الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المبحث الثاني
تفسير الصحابي للنص، إما بتخصيص، أو تقييد، أو تبيين
هذا هو القسم الثاني وهو: أن يقول الصحابي قولا في تفسير نص، إما بتخصيص عام، أو تقييد مطلق، أو تبيين مجمل، وما كان كذلك، فإنه حجةٌ؛ لأن الأدلة دلَّت على حجية قول الصحابي ولم تفرِّق بين أن يكون ابتداء أو في تفسير نص.
وبعبارة أخرى: إذا جاء نصٌّ عامٌّ، والنص العام حجةٌ، وجاء قول صحابي خاص، وقول الصحابي حجةٌ على ما تقدَّم، فالعمل بالحجتين أولى من إهمال أحدهما؛ فلذا يُخص العام، ويُقيد المطلق، ويُبين المجمل في مثل هذا بقول الصحابي.
تنبيه: تنازع أهل العلم كثيرًا في أمثلة هذا القسم: هل هو من تفسير النص أو من مخالفة الصحابي للنص؟
فإذا كان من مخالفة الصحابي للنص فإنه يرد؛ لما تقدَّم في تحرير محل النزاع: أن قول الصحابي يرد إذا خالف النص بالإجماع، أما إذا كان تفسيرًا للنص، فإنه حجةٌ على ما تقدم تقريره.
والضابط في هذا ما قرره الإمام ابن القيم ـ رحمه الله تعالى ـ في كتابه «إعلام الموقعين» ، قال رحمه الله ما مفاده: إذا خالف الصحابي النص، لا بد أن ينكر عليه صحابيٌّ آخر، فإذا لم ينكر عليه صحابيٌّ آخر، فليس هو من مخالفة النص، وإنما من تبيين النص
(1)
.
فلذا إذا شككت في قول صحابي هل هو مخالف للنص فيرد، أو مفسر له فيقبل؟ ينظر: هل خالفه صحابي آخر أم لا؟ فإذا لم يخالِفه صحابي آخر، فهو من تفسير النص وبيانه.
(1)
انظر: «إعلام الموقعين» لابن القيم (5/ 575 - 576).
والدليل على هذا: أن الله سبحانه قال: {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ} ، قال ابن القيم: والقول الخطأ منكرٌ من وجه، فلو كان هذا القول مرجوحًا عند هذا الصحابي، فلا بد أن ينكر عليه صحابي آخر، فلما لم ينكر عليه صحابي آخر، دل على أن قوله ليس مرجوحًا، ولا يمكن أن ينقل الله لنا القول المرجوح، ويدع القول الراجح؛ وهو أمرنا باتباع سبيل المؤمنين
(1)
.
وهذا الضابط إذا تأمَّله الناظر استطاع أن يميِّز بين القول الذي يُرَدُّ؛ لأنه مخالفٌ للنص، والقول الذي يُقبل؛ لأنه تفسيرٌ للنص، وما أكثر الاضطراب والاختلاف في مثل هذا، لكن إذا ضُبط هذا الضابط الذي ذكره ابن القيم اتضح الأمر جليا، و كان الدارس والناظر سائرا على خط مستقيم بلا اضطراب ولا تناقض.
وقبل ذكر الأمثلة، ليعلم أنه قد يُتنازع في بعض الأمثلة: هل هي من ابتداء الحكم: أي من القسم الأول، أو من القسم الثاني؟ وقد يحصل شيء من النزاع في الفهم، لكن من حيث الجملة، سواء كان من القسم الأول أو الثاني، فإنه على كلا الحالين حجة.
المثال الأول: أخرج الشيخان من حديث عائشة رضي الله عنها، قال النبي صلى الله عليه وسلم:«مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامٌ صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ»
(2)
.
فقد ثبت عند أبي داود عن ابن عباس، أنه خصه بصيام النذر
(3)
، إذن هذا من باب تفسير النص؛ لأن ابن عباس لم يخالَف، فيُحمل هذا الحديث على صيام النذر.
(1)
انظر: «إعلام الموقعين» لابن القيم (5/ 569).
(2)
أخرجه البخاري (1952)، ومسلم (1147).
(3)
أخرجه أبو داود (2401)، وصححه الألباني في «صحيح سنن أبي داود» (2401) طبعة المعارف.
وإلى هذا ذهب الليث بن سعد
(1)
، وأحمد في رواية
(2)
، وهو اختيار ابن القيم
(3)
، واختيار العلامة الألباني
(4)
ـ رحم الله الجميع ـ.
المثال الثاني: الأخذ من اللحية مقدار القُبضة: جاءت الشريعة بالإعفاء والإرخاء إلى غير ذلك، ثم ثبت عند البخاري عن ابن عمر أنه كان يأخذ مقدار القبضة
(5)
.
وجاء عن جابر عند أبي داود، أنه قال:«كنا نعفي السبال إلا في حج أو عمرة»
(6)
.
وجاء أيضا عن أبي هريرة رضي الله عنه
(7)
.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس، قال:{ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ} ، قال في تفسيره: أي يؤخذ من عارضيه
(8)
.
والمقصود: أنَّ الذي جاء عن الصحابة هو مطلق الأخذ، لكن ابن عمر فسَّر ذلك بأنه مقدار القبضة، وما كان دون ذلك فلا، فإن الإعفاء الذي جاءت به الشريعة هو ما كان مقدار القبضة، فإذن ما زاد على القبضة فيؤخذ استحبابًا؛ لأن ابن عمر فعله رضي الله عنهما.
وإلى هذا ذهب الإمام أحمد
(9)
والشافعي
(10)
، وكان أحمد يأخذ من طولها
(1)
انظر: «المغني» لابن قدامة (3/ 39).
(2)
انظر: «إعلام الموقعين» لابن القيم (6/ 545)، و «الإنصاف» للمرداوي (3/ 336).
(3)
انظر: «إعلام الموقعين» لابن القيم (6/ 545).
(4)
انظر: «أحكام الجنائز» للألباني (ص:169 - 170)، و «التعليق على تمام المنة» للألباني (ص:427 - 428).
(5)
أخرجه البخاري (5892)، وابن أبي شيبة (25997).
(6)
أخرجه أبو داود (4201)، وضعفه الألباني في «ضعيف سنن أبي داود» (4201) طبعة المعارف.
وأخرجه ابن أبي شيبة (25998) بإسنادٍ ضعيف أيضًا.
(7)
أخرجه ابن أبي شيبة (25999).
(8)
أخرجه الطبري في «التفسير» (16/ 526).
(9)
انظر: «مسائل ابن هانئ» (1848)، و «الترجل» للخلال (1/ 129).
(10)
انظر: «المجموع» للنووي (8/ 201).
وعرضها
(1)
.
إلا أن العلماء اختلفوا: هل هذا في الحج والعمرة أو عام؟
وأظهر القولين: أنه عامٌّ كما هو قول أحمد؛ لأن ابن عمر كان إذا أفطر من رمضان، إن أراد الحج لم يأخذ
(2)
، فمفهوم المخالفة: إن لم يرد الحج أخذ ـ تجمَّلًا للعيد ـ، إذن حدَّد ابن عمر الإعفاء بمقدار القبضة، وهذا قول صحابي، وقوله حجةٌ في تفسير النص، وهو قول الشافعي والإمام أحمد كما تقدَّم، ونصره كثيرا العلامة محمد ناصر الدين الألباني
(3)
ـ رحم الله الجميع ـ.
المثال الثالث: قال سبحانه: {فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} ، فالشريعة جاءت بالقضاء مطلقا، وجاءت بصيام النفل مطلقا، ولم تشترط في النفل ألا يبقى عليه فرض، وإنما جاءت باستحباب الصيام مطلقا، لكن ثبت عن أبي هريرة رضي الله عنه عند عبد الرزاق، أنه قال:«ابدأ بما افترض الله عليك»
(4)
، فدل هذا على أنه لا يصح لأحد أن يصوم نفلا وعليه فرضٌ.
وإلى هذا ذهب الإمام أحمد في رواية
(5)
، والعمدة على أثر أبي هريرة رضي الله عنه.
المثال الرابع: المسح على الجبيرة: ثبت المسح على الجبيرة عن ابن عمر رضي الله عنه، خرَّجه البيهقي وغيره
(6)
.
(1)
انظر: «مسائل ابن هانئ» (1848).
(2)
أخرجه مالك في «الموطأ - رواية يحيى الليثي» (888).
(3)
انظر: «السلسلة الضعيفة» للألباني (5/ 125)، وتحت (2355)، و (6203).
(4)
أخرجه عبد الرزاق (7715) عن أبي هريرة وسأله رجل قال: إن علي أياما من رمضان، أفأصوم العشر تطوعا؟ قال:«لا، ولم؟ ابدأ بحق الله، ثم تطوع بعدما شئت» .
(5)
انظر: «الإنصاف» للمرداوي (3/ 350).
(6)
أخرجه البيهقي في «السنن الكبرى» (1/ 228) وصححه.
وذهب إلى هذا أبو حنيفة
(1)
، ومالك
(2)
، وأحمد
(3)
، والشافعي في قول له
(4)
، والقول بالمسح على الجبيرة هو الصحيح؛ لأن ابن عمر لم يخالَف كما قاله ابن تيمية في شرح العمدة
(5)
، وذكر البيهقي أنه لم يصح فيه حديث
(6)
.
إذن، صار المسح على الجبيرة مشروعًا، والعمدة في ذلك فعل ابن عمر رضي الله عنه، وهذا يحتمل أن يكون من تفسير النص، ويحتمل أن يكون من ابتداء حكم، والأمر سهلٌ في ذلك كما تقدَّم.
المثال الخامس: اشتراط مضي الحول في الزكاة، فإن الشريعة جاءت بالزكاة، ولولا ما جاء من الآثار في اشتراط مضي الحول لما قيل باشتراط مضي الحول. وهذا يحتمل أنه من تفسير النص، ويحتمل أنه من ابتداء حكم.
قال البيهقي: لم يصح في ذلك حديث، وإنما العمدة على الآثار، وثبت هذا عن عثمان وابن عمر رضي الله عنهما
(7)
.
وعليه المذاهب الأربعة
(8)
.
(1)
انظر: «بدائع الصنائع» للكاساني (1/ 13).
(2)
انظر: «المدونة» لمالك (1/ 129 - 130)، و «الأوسط» لابن المنذر (2/ 23).
(3)
انظر: «الأوسط» لابن المنذر (2/ 23)، و «المغني» لابن قدامة (1/ 171 - 172)، و «الإنصاف» للمرداوي (1/ 171 - 172)، و «كشاف القناع» للبهوتي (1/ 112).
(4)
انظر: الأوسط» لابن المنذر (2/ 144)، «المجموع» للنووي (1/ 476) مع (2/ 325 - 327).
(5)
انظر: «شرح العمدة» لابن تيمية (1/ 285).
(6)
انظر: «السنن الكبرى» للبيهقي (1/ 228).
(7)
انظر: «السنن الكبرى» للبيهقي (4/ 95).
(8)
انظر: «بدائع الصنائع» للكاساني (2/ 13)، و «الذخيرة» للقرافي (3/ 32)، و «المجموع» للنووي (6/ 8)، «مختصر الخرقي مع المغني» (2/ 257).
المثال السادس: ثبت عند ابن أبي شيبة وغيره عن ابن عباس أنهم كانوا يَردُّون من دخل الحرم بلا إحرام
(1)
، فلا يدخل أحدٌ الحرم إلا محرما، حتى لو لم يُرِدِ الحج أو العمرة.
قال ابن تيمية في شرح العمدة: هذا قول ابن عباس، وليس له مخالف
(2)
.
فإن قيل: ماذا يقال في حديث ابن عباس فيما أخرج الشيخان عنه، لما ذكر المواقيت قال:«هن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن ممن أراد الحج والعمرة»
(3)
، مفهوم المخالفة: أن مَن لم يُرد الحج أو العمرة فلا يُحرم؟
يقال: قوله: «ممن أراد الحج والعمرة» خرج مخرج الغالب، وما خرج مخرج الغالب فلا مفهوم له، وأيضا لو قدِّر أن هذا المفهوم على ظاهره، فقول ابن عباس منطوقٌ، والحجة المنطوقة مقدَّمةٌ على الحجة المفهومة.
وإلى هذا ذهب جمهور الحنفية
(4)
، والمالكية
(5)
، والحنابلة
(6)
، وهو قول عند الشافعية
(7)
: أنه لا يدخل الحرم أحدٌ إلا محرما، ولو كان ممن لا يريد الحج أو العمرة.
(1)
أخرجه ابن أبي شيبة (13691)، و (14386)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (2/ 263)، و (3/ 329).
(2)
انظر: «شرح العمدة» لابن تيمية (2/ 342).
(3)
أخرجه البخاري (1524)، ومسلم (1181).
(4)
انظر: «بدائع الصنائع» للكاساني (2/ 164)، و «البناية شرح الهداية» للعيني (4/ 162)، و «المغني» لابن قدامة (3/ 116 - 117).
(5)
انظر: «المدونة» لمالك (1/ 405)، و «المغني» لابن قدامة (3/ 116 - 117).
(6)
انظر: «المغني» لابن قدامة (3/ 116 - 117)، و «شرح العمدة» لابن تيمية (2/ 343 - 344).
(7)
انظر: «المجموع» للنووي (7/ 10) وما بعدها.
المثال السابع: أمر الله بزكاة ما خرج من الأرض، وهذا عامٌّ، لكن ثبت عند ابن أبي شيبة عن أبي موسى الأشعري أنه خصَّص ذلك في أربع: لا زكاة إلا في الحنطة والشعير والزبيب والتمر
(1)
.
وجاء مرفوعًا، لكن لا يصح
(2)
، وإنما الصواب أنه موقوفٌ على أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، وهذا قول أحمد في رواية
(3)
، فبقول أبي موسى الأشعري خُصِّص ذلك في هذه الأربع.
والأمثلة على هذا كثيرةٌ، لكن أؤكد على أنه قد يُتنازَع في بعض الأمثلة: هل هي من تفسير النص أو ابتداء الحكم؟ وعلى كلا الحالين لا إشكال في ذلك على ما تقدم بيانه.
* * *
(1)
أخرجه ابن أبي شيبة (10118).
(2)
أخرجه أحمد (5/ 228) رقم (21989) وغيره، وصححه محققو المسند.
(3)
انظر: «المغني» لابن قدامة (2/ 293).