقاً إلا إذا التزم بالعمل به وبتنفيذه، حتى من لم يعمل فإنه يجب عليه أن يلتزم بالعمل، أما أن يقول: ندع العمل به نهائياً؛ لأنه يخالف كذا وكذا، أو يقول: يمكن أن نعمل به بعد أن نأخذ رأي فلان؛ فإن معنى ذلك -عياذاً بالله- أن ثُمَّ إله غير الله عز وجل يستدرك عليه، وبهذا نجد الجرأة البالغة عَلَى الله ورسوله.

فحياة الْمُسْلِمِينَ في كل مكان أصبحت تقوم عَلَى هذه الأمور إما ظاهرة وإما خفية، فأين المسلم الذي إذا قلت له: هذا حرام يقف عند النهي؟ أو أن هذا فيه حديث لعله ما بلغك، قال رَسُول الله صلى الله عليه وسلم كذا فيقف. أين هذا في الأمة الإسلامية؟

وبعض النَّاس إذا قلت له قال الله ورسوله، قال لك: بلاد الغرب يفعلون كذا والقوانين تقول كذا، والمجلس الفلاني يقول: كذا، والقضية لم تعرض عَلَى كذا؛ سُبْحانَ اللَّه! فيعارضون أمر الله وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم بهذه المحقرات، فلازم ذلك أن كلام رَسُول الله صلى الله عليه وسلم إما أنه غير ملزم لهم، إذاً فهم لم يدخلوا في دين الله ولا آمنوا بالرسول، لأنهم يقولون: نؤمن به بعد أن يثبت لنا شيء آخر وكأنه شرط مفقود للإيمان بالرَّسُول صلى الله عليه وسلم.

ص: 508

أو أنهم يقولون: إن الرَّسُول صلى الله عليه وسلم لم يبلغ، وفي هذا إفك وافتراء وبهتان عَلَى الله ورسوله، فإن قالوا: بلغ ولا يلزمنا طاعته فهي مصيبة أعظم، وإن قالوا: لم يبلغ فهي أيضاً مصيبة أخرى، ولا فكَاكَ منهما، والسبب هو: أن الانتساب إِلَى الإسلام أصبح عند كثير من النَّاس إنما هو بالاسم ولا حقيقة وراء ذلك.

فكما قال الإمام الطّّحاويّ: [ولا تثبت قدم الإسلام، إلا عَلَى ظهر التسليم والإستسلام] فمن لم يكن كذلك فإن إيمانه غير ثابت بل مزعزع أو مفقود، حتى يكون الإِنسَان منا إذا بلغه عن رَسُول الله شيء فكأنما يخاطبه رَسُول الله صلى الله عليه وسلم يخاطبه ويناديه بالاسم ويقول له: يا فلان دع الربا، ويا فلان دع الزنى، ويا فلان أرجم الزاني والزانية ويا فلان حرم كذا أو أحل كذا، هكذا يجب أن يكون حالنا؛ لأن غياب شخصه صلى الله عليه وسلم عنا لا يعني انقطاع الدين، فإن سنته قائمة ودينه وبلاغه قائم إِلَى أن تقوم الساعة.

من أعظم أمور العقيدة، ومن أعظم الأصول التي يجب عَلَى كل مسلم أن يدركها وأن يعيها بقدر ما يفتح الله تبارك وتعالى عليه، وهي أن الإِنسَان كليل العقل، محدود الإدراك، لا يستطيع أن يعلم كل شيء، ولا أن يحيط بكل ما جَاءَ في الكتاب أو السنة من أمور الغيب، وأن هذا الدين مبناه عَلَى الاستسلام لله سبحانه وتعالى والإذعان والانقياد للرَسُول صلى الله عليه وسلم، وعدم الاعتراض عليه بالعقول، أو الأهواء أو الآراء والأقيسة، أو الأذواق، أو المواجيد، أو الكشوف، أو بأي نوع من أنواع الاعتراض.

وقد ذكر المُصنِّفُ رحمه الله: توحيدين لا نجاة للعبد إلا بها:

الأول: توحيد المرسل: أي توحيد الله سبحانه وتعالى بعبادته وطاعته.

ص: 509

والثاني: توحيد متابعة الرَّسُول صلى الله عليه وسلم، وكما أننا لا نعبد إلا الله، فكذلك لا نتبع اتباعاً مطلقاً بلا اعتراض إلا رَسُول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا الأصل تدل عليه الآيات والأحاديث الكثيرة جداً، كما قال الله تبارك وتعالى: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُول لٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّه [النساء:64] .

حقيقة محبة الرسول صلى الله عليه وسلم

كما قال جل شأنه: فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً [النساء:65] الآية.

وبهذا نعرف حقيقة محبة الرَّسُول صلى الله عليه وسلم هذه المحبة التي هي من أصول الإيمان، فلو أن بشراً كائناً من كَانَ وقع في قلبه مثقال ذرة من كره النبي صلى الله عليه وسلم لما كَانَ من الْمُسْلِمِينَ أبداً، إذ لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يجتمع في قلب العبد كراهيةً للنبي صلى الله عليه وسلم، وإيمان بالله وبرسوله، وبما جَاءَ من عنده، فهو ليس بمسلم عَلَى الإطلاق.

من لوازم محبة الله محبة النبي صلى الله عليه وسلم

ومن هنا نعرف حقيقة محبة النبي صلى الله عليه وسلم بل من لازم محبة الله محبة النبي صلى الله عليه وسلم، قال الله تبارك وتعالى: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ [آل عمران:31] فالاتباع أصل عظيم من أصول الدين، وهو قاعدة الإسلام التي يقوم عليها؛ بل هو حقيقته ولبه، فلا يكون الإِنسَان مسلماً أبداً إلا إذا اتبع الرَّسُول صلى الله عليه وسلم ظاهراً وباطناً، فإن حصل من العبد انقيادٌ واستسلامٌ ظاهري لِمَا جَاءَ به الرَّسُول صلى الله عليه وسلم مع خلو باطنه من ذلك.

ص: 510

فهَؤُلاءِ هم المنافقون الذين كرهوا رَسُول الله صلى الله عليه وسلم وكرهوا ما أنزل إليه، ولذلك خرجوا من الملة كلهم أو أكثرهم بسبب ذلك.

وأما الطرف الآخر: وهو من يزعم أن محبة الله، ومحبة الرَّسُول صلى الله عليه وسلم في قلبه، ولكن أعماله تكذب ذلك، ولا ينقاد ولا يستسلم لأوامر الله، ولا يطبق سنة رَسُول الله صلى الله عليه وسلم، أو يعارض ماجاء عنه بأي نوع من أنواع المعارضات، فإن هذا كاذب في دعواه، ونستدل عَلَى ذلك بما قاله بعضالسلف: لما قرأ قول الله تبارك وتعالى: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ قَالَ: هذه آية الامتحان، ادعى قوم محبة الله فأنزل الله آية الامتحان ليمتحنهم، وليبين من يحبه حقيقة ومن لا يحبه، وما يدعيه بعض النَّاس من محبة الرَّسُول صلى الله عليه وسلم فإن واقع حالهم مخالف لما جَاءَ به الرَّسُول صلى الله عليه وسلم ويقولون: إننا مع مخالفة السنة نتعرض للّوم، ولهذا يقال لهم: الملامية أو الملامتية، ويستدلون بقول الشاعر كعادتهم في هذا الشأن:

أجد الملامة في هواك لذيذة حباً لذكرك فليلمن اللوم

ويغلون فيه صلى الله عليه وسلم بأنواع الغلو، ويستجلبون اللوم بذلك ويقولون: لا تكون المحبة إلا باللوم فنقول لهم: إن المحبة الحقيقية لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم هي مدعاة للوم وليس في ذلك شك، فمن اتبع النبي صلى الله عليه وسلم في جهاده ودعا إِلَى الله ليلاً ونهاراَ وسراً وعلانية، في أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر.

ص: 511

فإن هذا بلاشك يخالف أهل الرغبات، وأهل الشهوات، فيدعو النَّاس إِلَى لومه -وهذا شيء طبيعي- وهذه هي المحبة الحقيقية: أن يطبق الإِنسَان السنة، وليس التعرض للوم هو المقصود بل المراد بهذا أن نفهم حقيقة محبة الله سبحانه وتعالى التي قال الله تبارك وتعالى فيها: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَه [المائدة:54] فأول صفة: يحبهم ويحبونه.

من كان عاملاً بالسنة فقد تعرض للوم والأذى

ولما ذكر الله الآية السابقة قال في الأخير: وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ معنى ذلك: أن المحبة الحقيقية لله لا بد أن يتبعها لوم اللائم، ولو طبقت السنة في نفسك فقط لوجدت اللوم والأذى مع أنك لم تدع أحداً! فكيف إذا دعوت إِلَى الله تبارك وتعالى كما أمر الرَّسُول صلى الله عليه وسلم؟! وهذا مما ينبغي أن ينبه إليه وهو: أن أهل الانحراف والزيغ يريدون منك أن تكف عن دعوتهم، فيقولون لك إن كنت تدعوهم: لم يقل لك أحد لاتصل! بل صلِّ، واعفُ لحيتك، وقصر ثوبك.

فهم يريدون في هذه المرحلة، أن يكتفي الإِنسَان بإصلاح نفسه ويترك غيره، فإذا فعل الإِنسَان السنة وانهزم عن دعوتهم لا يقتنعون بهذا، بل يأتون إليه، ويقولون له: لماذا تفعل هذا الشيء فتعرض نفسك للنقد، ولشتيمة النَّاس ولكذا وكذا؟ ولا يرضون لك حتى تصبح مثلهم، وهذا هو شأن المنافقين وأتباعهم، فإن النَّاس في النفاق درجات كما قال الله تعالى: وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً [النساء:89] فهذا هو حالهم وشأنهم.

ص: 512

العقل يعلم أن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم معصوم في خبره عن الله تعالى، هذه قاعدة متفق عليها بين الْمُسْلِمِينَ، فلو أن أحداً قَالَ: إن الرَّسُول صلى الله عليه وسلم غير معصوم فيما يبلغ عن الله، لخرج من الإسلام.

وأصحاب الفرق الضالة لا يقولون هذا، ولكنهم لا يلتزمون بلازم إثبات العصمة له صلى الله عليه وسلم، فيقولون: إنه معصوم؛ لكن خبره هذا عارض البراهين العقلية، أو القواطع النظرية، أو الكشوفات الربانية، أو العلم اللدني، وهذا كله يعارض كونه صلى الله عليه وسلم معصوماً في خبره عن الله تعالى.

المقدمة والنتيجة

ثُمَّ قَالَ المُصْنِّفُ رحمه الله: [والعقل يعلم أن الرَّسُول صلى الله عليه وسلم معصوم في خبره عن الله - تعالى- لا يزيد عليه الخطأ، فيجب عليه التسليم له والانقياد لأمره] هذه مقدمة ونتيجة بدهية، ما دام مُقراً بأن الرَّسُول صلى الله عليه وسلم معصوم عن الخطأ في البلاغ عن الله، فيجب عليه الانقياد، والإذعان، والتسليم دون أي منازعة، أو معارضة.

وأتى بمثال يوضح ذلك فَيَقُولُ: بناءً عَلَى القاعدة التي قد شرحناها مراراً والتي تقول: إنه إذا تعارض العقل والنقل، فإننا نقدم العقل، ويقدمون العقل لأنهم قالوا: إذا قدمنا النقل فإن ذلك قدح في العقل؛ لأن العقل هو الوسيلة والدليل الذي عرفنا به صحة النقل، وهذا الدليل عكسناه عليهم في المرة الماضية.

ص: 513

فنقول: قد عملنا بالاضطرار -أي: ما يعلم بالتفكير بدون أدلة- لو أن رجلاً قال للنبي صلى الله عليه وسلم: هذا القُرْآن الذي جئت به، وهذه الحكمة "السنة" التي جئت بها، قد علمنا بعقولنا أن فيها ما يخالف ما استقر في عقولنا، وفيها ما يعارضه، ولو أننا قدمنا كلامك الذي تقوله عن الله أو من عندك عَلَى عقولنا، لكان هذا قدحاً في العقل وقدحاً فيما تأتي به، فالأولى لنا أيها الرَّسُول أن نقدم ما تقرر في عقولنا عَلَى ما جئتنا به من عند الله، فكان هذا هو تقديم العقل عَلَى النقل، فلو قال هذا أحد للنبي صلى الله عليه وسلم أو لأي رَسُول من الرسل لَمَا كَانَ مؤمناً أبداً.

وكذا لو قال أحد من الناس: أنا آمنت بك أيها النبي، وصدقت أن كلامك صحيح، لكن لا أقر لك بذلك كاملاً حتى أعرضه عَلَى إمامي، أو عَلَى فلان من الناس، أو أفكر فيه وأعرضه عَلَى عقلي فليس هذا بمؤمن.

ولهذا قلنا: إن شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رَسُول الله والكلام نوعين: خبر وإنشاء، فلو قال الإِنسَان: أشهد أن لا إله إلا الله، فالصحيح: أن هذا إنشاء، وبهذا نعرف الفرق بين الإيمان وبين الشهادة في حقيقتها، وبين الدعاوى الباطلة، فالشهادة إنشاء، أي: أقر بذلك وألتزم بكل لوازمها، وبكل ما يترتب عليها.

ص: 514

أما مجرد الخبر، فمن الممكن أن تجد إنساناً يهودياً أو نصرانياً، يقول لك: أنا قرأت القُرْآن وقرأت السنة فوجدت أن هذا دين من عند الله فإننا لا نقول: إن هذا قد أسلم، فإن هناك فرقاً بينه وبين شخص آخر يقول: أنا أشهد أن محمداً رَسُول الله، وأنا مؤمن بالقرآن، ومن شدة إذعانه يقول: أي أمر جَاءَ في القرآن، أو أي خبر، فأنا مستعد أن أتلقى الأخبار بالتصديق، وأتلقى الأوامر بالتنفيذ، وأتلقى النواهي بالوقوف والارتداع. فهذا هو المؤمن، وهذا هو الذي يحكم بإسلامه وبدخوله في دين الله، والأدلة عَلَى ذلك كثيرة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم.

العقول متفاوتة والشبهات كثيرة

ثُمَّ قَالَ المُصْنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: [إذا العقول متفاوتة والشبهات كثيرة] .

يذكر المُصْنِّف رحمه الله: أن هذه القاعدة التي يقولون لو كانت صحيحة لأمكن لكل أحد أن لا يؤمن بشيء مما جَاءَ به الرسول، فمثلاً: لو أن إنساناً أتينا له بالوضوء فقَالَ: فكرت فلم أجد فيه حكمة. فقلنا له: الصلاة، قَالَ: الصلاة ما مناسبتها؟ ولماذا في هذه الأوقات؟ ولماذا عدد هذه الركعات؟ فنقول له: الزكاة، فَيَقُولُ: ليس من الضروري أن يخرج الإِنسَان هذه المبالغ ويتعب نفسه، فقلنا له: الصوم، قَالَ: تجويع وتعب، فالحج، قَالَ: هذا مجرد بيت مبني!

يقول المصنف: [العقول متفاوتة] المسألة الأولى: أن هناك أناساً يقولون: لم نستطع أن نفهم لماذا هذا الشيء كذا؟

ص: 515

والثانية: [والشبهات كثيرة] فإذا ألقى الشيطان في نفس هذا شبهة، وألقى في نفس ذاك الآخر شبهة أخرى، فبمجموع الشبهات مع تفاوت العقول في الفهم، تكون الحصيلة: وهي قوله: [لأمكن لأي أحد أن لا يؤمن بشيء مما جَاءَ به النبي صلى الله عليه وسلم] وهذا انسلاخ من دين الإسلام، وهذا الذي وقع -كما ترون- في هذه الأزمنة من انتشار الإلحاد بين الْمُسْلِمِينَ، إلحاد يرد كل ما جَاءَ عن الله وعن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم. وإذا تكلمت مع أحدهم تجد أن لديه كثيراً من الشبهات والأقوال في الزنى، أو الاختلاط، أو الخمر، أو اللحية، أو الإزار إذا أسبل، وهلم جرا.

لكل قوم شبة يتعلقون بها

وكما مر أن الأصنام نفسها ما عبدت إلا بشبهات، فقوم نوح قالوا: نصور صورهم فنتذكرهم، فإذا تذكرناهم عبدنا الله، والمُشْرِكُونَ في عهد النبي صلى الله عليه وسلم والعرب في ذلك الزمن ورثوا ذلك الشرك عن قوم نوح، وَقَالُوا: هَؤُلاءِِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ [يونس:18]، وَقَالُوا: مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى [الزمر:3] وهكذا المُشْرِكُونَ في كل زمان ومكان، شبهات لا تنتهي، وعقول متفاوتة، فما الذي يضبط هذه العقول، وهذه الأهواء؟ فلو أننا قررنا هذه القاعدة التي يقولون وهي: تقديم العقل عَلَى النقل وجعلناه حكماً ومعياراً؛ لأمكن لكل أحد أن لا يؤمن بشيء مما جَاءَ به النبي صلى الله عليه وسلم.

ص: 516

ثُمَّ سرد رحمه الله الآيات التي فيها بيان أن الرَّسُول صلى الله عليه وسلم جَاءَ بالبلاغ المبين، ولهذا قال: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُول لٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ [إبراهيم:4] لأنه بلغتهم يفهمون كلامه ويقول: ِ مَا كَانَ َ حَدِيثاً يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ [يوسف:111] وقال: وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ [النحل:89] .

والآيات كثيرة في هذا الشأن، وواقع سيرة النبي صلى الله عليه وسلم هو هذا، فقد كَانَ يبين للناس بفعله صلى الله عليه وسلم، وهو من أوضح أنواع البيان، ويبين بأقواله صلى الله عليه وسلم، وبتقريراته، فما ترك شيئاً من الدين إلا وقد بينه، وأعظم شيء في ذلك هو بيان ما يتعلق بعالم الغيب الذي لا تدركه العقول، ولا يمكن أن تبلغه الأفهام وهذا الذي أشار إليه المُصْنِّف.

ثُمَّ ذكر أن أمر الإيمان بالله واليوم الآخر وعالم الغيب عموماً نلزمهم بهذا الإلزام العقلي، إما أن يكون الرَّسُول صلى الله عليه وسلم قد بينه أو لم يبينه.

والثاني: أي: عدم الإبلاغ باطل.

وهذا المتفق عليه بين الْمُسْلِمِينَ أنه بلَّغ، وأنه معصوم في بلاغه، فهل هذا البلاغ كَانَ واضحاً جلياً مفصلاً؟ أم أنه بيَّن بألفاظ مجملة وعبارات محتملة، وقرر بتقريرات موهمة كما يقول نفاة الصفات؟! فبقيت القضية دائرة بين طرفي البيان هل هو بيان شاف كاف واضح؟ أم أنه جَاءَ ببيان مجمل، وعبارات محتملة، وتقريرات موهمة، فحارت العقول! واضطربت الأفهام في فهم هذه العبارات والكلمات والتقريرات التي جاءت عنه صلى الله عليه وسلم؟!

لقد جاء الرسول صلى الله عليه وسلم بالبيان التام الشافي

ص: 517

لقد جَاءَ الرَّسُول صلى الله عليه وسلم بالبيان الشافي الكافي الواضح الجلي بلا شك ولا ريب، ومن ذلك مثلاً ما يتعلق بالرؤية، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم:(إنكم سترون ربكم عياناً) وقَالَ: (لا تضارون في رؤيته كما ترون هذه -أشار إِلَى الشمس- في رابعة النهار أو القمر في ليلة البدر) فالعبارة الواضحة والإشارة والمثال الواضح، كلها تلغي أي احتمال لأن يكون اللفظ مجملاً أو موهماً، ومن أوَّل مثل هذا فلا يُؤْمَن أن يؤول الصلوات الخمس بأنها ذكر الأئمة الخمسة، أو يؤول صيام شهر رمضان، بأنه ذكر أسماء ثلاثين رجلاً من الأئمة، كما يقول الباطنية وغلاة الروافض.

فَيَقُولُ: [وقد شهد له خير القرون بالبلاغ] وهم الصحابة -رضوان الله تَعَالَى عليهم- والتابعون، الذين لم تكن فيهم هذه الاعتراضات عَلَى ما جَاءَ به صلى الله عليه وسلم، بل سلَّموا وأيقنوا وآمنوا وشهدوا له بالبلاغ [وأشهد الله] يعني: وأشهد الرَّسُول صلى الله عليه وسلم عليهم في الموقف الأعظم -في حجة الوداع- ذلك المشهد العظيم، في أكبر اجتماع شهده الْمُسْلِمُونَ في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وفي بقعة مقدسة -في المشاعر- ويخطب النبي صلى الله عليه وسلم في أيام الحج، حتى أنه كرر الخطبة في منى، فَيَقُولُ: ألا هل بلغت؟ اللهم فاشهد، فالنبي صلى الله عليه وسلم بلغ وأشهد، ولم يبق ولله الحمد أي لبس في دين الإسلام، ولا فيما جَاءَ به.

فما علينا إذاً بعد هذا إلا أن نؤمن، وأن نستسلم وأن نذعن، ونتعلم هذا الدين، وكل ما علمناه من أمره صلى الله عليه وسلم، أو من خبره عن الله أو من عنده، وما هو إلا وحي من الله تبارك وتعالى آمنا به كما قال الله تبارك وتعالى:وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً [الأنعام:115] .

ص: 518

كلمات الله سبحانه وتعالى على نوعين

كلمات الله سبحانه وتعالى عَلَى نوعين: صدق في الأخبار، وعدل في الأحكام، فليس هناك أي مجال لطاعن ولا منتقد.

من لم يقنع بالتسليم فهمه حجبه مرامه عن خالص التوحيد.

قال الطّّحاويّ رحمه الله:

[فمن رام علم ما حظر عنه علمه، ولم يقنع بالتسليم فهمه، حجبه مرامه عن خالص التوحيد، وصافي المعرفة، وصحيح الإيمان] .

قَالَ المُصْنِّفُ رحمه الله:

[هذا تقرير للكلام الأول، وزيادة تحذير أن يتكلم في أصول الدين بل وفي غيرها بغير علم. وقال تعالى: وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً [الإسراء:36] وقال تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيد 6002598> كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِير [الحج:3-4]، وقال تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدىً وَلا كِتَابٍ مُنِيرٍ * ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ عَذَابَ الْحَرِيقِ [الحج 8-9] وقال تعالى: وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ [القصص:50] وقال تعالى: إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى [النجم:23] إِلَى غير ذلك من الآيات الدالة عل هذا المعنى.

ص: 519

وعن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه قَالَ: قال رَسُول الله صلى الله عليه وسلم: (ما ضل قوم بعد هدىً كانوا عليه إلا أو توا الجدل) ثُمَّ تلا: مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلاً الزخرف 58، رواه التِّرْمِذِيّ، وقَالَ: حديث حسن. وعن عَائِِِشَةَ رضي الله عنها قالت: قال رَسُول الله صلى الله عليه وسلم: (إن أبغض الرجال إِلَى الله الألد الخصم) خرجاه في الصحيحين] اهـ.

الشرح:

يقول الطّّحاويّ رحمه الله: [فمن رام علم ما حظر عنه علمه، ولم يقنع بالتسليم فهمه، حجبه مرامه عن خالص التوحيد، وصافي المعرفة، وصحيح الإيمان] وهذا زيادة في التأكيد والتنبيه والتحذير من الخوض في دين الله بغير علم، ومن عدم الاقتناع والتسليم بما جَاءَ به النبي صلى الله عليه وسلم، وأن من تتبع أو رام أمراً مما حظر علمه من أمور الغيب، كمعرفة كيفيات صفات الله سبحانه وتعالى، ومعرفة كيفية عذاب القبر ونعيمه، وأحوال يَوْمَ القِيَامَةِ، وأحوال الجنة والنار، وأمثال ذلك مما لا يستطيع الإِنسَان أن يدركه عَلَى حقيقته، فمن رام أن يعلم حقيقة ذلك، وتكلفه ولم يقنع بالتسليم، فإن هذا الفعل يصرفه عن أن يكون ذا توحيد خالص وإيمان صحيح، ومعرفة ويقين كما أمر الله تبارك وتعالى.

ص: 520

ولهذا جَاءَ المُصْنِّف رحمه الله بالآيات الدالة عَلَى النهي عن الجدال في آيات الله سبحانه وتعالى، وهذا هو الجدال المذموم الذي بسببه تفرقت الفرق، وكثرت الأهواء، وتباينت الضلالات، لأنه جدال بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير، فالمؤمنون إذا بلغهم شيء عن الله ورسوله صلى الله عليه وسلم آمنوا وأذعنوا، أما الكفار فحالهم ما ذكر الله تبارك وتعالى، ولهذا توعدهم بقوله تعالى: وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً أي: مسئول عن كل ما يقوله اللسان، أو يجول في الفؤاد، أو تراه العين.

فالإِنسَان مسئول عن هذه الأعضاء التي ملكه الله تبارك وتعالى إياها؛ فلا يجوز لأحد أن يَقْفُ ما ليس له بعلم، وأن يتكلف فوق ما أمره الله سبحانه وتعالى من التسليم والانقياد وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيد، كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِير وهذا حال كثير من النَّاس وفي الآية الأخرى يقول -سبحانه:- وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدىً وَلا كِتَابٍ مُنِيرٍ، ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ عَذَابَ الْحَرِيقِ فالوعيد في الدنيا خزي وضلال، وفي يَوْمِ القِيَامَةِ عذاب الحريق، وهذا هو حال كل من أعرض عن دين الله، كما سيأتي إن شاء الله في أبيات عبد الله بن المبارك

بقدر المعصية يزداد الذل والخزي أو يقل

ص: 521

كل من أعرض عن الله أو أعرض عن سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فإنه بقدر معصيته وبقدر إعراضه يناله الذل، والخزي في الدنيا، ويناله العذاب يَوْمَ القِيَامَةِ، وهذه سنة الله التي لا تتخلف، يقول: وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ لا أحد أكثر ضلالاً من هذا الذي اتبع هواه بغير هدى من الله تبارك وتعالى: إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ فنفهم من هذا أنهما طريقان: الطريق الأول: طريق الحق بأن يأتي رَسُول من عند الله سبحانه وتعالى بالكتاب المبين والهدى والعلم. والطريق الآخر: طريق ضلال وأهواء وأقوال شياطين، ووساوس باطلة، وخطرات كاذبة، هذه هي القسمة الثنائية في هذا الشأن.

وفي الحديث الذي رواه الإمام أَحْمَد والتِّرْمِذِيّ عن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه قَالَ: قال رَسُول الله صلى الله عليه وسلم: (ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل) ثُمَّ تلا مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلاً أالزخرف:58] فهذا الهدى الذي في الحديث، ما أعظم انطباقه عَلَى واقع الأمة الإسلامية التي كانت في زمن النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين، لا جدال ولا مراء في الدين، بل كانوا كما علمهم النبي صلى الله عليه وسلم، -وكما مر في الحديث الماضي- لما خرج وهم يتجادلون في بعض آيات الله، غضب غضباً شديداً، ونهاهم عن ذلك فأخذوا هذا الحكم، وتقررت لديهم هذه القاعدة، أن لا يجادلوا ولا يماروا في أمر جَاءَ به النبي صلى الله عليه وسلم؛ بل يستسلموا ويذعنوا ويوقنوا.

ص: 522

فلما انحرفت الأمة الإسلامية، وقعت الفتن فيما بينهم، وظهر أهل النفاق وأهل الزيغ من البلاد المفتوحة، ومن الأعراب وأمثالهم من الكائدين لهذا الدين، الذين دخلوا فيه زوراً وكذباً، فبثوا السموم في هذه الأمة، ومالت الأمة إِلَى الترف في الحياة الدنيا، وفتحت عليهم الأموال، وسبوا الجواري من أطراف الأرض، وامتلأت خزائنهم بما أنعم الله عليهم به.

ونتيجة هذا الانحراف ظهرت الفرق وظهر الجدال، وأعظم شيء كَانَ الجدال فيه هو: في صفات الله سبحانه وتعالى وفي الأمور الغيبية التي لا يمكن للعقول أن تبلغها.

اليقين القلبي أولاً

لما ضل النَّاس عن الهدى وقعوا في هذا كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل) يستعيضون عن الإيمان واليقين الذي محله القلب بالاقتناع العقلي الذي هو من أعمال الذهن، ولا يمكن بأي حال من الأحوال أن يقوم الاقتناع الذهني العقلي مقام اليقين القلبي أبداً، وهذا مما يجب أن نتنبه له!

ولا بد أن نعرف أننا عندما ندعو النَّاس لا ندعوهم إِلَى الاقتناع والتسليم العقلي، أو إِلَى نظريات عقلية مجردة، بل ندعوهم إِلَى اليقين والإيمان الذي يتبعه الانقياد والإذعان العملي، أما الاقتناع النظري فلا يترتب عليه إيمان ولا انقياد، ولا إذعان لله تبارك وتعالى.

ص: 523

أما إذا أردنا أن نقنع النَّاس بأن الإسلام، لا يتعارض مع العلم، ولا مع الحضارة نعقد مؤتمراً -مثلاً- ونقرأ عليهم أحكام الإسلام فيجدون أنها تطابق وتوافق الحضارة فهذا ممكن ولا يناقش منهم أحد، وإن ناقش أحد أقنعناه وجادلناه بالعقل فيسكت، لكن هذا لن يؤدي الثمرة التي نريد؛ كأن نقنع الإِنسَان بضرورة أن يؤمن بالله وحده، وأنه لا خلاص له ولا نجاة من عذاب الله، ولا سعادة له في الدنيا إلا بأن يؤمن بما جَاءَ به النبي صلى الله عليه وسلم، والمسألة فيها دقة وهذا من لوازم هذا؛ ولكن هدف الدعوة ليس الاقتناع الذهني، وإنما هو الاقتناع اليقيني القلبي.

فهَؤُلاءِ المتكلمون، حولوا الأمر إِلَى قضايا نظرية، فَقَالُوا: لا بد أن نقنع الفلاسفة بأن عذاب القبر حق، فتجادلوا، فظهرت طائفة: تنكر عذاب القبر وقالت: نَحْنُ لا نستطيع إثباته بالعقل؛ لأن الفلاسفة يلزموننا، فلا نجد إلا أن نؤول النصوص، وأولوا الصفات بحجة أنهم لا يستطيعون أن يقنعوا الفلاسفة أن هذه الصفات حقيقية، وهكذا أتوا إِلَى كثير من الأحكام، فحرفوها لتوافق عقول المجادلين من الفلاسفة وأمثالهم، بينما هم يريدون الدفاع عن الدين وإثبات حقائقه.

ومن الجدل ما أضل

ص: 524

فهذا هو تصديق قول النبي صلى الله عليه وسلم: (ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل) ثُمَّ تلا مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلاً [الزخرف:58] الآية، والذي ضربوه جدلاً هو عيسى عليه السلام: وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلاً إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ * وقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلاً بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ [الزخرف:57،58] الآية، ولما ذهب ابن عباس رضي الله عنه إِلَى الخوارج ليناظرهم وليقيم عليهم الحجة قالوا: لا تسمعوا لكلام ابن عباس فإنه من قريش وإن الله عز وجل يقول: بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ وهذه حقيقية؛ لأن قريشاً أُوتوا الجدل، ولهذا جادلوا النبي صلى الله عليه وسلم جدالاً طويلاً، لكنهم في الإسلام أصبحوا قوة للدعوة، وإلزاماً للخصم بهذا الدين.

وهَؤُلاءِ القوم الذين اصطفاهم الله بأن جعل هذا النبي صلى الله عليه وسلم منهم، وجعل لغتهم هي اللغة التي نزل بها القرآن، وكفار قريش يعلمون أنه لا مقارنة، ولا وجهة للنسبة بين عيسى عليه السلام وبين آلهتهم، ولكنهم يجادلون النبي صلى الله عليه وسلم: إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ [الأنبياء:98]

ص: 525

ويقولون: إن عيسى لا يدخل النار؛ إذاً آلهتنا لا تدخل النار، فهذا من الجدل بغير الحق، ومعروف أن عيسى عليه السلام لم يعبد وهو راض بالعبادة، بل دعاهم إِلَى عبادة الله وحدة لا شريك له حتى مات، ويَوْمَ القِيَامَةِ يقول عنه الله: وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ * مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَا دُمْتُ فِيهِمْ [المائدة:116-117] أي: وهو حي عليه السلام (َلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِم [المائدة:117] إِلَى آخر الآيات، فكان وهو حي يتبرأ من شركهم ومن عبادتهم في حياته، لأنه دعاهم إِلَى عبادة الله وحده، أما معبودات الْمُشْرِكِينَ وكل من عبد من دون الله وهو راضٍ بالعبادة، فإنه يحشر معهم، كما هو حال فرعون ومن معه الذين يجعلهم الله تبارك وتعالى أئمة يدعون إِلَى النار، والعياذ بالله.

كما قال تعالى: يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ القِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ [هود:98] ، لأنهم كانوا يعبدونه، وكان يدعوهم إِلَى عبادة نفسه، وكان راضياً بذلك، ويقول: إنه ربهم الأعلى، وأن له ملك مصر، والأنهار التي تجري من كذا وكذا، فيَوْمَ القِيَامَةِ يقدم قومه فيوردهم النَّار وبئس الورد المورود عافانا الله وإياكم من ذلك.

فهذا هو المقصود بهذه الآية: مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلاً أنه عيسى عليه السلام.

ص: 526

وفي حديث عَائِِِشَةَ -رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْها- قالت: قال رَسُول الله صلى الله عليه وسلم: (إن أبغض الرجال إِلَى الله الألد الخصم) فيه أن النَّاس نوعان: نوع كريم متسامح خلوق، وهذا ينطبق عليه وصف هذا الرجل الذي يأتي يَوْمَ القِيَامَةِ بين يدي الله سبحانه وتعالى وكان تاجراً يتعامل مع الناس، فكان كل ما بقي بينه وبين أحد من النَّاس -كما يقال- قليل من الحساب: تجاوز عنه راضياً بالأمر الذي قاله النبي صلى الله عليه وسلم وهو: (سمحاً إذا اشترى سمحاً إذا باع) فالله سبحانه وتعالى يقول له: (قد تجاوزنَّ عنك بما كنت تتجاوز عن النَّاس) أو كما قال صلى الله عليه وسلم، والجزاء من جنس العمل، وهذا التجاوز: لا يعني الضعف والخور والجبن، عن الموقف الحق، لكنها الرقة والرفق والحكمة مع قول الحق كاملاً.

أما النوع الآخر: فهو الألد الخصم المعاند فتحتاج حتى تقنعه أن تبذل الجهد الجهيد في أمر بسيط، وتخاف إن قلت له كلمة أن يماطلك ويجادلك ويتهمك، ويذكرك بأخطاء سابقة، فهذا لا تحب أن تجالسه ولا تعرض عليه أي قضية، فإذا كَانَ هذا هو حاله في التعامل في أمور الدنيا، فكيف بالتعامل مع الله، وبالوقوف في مواقف الخصومة والعناد من الشرع؟!

ص: 527

كما قال عز وجل:وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ [البقرة:204] أي: إذا تكلم وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وإن قَالَ: الله يعلم أني لم أقصد إلا الحق والخير وكذا وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ هذا هو الذي نهى عنه الله ورسوله، لأن هذا الدين حنيفية سمحة، وعلى الإِنسَان أن يأخذه بالإيمان والتسليم والإذعان، وباليسر، وعلينا أن نجتنب التكلف والتشدد، حتى في طريقة أخذنا لهذا الدين، كما قال صلى الله عليه وسلم:(أيها الناس! حجوا إن الله قد كتب عليكم الحج، فَقَالَ رجل: أفي كل عام يارَسُول الله؟ فَقَالَ النبي صلى الله عليه وسلم: لو قلت نعم لو جبت، إنما هلك من كَانَ قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم عَلَى أنبيائهم) .

قَالَ المُصنِّفُ -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى-:

[ولا شك أن من لم يسلم للرَسُول نقص توحيده، فإنه يقول برأيه وهواه، أو يقلد ذا رأي وهوى بغير هدى من الله، فينقص من توحيده بقدر خروجه عما جَاءَ به الرسول، فإنه قد اتخذه في ذلك إلهاً غير الله، قال تعالى: أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ [الجاثية: 23] أي: عبد ما تهواه نفسه، وإنما دخل الفساد في العالم من ثلاث فرق، كما قَالَ: عبد الله بن المبارك -رحمة الله عليه:

رأيت الذنوب تميتُ القلوب وقد يورث الذل إدمانها

وترك الذنوب حياة القلوب وخير لنفسك عصيانها

وهل أفسد الدين إلا الملوك وأحبارُ سوءٍ ورهبانها

] اهـ.

الشرح:

يقول الإمام أبو جعفر الطّّحاويّ: [فمن رام علم ما حظر عنه علمه، ولم يقنع بالتسليم فهمه حجبه مرامه عن خالص التوحيد] يشرح المُصنِّفُ هذه العبارة ويبين كيف يؤثر هذا العمل في توحيد صاحبه.

ص: 528

فَيَقُولُ: [ولا شك أن من لم يسلم للرَسُول صلى الله عليه وسلم نقص توحيده فإنه يقول: برأيه وهواه، ويقلد ذا رأي وهوى] فلو فرضنا أن هناك أمراً من أمور الغيب، فالإِنسَان إما أن يتبع فيه الرَّسُول صلى الله عليه وسلم فيتحقق توحيد المتابعة، وإما أن يعارض كلامه بهوى ورأي، أو يكون المعرض تابعاً لقول أو هوى إنسان آخر، وعليه فمن عارض خبر النبي صلى الله عليه وسلم بأي نوع من أنواع المعارضة فإنه ينقص من توحيده، وبقدر خروجه عما جَاءَ به الرَّسُول صلى الله عليه وسلم.

فهو في هذه الحالة قد اتخذ من أطاع واتبع إلهاً، وهذا هو معنى قوله تعالى: أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاه فهو الذي لا يعمل ولا يقدم ولا يؤخر، ولا يستسلم إلا لما يأمر به الهوى، وداعي الشهوة، ثُمَّ يقول: [إنما دخل الفساد في العالم من ثلاث فرق

] .

أتى بهذا الكلام من خلال أبيات الإمام المجاهد الثقة الحجةعبد الله بن المبارك -رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ- وهو من هو في فضله وعبادته وجهاده!! وهو من أئمة الإسلام العظام، ويكفيه إمامةً وفضلاً أن يكون الإمام أَحْمَد -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى- يعظمه ويجله، ويثني عليه، ويستشهد بأقواله ويذكرها، ويذكر الإمام أَحْمَد أقواله معجباً بها ومثنياً عليها.

ومن عظمة شعر السلف الصالح، أنه أبيات معدودة، وكلمات محدودة، لكن ورائها المعاني والعبر والعظات يقول:

رأيت الذنوب تميت القلوب وقد يورث الذل إدمانها

وهذا البيت تحقيق لما جَاءَ في الآيات، وفي الأحاديث كقوله تعالى: كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [المطففين:14] الآية.

وقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إن العبد إذا أذنب ذنباً نكت في قلبه نكتة سوداء) .

الذنوب تميت القلوب

يقول الإمام: عبد الله بن المبارك:

رأيت الذنوب تميتُ القلوب

ص: 529

وهذا حق: فإن القلب بعد أن يكون كالسراج المنير المضيء بتقوى الله سبحانه وتعالى تأتي الذنوب عليه فتمرضه في أول الأمر، فإذا ازداد توارد الذنوب عَلَى القلب زادته مرضاً حتى يموت، فإذا مات القلب بهذه الذنوب فقل عَلَى صاحبه العفاء، فيصبح بعد ذلك لا يعرف معروفاً ولا ينكر منكراً، فهذه هي العبرة التي يجب أن تكون حاضرة في ذهن كل مسلم، أن الذنوب تميت القلوب، وقوله:

وقد يورث الذل إدمانها

"قد" هنا تفيد التحقيق، أي: أن الذنوب لا بد أن تورث الذل، وتكون سبباً في موت القلب.

أبى الله إلا أن يذل من عصاه

هذه حقيقة عبر عنها الحسن البصري -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- فقَالَ: " أبى الله إلا أن يذل من عصاه" كل من عصى الله سبحانه وتعالى ولو كَانَ في وسط صخرة صماء، فإن الله سبحانه وتعالى يظهر لعباده المؤمنين، ولأوليائه الصالحين، من الذل في وجهه ما يعلمون به أنه عاص لله، وكل من أطاع الله، واتقاه ولو كَانَ أيضاً في صخرة صماء، لا أحد يراه ولا يعلمه، يظهر الله سبحانه وتعالى لأوليائه ولعباده الصالحين في وجهه وفي حياته من العزة، والهيبة، والوقار، ما يشعر به كل من رآه ومن عرفه من هَؤُلاءِ الصالحين.

ومن أدمن الذنوب واستسهلها، أصبح حاله كحال المنافق الذي أخبر عنه النبي صلى الله عليه وسلم أنه يرى الذنب كذباب وقع عَلَى أنفه فَقَالَ به كذا، فهذا يموت قلبه، ويبلد إحساسه، فلا يعرف بعد ذلك معروفاً ولا ينكر منكراً، ثُمَّ يضرب عليه الذل.

الذنوب تميت القلوب

يقول الإمام عبد الله بن المبارك -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -:

رأيت الذنوب تميت القلوب وقد يورث الذل إدمانها

ص: 530

فالذنوب والمعاصي تميت القلب، وإذا مات فلا خير في الحياة بعده، إذ ما هي إلا حياة بهيمية، حياة الحيوان وإذا كَانَ القلب حياً كانت الحياة الطيبة الزكية المطهرة، التي يريدها الله تبارك وتعالى من كل إنسان، والتي من أجلها أنزل إلينا هذا النور المبين، وأرسل إلينا هذا الرَّسُول العظيم، ليزكينا وليطهر قلوبنا، ولتكون حياتنا حياةً إنسانيةً تليق بالتكريم الذي كرم الله تبارك وتعالى به بني آدم، واختصهم به دون بقية المخلوقات، أما إذا مات القلب، فإن الإِنسَان يكون حيواناً في صورة إنسان، حمار بالنهار جيفة بالليل، يقدح بالنهار قدح الحمير - يجمع ويجري ويلهث- وفي الليل جيفة هامدة.

فيجب أن يعلم الفرد والأمة بأكملها أن الذنوب تميت القلوب، وأن القلب إذا مات فلا خير في ذلك الفرد ولا في تلك الأمة، وأن الذل مضروب عَلَى كل من مات قلبه، وقد ضرب الذل عَلَى هذه الأمة الإسلامية اليوم؛ لأن قلوبها قد ماتت، لأنها انصرفت وانحرفت عما شرع الله تبارك وتعالى فتحقق ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم:(إذا تبايعتم بالعينة ورضيتم بالزرع وأخذتم بأذناب البقر وتركتم الجهاد سلط الله عليكم ذلاً، لا يرفعه عنكم، حتى ترجعوا إِلَى دينكم) .

الذنب مقدمة لما بعده

ص: 531

إن من أسباب موت القلب تتابع الذنوب فالذنب يورث الذنب، كما أن الحسنة تستدعي وتستتبع الحسنة، ومن أشد أخطار الذنوب، أن يذنب العبد ذنباً يكون بعده الطبع أو الختم عَلَى قلبه أو إماتته بالكلية كما قال تعالى: فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ [المائدة:13] فلما نقضوا الميثاق وتركوا ما أمرهم الله تبارك وتعالى به، ونقضوا ما عاهدوا الله تَعَالَى عليه من الإيمان والتقوى والصبر والجهاد؛ عاقبهم الله تبارك وتعالى بعقوبتين: اللعنة، كما قال جل شأنه لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ [المائدة:78،79] .

فعوقبوا باللعنة نتيجة الكفر والعصيان، والعقوبة الثانية عوقبوا بقسوة القلب قال - عز من قائل-: وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَة [المائدة:13] ومن قسوة قلوبهم أخذوا يحرفون الكلم عن مواضعه، هذه الآيات التي إذا قرأها الإِنسَان يرق قلبه، ويلين ويخشع لكنهم لقسوة قلوبهم أصبحوا يقرأونها ليحرفوها عن مواضعها، وليصرفوها وفق أهوائهم وشهواتهم وحظوظهم العاجلة الفانية، فهذا حال أهل الكتاب، وهذا حال كل من عصى الله تبارك وتعالى يوشك أن يعاقبه الله تَعَالَى عَلَى هذا الذنب بذنب أعظم منه، يوشك أن يُعَاقب الإِنسَان عَلَى إدمان النظر إِلَى النساء بالزنى -والعياذ بالله- ويوشك أن يعاقبه عَلَى التدخين بشرب الخمر -عافانا الله وإياكم من ذلك- ويوشك أن يعاقبه عَلَى البدعة بالشرك، فكل ذنب هو وسيله ومقدمة لما بعده، وقد تقع العقوبة عليه بأن يرتكب ذنباً أكبر منه، نسأل الله تباك وتعالى السلامة والعافية.

ص: 532

ومن هنا فإن المؤمن حريص كل الحرص عَلَى أن ينقي قلبه ويتعاهده ما استطاع وأن يراقب نفسه دائماً ويحاسبها، عَلَى ما فرط في جنب الله تبارك وتعالى، ويستدرك قبل أن تنزل عليه العقوبة، فلا يدري ما هي هذه العقوبة، ولو أن العقوبات عَلَى الذنوب تختص بما يقع في الأرض، من الجدب والخوف، والنقص في الثمرات والأموال، ومن كل الفتن التي تقع، لكانت أهون! ولكن أشد منه وأغلظ أن تقع العقوبة نفاقاً في القلب أو كفراً بالله تبارك وتعالى بعد ذلك، وهذا ما جرى لأهل الكتاب من قبلنا، وما جرى للمنافقين أيضاً في عهد النبي صلى الله عليه وسلم.

ثُمَّ يقول رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى:

وترك الذنوب حياة القلوب وخير لنفسك عصيانها

فمن أراد أن يكون قلبه حياً الحياة الحقيقية، الحياة الطيبة فعليه بترك الذنوب والتمسك بما أمر الله تبارك وتعالى، فإن العز كل العز، والخير كل الخير، والسعادة كل السعادة في طاعة الله تبارك وتعالى.

الذنوب سبب للمصائب، وغفلة الناس عن هذا

فكل من ارتكب الذنوب والمعاصي وغفل عن أمر الله، فإنه يعاني من النكد والألم، ومن سوء الحياة وفسادها بقدر ما ارتكبه من المعاصي، والمصيبة الكبرى أن كثيراً من النَّاس لا يربطون بين نقص الأموال والأنفس والثمرات وقلة الأمن، وبين الإكثار من المعاصي والذنوب، كالربا والزنا والتبرج وشرب الخمر، والإعراض عن دين الله، والوقوع في البدع، والشرك والضلالات، ويفسرون كل ما يقع من النكبات والأزمات بعوامل مادية بحتة، وينسون هذه الحقيقة التي ذكرها الله تبارك وتعالى، وكررها مرات ومرات في القرآن، وبينها النبي صلى الله عليه وسلم فما الذي أهلك الأمم قبلنا جميعاً؟ أهو نقص الخبرات أو ضعف العوامل الاقتصادية أو قلة عدد السكان؟

ص: 533

لا، بل بالإعراض عن دين الله تبارك وتعالى، وبالغفلة عن ذكره تبارك وتعالى، فإذا قرأنا ما قص الله سبحانه وتعالى علينا من أخبار الأمم الماضية، وما أوصانا وأمرنا به، لوجدنا هذه الحقيقة بيضاء جلية ناصعة، فعلينا أن نعتني بقلوبنا، وأن نطهرها بتقوى الله سبحانه وتعالى، وبذكر الله وبمداومة قراءة القرآن، والتقرب إِلَى الله تبارك وتعالى بالأعمال الصالحة، واستغلال مواسم الخير ما استطعنا، ونحاول أن نحول هذه النفوس، من لوامة إِلَى مطمئنة بقدر ما يعيننا الله تبارك وتعالى.

ثُمَّ يأتي الشاهد من هذا الموضوع وهو قول الإمام عبد الله بن المبارك رحمه الله تبارك وتعالى.

وهل أفسد الدين إلا الملوك وأحبار سوء ورهبانها.

قَالَ المُصنِّفُ -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى-:

[فالملوك الجائرة يعترضون عَلَى الشريعة بالسياسيات الجائرة، ويعارضونها بها، ويقدمونها عَلَى حكم الله ورسوله، وأحبار السوء، وهم العلماء الخارجون عن الشريعة بآرائهم وأقيستهم الفاسدة، المتضمنة تحليل ما حرم الله ورسوله، وتحريم ما أباحه، واعتبار ما ألغاه، وإلغاء ما اعتبره، وإطلاق ما قيده، وتقييد ما أطلقه، ونحو ذلك، والرهبان وهم جهال المتصوفة، المعترضون عَلَى حقائق الإيمان والشرع، بالأذواق والمواجيد والخيالات والكشوفات الباطلة الشيطانية، المتضمنة شرع دين لم يأذن به الله، وإبطال دينه الذي شرعه عَلَى لسان نبيه صلى الله عليه وسلم، والتعوض عن حقائق الإيمان بخدع الشيطان وحظوظ النفس.

فقال الأولون: إذا تعارضت السياسة والشرع قدمنا السياسة!

وقال الآخرون: إذا تعارض العقل والنقل قدمنا العقل!

وقال أصحاب الذوق: إذا تعارض الذوق والكشف، وظاهر الشرع قدمنا الذوق والكشف] اهـ.

ص: 534

هذا الذي جَاءَ به المُصنِّفُ هنا ليبين لنا أصل الاعتراضات عَلَى الدين، ونحن نتكلم في مبحث وجوب التسليم لأمر الله وحكمه، ويأتي الاعتراض عَلَى دين الله، وشرعه، من ثلاثة مناهج وثلاثة طرق، وهذه الثلاثة هي أصل وأساس جميع الاعتراضات عَلَى دين الله تبارك وتعالى.

سن القوانين، ونشأتها

الاعتراض الأول: منازعة أصحاب القوانين وأصحاب السياسات، وهَؤُلاءِ هم الذين بين الله تَبَارَكَ وَتَعَالَىحالهم في القُرْآن الكريم في مواضع منها قوله تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيداً [النساء:60] وقوله: فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ َ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً [النساء:65] وآيات سورة المائدة حينما تكلم الله سبحانه وتعالى، وتحدث عن اليهود وكيف أنهم تركوا حكم الله في التوراة، وتركوا إقامة التوراة والإنجيل.

ثُمَّ ذكر الله تبارك وتعالى بعد ذلك حكم من لم يحكم بما أنزل الله فَقَالَ تعالى: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ [المائدة:44] وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [المائدة:45] وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ [المائدة:47] فالاعتراض الأول: هو التحكيم أو التحاكم إِلَى غير دين الله، والرجوع إِلَى مصدر غير ما أنزل الله تبارك وتعالى من الوحي.

ص: 535

وقلنا: إن هذا الانحراف وقع في حياة الأمة الإسلامية بالتدريج، وكان أول ما ظهر، أنه عندما عجز بعض الفقهاء وبعض القضاة عن الاجتهاد عن الحكم في مسائل، أولم يحال إليهم الحكم بمسائل معينة من المنازعات والخصومات التي تقع بين الناس، أو أساءوا فهم بعض أمور الشرع والدين العامة فكانت النتيجة، أن ظن النَّاس أن الدين ناقص وعاجز عن الحكم في هذه الأمور.

ومن أمثلة ذلك ما ذكره الإمام ابن القيم -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- في الطرق الحُكمية في البينة: فمن الأصول القطعية المقررة شرعاً، أنه لا حكم إلا ببينه، والبينة عَلَى المدعي، هذا أمر مقرر وقاعدة قطعية، لكن بعض الفقهاء فهموا أن البينة هي الشاهدان، فحصروا البينة في هذا، والمنازعات ووقائع الحياة تتعدد وتتوسع وتقع قضايا كثيرة جداً لا يمكن أن تثبت عن طريق الشاهدين مع قيام الدليل والحجة عَلَى أن الجاني فلان -مثلاً- لكن القاضي والفقيه لا يحكم بشيء إلا بوجود شاهدين! فأدى ذلك إِلَى أن يأتي الأمراء حتى لا يتركوا النَّاس بلا أحكام، فَقَالُوا: إذاً نَحْنُ نحكم في هذه المسائل من عندنا، فأصبحت تسمى سياسة، يقولون: هل قُتل فلان شرعاً؟ قالوا: لا لأننا لم نجد شاهدين، لكن قتل سياسة لأن الأمير رأى أنه يقتل؛ لأن البراهين قد قامت عَلَى أنه هو الجاني.

ويضرب ابن القيم رحمه الله مثالاً عَلَى البينة فَيَقُولُ: لو أن إنساناً عَلَى رأسه عمامة، وفي يده عمامه وهو يجري، ووراءه إنسان ليس عَلَى رأسه عمامة وهو يصيح قائلاً: هذا أخذ عمامتي، يقول: فهنا البينة موجودة، فلا نحتاج أن نأتي بشاهدين عَلَى أن هذا سرق العمامة، لأن هذا بلا عمامة ويجري وراء إنسان هارب بيده عمامة، وأي إنسان يرى هذا المنظر يعلم أن هذا الإِنسَان سارق أو مختلس لكن بعض الفقهاء يقولون: لا بد من شاهدين.

ومثال آخر:

ص: 536

إنسان كتب وثيقة أن لفلان عندي ألف ريال وخط فلان هذا معروف، قالوا: لا ينفع هذا الخط فلا بد من شاهدين، فمن أين يأتي بشاهدين؟!

فلما حصلت هذه الأخطاء عند بعض القضاة، اضطر الأمراء حينئذ إِلَى أن يقولوا: لا؛ بل نحكم بموجب الكتابة، ونحكم بموجب القرائن، ونحكم بموجب وقائع مساعدة وغلبة الظن وأمثال ذلك، فخرجوا قليلاً قليلاً وبدأ الانفصال فأصبح هناك شرع وهو ما يحكم به القضاة، وهناك سياسة وهي ما يحكم به الأمراء، وهذه وإن لم تكن مخالفة للشرع بل هي داخلة ضمن عموميات الشرع.

لكن الأمر اتسع حتى ظهر الياسق الذي سبق أن تكلمنا عنه وقلنا: إنه كتاب كتبه التتار الذي عَلَى ألواح من الفولاذ، وهو كتاب جنكيزخان وقد شرَّع فيه أحكام القتل والدماء وأمر أن يتوارثها أبناؤه، وتوارثها أمراؤه إِلَى أن جَاءَ هولاكو الذي دمر بغداد ودخل بلاد الْمُسْلِمِينَ، ثُمَّ دخل هَؤُلاءِ في الإسلام، وكان معهم هذا الكتاب يطبقونه عَلَى أنفسهم في الأمور العسكرية، وفي الأمور السياسية، وتركوا قضاة الْمُسْلِمِينَ يحكمون في الأمور الشرعية، فأدى ذلك إِلَى أن يقوم علماء الإسلام، ويبينوا حكم من تحاكم إِلَى غير دين الله، ومن تحاكم إِلَى هذا القانون المسمى بالياسق.

فأصدر شَيْخ الإِسْلامِ رحمه الله فتواه بتكفيره، وتكفير من تحاكم إِلَى هذا الكتاب، وأن التتار يجب أن يقاتلوا قتال ردة وكفر؛ لأنهم يتحاكمون إليه ولا يتحاكمون إِلَى دين الله، وأقبل عَلَى هذه الفتوى كثير من العلماء في ذلك الزمان، فكانت هذه أول واقعة في تاريخ الأمة الإسلامية أن يوجد قانون مكتوب يعارض به شرع الله تبارك وتعالى ثُمَّ ما لبث أن اضمحل وانتهى.

ص: 537

وعلى المستوى العالمي فيوجد هناك قوانين مكتوبة من قديم، وهنا ننبه إِلَى قضية مهمة، وهي أن البعض يقول: إن الصينيين القدماء، والأشوريين، والفينقيين والفراعنة، ودولة معين وسبأ في اليمن إلى آخر ذلك كَانَ يوجد عندهم قوانين مكتوبة، وهذا دليل كما يقولون: عَلَى تطور التشريع، وبداية التشريع عند الإِنسَان وقد سبق أن قلنا: إن هذا الكلام باطل، وإن هذه القوانين المكتوبة، إما أن تكون من بقايا شرائع الأنبياء، فإن هذه الأمم بعث الله تَعَالَى فيها أنبياء، وأنزل عليهم الكتاب ليحكم بين النَّاس فيما اختلفوا فيه، فكل أمة من الأمم لها دينها ولها كتابها وشرعها الذي لا يجوز أن تتحاكم إِلَى غيره، فإما أن تكون من بقايا شرائع الأنبياء، وإما أن يكونوا أحدثوا شرائع من عند أنفسهم معاندة وإعراضاً عن شرائع الأَنْبِيَاء.

وفي أوروبا ظهرت قوانين نابليون التي كتبت بشكل واضح مكتوب مخالفة لما كانت عليه أوروبا من التحاكم إِلَى رجال الدين أي: إِلَى النصرانية وشريعة التوراة، وكان هذا في بداية القرن التاسع عشر أي ألف وثمانمائة وأربعة، وقانون نابليون قانون مشهور إِلَى اليوم إذ هو من أكبر القوانين، وهو أيضاً مستمد في بعض جوانبه من القوانين الرومانية القديمة، التي لما بعث النبي صلى الله عليه وسلم كَانَ الرومان يتحاكمون إليها، لكنها كانت بدائية بالنسبة للقوانين الحديثة التي افتتحت بقانون نابليون.

المقصود: أن هذا القانون نقل إِلَى الأمة الإسلامية، وأول ما نقل إِلَى مصر، فعرض الخديوي القانون عَلَى بعض العلماء فأقروه.

إذاً فالطريقة الأولى من الاعتراض هو القانون.

علماء السوء

ص: 538

علماء السوء هم الباب الثاني من أبواب الفساد، فالخديوي لماجاء بالقانون عرضه علىبعض علماء السوء، فَقَالُوا: كل ما في هذا القانون من مواد لا تخرج عن المذاهب الأربعة، ولابد أن توافق أحد المذاهب الأربعة ولو بوجه من الوجوه، ولو برأي أو قول ضعيف في مذهب أَحْمَد أو الشَّافِعِيّ أو مالك أو أبي حنيفة، فلا مانع من أن يقرَّ في بلاد الْمُسْلِمِينَ، فأقر هذا القانون بناءً عَلَى ذلك، فاتفق أصحاب السياسة، وعلماء السوء عَلَى إقرار هذا القانون وإدخاله إِلَى بلاد الْمُسْلِمِينَ.

والدولة العثمانية أدخلت النظم الغربية شيئاً فشيئاً، وكان أول ما أدخل قانون القناصل ومحاكم القناصل، فقد كانت لأوروبا قناصل في العالم الإسلامي، وكان القناصل يحكمون بين رعاياهم فقط، ولكن أحكامهم وقوانينهم توسعت حتى أصبحت تحكم بين الْمُسْلِمِينَ، ثُمَّ جَاءَ السلطان سليمان، وكان من أكبر وأعظم السلاطين في الحرب والقوة العسكرية، لكنه أتى من باب الجهل بالدين، ومن باب أيضاً سكوت علماء السوء، فأدخل القوانين، ولهذا سماه الغربيون، سليمان القانوني، وأدخلها باسم "تنظيمات" تحاشياً من أن يُقال قانون، فيُقَالُ: القوانين كفر، أو القوانين لا تجوز، فسموها تنظيمات، وجعلوها أنظمة، نظام التجارة، حتى نظام العقوبات الجنائية، بدَّل فيه كثيراً من الأحكام عن غير ما أنزل الله تبارك وتعالى.

ص: 539

ثُمَّ استمر الوضع شيئاًَ فشيئاً حتى جَاءَ الأوروبيون الصليبيون الجدد -الذين يسمون المستعمرين- واحتلوا العالم الإسلامي وفرضوا القوانين بالقوة وألغوا الشريعة الإسلامية، ابتداءً من الهند، التي كانت تحكم بالشريعة الإسلامية، وكان ملوك المغول هم حكام الهند لكن كما سبق في البيت الأول، "وقد يورث الذل إدمانها" عندما أذنب الْمُسْلِمُونَ في الهند وأقاموا الأضرحة الكبيرة، وانحرفوا عن دين الله سبحانه وتعالى وعظموا الأولياء والموتى، وتركوا العقيدة الصحيحة، وتركوا الأكثرية تعبد البقر وهم يحكمونهم بشريعة الإسلام سُبْحانَ اللَّه!!.

أين أنتم تحكمون أمةً تعبد البقر وتعبد الأصنام، ولم تتحركوا لإدخالهم في الإسلام وقد حكمتم البلاد ثمانمائة سنة؟! فلما جَاءَ الاستعمار وقضى عَلَى المغول، ألغيت معها الشريعة الإسلامية نهائياً.

وكذلك دخل الاستعمار في بقية البلاد إلا من رحم الله تبارك وتعالى، مثل وسط الجزيرة واليمن وأفغانستان وخراسان، وفي بعض الأطراف نسبة تقل أو تكثر، لكن الاستعمار حرص عَلَى أن يقضي عَلَى الشريعة الإسلامية قضاء باتاً، إلا البقية القليلة التي تسمى الأحوال الشخصية، لأن الأقطاب والمارون، والدروز كل منهم له أحوال شخصية خاصة فَقَالُوا: نجعل للمسلمين أحوالهم الشخصية ليس إقراراً للدين، لكن من باب أن هذه أمور خاصة جداً، وقد أُقرت جميع الملل عليها فليكن من ضمنها هَؤُلاءِ الْمُسْلِمُونَ، فهكذا أصبح الأمر، في ديار الإسلام، وأصبح التحاكم فيها إِلَى الطاغوت لا إِلَى ما أنزل الله تبارك وتعالى.

ص: 540

المدخل الثاني من مداخل الفساد هو مدخل الأحبار، والمقصود بالأحبار علماء السوء في جميع الملل، وفي هذا إشارة إِلَى ما يقع من ضعف وفساد في الدين سببه علماء السوء في جميع الملل، والأعصار، أما أهل الكتاب: فها أنتم تقرءون في كتاب الله عز وجل الكثير مما صنعوا، ومما أفسدوا في دينهم ودين أتباعهم، فأهل الكتاب كانوا يكفرون ببعض ويؤمنون ببعض، وكانوا يخرجون أبنائهم وأتباعهم ويقاتلونهم ويظاهرون عَلَى إخراجهم، وإذا جاءوهم أسارى يفادونهم كما ذكر الله تبارك وتعالى ذلك ولهذا قَالَ: أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ [البقرة:85] الآية فكان علماء السوء يبدلون ويحتالون عَلَى دين الله كما في قصة القرية التي كانت حاضرة البحر كما قال الله تَعَالَى: وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ [الأعراف:163] فماذا فعلوا؟ وكيف المخرج؟ جَاءَ علماء السوء المفتون، وَقَالُوا: الأمر بسيط! ألقو الشِبَاك يوم الجمعة ولا تصطادوا يوم السبت ثُمَّ خذوها يوم الأحد.

تموت البقر فاحتالوا وَقَالُوا: اجمعوا الشحم وبيعوه عَلَى أنه زيت، فنحن لم نأكل التي حرم الله أكلها وإنما بعنا الزيت.

ص: 541

فاليهودهم أهل الحيل، ولذلك يقول الإمام ابن القيم -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- في الفوائد: كل من آثر الدنيا عَلَى الآخرة فلا بد أن يقول في دين الله وشرعه بغير علم، وأن ينحرف عما أنزل الله تبارك وتعالى؛ لأن الدين جَاءَ عَلَى خلاف حظوظ النَّاس وأهوائهم، وهَؤُلاءِ يقدمون الحظ الفاني، ويقدمون الدنيا ويؤثرونها عَلَى الآخرة، فلا بد أن يقولوا عَلَى الله بغير علم تحايلاً للوصول إِلَى ما يريدون وإلى ما يشتهون فيحتالون، ومن هنا قلدهم في هذه الأمة من قلد، وليس المذمومون يهود فقط، ولذلك عندما قُرأ عند حذيفة -رضي الله تبارك وتعالى عنه- قول الله تبارك وتعالى: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ [المائدة:44] قال رجل ممن كَانَ عندحذيفة: هذه لليهودفانتبه حذيفة -رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ- إِلَى قضية خطيرة يقع فيها كثير من الْمُسْلِمِينَ وهي أننا نحيل دائماً العيوب والأخطاء إِلَى علماء اليهود والنَّصَارَى وننسى أننا قد نقع في نفس الشيء قال حذيفة رضى الله تَعَالَى عنه: (نعم أبناء عم لكم اليهود، ما كَانَ من حلوة فهو لكم، وما كَانَ من مرة فهو لهم) إذا قرأنا في القُرْآن ثناءً ومدحاً قلنا: هذا لنا لأمة مُحَمَّد صلى الله عليه وسلم، وإذا قرأنا فيه ذماً وعيباً قلنا: هذا لليهودوالله تَعَالَى قَالَ: لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ [المائدة:78،79] .

ص: 542

فإذا قيل لهم: مروا بالمعروف، وانهوا عن المنكر، قالوا: هذه نزلت في اليهود، فكأن الذي لا يقيم التوراة والإنجيل يكفر ويعاقب، والذي لا يقيم القُرْآن يكون مؤمنا ويكرم ويعزز! لا، القُرْآن أعظم فإن الله سبحانه وتعالى قَالَ: وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ [المائدة:48] الآية. فالتمسك بالكتاب المهيمن يكون أقوى وعقوبة الانحراف عنه أغلظ وأشد.

وقد وقع في هذه الأمة من يسمون أهل الرأي، أو أهل القياس وهَؤُلاءِ قد شابهوا بعض المشابهة لأحبار اليهود والنَّصَارَى فإنهم ألفوا كتباً تسمى كتب الحيل، فيحتال مثلاً عَلَى عدة المطلقة، أو عَلَى أي نوع من أنواع الربا، أو عَلَى إرجاع المطلقة بتحليلٍ مثلاً، فأفسد علماء السوء في هذه الأمة أيضاً دين الْمُسْلِمِينَ كما أفسد أحبار اليهود دينهم، وانتشر البلاء وعم، ولهذا تجد أن كتب الرجال تنتقدهم مثل كتاب المجروحين لـ ابن حبان رحمه الله فقد كَانَ ضد أهل الرأي، وهو في ذلك تبع للإمام البُخَارِيّ والإمام أَحْمَد -رحمهما الله- فكان إذا ذكر رجلاً من أهل الرأي يقول فيه ما يستحق من الذم، وهو من أكثر من جمع أصحاب الرأي وما اعترضوا به عَلَى دين الله سبحانه وتعالى وهم مجرد أصحاب قياس ونظر، لكن اعترضوا عَلَى النصوص فردوها بحجة أنها تخالف القياس، فبدأ الانحراف بتعظيم القياس والرأي والهوى مقابل العمل بالسنة.

ص: 543

ويذكر شَيْخ الإِسْلامِ ابْن تَيْمِيَّةَ في حياة الإمام أَحْمَد أنه كَانَ يدرس في بغداد عَلَى عامة النَّاس كتابين: كتاب الإيمان وكتاب الأشربة يقول شَيْخ الإِسْلامِ ابْن تَيْمِيَّةَ: كَانَ يفعل ذلك لأن أصحاب الرأي -وهم الفقهاء- كَانَ لهم انتشاراً في بغداد، فكان يدرس كتاب الأشربة ليبين خطأهم في أحكام النبيذ، وكتاب الإيمان لأنهم كانوا مرجئةً في الإيمان، فكان الأئمة يعالجون الواقع ويحاولون أن يصلحوا الناس.

ثُمَّ يقول المصنف: [إن أحبار السوء هم العلماء الخارجون عن الشريعة بآرائهم وأقيستهم الفاسدة المتضمنة تحليل ما حرمه الله ورسوله وتحريم ما أباحه، واعتبار ما ألغاه، وإلغاء ما اعتبره، وإطلاق ما قيده، وتقييد ما أطلقه، ونحو ذلك] فهذا مما يفسد الدين والواجب عَلَى المسلم أن يذعن لأمر الله، وأن ينقاد له، وأن يقول كما قال أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: سمعنا وأطعنا، فالأحاديث التي نقرأها اليوم ونتجادل فيها سمعها أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم منه وما اختلفوا فيها، كانوا يسمعون ويمتثلون فلذلك كَانَ خلافهم قليلاً.

فالله تَعَالَى أنزل إلينا شريعة سمحة فطرية تتعامل مع الإِنسَان في كل زمان، ومكان، في كل بيئة ببساطة، ووضوح ويسر، وهكذا يجب أن ننظر دائماً إِلَى هذا الدين، وإلى هذه الشريعة، ونحمد الله تباك وتعالى أنه أنزلها إلينا.

إذاً: فالذين يلغون ما اعتبره الشارع، أو يعتبرون ما ألغاه، أو يقيدون ما أطلقه، أو يطلقون ما قيده، هَؤُلاءِ من جنس النوع الثاني من أنواع الفساد وهو فساد الأحبار.

جهلة العباد

ص: 544

الطريق الثالث: العباد الذين يعبدون الله عَلَى جهل فقد أفسدوا الدين، كما أن العلماء الذين يفتون بالضلال أفسدوا الدين، وكذلك الحكام الذين يحكمون بغير ما أنزل الله أفسدوا الدين، وفساد الرهبان هو عن طريق: الأذواق والمواجيد، والكشوفات، والرؤى والأحلام، فعارضوا شرع الله سبحانه وتعالى بأمثال هذه الأمور.

ومعلوم قصة الرجل الذي قتل تسعة وتسعين نفساً وجاء تائباً فَدُل عَلَى رجل عابد فذهب إِلَى أحد عباد السوء، وعباد الجهل، فقَالَ: إنني قد قتلت تسعة وتسعين نفساً فهل لي من توبة؟ قَالَ: لا أجد لك توبة، فقَالَ: ما دام أنه لا توبة لي فسوف أكمل بك المائة، فأكمل به المائة فلما ذهب إِلَى العالم البصير بالحق أفتاه بالحق، وقال له: إن التوبة لا تحجب، ولكن اذهب إِلَى أرض كذا، فإنها أرض خير، فذهب وكان ما قص رَسُول الله صلى الله عليه وسلم من توبته وقبول الله تبارك وتعالى لها.

فهَؤُلاءِ العباد الجهلة يفسدون الدين بظاهر أحوالهم ويتعبدون بغير ما أنزل الله تبارك وتعالى، فإذا قلت له: هذا الذكر لم يشرع أو لم يرد لا في حديث صحيح ولا حسن ولا ضعيف فإنه يقول لك: نعم، ولكنا كوشفنا به إما في المنام كما هو عند البعض، أو بمخاطبة النبي صلى الله عليه وسلم يقظة، بل بعضهم يقول بمخاطبة الله جل جلاله له سماعاً.

ولهذا يقول المُصْنِّف رحمه الله: [والرهبان هم جهال المتصوفة المعترضون عَلَى حقائق الإيمان والشرع بالأذواق، والمواجيد، والخيالات، والكشوفات الباطلة الشيطانية، المتضمنة شرع دين لم يأذن به الله، وإبطال الدين الذي شرعه عَلَى لسان نبيه صلى الله عليه وسلم، والتعوض عن حقائق الإيمان بخدع الشيطان وحظوظ النفس] .

ص: 545

والانحراف يقع بالتدريج، حتى في العبادات، فإن أول ما وقع الافتراق هو أنه وقع غلو بعض عبادة البصرة في التعبد، وسنة النبي صلى الله عليه وسلم في العبادة واضحة، فأم المؤمنينعَائِِِشَةَ رضي الله عنها مثلاً تجزم بأن النبي صلى الله عليه وسلم ما زاد عَلَى إحدى عشرة ركعة لا في رمضان ولا في غيره، لكن لنفرض أن أحداً زاد وعمل ببعض الأدلة العامة، لكن لم يكن في السلف من يقوم الليل كله، أو يصوم النهار كله، ويصبح في العذاب الذي فعله هَؤُلاءِ العباد، وقد كَانَ السلف الصالح أخشع النَّاس قلوباً، ولن يخشع أحد من سماع القُرْآن أكثر من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أبداً، ومع ذلك فلم يعهد عنهم أنهم كانوا إذا سمعوا آية سقط أحدهم مغشياً عليه أو يموت، وإنما الذي روي من ذلك حالات قليلة لا تتناسب مع كثرة الصحابة وقوة إيمانهم.

ص: 546

فلما ظهر الجيل الثاني والثالث: بدأ نوع من الضعف والنقص، فوجد من إذا سمع آية يغمى عليه أو قد يموت، وهو معذور عَلَى أية حال، وهذا من حسن الخاتمة - إن شاء الله- كما وقع لزرارة بن أوفى -رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ- فإنه لما سمع قول الله تعالى: فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ [المدثر:8] سقط وهو في الصلاة ومات فهذا من قوة الإيمان ومن حسن الخاتمة له -إن شاء الله-، لكن جَاءَ أناس فجعلوا مقياس التأثر من سماع القُرْآن هو أن يقع الإِنسَان وأن يغمى عليه، حتى أنهم أخذوا يفضلون بعض أئمة التصوف الذين كَانَ يغمى عليهم من الذكر، عَلَى أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في العبادة، فيقولون: أُولَئِكَ اشتغلوا بالجهاد واشتغلوا بكذا ولم يتفرغوا للعبادة، لكن هَؤُلاءِ الشيوخ تفرغوا للعبادة فكانوا إذا سمعوا الآية أو الحديث أو ذكروا الموت أو الآخرة يغمى عَلَى أحدهم وقد يموت، فيتوهم العامة أن هَؤُلاءِ أفضل من أولئك؛ لأن العوام لا يوجد عندهم إدراك لحقائق الأمور، فتبدأ هذه الأمور تدريجياً عند النَّاس فيتغير معيار العبودية الصحيح، ويتحول إِلَى أمور لم تشرع وليست هي الأساس وإنما يقع الانحراف قليلاً قليلاً.

ص: 547

حتى إن بعض جهلة الصوفية فضل سماع القصائد والأشعار التي توقف القلب وتأتي بالذوق الإيماني -كما يقول- عَلَى سماع القُرْآن من سبعة أوجه، فذكر منها أنه يلين القلب، وأنه يحرك الساكن، وأنه يتكلم عن فناء الدنيا، والقرآن فيه الحديث عن الأحكام والحلال والحرام، أما الشعر فكله في الوجد، وكله في المحبوب، وهذا يجعله ذاكراً الله والآخرة، فهكذا يقع الفساد الكبير عندما يترك الإِنسَان الكتاب والسنة ويأخذ عن الزهاد والضُلال والعباد ويعارض به ما جَاءَ عن النبي صلى الله عليه وسلم، فلا ينظرون إِلَى النبي صلى الله عليه وسلم كيف عبد الله؟ وكيف قام وصلى؟ وكيف أفطر وصام؟ وكيف زكى؟ وكيف كَانَ توكله وأصحابه صلوات الله عليهم أجمعين؟

بل إن الصوفية قد تجرأت حتى عَلَى الصحابة الكرام فمن ذلك أنه لما جاءت الغنيمة من البحرين وكثر الصحابة وامتلأ المسجد فتعجب النبي صلى الله عليه وسلم من كثرتهم، وقَالَ: لعله بلغكم أن أبا عبيدة قدم بالمال من البحرين، فجاءوا من الأطراف يريدون العطاء والحاجة إِلَى المال، الحاجة إِلَى الإنفاق عَلَى العيال حاجة فطرية صحيحة ليس فيها اعتراض عَلَى دين الله، لكن هَؤُلاءِ الصوفية قالوا: هذا ليس توكلاً، التوكل أن تسير في البرية والخلاء بلا زاد، هذا أعلى درجة.

ص: 548

والدرجة الثانية: أن يجلس في المسجد أو أي مكان آخر ولا يتعرض لأسباب الكسب، لهذا لما قيل للإمام أَحْمَد أو غيره، قيل: إن فلاناً عنده توكل، ويجلس في المسجد قَالَ: إنما توكل عَلَى المتصدقين، ولم يتوكل عَلَى الله، فهو يعلم أن المصلين سيأتون ويتصدقون بمال أو طعام، إذاً أين التوكل؟ فأفسدوا معنى التوكل وحقيقته، وكذلك أفسدوا معنى الصبر وأفسدوا معنى الرضا بالقضاء والقدر، فالنبي صلى الله عليه وسلم قَالَ: (إن القلب ليحزن، وإن العين لتدمع، ولا نقول: إلا ما يرضي ربنا عز وجل هكذا علمنا النبي صلى الله عليه وسلم الصبر وعلمنا الرضا بالقضاء.

أما هَؤُلاءِ العباد الضلال الجهال فأحدهم مات له ابن فما رؤي أحد أكثر منه في ذلك اليوم تطيباً قَالَ: حتى أثبت أني راضٍ، فهل أمر الله سبحانه وتعالى إذا مات ابنك أن تفعل هذا؟

وكذلك التواضع، فقد أمرنا به النبي صلى الله عليه وسلم، وكان يتواضع صلى الله عليه وسلم لأقل الناس، ويسمع أحوالهم، ويرى أمورهم، هذا التواضع الذي علمنا إياه صلى الله عليه وسلم وأمرنا به، لكن هم كيف تواضعهم؟ قال أحدهم لأحد المشائخ: جئنا نتعلم منك التواضع؟ قال له: خذ مخلاه-الذي توضع عَلَى الدواب- وضعها عَلَى عنقك واملأها بالجوز واحلق لحيتك وانزل إِلَى السوق وقل للناس: كل من لكمني لكمة أعطيته جوزه، فإذا لطموك كلهم وانتهى الجوز فإنك ترجع وقد تعلمت الخشوع والتواضع.

ومن طوامهم أيضاً أنهم قالوا: القتلى نوعان:

قتيل العدو، وقتيل الحبيب.

قتيل العدو هو: المسلم الذي جاهد الكفار فقتلوه.

وقتيل الحبيب هو: الذي قتله الحب، يذكر الله ويبكي بهذه المحبة الهائلة الهائمة ويموت في حالة الفناء، ويقولون: شتان ما بين قتيل الحبيب وقتيل العدو!

يقولون: هذا هو الفرق، إذاً: لا جهاد للأعداء، ولا قتال للكفار.

ص: 549

وهناك أمثلة كثيرة جداً تطول لو أردنا أن نستعرضها كلها، وهذه نماذج لما أفسد به الرهبان الصوفية في الأمة، فتكون النتيجة كما قَالَ المُصْنِّفُ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- عن هَؤُلاءِ الثلاثة:[فقال الأولون: إذا تعارضت السياسة والشرع قدمنا السياسة، وقال الآخرون: إذا تعارض العقل والنقل قدمنا العقل، وقال أصحاب الذوق -الصوفية -: إذا تعارض الذوق والكشف وظاهر الشرع، قدمنا الذوق والكشف]، هذه الثلاثة: هي أصل الضلالات في الاعتراض عَلَى دين الله تبارك وتعالى وعلى شرعه.

ص: 550