المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

وَمَا هُوَ مُقَدَّرٌ مِنَ الدِّيَةِ مُقَدَّرٌ مِنْ قِيمَةِ الْعَبْدِ.   ‌ ‌بَابُ الْقَسَامَةِ - الاختيار لتعليل المختار - جـ ٥

[ابن مودود الموصلي]

فهرس الكتاب

- ‌كِتَابُ الصَّيْدِ

- ‌كِتَابُ الذَّبَائِحِ

- ‌[فصل مَا يَحِلُّ وَمَا يَحْرُمُ أَكْلُهُ مِنَ الْحَيَوَانَاتِ]

- ‌كِتَابُ الْأُضْحِيَةِ

- ‌كِتَابُ الْجِنَايَاتِ

- ‌[فصل يقتل الحر بالحر وبالعبد]

- ‌[فصل الْقصاص في الْأَطْرَافِ]

- ‌كِتَابُ الدِّيَاتِ

- ‌[فصل في النفس الدية]

- ‌[فصل في أَنْوَاعُ الشِّجَاجِ]

- ‌[فصل من ضرب بطن امرأة]

- ‌[فصل ضَمَانُ الْإِنْسَانِ فِعْلُهُ]

- ‌[فصل جِنَايَةُ الْعَبْدِ]

- ‌بَابُ الْقَسَامَةِ

- ‌بَابُ الْمَعَاقِلِ

- ‌كِتَابُ الْوَصَايَا

- ‌[فصل ما يجوز الوصية به]

- ‌[فصل أوصى بثلث ماله لرجل وبالسدس لآخر]

- ‌[فصل الوصية للجيران والأصهار والأختان والأهل]

- ‌كِتَابُ الْفَرَائِضِ

- ‌فَصْلٌ [فِي الْعَصَبَاتِ]

- ‌[فصل السهام المفروضة]

- ‌[فصل في الحجب]

- ‌[فصل الْعَوْلُ وَأُصُولُ الْمَسَائِلِ]

- ‌[فصل في الرد على الوارثين]

- ‌[فصل تَوْرِيثُ ذَوِي الْأَرْحَامِ]

- ‌[فصل مِيرَاثُ الْغَرْقَى وَالْهَدْمَى]

- ‌[فصل لَا إِرْثَ بِالْأَنْكِحَةِ الْبَاطِلَةِ]

- ‌[فصل مِيرَاثُ الْحَمْلِ]

- ‌[فصل في المناسخات]

- ‌حِسَابُ الْفَرَائِضُ

- ‌[فصل تَصْحِيحُ الْمَسَائِلِ]

- ‌[فصل المصالحة على التركة]

الفصل: وَمَا هُوَ مُقَدَّرٌ مِنَ الدِّيَةِ مُقَدَّرٌ مِنْ قِيمَةِ الْعَبْدِ.   ‌ ‌بَابُ الْقَسَامَةِ

وَمَا هُوَ مُقَدَّرٌ مِنَ الدِّيَةِ مُقَدَّرٌ مِنْ قِيمَةِ الْعَبْدِ.

‌بَابُ الْقَسَامَةِ

الْقَتِيلُ: كُلُّ مَيِّتٍ بِهِ أَثَرٌ، فَإِذَا وُجِدَ فِي مَحِلَّةٍ لَا يُعْرَفُ قَاتِلُهُ وَادَّعَى وَلِيُّهُ الْقَتْلَ عَلَى أَهْلِهَا أَوْ عَلَى بَعْضِهِمْ عَمْدًا أَوْ خَطَأً وَلَا بَيِّنَةَ لَهُ يَخْتَارُ مِنْهُمْ خَمْسِينَ رَجُلًا يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَتَلْنَاهُ وَلَا عَلِمْنَا لَهُ قَاتِلًا، ثُمَّ يُقْضَى بِالدِّيَةِ عَلَى أَهْلِ الْمَحِلَّةِ،

ــ

[الاختيار لتعليل المختار]

مِثْلَ مَذْهَبِهِمَا. وَأَمَّا قَلِيلُ الْقِيمَةِ فَالْوَاجِبُ بِمُقَابَلَةِ الْآدَمِيَّةِ أَيْضًا، إِلَّا أَنَّهُ لَا نَصَّ فِيهِ فَقَدَّرْنَاهُ بِقِيمَتِهِ رَأْيًا إِذْ هُوَ الْأَعْدَلُ، وَفِي كَثِيرِ الْقِيمَةِ نَصٌّ؛ لِأَنَّهُ وَرَدَ فِي الْحُرِّ بِعَشَرَةِ آلَافٍ، إِلَّا أَنَّا نَقَصْنَا دِيَةَ الْعَبْدِ مِنْ ذَلِكَ إِظْهَارًا لِشَرَفِهِ وَانْحِطَاطًا لِرُتْبَةِ الْعَبْدِ عَنْهُ، وَالتَّقْدِيرُ بِعَشَرَةٍ مَأْثُورٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما، وَلِأَنَّهُ أَقَلُّ مَالٍ لَهُ خَطَرٌ فِي الشَّرْعِ؛ لِأَنَّ بِهِ تُسْتَبَاحُ الْفُرُوجُ وَالْأَيْدِي فَقَدَّرْنَاهُ بِهِ، وَكَذَلِكَ الْأَمَةُ عَلَى الْخِلَافِ وَالتَّعْلِيلِ فِي كَثِيرِ الْقِيمَةِ وَقَلِيلِهَا.

قَالَ: (وَمَا هُوَ مُقَدَّرٌ مِنَ الدِّيَةِ مُقَدَّرٌ مِنْ قِيمَةِ الْعَبْدِ) فَفِي يَدِ الْعَبْدِ خَمْسَةُ آلَافٍ إِلَّا خَمْسَةً إِذَا كَانَ كَثِيرَ الْقِيمَةِ ; لِأَنَّ الْوَاجِبَ فِي نَفْسِهِ عَشَرَةُ آلَافٍ إِلَّا عَشَرَةً، وَالْيَدُ نِصْفُ الْآدَمِيِّ فَيَجِبُ نِصْفُ مَا فِي النَّفْسِ، وَعَلَى هَذَا سَائِرُ الْأَعْضَاءِ.

[بَابُ الْقَسَامَةِ]

ِ وَهِيَ مَصْدَرُ أَقْسَمَ يُقْسِمُ قَسَامَةً، وَهِيَ الْأَيْمَانُ، وَخُصَّ هَذَا الْبَابُ بِهَذَا الِاسْمِ لِأَنَّ مَبْنَاهُ عَلَى الْأَيْمَانِ فِي الدِّمَاءِ، وَهِيَ مَشْرُوعَةٌ بِالْإِجْمَاعِ، وَالْأَحَادِيثِ عَلَى مَا يَأْتِيكَ.

قَالَ: (الْقَتِيلُ: كُلُّ مَيِّتٍ بِهِ أَثَرٌ) أَيْ أَثَرُ الْقَتْلِ ; لِأَنَّهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ بِهِ أَثَرٌ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مَاتَ حَتْفَ أَنْفِهِ وَلَيْسَ بِقَتِيلٍ فَلَا يَتَعَلَّقُ بِهِ يَمِينٌ وَلَا ضَمَانٌ، وَأَثَرُ الْقَتْلِ جُرْحٌ أَوْ أَثَرُ ضَرْبٍ أَوْ خَنْقٍ أَوْ خُرُوجُ الدَّمِ مِنْ عَيْنِهِ أَوْ أُذُنِهِ ; لِأَنَّ الدَّمَ لَا يَخْرُجُ مِنْهَا عَادَةً إِلَّا بِفِعْلٍ، أَمَّا إِذَا خَرَجَ مِنْ فَمِهِ أَوْ دُبُرِهِ أَوْ ذَكَرِهِ فَلَيْسَ بِقَتِيلٍ ; لِأَنَّ الدَّمَ يَخْرُجُ مِنْ هَذِهِ الْمَوَاضِعِ مِنْ غَيْرِ فِعْلٍ عَادَةً، وَهَذَا لِأَنَّ الْقَتِيلَ مَنْ فَاتَتْ حَيَاتُهُ بِسَبَبٍ يُبَاشِرُهُ غَيْرُهُ مِنَ النَّاسِ عُرْفًا، فَإِذَا عَلِمْنَا أَنَّهُ قَتِيلٌ.

(فَإِذَا وُجِدَ فِي مَحِلَّةٍ لَا يُعْرَفُ قَاتِلُهُ) لِأَنَّهُ إِذَا عُرِفَ قَاتِلُهُ لَا قَسَامَةَ، فَإِذَا لَمْ يُعْرَفْ (وَادَّعَى وَلِيُّهُ الْقَتْلَ عَلَى أَهْلِهَا أَوْ عَلَى بَعْضِهِمْ عَمْدًا أَوْ خَطَأً وَلَا بَيِّنَةَ لَهُ يَخْتَارُ مِنْهُمْ خَمْسِينَ رَجُلًا) ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُ فَلَا بُدَّ مِنْ دَعْوَاهُ، وَإِذَا كَانَ لَهُ بَيِّنَةٌ فَلَا حَاجَةَ إِلَى الْقَسَمِ، فَإِذَا ادَّعَى وَلَا بَيِّنَةَ لَهُ وَجَبَتِ الْيَمِينُ فَيَخْتَارُ خَمْسِينَ رَجُلًا.

(يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَتَلْنَاهُ وَلَا عَلِمْنَا لَهُ قَاتِلًا، ثُمَّ يَقْضِي بِالدِّيَةِ عَلَى أَهْلِ الْمَحِلَّةِ) أَيْ عَلَى عَاقِلَتِهِمْ. وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ مَا رُوِيَ: «أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَهْلٍ

ص: 53

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

[الاختيار لتعليل المختار]

وَجَدَ قَتِيلًا فِي قَلِيبٍ فِي خَيْبَرَ فَجَاءَ أَخُوهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ وَعَمَّاهُ حُوَيِّصَةُ وَمُحَيِّصَةُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ عليه الصلاة والسلام، فَذَهَبَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ يَتَكَلَّمُ، فَقَالَ عليه الصلاة والسلام: الْكُبْرَ الْكُبْرَ، فَتَكَلَّمَ الْكَبِيرُ مِنْ عَمَّيْهِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا وَجَدْنَا عَبْدَ اللَّهِ قَتِيلًا فِي قَلِيبٍ مِنْ قُلُبِ خَيْبَرَ، فَقَالَ عليه الصلاة والسلام: تُبَرِّئُكُمُ الْيَهُودُ بِخَمْسِينَ يَمِينًا يَحْلِفُونَ أَنَّهُمْ مَا قَتَلُوهُ؟ قَالُوا: كَيْفَ نَرْضَى بِأَيْمَانِ الْيَهُودِ وَهُمْ مُشْرِكُونَ؟ فَقَالَ: فَيُقْسِمُ مِنْكُمْ خَمْسُونَ رَجُلًا أَنَّهُمْ قَتَلُوهُ؟ قَالُوا: كَيْفَ نُقْسِمُ عَلَى مَا لَمْ نَرَهُ؟ فَوَدَّاهُ عليه الصلاة والسلام مِنْ عِنْدِهِ» وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ: «أَنَّ الْقَسَامَةَ كَانَتْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَأَقَرَّهَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي قَتِيلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ وُجِدَّ فِي جُبِّ الْيَهُودِ، فَأَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ عليه الصلاة والسلام إِلَى الْيَهُودِ وَكَلَّفَهُمْ قَسَامَةَ خَمْسِينَ، فَقَالَتِ الْيَهُودُ لَهُ: نَحْلِفُ، فَقَالَ لِلْأَنْصَارِ: أَتَحْلِفُونَ وَتَسْتَحِقُّونَ؟ فَقَالَ الْأَنْصَارُ: لَنْ نَحْلِفَ، فَأَلْزَمَ الْيَهُودَ دِيَتَهُ لِأَنَّهُ قُتِلَ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ» ، وَرُوِيَ:«أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ عليه الصلاة والسلام فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي وَجَدْتُ أَخِي قَتِيلًا فِي بَنِي فُلَانٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ عليه الصلاة والسلام: اجْمَعْ مِنْهُمْ خَمْسِينَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَتَلُوهُ وَلَا عَلِمُوا لَهُ قَاتِلًا، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا لِي مِنْ أَخِي إِلَّا هَذَا؟ قَالَ: بَلَى مِائَةٌ مِنَ الْإِبِلِ» فَدَلَّتْ هَذِهِ الْأَحَادِيثُ عَلَى وُجُوبِ الْأَيْمَانِ وَالدِّيَةِ عَلَى أَهْلِ الْمَحِلَّةِ، وَتَرَدُّ عَلَى مَنْ يَقُولُ بِوُجُوبِ الْبَدَاءَةِ بِيَمِينِ الْوَلِيِّ، وَلِأَنَّ أَهْلَ الْمَحِلَّةِ يَلْزَمُهُمْ نُصْرَةُ مَحِلَّتِهِمْ وَحِفْظُهَا وَصِيَانَتُهَا عَنِ النَّوَائِبِ وَالْقَتْلِ، وَصَوْنِ الدَّمِ الْمَعْصُومِ عَنِ السَّفْكِ وَالْهَدْرِ، فَالشَّرْعُ أَلْحَقَهُمْ بِالْقَتَلَةِ لِتَرْكِ صِيَانَةِ الْمَحِلَّةِ فِي حَقِّ وُجُوبِ الدِّيَةِ صَوْنًا لِلْآدَمِيِّ الْمُحْتَرَمِ الْمَعْصُومِ عَنِ الْإِهْدَارِ، وَلِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الْقَاتِلَ مِنْهُمْ وَإِنَّمَا قُتِلَ بِظَهْرِهِمْ فَصَارُوا كَالْعَاقِلَةِ. وَأَمَّا قَوْلُهُ عليه الصلاة والسلام لِلْأَنْصَارِ:«أَتَحْلِفُونَ وَتَسْتَحِقُّونَ» فَهُوَ عَلَى طَرِيقِ الْإِنْكَارِ عَلَيْهِمْ لِمَا قَالُوا: لَا نَرْضَى بِيَمِينِ الْيَهُودِ، وَلِهَذَا ثَبَتَ فِيهِ النُّونُ، وَلَوْ كَانَ أَمْرًا لَقَالَ: احْلِفُوا تَسْتَحِقُّوا دَمَ صَاحِبِكُمْ، وَمَا رُوِيَ:«تَحْلِفُونَ وَتَسْتَحِقُّونَ» فَمَعْنَاهُ أَتَحْلِفُونَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ} [الأنفال: 67] أَيْ أَتُرِيدُونَ، وَلِأَنَّ الْبَدَاءَةَ بِيَمِينِ الْوَلِيِّ مُخَالِفٌ لِقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام:«الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ» ، وَلِأَنَّهُ يَدْخُلُ تَحْتَ قَوْله تَعَالَى:{إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلا} [آل عمران: 77] الْآيَةَ، وَيَخْتَارُ الْوَلِيُّ خَمْسِينَ رَجُلًا لِأَنَّ الْيَمِينَ حَقُّهُ فَيَخْتَارُ مَنْ يُظْهِرُ حَقَّهُ بِاخْتِيَارِهِ، أَمَّا مَنِ اتَّهَمَهُ بِالْقَتْلِ أَوِ الصَّالِحِينَ مِنْهُمْ لِيَحْتَرِزُوا عَنِ الْيَمِينِ الْكَاذِبَةِ فَيَظْهَرُ الْقَاتِلُ، فَإِذَا حَلَفُوا قُضِيَ بِالدِّيَةِ عَلَى عَاقِلَتِهِمْ لِمَا رُوِّينَا،

ص: 54

وَكَذَلِكَ إِنْ وُجِدَ بَدَنُهُ أَوْ أَكْثَرُهُ أَوْ نِصْفُهُ مَعَ الرَّأْسِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ خَمْسُونَ كُرِّرَتِ الْأَيْمَانُ عَلَيْهِمْ لِتَتِمَّ خَمْسِينَ، وَمَنْ أَبَى مِنْهُمْ حُبِسَ حَتَّى يَحْلِفَ، وَلَا يُقْضَى بِالدِّيَةِ بِيَمِينِ الْوَلِيِّ،

ــ

[الاختيار لتعليل المختار]

وَسَوَاءٌ ادَّعَى الْقَتْلَ عَلَى جَمِيعِ أَهْلِ الْمَحِلَّةِ أَوْ عَلَى بَعْضِهِمْ مُعَيَّنِينَ أَوْ مَجْهُولِينَ لِإِطْلَاقِ النُّصُوصِ.

وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ إِذَا ادَّعَى عَلَى بَعْضٍ بِأَعْيَانِهِمْ تَسْقُطُ الْقَسَامَةُ وَالدِّيَةُ عَنِ الْبَاقِينَ، فَإِنْ كَانَ لَهُ بَيِّنَةٌ وَإِلَّا يَسْتَحْلِفُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ يَمِينًا وَاحِدَةً كَسَائِرِ الدَّعَاوِي.

قَالَ: (وَكَذَلِكَ إِنْ وُجِدَ بَدَنُهُ أَوْ أَكْثَرُهُ أَوْ نِصْفُهُ مَعَ الرَّأْسِ) لِأَنَّ النَّصَّ وَرَدَ فِي الْبَدَنِ، وَلِلْأَكْثَرِ حُكْمُ الْكُلِّ تَعْظِيمًا لِلْآدَمِيِّ، وَإِنْ وُجِدَ نِصْفُهُ مَشْقُوقًا بِالطُّولِ أَوْ أَقَلُّ مِنَ النِّصْفِ وَمَعَهُ الرَّأْسُ، أَوْ وُجِدَ رَأْسُهُ أَوْ يَدُهُ أَوْ رِجْلُهُ أَوْ عُضْوٌ مِنْهُ آخَرُ فَلَا قَسَامَةَ وَلَا دِيَةَ ; لِأَنَّ النَّصَّ وَرَدَ فِي الْبَدَنِ وَهَذَا لَيْسَ فِي مَعْنَاهُ، وَلِأَنَّهُ لَوْ وَجَبَتْ فِيهِ الْقَسَامَةُ لَوَجَبَتْ، لَوْ وُجِدَ عُضْوٌ آخَرُ أَوِ النِّصْفُ الْآخَرُ فَتَتَكَرَّرُ الْقَسَامَةُ أَوِ الدِّيَةُ بِسَبَبِ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَلَمْ يَرِدْ بِذَلِكَ نَصٌّ.

قَالَ: (فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ خَمْسُونَ كُرِّرَتِ الْأَيْمَانُ عَلَيْهِمْ لِتَتِمَّ خَمْسِينَ) لِمَا رُوِيَ أَنَّ رَجُلًا قُتِلَ بَيْنَ حَيَّيْنِ بِالْيَمَنِ وَادِعَةَ وَأَرْحَبَ، فَكَتَبُوا إِلَى عُمَرَ رضي الله عنه أَنَّهُ وُجِدَ قَتِيلٌ لَا يُدْرَى مَنْ قَتَلَهُ، فَكَتَبَ عُمَرُ أَنْ قِسْ بَيْنَ الْقَرْيَتَيْنِ فَأَيُّهُمْ كَانَ أَقْرَبَ فَأَلْزِمْهُمْ، فَكَانَ إِلَى وَادِعَةَ فَأَتَوْا عُمَرَ رضي الله عنه وَكَانُوا تِسْعَةً وَأَرْبَعِينَ رَجُلًا فَأَحْلَفَهُمْ وَأَعَادَ الْيَمِينَ عَلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ حَتَّى تَمُّوا خَمْسِينَ ثُمَّ أَلْزَمَهُمُ الدِّيَةَ، فَقَالُوا: نُعْطِي أَمْوَالَنَا وَأَيْمَانَنَا؟ فَقَالَ: نَعَمْ فِيمَ يُطَلُّ دَمُ هَذَا؟

قَالَ: (وَمَنْ أَبَى مِنْهُمْ حُبِسَ حَتَّى يَحْلِفَ) لِأَنَّ الْيَمِينَ فِي الْقَسَامَةِ نَفْسُ الْحَقِّ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الدِّيَةِ؟ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِ عُمَرَ رضي الله عنه حِينَ قَالُوا: نَبْذُلُ أَمْوَالَنَا وَأَيْمَانَنَا، أَمَا تُجْزِئُ هَذِهِ عَنْ هَذِهِ؟ قَالَ لَا، وَإِذَا كَانَتْ نَفْسَ الْحَقِّ يُحْبَسُ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى أَدَائِهِ، بِخِلَافِ الِامْتِنَاعِ عَنِ الْيَمِينِ فِي الْأَمْوَالِ ; لِأَنَّ الْيَمِينَ فِيهَا بَدَلٌ عَنِ الْحَقِّ حَتَّى يَسْقُطَ بِبَذْلِ الْمُدَّعِي، فَإِذَا نَكَّلَ لَزِمَهُ الْمَالُ وَهُوَ حَقُّهُ، فَلَا مَعْنَى لِلْحَبْسِ بِمَا لَيْسَ بِحَقٍّ. أَمَّا هُنَا لَا يَسْقُطُ الْيَمِينُ بِبَذْلِ الدِّيَةِ وَكَانَ الْحَبْسُ بِحَقٍّ فَافْتَرَقَا.

وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ تَجِبُ الدِّيَةُ بِالنُّكُولِ كَمَا فِي سَائِرِ الدَّعَاوَى، وَجَوَابُهُ مَا مَرَّ أَنَّهُ مُسْتَحِقٌّ عَلَيْهِ لِنَفْسِهِ.

قَالَ: (وَلَا يُقْضَى بِالدِّيَةِ بِيَمِينِ الْوَلِيِّ) لِأَنَّ الْيَمِينَ شُرِعَتْ لِلدَّفْعِ لَا لِلِاسْتِحْقَاقِ، وَلِأَنَّ النَّبِيَّ عليه الصلاة والسلام أَوْجَبَ الْيَمِينَ عَلَى الْمُنْكِرِ لِلدَّفْعِ عَنْهُ بِقَوْلِهِ:«وَالْيَمِينُ عَلَى الْمُنْكِرِ» ، وَالْوَلِيُّ يَحْتَاجُ إِلَى الِاسْتِحْقَاقِ فَلَا يَشْرَعُ فِي حَقِّهِ، وَلِأَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ بِيَمِينِهِ الْمَالَ الْمُبْتَذَلَ الْمُهَانَ، فَلَأَنْ لَا تَسْتَحِقَّ النَّفْسُ الْمُحْتَرَمَةُ أَوْلَى.

ص: 55

وَلَا يَدْخُلُ فِي الْقَسَامَةِ صَبِيٌّ وَلَا مَجْنُونٌ وَلَا عَبْدٌ وَلَا امْرَأَةٌ، وَإِنِ ادَّعَى الْوَلِيُّ الْقَتْلَ عَلَى غَيْرِهِمْ سَقَطَتْ عَنْهُمُ الْقَسَامَةُ، وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ (سم) عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَإِنْ وُجِدَ عَلَى دَابَّةٍ يَسُوقُهَا إِنْسَانٌ فَالدِّيَةُ عَلَى عَاقِلَةِ السَّائِقِ وَكَذَا الْقَائِدُ وَالرَّاكِبُ، وَإِنْ وُجِدَ فِي دَارِ إِنْسَانٍ فَالْقَسَامَةُ عَلَيْهِ وَعَلَى عَاقِلَتِهِ (س) إِنْ كَانُوا حُضُورًا، وَإِنْ كَانُوا غُيَّبًا كُرِّرَتِ الْأَيْمَانُ عَلَيْهِ وَالدِّيَةُ عَلَى الْعَاقِلَةِ،

ــ

[الاختيار لتعليل المختار]

قَالَ: (وَلَا يَدْخُلُ فِي الْقَسَامَةِ صَبِيٌّ وَلَا مَجْنُونٌ) لِأَنَّهُمَا لَيْسَا مِنْ أَهْلِ الْيَمِينِ.

(وَلَا عَبْدٌ وَلَا امْرَأَةٌ) لِأَنَّهُمَا لَيْسَا مِنْ أَهْلِ النُّصْرَةِ، وَإِنَّمَا تَجِبُ عَلَى أَهْلِهَا.

قَالَ: (وَإِنِ ادَّعَى الْوَلِيُّ الْقَتْلَ عَلَى غَيْرِهِمْ سَقَطَتْ عَنْهُمُ الْقَسَامَةُ وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ) لِأَنَّ الْيَمِينَ إِنَّمَا تَلْزَمُ بِالدَّعْوَى وَكَذَلِكَ الدِّيَةُ وَلَمْ يَدَّعِ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ إِنْ كَانَ لَهُ بَيِّنَةٌ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَإِلَّا يَلْزَمُهُ يَمِينٌ وَاحِدَةٌ كَسَائِرِ الدَّعَاوِي فَإِنْ حَلِفَهُ بَرِئَ وَإِنْ نَكَّلَ فَعَلَى خِلَافٍ مَرَّ فِي الدَّعْوَى، وَإِنَّمَا لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ؛ لِأَنَّهُمْ تَعَيَّنُوا لِلْخُصُومَةِ حَيْثُ وُجِدَ الْقَتِيلُ فِيهِمْ فَصَارُوا كَالْوَكِيلِ بِالْخُصُومَةِ، وَالْوَصِيُّ إِذَا شَهِدَ بَعْدَ الْعَزْلِ وَالْخُرُوجِ عَنِ الْوَصِيَّةِ، وَلِأَنَّهُمْ مُتَّهَمُونَ فِي شَهَادَتِهِمْ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ جَعَلَ ذَلِكَ وَسِيلَةً إِلَى قَبُولِ شَهَادَتِهِمْ.

وَقَالَا: تُقْبَلُ لِأَنَّهُ لَمَّا ادَّعَى عَلَى غَيْرِهِمْ سَقَطَتْ عَنْهُمُ الْقَسَامَةُ فَلَا تُهْمَةَ فِي شَهَادَتِهِمْ، وَجَوَابُهُ مَا مَرَّ.

قَالَ: (وَإِنْ وُجِدَ عَلَى دَابَّةٍ يَسُوقُهَا إِنْسَانٌ فَالدِّيَةُ عَلَى عَاقِلَةِ السَّائِقِ) لِأَنَّ الدَّابَّةَ فِي يَدِهِ فَكَأَنَّهُ وَجَدَهُ فِي دَارِهِ.

(وَكَذَا الْقَائِدُ وَالرَّاكِبُ) وَلَوِ اجْتَمَعُوا فَالدِّيَةُ عَلَى عَاقِلَتِهِمْ لِأَنَّ الدَّابَّةَ فِي أَيْدِيهِمْ.

قَالَ: (وَإِنْ وُجِدَ فِي دَارِ إِنْسَانٍ فَالْقَسَامَةُ عَلَيْهِ وَعَلَى عَاقِلَتِهِ إِنْ كَانُوا حُضُورًا) .

وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: لَا قَسَامَةَ عَلَى الْعَاقِلَةِ؛ لِأَنَّ رَبَّ الدَّارِ أَخَصُّ بِالدَّارِ مِنْ غَيْرِهِ فَصَارَ كَأَهْلِ الْمَحِلَّةِ لَا يُشَارِكُهُمْ فِي الْقَسَامَةِ غَيْرُهُمْ. وَلَهُمَا أَنَّ بِالْحُضُورِ تَلْزَمُهُمْ نُصْرَةُ الْبُقْعَةِ كَصَاحِبِ الدَّارِ فَيُشَارِكُونَهُ فِي الْقَسَامَةِ.

(وَإِنْ كَانُوا غَيْبًا كُرِّرَتِ الْأَيْمَانُ عَلَيْهِ وَالدِّيَةُ عَلَى الْعَاقِلَةِ) لِمَا تَقَدَّمَ، وَإِنْ وُجِدَ فِي دَارٍ مُشْتَرَكَةٍ نِصْفُهَا لِرَجُلٍ وَعُشْرُهَا لِآخَرَ وَسُدُسُهَا لِآخَرَ وَالْبَاقِي لِآخَرَ فَالْقَسَامَةُ عَلَى عَدَدِ رُءُوسِهِمْ؛ لِأَنَّهُمْ يَشْتَرِكُونَ فِي التَّدْبِيرِ فَكَانُوا فِي الْحِفْظِ سَوَاءً، وَالْقَسَامَةُ عَلَى أَهْلِ الْخُطَّةِ، وَهُمُ الَّذِينَ خَطَّ لَهُمُ الْإِمَامُ عِنْدَ فَتْحِهَا وَلَا يَدْخُلُ مَعَهُمُ الْمُشْتَرُونَ.

وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: يَشْتَرِكُ الْكُلُّ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّهَا وَجَبَتْ بِتَرْكِ الْحِفْظِ مِمَّنْ لَهُ وِلَايَةُ الْحِفْظِ وَالْوِلَايَةُ بِالْمِلْكِ، فَيَسْتَوِي أَهْلُ الْخُطَّةِ وَالْمُشْتَرُونَ لِاسْتِوَائِهِمْ فِي الْمِلْكِ. وَلَهُمَا أَنَّ أَهْلَ الْخُطَّةِ أَخَصُّ بِنُصْرَةِ الْبُقْعَةِ، وَالْحُكْمُ يَتَعَلَّقُ بِالْأَخَصِّ فَكَانَ الْمُشْتَرِي مَعَهُمْ كَالْأَجْنَبِيِّ، وَلِأَنَّ الْعَقْلَ تَعَلَّقَ فِي الْأَصْلِ بِأَهْلِ الْخُطَّةِ فَمَا بَقِيَ مِنْهُمْ وَاحِدٌ لَا يَنْتَقِلُ عَنْهُمْ كَمَوَالِي الْأَبِ إِذَا لَزِمَهُمُ الْعَقْلُ لَا يَنْتَقِلُ إِلَى مَوَالِي الْأُمِّ مَا بَقِيَ مِنْهُمْ وَاحِدٌ، وَقِيلَ بِأَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ شَاهَدَ الْكُوفَةَ وَأَهْلُ الْخُطَّةِ كَانُوا يُدَبِّرُونَ أَمْرَ الْمَحِلَّةِ وَيَنْصُرُونَهَا دُونَ الْمُشْتَرِي، فَبَنَى الْأَمْرَ

ص: 56

وَإِنْ وُجِدَ بَيْنَ قَرْيَتَيْنِ فَعَلَى أَقْرَبِهِمَا إِذَا كَانُوا يَسْمَعُونَ الصَّوْتَ، وَلَوْ وُجِدَ فِي السَفِينَةِ فَالْقَسَامَةُ عَلَى الْمَلَّاحِينَ وَالرُّكَّابِ، وَفِي مَسْجِدِ مَحِلَّةٍ عَلَى أَهْلِهَا، وَفِي الْجَامِعِ وَالشَّارِعِ الْأَعْظَمِ الدِّيَةُ فِي بَيْتِ الْمَالِ وَلَا قَسَامَةَ،

ــ

[الاختيار لتعليل المختار]

عَلَى ذَلِكَ، فَإِذَا لَمْ يَبْقَ مِنْ أَهْلِ الْخُطَّةِ أَحَدٌ وَكَانَ فِي الْمَحِلَّةِ مُشْتَرُونَ وَسُكَّانٌ، فَالْقَسَامَةُ عَلَى الْمُلَّاكِ دُونَ السُّكَّانِ.

وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: عَلَيْهِمْ جَمِيعًا؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ عليه الصلاة والسلام أَوْجَبَ الْقَسَامَةَ عَلَى يَهُودِ خَيْبَرَ وَكَانُوا سُكَّانًا، وَلِأَنَّ السَّاكِنَ يَلِي التَّدْبِيرَ كَالْمَالِكِ. وَلَهُمَا أَنَّ الْمَالِكَ أَخَصُّ بِالْبُقْعَةِ وَنُصْرَتِهَا، أَلَا تَرَى أَنَّ السُّكَّانَ يَكُونُونَ فِي وَقْتٍ وَيَنْتَقِلُونَ فِي وَقْتٍ فَتَجِبُ الْقَسَامَةُ عَلَى مَنْ هُوَ أَخَصُّ، وَأَمَّا أَهْلُ خَيْبَرَ فَالنَّبِيُّ عليه الصلاة والسلام أَقَرَّهُمْ عَلَى أَمْلَاكِهِمْ وَكَانَ يَأْخُذُ مِنْهُمُ الْخَرَاجَ.

قَالَ: (وَإِنْ وُجِدَ بَيْنَ قَرْيَتَيْنِ فَعَلَى أَقْرَبِهِمَا) لِمَا رَوَى أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ: «أَنَّ النَّبِيَّ عليه الصلاة والسلام أَمَرَ فِي مِثْلِهِ بِأَنْ يُذْرَعَ بَيْنَ الْقَرْيَتَيْنِ» ، وَلِمَا مَرَّ مِنْ حَدِيثِ عُمَرَ رضي الله عنه، وَهَذَا (إِذَا كَانُوا يَسْمَعُونَ الصَّوْتَ) لِأَنَّهُ يَلْحَقُهُ الْغَوْثُ، فَأَمَّا إِذَا كَانُوا لَا يَسْمَعُونَ الصَّوْتَ وَلَا يَلْحَقُهُ الْغَوْثُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِمْ، وَلَوْ كَانَ يَسْمَعُ الصَّوْتَ أَهْلُ إِحْدَى الْقَرْيَتَيْنِ دُونَ الْأُخْرَى فَالْقَسَامَةُ عَلَى الَّذِينَ يَسْمَعُونَ لِمَا قُلْنَا.

(وَلَوْ وُجِدَ فِي السَّفِينَةِ فَالْقَسَامَةُ عَلَى الْمَلَّاحِينَ وَالرُّكَابِ) وَهَذَا عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ ظَاهِرٌ لِأَنَّهُ يَرَى الْقَسَامَةَ عَلَى الْمُلَّاكِ وَالسُّكَّانِ. وَأَمَّا عَلَى قَوْلِهِمَا فَالسَّفِينَةُ تُنْقَلُ وَتُحَوَّلُ فَتُعْتَبَرُ فِيهَا الْيَدُ دُونَ الْمِلْكِ كَالدَّابَّةِ، وَلَا كَذَلِكَ الدَّارُ وَالْمَحِلَّةُ فَافْتَرَقَا.

قَالَ: (وَفِي مَسْجِدٍ مَحِلَّةٍ عَلَى أَهْلِهَا) لِأَنَّهُمْ أَخَصُّ بِنُصْرَتِهِ وَالتَّصَرُّفِ فِيهِ فَكَأَنَّهُ وُجِدَ فِي مَحِلَّتِهِمْ.

قَالَ: (وَفِي الْجَامِعِ وَالشَّارِعِ الْأَعْظَمِ الدِّيَةُ فِي بَيْتِ الْمَالِ وَلَا قَسَامَةَ) وَكَذَلِكَ الْجُسُورُ الْعَامَّةُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَخْتَصُّ بِالْبَعْضِ بَلْ يَتَعَلَّقُ بِجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ، فَمَا يَجِبُ لِأَجْلِهِ يَكُونُ فِي بَيْتِ مَالِهِمْ، وَلِأَنَّ الْيَمِينَ لِلتُّهْمَةِ وَذَلِكَ لَا يُوجَدُ فِي جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ، وَكَذَلِكَ لَوْ وُجِدَ فِي السِّجْنِ.

وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: الْقَسَامَةُ عَلَى أَهْلِ السِّجْنِ وَالدِّيَةُ عَلَى عَاقِلَتِهِمْ ; لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الْقَتْلَ وُجِدَ مِنْهُمْ. وَلَهُمَا أَنَّهُمْ مَقْهُورُونَ لَا نُصْرَةَ لَهُمْ فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ مَا يَجِبُ لِأَهْلِ النُّصْرَةِ، وَلِأَنَّ مَنْفَعَةَ السِّجْنِ لِجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ ; لِأَنَّهُ وُضِعَ لِاسْتِيفَاءِ حُقُوقِهِمْ وَلِدَفْعِ الضَّرَرِ عَنْهُمْ فَكَانَتِ النُّصْرَةُ عَلَيْهِمْ، وَهَذِهِ مِنْ فُرُوعِ الْمَالِكِ وَالسَّاكِنِ؛ لِأَنَّ أَهْلَ السِّجْنِ كَالسُّكَّانِ فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ شَيْءٌ خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ، وَإِنْ وُجِدَ فِي السُّوقِ إِنْ كَانَ مَمْلُوكًا فَعَلَى الْمُلَّاكِ. وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ عَلَى السُّكَّانِ أَيْضًا، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مَمْلُوكٍ أَوْ هُوَ لِلسُّلْطَانِ فَهُوَ كَالشَّارِعِ الْعَامِّ الَّذِي ثَبَتَ فِيهِ حَقُّ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ وَسُوقُ السُّلْطَانِ لِلْمُسْلِمِينَ، فَمَا يَجِبُ فِيهِ يَكُونُ فِي بَيْتِ الْمَالِ وَيُؤْخَذُ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ ; لِأَنَّ حُكْمَ الدِّيَةِ التَّأْجِيلُ كَمَا فِي الْعَاقِلَةِ فَكَذَلِكَ غَيْرُهُمْ، أَلَا تَرَى أَنَّهَا تُؤْخَذُ مِنْ مَالِ الْمُقِرِّ بِقَتْلِ الْخَطَأِ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ؟ .

ص: 57