الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
اجتهاد الدكتور؛ قطعي أم ظني
؟ !
لقد جزم الدكتور أن الأسماء التي قام بإحصائها هي الأسماء الحسنى المعنية في حديث التسعة والتسعين (1). وهذا خطأ فادح؛ لأن الجزم بذلك يحتاج إلى نص صريح، وهو معدوم. فالأسماء التي قام الدكتور بإحصائها -على فرض إصابته في ذلك- هي من الأسماء الحسنى، لكن هل هي المعنية بحديث التسعة والتسعين؟ ! لا نستطيع أن نجزم بذلك؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يعينها.
وقد ذكر العلماء أن الحكمة في عدم تعيين الأسماء التسعة والتسعين هي أن يجتهد الإنسان ويدعو بجميع الأسماء الحسنى التي استطاع معرفتها؛ بخلاف ما لو عينت لاقتصر عليها، كما قيل نحو ذلك في ليلة القدر وساعة الجمعة وغيرها.
قال الإمام ابن العربي المالكي في «أحكام القرآن» (2/ 794):
«والذي أدلكم عليه أن تطلبوها في القرآن والسنة؛ فإنها مخبوءة فيهما، كما خبئت ساعة الجمعة في اليوم، وليلة القدر في الشهر رغبة، والكبائر في الذنوب رهبة؛ لتعم العبادات اليوم بجميعه والشهر بكليته، وليقع الاجتناب لجميع الذنوب.
(1) بل ذهب الدكتور إلى أن ما قام به «إعجاز جديد ظهر باستخدام تقنية الكمبيوتر» ! كما في (ص: 708).
وأتساءل: هل يجوز لإنسانٍ -مهما بلغ من العلم وسعة الاطلاع- أن يُسمِّي ما توصَّل إليه باجتهاده إعجازًا؟ ! !
وكذلك أخفيت هذه الأسماء المتعددة في جملة الأسماء الكلية لندعوه بجميعها، فنصيب العدد الموعود به فيها» اهـ بتصرف يسير.
وقال الفخر الرازي - كما في «الفتح» (11/ 221):
قلت: وهذا يدل على أنه لا سبيل إلى الجزم بتعيين الأسماء التسعة والتسعين، ولكن على المسلم أن يجتهد في إحصاء ما يقدر عليه من الأسماء الحسنى في الكتاب والسنة فلعله يصيبها. والله أعلم.
أقول هذا على فرض الجزم بصحة الأسماء التي استخرجها الدكتور، وإلا فإننا لا نجزم بصحتها أيضا، بل هي اجتهاد منه يشكر عليه، ويحتمل الخطأ والصواب، وذلك لأنه اعتمد في إثبات الأسماء التي وردت في السنة على الأحاديث التي صححها العلامة الألباني رحمه الله، وهو إمام في الحديث بلا مدافع، ولكنه بشر يصيب ويخطئ (1)، فقد يكون أخطأ فصحح حديثا وهو ضعيف في حقيقة الأمر (2)، فيأتي الدكتور فيقلده في تصحيح الحديث ويثبت بمقتضاه اسما لله تعالى، ويكون هذا الاسم غير
(1) وقد تراجع رحمه الله عن أحكامه على كثير من الأحاديث كما هو معلوم.
(2)
أو يصحح حديثًا ويكون حسنًا في حقيقة الأمر، والدكتور لا يأخذ بالحديث الحسن في باب إثبات الأسماء الحسنى. وسيأتي الرد عليه في ذلك (ص: 60).
ثابت لضعف الحديث. وهذا الاحتمال وارد لا يستطيع الدكتور دفعه إن شاء الله تعالى.
قال الحافظ ابن حجر في «النكت على كتاب ابن الصلاح» (1/ 270):
• وإن ادعى الدكتور أنه عرض هذه الأحاديث التي صححها العلامة الألباني على بعض علماء الحديث المعاصرين فوافقوه عليها؛ فهذا لا يدفع الاحتمال؛ لأنهم أيضا بشر يجوز عليهم الخطأ والنسيان، وقد يخفى عليهم ما يطلع عليه غيرهم، ولم يصل اتفاقهم أن يكون إجماعا حتى يجب المصير إليه. والله أعلم.
• كذلك فإن الدكتور قد اجتهد ووضع شروطا لعملية الإحصاء، وبعض هذه الشروط قد يختلف بعض الناس مع الدكتور في تطبيقها على بعض الأسماء التي استخرجها، مثال ذلك: شرط الإطلاق؛ فقد يفهم الدكتور من النص أن الاسم ورد فيه مطلقا فيثبته في الأسماء، ثم يأتي آخر ويفهم من النص ما يفيد التقييد، وتكون حجته أقوى من حجة الدكتور، إلى غير ذلك من الاحتمالات.
• فإذا تقرر ذلك تبين أن جزم الدكتور بهذا الإحصاء غير سائغ، وليس من شيم أهل العلم الجزم بمثل هذا من الأمور الاجتهادية، لا سيما إذا لم يكن للعالم سلف له في ذلك.
قال شيخ الإسلام في «مجموع الفتاوى» (33/ 41 - 42).
«ولهذا كان الصحابة إذا تكلموا باجتهادهم ينزهون شرع الرسول صلى الله عليه وسلم من خطئهم وخطأ غيرهم، كما قال عبد الله ابن مسعود في المفوضة: أقول فيها برأيي؛ فإن يكن صوابا فمن الله، وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان، والله ورسوله بريئان منه. وكذلك روي عن الصديق في الكلالة، وكذلك عن عمر في بعض الأمور، مع أنهم كانوا يصيبون فيما يقولونه على هذا الوجه حتى يوجد النص موافقا لاجتهادهم، كما وافق النص اجتهاد ابن مسعود وغيره. وإنما كانوا أعلم بالله ورسوله وبما يجب من تعظيم شرع الرسول صلى الله عليه وسلم أن يضيفوا إليه إلا ما علموه منه، وما أخطؤوا فيه -وإن كانوا مجتهدين- قالوا: إن الله ورسوله بريئان منه
…
» اهـ.
• ولا أظن الدكتور سيصر على القطع بأن هذه الأسماء التي أحصاها هي الأسماء التسعة والتسعون إلا إذا كان يرى أنه معصوم وأن اجتهاده لا يقبل الخطأ. ولقد ذكرني ذلك بالمناظرة التي جرت بين أبي سعيد السيرافي وأبي بشر متَّى بن يونس، وكان متَّى قد أراد أن يعلي من شأن منطق اليونان وثقافتهم، فكان مما قال له أبو سعيد:
«إن علم العالَم مبثوث في العالَم بين جميع مَن في العالم؛ لهذا قال القائل:
العلم في العالم مبثوث .... ونحوَه العاقلُ محثوث
وكذلك الصناعات مفضوضة على جميع مَن على جُدد الأرض؛ ولهذا غلب علمٌ في مكان دون علم، وكثرت صناعة في بقعة دون صناعة، وهذا واضح والزيادة عليه مشغلة، ومع هذا فإنما كان يصح قولك وتسلم دعواك لو كانت يونان معروفة من بين جميع الأمم بالعصمة الغالبة والفطنة الظاهرة، والبنية المخالفة، وأنهم لو أرادوا أن يخطئوا لما قدروا، ولو قصدوا أن يكذبوا ما استطاعوا، وأن السكينة نزلت عليهم، والحق تكفل بهم، والخطأ تبرأ منهم، والفضائل لصقت بأصولهم وفروعهم، والرذائل بعدت من جواهرهم وعروقهم. وهذا جهل ممن يظنه بهم، وعناد ممن يدعيه لهم، بل كانوا كغيرهم من الأمم يصيبون في أشياء ويخطئون في أشياء، ويعلمون أشياء ويجهلون أشياء ويصدقون في أمور ويكذبون في أمور، ويحسنون في أحوال ويسيئون في أحوال
…
فكيف يجوز أن يأتي رجل بشيء يرفع به هذا الخلاف أو يخلخله أو يؤثر فيه؟ ! هيهات هذا محال» اهـ (1).
• وقد كان من نتيجة جزم الدكتور بهذا الأمر أن كتب كثير من الناس هذه الأسماء التي جمعها الدكتور في ورقة مفردة وصوروها، ووُزعت على الناس، وأنشدت بواسطة المنشدين، وجعلها بعضهم على نغمات «المحمول» حتى لقد أخبرني بعضهم أن عنده «الأسماء الحسنى الجديدة» ! !
(1)«الإمتاع والمؤانسة» للتوحيدي (1/ 112).
ألا يخشى الدكتور أن يعتقد الناس أن هذه الأسماء جاءت عن النبي صلى الله عليه وسلم فينسبون إلى النبي صلى الله عليه وسلم ما لم يقله، فيقع المحظور الذي عابه الدكتور على الناس منذ أكثر من ألف عام، وهو اتخاذهم اجتهاد الوليد بن مسلم رحمه الله كأنه حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم؟ ! فهل يرضى الدكتور أن يتخذ الناس اجتهاده كأنه شرع منزل؟ ! فواغوثاه بالله.
* * *