الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الأسماء المطلقة
والأسماء المضافة
ذهب الدكتور إلى أن الأسماء المقيدة أو المضافة ليست من الأسماء الحسنى التسعة والتسعين؛ لأن التقييد والإضافة يحدان من إطلاق الحسن والكمال. وقد سبق ذكر كلامه والتعليق عليه (ص: 40) من هذه الرسالة.
ثم إذا به يصرح في بعض المحاضرات (1) إلى أن الأسماء المطلقة الثابتة في الكتاب والسنة تسعة وتسعون، وهناك أسماء مضافة أخرى وعددها تسعة وتسعون أيضا، واستدل على ذلك بقوله صلى الله عليه وسلم:«إن لله تسعة وتسعين اسما مائة إلا واحدا مَن أحصاها دخل الجنة» . فقال: إن معنى قوله صلى الله عليه وسلم: «إن لله تسعة وتسعين اسما» أي: لله تسعة وتسعون اسما مطلقا، ومعنى:«مائة إلا واحدا» : أن له سبحانه تسعة وتسعين اسما أخرى مضافة! !
أقول:
هذا كلام متهافت جدا، ظاهر البطلان. والردُّ عليه من وجوه:
• الأول: أن الدكتور هو أول قائل بهذا الكلام، وأول من فسر الحديث بهذا التفسير، وليس له دليل على ذلك، وليس له سلف فيه باعترافه
(1) وأخبرني بذلك الدكتور نفسه في اتصالي به هاتفيًّا.
هو (1)، وما كان كذلك فهو باطل مردود على قائله؛ فإن أي قول يأتي به الإنسان من قبل نفسه، ولا يكون له فيه دليل ولا سلف فلابد أن يكون خطأ.
قال الإمام أبو نصر السجزي في «الرد على من أنكر الحرف والصوت» (ص: 100):
وقال شيخ الإسلام في «مجموع الفتاوى» (21/ 291):
وقال الإمام الشاطبي في «الموافقات» (3/ 62):
(1) حيث صرح لي في اتصالي به هاتفيًّا أنه أول قائل بهذا الكلام، وانظر ما سيأتي (ص: 80).
وقال شيخ الإسلام أيضا في «بيان تلبيس الجهمية» (1/ 524) في معرض رده على ابن سينا حيث فسر «الجود» بتفسير لم يقله أحد قبله:
«الوجه السادس أن يقال: هذا التفسيرُ عَمَّن نقلته؟ ! ومَن ذكره من أهل التفسير للنصوص، أو مِن أهل اللغة العربية
…
ومن المعلوم أن هذا لم يقله أحد من أهل العلم بالنصوص الشرعية واللغة العربية، فصار ذلك افتراء على النصوص واللغة» اهـ.
قلت: وتفسير الدكتور لهذا الحديث: من هذا القبيل؛ فإنه لم يذكره أحدٌ من أهل التفسير للنصوص، ولا مِن أهل اللغة العربية؛ فصار ذلك افتراءً على اللغة والنصوص. ولكن الدكتور أبى إلا أن يلوي عنق الحديث ليوافق ما أداه إليه اجتهاده وأوصله إليه اكتشافه الحاسوبي. وليس هذا من صنيع أهل العلم.
قال الإمام ابن القيم في «الروح» (ص: 63):
• وقد قلت له في مكالمتي له بالهاتف: إنك تزعم أنه لم يقل بهذا الكلام أحد من السلف الصالح، والإمام أحمد يقول:«إياك أن تتكلم في مسألة ليس لك فيها إمام» . فكلامك هذا فيه مخالفة لمنهج السلف الصالح.
فقال لي: إن كلامك هذا هو المخالف لمنهج السلف الصالح، لقد اطلعت على خمس وثلاثين موسوعة إلكترونية لم يطلع عليها السلفُ الصالح! !
أقول الآن: أهكذا يكون موقفنا من السلف الصالح! ! وهل يكون الدكتور مُعَظِّمًا للسلف الصالح وهو يدعي أنه اطلع على علوم لم يطلعوا عليها؟ ! ولقد بينت أن السلف الصالح قد اطلعوا على ما لم يطلع عليه الدكتور، وما لم نطلع عليه نحن، ورددت عليه (ص: 15، 23، 32) فالله المستعان.
* * *
• الوجه الثاني: أن هذا التفسير الذي جاء به الدكتور مخالف لتفسير العلماء الذين فسروا هذا الحديث في مصنفاتهم؛ فقد ذهبوا إلى أن قوله: «مائة إلا واحدا» للتأكيد، وللتنصيص على أنها تسعة وتسعون اسما لا تزيد ولا تنقص عن هذا العدد، وحتى تمنع تصحيف قوله:«تسعة وتسعين» إلى سبعة وسبعين، أو سبعة وتسعين، وما إلى ذلك.
قال الإمام ابن حجر رحمه الله في «الفتح» (11/ 223):
«قال جماعة من العلماء: الحكمة في قوله: «مائة غير واحد» . بعد
قوله: «تسعة وتسعون» . أن يتقرر ذلك في نفس السامع، جَمعًا بين جهتي الإجمال والتفصيل، أو دفعا للتصحيف الخطي والسمعي» اهـ.
وقال الإمام العيني رحمه الله في «عمدة القارئ» (11/ 252):
«قوله: «مائة إلا واحدا» أي: إلا اسما واحدا. ويروى: «واحدة» ، أنثها ذهابا إلى معنى التسمية أو الصفة أو الكلمة.
فإن قلت: ما فائدة هذا التأكيد؟ قلت: قيل: إن معرفة أسماء الله تعالى وصفاته توقيفية تُعلَم من طريق الوحي والسنة، ولم يكن لنا أن نتصرف فيها بما لم يهتد إليه مبلغ علمنا ومنتهى عقولنا، وقد مُنِعْنا عن إطلاق ما لم يرد به التوقيف في ذلك، وإن جوَّزه العقل وحكم به القياس - كان الخطأ في ذلك غير هين، والمخطيء فيه غير معذور، والنقصان عنه كالزيادة فيه غير مرضي، وكان الاحتمال في رسم الخط واقعا باشتباه تسعة وتسعين في زلة الكاتب وهفوة القلم بسبعة وتسعين، أو سبعة وسبعين، أو تسعة وسبعين، فينشأ الاختلاف في المسموع من المسطور، فأكده به حسما لمادة الخلاف، وإرشادا إلى الاحتياط في هذا الباب» اهـ.
وقال بمثل قول الإمامين ابن حجر والعيني كثير من العلماء، مثل: القرطبي في «المفهم لما أشكل من تلخيص مسلم» (7/ 16)، والأُبِّي في «إكمال إكمال المعلم بشرح صحيح مسلم» (9/ 75)، والسنوسي في «مكمل إكمال الإكمال» (9/ 75)، وزكريا الأنصاري في «منحة الباري» (5/ 542)، والقسطلاني في «إرشاد الساري» (9/ 233)، والمناوي في
«فيض القدير» (2/ 479)، والمباركفوري في «تحفة الأحوذي» (9/ 337)، والسندي في «حاشية ابن ماجه» (2/ 437)، وملا على القاري في «مرقاة المفاتيح» (5/ 72 - 73) وغيرهم.
* * *
• الوجه الثالث: إن كلام الدكتور ينقض بعضه بعضا؛ فكيف يدعي (ص: 65) أن الأسماء المقيدة أو المضافة ليست من الأسماء الحسنى؛ لأن الإضافة والتقييد يحدان من إطلاق الحسن والكمال. ثم إذا به هنا يثبت لله تسعة وتسعين اسما مضافا.
فمع التناقض الواضح في كلام الدكتور؛ فإنه يدل على أنه يجوز أن يسمى الله سبحانه بأسماء ليست بالغة في الحسن والجمال. وهذا شيء خطير؛ لأن أسماء الله سبحانه كلها سواء المطلقة أو المضافة هي بالغة في الحسن والجمال والكمال، {وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا} [النساء: 82] (1).
* * *
• الوجه الرابع: إن تفسير الدكتور لا يستقيم مع قوله صلى الله عليه وسلم: «إنه وتر يحب الوتر» . فلو كانت الأسماء المطلقة تسعة وتسعين والمضافة تسعة وتسعين، لكن المجموع مائة وثمانية وتسعين اسما، فصار العدد شفعا لا وترا؛ ذلك لأن لفظ الحديث بتمامه هو: «إن لله تسعة وتسعين اسما،
(1) وقد سبق الكلام على هذا الموضوع (ص: 40) من هذه الرسالة.
مائة إلا واحدا، من أحصاها دخل الجنة، إنه وتر يحب الوتر». فعلَّل النبي صلى الله عليه وسلم كون هذا العدد وترا بأن الله وتر يحب الوتر، أي: يحب أن يُحصَى مِن أسمائه هذا العدد الوتر.
قال شيخ الإسلام في «مجموع الفتاوى» (6/ 382).
«
…
ولهذا قال: «أنه وتر يحب الوتر» . ومحبته لذلك تدل على أنه متعلق بالإحصاء، أي: يجب أن يحصى مِن أسمائه هذا العدد
…
» اهـ (1).
فإن قال قائل: إن الدكتور قد أخرج لفظ الجلالة من العدد، فإذا كان عدد الأسماء المطلقة والمضافة مائة وثمانية وتسعين، فبإضافة لفظ الجلالة إليها يصير العدد مائة وتسعة وتسعين وهو عدد وتر؟
قلت: إخراج الدكتور لفظ الجلالة من العدد لا دليل عليه كما سبق بيان ذلك (ص: 68)، وما بُني على باطل فهو باطل. والله أعلم.
* * *
• وهذا التفسير الغريب الذي فسر به الدكتور هذا الحديث قد يفتح الباب على مصراعيه لكل من يريد أن يفهم النصوص على غير معناها، وهذا شر عظيم على الأمة، فمن يقول بجواز التزوُّج بتسع نسوة استدلالا بقوله عز وجل:{فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ} [النساء: 3]؛ كيف نرد عليه بعدما قال الدكتور ما قال؟ ! بل إن حجة هذا أقوى من حجة الدكتور؛ لأن الواو في الأصل تفيد العطف!
(1) وانظر كذلك: «فتح الباري» (11/ 230)، و «عمدة القاري» (11/ 252).
ولكننا نرد على هذا وعلى ذاك بقولنا: إن إجماع المسلمين ينقض قولكما، فقد أجمع المسلمون على أنه لا يجوز التزوج بأكثر من أربع نسوة، وأجمعوا على أن الأسماء التي مَن أحصاها دخل الجنة هي تسعة وتسعون اسما فقط، ولم يقل أحد إنها تسعة وتسعون اسما مطلقا وتسعة وتسعون اسما مضافا (1).
ثم أننا نعلم أن الدكتور سلفي المنهج، ومعنى ذلك: أنه يتبع الكتاب والسنة بفهم السلف الصالح، فما باله قد خالف فهم السلف الصالح وعلماء المسلمين في هذه المسألة؟ !
ولعل الدكتور قد اكتشف بعد بحثه على «الكمبيوتر» أن الأسماء المضافة في الكتاب والسنة تسعة وتسعون، ففسر الحديث بهذا التفسير العجيب، وقال بهذا القول الغريب حتى يتطابق الحديث مع اكشتافه العلمي الخطير! !
فإذا أتى باحث آخر واطلع على موسوعات إلكترونية لم يطلع عليها الدكتور ولم يعتمد عليها في بحثه (2) واكتشف أسماء أكثر من ذلك وعمل تقسيما آخر للأسماء الحسنى -التي عناها النبيُ صلى الله عليه وسلم بقوله: «مَن أحصاها
(1) أعني بذلك الأسماء المَعنية في حديث التسعة والتسعين، وإلا فالأسماء الحسنى منها ما هو مطلق، ومنها ما هو مضاف، وانظر (ص: 41).
(2)
وهذا هو الواقع؛ إذ إنه قد ظهر منذ أشهر معدودة الإصدار الثاني والثالث من «الموسوعة الشاملة» ، والدكتور لم يعتمد إلا على الإصدار الأول منها كما في قائمة مراجِع كتابه، والإصدار الثاني والثالث يحتويان على عدد كبير من الكتب التي لا توجد في الإصدار الأول.
دخل الجنة» - غير التقسيم الذي قسمه الدكتور إلى مطلق ومضاف؛ هل يجوز له أن يفسر الحديث بتفسير آخر، ويقول في عقيدة المسلمين بمقتضى اكتشافه؟ ! !
وعقيدتنا محفوظة عن أن تكون معتمدة على الاكتشافات العلمية والدراسات الإحصائية بـ «الكمبيوتر» وغيره. ومعاذ الله أن نخضعها لمثل هذه الخزعبلات. والله المستعان.
* * *