الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ـ أما النص: فقوله صلى الله عليه وسلم: (لا حمى إلا لله ولرسوله) فأثبت صلى الله عليه وسلم الحمى له حقاً من حقوقه صلى الله عليه وسلم.
ـ وأجمعت الأمة على ذلك.
لكن اختلفوا فيما إذا حمى غير النبي صلى الله عليه وسلم من الأئمة الذين يأتون بعده.
= فذهب الحنابلة: إلى أن الأئمة كلهم يملكون الحق في الحمى وأن الحديث جاء لتقرير مبدأ الحمى لا لحصره على النبي صلى الله عليه وسلم وأيضاً قالوا: الحديث جاء لتقرير حق الحمى للنبي صلى الله عليه وسلم كإمام فإذا جاء إمام بعده فله نفس الحق.
= والقول الثاني: أن الحمى خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم وأن من بعده لا يملك أن يحمي.
واستدلوا كما هو معلوم:
- بقوله: (لا حمى إلا لله ورسوله). فهذا الحديث خص الحمى بالله ورسوله.
والراجح مذهب الحنابلة: والسبب في ذلك: أن عمر بن الخطاب وعثمان وعلي كلهم حموا. وهذا لاشك دليل قاطع أن الحمى ليس خاصاً بالنبي صلى الله عليه وسلم وإنما يتناول كل إمام ياتي من بعده فله الحق في أن يحمي.
يقول رحمه الله: (وللإمام دون غيره: حمى مرعى لدواب المسلمين ما لم يضرهم). يشترط في حمى الإمام أن لا يضر بالناس. لعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا ضرر ولا ضرار).
فإن الإمام كما أن عليه أن يراعي الأموال الزكوية من بهيمة الأنعام وخيول الجهاد كذلك عليه أن يراعي مصالح الناس. فلا يجوز أن يحمي حمىً يترتب عليه أذية وإضرار للناس.
بهذا ينتهي باب إحياء الموات وننتقل إلى
باب الجعالة
.
باب الجعالة
- قال رحمه الله:
- باب الجعالة.
الجعالة: مشتقة في اللغة من الجعل. والجعل: معناه هو ما يعطاه الإنسان على أمر يفعله. فكل ما يعطاه الإنسان على أمر يفعله فيعتبر جعلاً. في لغة العرب.
وأما في الاصطلاح فذكره المؤلف رحمه الله وسنتكلم عليه.
والجعالة عقد مشروع: لقوله تعالى: (ولمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم).
فهذه الآية نص في وضع عوض مالي لمن يعمل عملاً معلوماً أو مجهولاً كما سيأتينا.
فإذاً الجعالة عقد مشروع للآية ويدل على مشروعيتها: أن الحاجة تمس إلى هذا العقد لأن الأعمال منها ما هو معلوم ومنها ما هو مجهول ولو اكتفينا بعقد الإجارة لما أمكن للإنسان أن يعقد عقداً على عمل مجهول لأنه ليس في العقود الشرعية ما يفي بهذا فيما لو أبطلنا عقد الجعالة.
= والقول الثاني: أن عقد الجعالة لا يشرع.
- لما فيه من الجهالة والغرر وعدم معرفة العاقبة.
وهذا قول ضعيف جداً ومخالف لجماهير الفقهاء كما أنه مخالف لظاهر القرآن.
والراجح إن شاء الله أنه عقد مشروع.
- قال رحمه الله:
- وهي: أن يجعل شيئاً معلوماً لمن يعمل له عملاً معلوماً أو مجهولاً مدة معلومة أو مجهولة.
هذا تعريف الجعالة: (هي: أن يجعل شيئاً معلوماً لمن يعمل له عملاً معلوماً أو مجهولاً مدة معلومة أو مجهولة).
ـ قوله رحمه الله: (هي أن يجعل) يشترط في الجاعل: أن يكون من جائزي التصرف: بالغ - عاقل - رشيد.
فإن لم يكن من جائزي التصرف فإن عقد الجعالة لا يصح منه لأنه من العقود المالية التي لا تصح إلا من جائز التصرف.
ـ يقول رحمه الله: (شيئاً معلوماً) يشير المؤلف رحمه الله بهذا إلى اشتراط معلومية الجعل وأنه لا يجوز أن يكون مجهولاً.
ومعلومية الجعل تكون: بما تعرف به الأجرة في عقد الإجارة. فما ذكرناه هناك من الأشياء التي يجب أن يتصف بها مبلغ الأجرة تأتي معنا في الجعل تماماً.
الدليل على وجوب معرفة الجعل:
- هو أن الجعل بعد إتمام العمل يكون لازماً في حق الجاعل ولا يمكن الإلزام بالمجهول.
وهذا صحيح ولاشك فيه فلا يجوز للإنسان أن يقول من ر د عليَّ بعيري فله شيء. أو فله متاع - كلمة متاع - أو فله كما يقول بعض الناس - فله مبلغ مالي.
هذا لا يجوز والعقد باطل.
وغالباً بل يكاد يكون دائماً محل نزاع: لأن العامل يقدر عمله كثيراً والجاعل يقدر العمل قليلاً يرى أنه عمل قليل والعامل يرى أنه عمل عملاً كثيراً وينعكس هذا الاختلاف على تقدير العوض.
ولذلك لاك أنه يشترط أن يكون الجعل معوماً.
ـ قال رحمه الله: (لمن يعمل له عملا معلوماً أو مجهولاً) العمل في الجعالة ينقسم إلى قسمين:
- القسم الأول: أن يكون العمل لإيجاد معدوم. كأن يكون بناء حائط أو خياطة ثوب.
- القسم الثاني: أن يكون لرد مفقود. كأن يكون لرد الآبق أو لرد الشارد.
وسواء كان العمل من القسم الأول أو من القسم الثاني فإنه يجوز أن يكون مجهولاً.
العلة: عللوا هذا:
- بأن عقد الجعالة عقد جائز والعقد الجائز لا يلزم منه الإلزام وإذا لم يكن هناك إلزام جازت الجهالة فإن الجهالة تتنافى مع الإلزام فإذا لم يكن إلزام جازت الجهالة وإذا وجد الإلزام منعت الجهالة فعقد الجعالة عقد جائز. إذاً لا إلزام فيه. إذاً: يجوز فيه أن يكون العمل مجهولاً.
واستدلوا بدليل ثان وهو أيضاً صحيح ومفيد:
- وهو أنهم قالوا: غالباً ما يكون العمل في عقد الجعالة لا يمكن تقديره. فإذا قال: من رد عليَّ جملي فله كذا وكذا. لا ندري هل الجمل في مكان قريب أو في مكان بعيد؟ وهل سيتمكن العال من إحضاره بسهولة؟ أو بصعوبة؟ وهل سيخسر عليه جهداً ووقتاً كبيراً؟ أو جهداً ووقتاً قليلاً.
هذا لا يمكن تقديره. لأنه جمل شارد لا يمكن تقدير وضعه.
وهذا هو معنى الحاجى التي لأجلها ذهب الجماهير إلى مشروعية عقد الجعالة.
ـ قوله رحمه الله: (مدة معلومة أو مجهولة). يعني: يجوز أن يعقد عقد الجعالة على مدة معلومة: كأن يقول: من رد إليَّ جملي في أسبوع هذا صحيح. بعد الأسبوع لو رده لا يملك شيئاً.
ويجوز أن يقول: من رد عليَّ جملي في أي وقت شاء فله كذا وكذا.
وهذه مدة مجهولة.
والدليل على جواز جهالة المدة هو الدليل السابق تماماً. فإن جهالة المدة مساوية لجهالة العمل في الحكم والدليل.
- قال رحمه الله:
- كرد عبد ولقطة وخياطة وبناء حائط.
هذه الأمثلة الأربعة هي أمثلة لعقد الجعالة.
والضابط العام: هو ان نقول: (كل ما جازت الأجرة عليه جازت الجعالة عليه). (وكل ما حرمت الأجرة عليه حرمت الجعالة عليه).
فلا يجوز عقد الجعالة على عمل محرم كما أن الأجرة لا تجوز على أمر محرم.
ولا يجوز عقد الجعالة على قربة من القرب كما أنه لا يجوز عقد الإجارة على قربة من القرب.
الخلاصة: أن كل ما جاز عقد الإجارة عليه جاز عقد الجعالة عليه. ولا فرق بينهما.
وإذا لا حظت ستجد أن المؤلف رحمه الله مثل لكل قسم من أقسام العمل في الجعالة بمثالين:
فقوله: (كرد عبد ولقطة) هذا من القسم الأول أو من أمثلة القسم الثاني:؟ الثاني.
وقوله: (وخياطة وبناء حائط) من أمثلة القسم: الأول.
وهذا من حسن التأليف في الحقيقة أنه يمثل مراعياً استيفاء الأقسام.
فمثل على كل قسم بمثالين.
- قال رحمه الله:
- فمن فعله بعد علمه بقوله: استحقه.
أفدنا المؤلف رحمه الله بهذه العبارة مسألتين:
* * المسألة الأولى/ أن الإنسان إذا عمل العمل وانتهى استقر حقه في الأجرة.
لأنه عمل لغيره بعقد صحيح فلما انتهى العمل استحق العوض.
* * المسألة الثانية/ أن هذا العمل لابد أن يكون بعد العلم. فإن عمل لغيره قبل العلم فلا شيء له.
لماذا؟ استدلوا على هذا: بأنه عمل في ملك غيره بغير إذنه فهو شرعاً متبرع.
إذاً: يشترط لاستحقاق الأجرة في الجعالة أن يكون العمل تم بعد العلم. فإن كان قبل العلم فلا شيء له. ولو كان تسليم العمل بعد العلم.
المهم أن يكون العمل كله بعد العلم.
أما التسليم فلا علاقة له.
فإذا رد الجمل بلا علم بالجعالة ولما دخل المدينة عرف أن صاحب الجمل وضع عليه جعالة وسلمه إليه فلا يستحق شيئاً. وإن كان سلكه بعد العلم.
لأن العمل وقع متى؟ قبل العلم.
- قال رحمه الله:
- والجماعة: يقتسمونه.
يعني: إذا اشترك جماعة في إنجاز العمل فإنهم يقتسمون العوض.
والتعليل:
- أنهم اشتركوا في العمل فاشتركوا في العوض.
وهذا مخصوص بما إذا لم يقل الجاعل إذا رد زيد الجمل فله كذا وكذا.
فإن عين في العقد من يعمل فإن من عمل غيره لا يستحق شيئاً ولو عمل بعد العلم ولو أحضر المطلوب.
لأن الجاعل حدد العامل فقال: (إن أحضر زيد الجمل فله كذا وكذا.
أما إذا قال: من أحضر الجمل فله كذا وكذا واشترك جماعة في إحضاره فهم يشتركون في العوض.
- ثم قال رحمه الله:
- وفي أثنائه يأخذ قسط تمامه.
يعني: وإذا علم في أثناء العمل بأن صاحب العمل وضع جعلاً فإنه يستحق القسط من علمه ولكن هذا مشروط بأن ينوي بعد العلم العمل مقابل هذا العوض.
فإن لم ينو فهو متبرع.
وقول المؤلف: (بقسطه) لا يدل على المناصفة فإذا قال: من بنى لي هذا الجدار فله كذا وكذا وبدأ هذا الرجل بالبناء قبل العلم فلما انتصف في البناء علم ثم أتم الجدار بنية أخذ العوض فليس القسط في هذه الصورة هو النصف.
لماذا؟
لأن العمل في أسفل الجدار أصعب من العمل في أعلى الجدار.
وأحياناً تنقلب الصورة فيكون العمل في أعلى الجدار أصعب من العمل في أسفل الجدار لأن الأعلى يصعب الوصول إليه.
إذاً: القاعدة أنا نعتبر المشقى وعدمها في تقدير استحقاق العامل وليس الأمر بالمناصفة دائماً.
كذلك لو ذهب لرد البعير الشارد وكان نصف الطريق صعب جداً ونصفه اللآخر سهل جداً فإنه إذا علم بعد قطع النصف فسيأخذ أكثر أو أقل من النصف؟ أقل لأن الباقي الذي يستحق عليه العوض أسهل من الذي عمله قبل العلم.
- ثم قال رحمه الله:
- ولكل فسخها.
صرح المؤلف رحمه الله أن العقد عقد جائز.
لكن نلاحظ هنا أن اللمؤلف رحمه الله يقول: (ولكل فسخها).
وفي مواضع أخرى من العقود الجائزة يقول: (وهو عقد جائز) ثم نشرح وهو عقد جائز: نقول: (يعني لكل فسخها) فلماذا المؤلف رحمه الله هنا صرح بهذا الحكم؟
لعله صرح بهذا الحكم لأن كون الجعالة جائزة من أركان عقد الجعالة. يعني من الأحكام المهمة في الجعالة أنها جائزة.
بينما عقد الوكالة: عقد جائز أو لازم؟ جائز.
وعقد المضاربة؟ جائز.
لكن الجواز في عقد المضاربة وعقد الوكالة ليس من الأحكام المهمة في عقد المضاربة.
أقول لعل المؤلف رحمه الله بالحكم هنا لهذا السبب.
الجعالة عقد: إذاً: نقول جائز وإلى هذا ذهب الجماهير.
واستدلوا على هذا: - بأن عقد الجعالة لا إلزام فيها. وما لا إلزام فيه فهو جائز.
واستدلوا على هذا: - بأن العمل في الجعالة يصح أن يكون مجهولاً وهذا لا يكون إلا في العقود الجائزة.
= القول الثاني: وهو قول لبعض المالكية وليس هو المذهب.
أن عقد الجعالة لازم من الطرفين.
- قياساً على الإجارة.
وهذا القول ضعيف أنك إذا جعلت عقد الجعالة ىتقيسه على عقد الإجارة في كل شيء نتج عن هذا أنه لا يوجد عقد اسمه جعالة لأنه صار عقد الجعالة هو عقد الإجارة إذاً هذا القول ضعيف.
= القول الثالث: أنه لازم من جهة الجاعل دون العامل.
واستدلوا على هذا:
- بأن في هذا الحكم رفع للضرر عن العامل حتى لا يعمل ثم يلغي الجاعل العقد بعد العمل.
والراجح مذهب الحنابلة. مذهب الجماهير الحنابلة وغيرهم من أهل العلم. هو أنه عقد جائز من الطرفين وهذا هو الراجح.
والجواب عن دليل القول الثالث: أن الضرر كما يتصور في حق العامل يتصور في حق الجاعل.
إذاً لا يمكن الاستدلال من شق واحد.
- قال رحمه الله:
- فمن العامل: لا يستحق شيئاً.
يعني: فإن كان الفسخ من العامل فإنه لا يستحق شيئاً لأنه أسقط حق نفسه بنفسه. وإذا أسقط الإنسان حق نفسه بنفسه فلا شيء له. بناء على هذا: لو جاء العامل وبنى كل الجدار لم يبق إلا آخر صف من اللبن أو من البلوك ثم ترك العمل فإنه لا يستحق شيئاً مطلقاً. لأنه أسقط حقه بنفسه. واستدلوا على هذا أيضاً:
- بأنه لم يوفي ما شرط عليه وهو العمل المتفق عليه.
هكذا قرر الحنابلة وفي الحقيقة أنه لم أجد بعد البحث البسيط لم أجد خلافاً في المسألة.
كأن هذا الأمر مذهب الجماهير لكن يظهر لي أنه لو قيل بأنه يعطى بمقدار عمله ما لم يكن فسخه إضراراً بالجاعل لكان قولاً متوجهاً. وإن بحثها بعضكم فهذا شيء جيد - إن بحث الحكم: إذا فسخ العامل العقد هل يستحق شيئاً من الأجرة أو بالإجماع كما قال الحنابلة أنه لا يستحق لو أن بعضكم بحثها لكان طيباً.
- قال رحمه الله:
- ومن الجاعل بعد الشروع: للعامل أُجرة عمله.
يعني: وإذا كان الفسخ من قبل الجاعل بعد الشروع فللعامل أجرة المثل.
فهم من كلام المؤلف رحمه الله أنه إذا كان قبل الشروع فلا شيء له. وهذا صحيح.
وإنما لم ينص عليه المؤلف لأنه معلوم.
فإذا فسخ الجاعل العقد قبل الشروع فلا شيء للعامل لأنه لم يبدأ العمل ولم يصدر منه ما يستحق عليه الأجرة.
أما إن فسخ بعد الشروع فإنه للعامل أجرة المثل لأنه عمل عملاً تعاقد فيه مع صاحبه فاستحق العوض مقابله. ((الأذان)). فهم من كلام المؤلف رحمه الله أن له أجرة المثل وليس القسط من الجعل لأن عقد الجعالة بطل بفسخ الجاعل له ولم يعد له أي أثر على الأجرة.
= والقول الثاني: أن له بقسطه من الجعل ولو فسخنا عقد الجعالة لأن العامل إنما عمل مقابل اجعل المسمى لا مقابل أجرة المثل فنعتد بالجعل لا بأجرة المثل سواء كانت أجرة المثل أكثر أو أقل من الجعل.
وإلى هذا القول ذهب الشيخ العلامة عبد الرحمن السعدي وهو قول قوي كما ترون وهو الراجح إن شاء الله.
وعلم من قول المؤلف رحمه الله: (ومن الجاعل بعد الشروع). أنه يجوز للجاعل بعد الشروع في العمل أن يفسخ العقد والخلاف الذي تقدم معنا في كون العقد جائزاً أو لازماً إنما هو إذا كان قبل الشروع في العمل.
نأتي إلى الخلاف إذا كان بعد الشروع: فاختلفول على قولين:
= القول الأول: وهو للجماهير أيضاً: أنه يجوز فسخ العقد بعد الشروع وقبل الشروع يعني: يسوون بين المسألتين فيجوز مطلقاً.
= والقول الثاني: وهو مذهب المالكية الاصطلاحي - هناك قلنا أنه ىقول للمالكية. هنا نقول هذا هو المذهب الاصطلاحي أنه بعد الشروع في العمل ليس للجاعل أن يفسخ العقد.
لأن في هذا إضراراً ظاهراً بالعامل لأنه شرع الآن بالعمل.
وأنا أقول أن مذهب المالكية في مسألة بعد الشروع فيه وجاهة وإن كانت المسألة تحتاج إلى مزيد تأمل لكن فيه وجاهة بأن نمنع الجاعل من فسخ العقد متى شرع العامل في العمل.
- ثم قال رحمه الله:
- ومع الإختلاف في أصله أو قدره: يقبل قول الجاعل.
الاختلاف في أصله هو أن يزعم الجاعل أنه لم يشترط للعامل شيئاً ويزعم العامل أنه اشترط له شيئاً مقابل عمله.
فالقول قول الجاعل.
وإلى هذا ذهب الجماهير واستدلوا على هذا بأن الأصل براءة الذمة والأصل العدم فلا يمكن أن نلزم الجاعل بما لم يجعل على نفسه.
واستدلوا بدليل آخر وهو أن هذا يفضي إلى أن يقوم الإنسان بعمل ويلزم غيره بالأجرة مدعياً أنه تم بينه وبين هذا - أي صاحب العمل - عقداً مسبقاً وهذا يؤدي إلى الإضرار والتلاعب.
إذاً نقول هذا صحيح. إذا اختلفوا في أصله فالقول قول الجاعل.
- ثم قال رحمه الله:
- أو قدره.
إذا اختلفوا في قدره أو في جنسه أو في نوعه فالقول أيضاً قول الجاعل:
= عند الحنابلة. واستدلوا: - بذات الدليل/ وهو أن الأصل عدم الزيادة.
= والقول الثاني: أنهما إذا اختلفا يتحالفان ويسقط قول كل منهما ونرجع إلى أجرة المثل.
والخلاف في قولهم أجرة المثل كالخلاف السابق.
= والقول الثالث: أنه إن ذكر أحدهما جعلاً معلوماً معتاداً قبل بيمينه. وإن لم يذكر أحدهما جعلاً معلوماً معتاداً أو ذكر كل منهما جعلاً معلوماً معتاداً فإنهما يتحالفان ويسقط العقد ونرجع إلى أجرة المثل.
وهذا الثالث من أقوال المالكية وهو الصحيح في الحقيقة قول قوي ووجيه ويتوافق مع معطيات الواقع.
فإذا ادعى أحدهما شيئاً معقولاً مقبولاً قبلناه مع يمينه وإلا تساقطا وتحالفا ورجعنا إلى أجرة المثل.
- ثم قال رحمه الله:
- ومن رد لقطة أو ضالة، أو عمل لغيره عملاً بغير جعل: لم يستحق عوضاً
إذا عمل لغيره بغير عقد ولا جعل فإنه لا يستحق شيئاً لأنه تقدم معنا أن من عمل لغيره بغير إذنه فهو في الشرع متبرع.
فهذا الشخص لا يستحق هذا العوض لكونه عمل بلا عقد سابق.
هذا والله أعلم وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه ..
الدرس: (48) من البيع
قال شيخنا حفظه الله:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
((نقص من أول الدرس - في التسجيل)) .... العوض ولو بلا اتفاق مسبق. ومن أمثلة هؤلاء: الملاح والحجام.
فهؤلاء وضعوا أنفسهم لهذا العمل فإذا عمل لغيره ولو بلا اتفاق مسبق فإنهه يستحق أجرة المثل.
هذا معنى قول المؤلف رحمه الله هنا: (ومن رد لقطة أو ضالة، أو عمل لغيره عملاً بغير جعل: لم يستحق عوضاً) ذكرت إذاً هذا الأمر الذي يستثنى من هذه الجملة وهي: ما إذا كان الإنسان قد أعد نفسه لهذا العمل.
ويستثنى أيضاً من هذا من يخلص متاع غيره من الهلكة فهذا يستحق أيضاً أجرة المثل.
والسبب: - أن في ذلك تشجيعاً للمسلم على المحافظة على مال أخيه.
ولذلك استثناه الحنابلة وجعلوا له الأجر ولو أنه خلصه بلا اتفاق مسبق.
فهاتان مسألتان تستثنيان من كلام المؤلف رحمه الله.
ـ المسألة الثالثة/ نص هو على الاستثناء:
- فقال رحمه الله:
- إلاّ ديناراً أو اثني عشر درهماً: عن رد الآبق.
أي: أنه يستثنى من عدم استحقاق العوض إذا عمل لغيره بغير اتفاق ما إذا رد الآبق.
فهو مستثنى ونصوا أيضاً على العوض ولم يجعلوه مفتوحاً حسب أجرة المثل فهو يقول رحمه الله هنا: (ديناراً أو اثني عشر درهماً) فمن رد العبد الآبق استحق الدينار ولو بلا اتفاق مسبق.
واستدل الحنابلة على هذا الحكم بأمرين:
- الأمر الأول: الآثار المروية عن ثلاثة من الصحابة وهم: عمر وعلي وابن مسعود رضي الله عنهم أجمعين.
وهذه الآثار فيها ضعف إلا أن أجودها أثر ابن مسعود فهو إن شاء الله ثابت كما أن ضعف أثر عمر وعلي يسير.
- والدليل الثاني: استدلوا: بأن هذا المعنى روي عن النبي صلى الله عليه وسلم فإنه روي عنه: (أن من رد الآبق فله ديناراً).
وهذا الحديث مرسل لا يثبت مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم.
- والدليل الثالث: أن في رد الآبق منعاً لشرده. فإنه إذا ترك الآبق شارداً فغالباً ما يسعى في الأرض فساداً ففي رده كف لهذا الفساد.
- الدليل الرابع: أن العبد الآبق إذا لم يرد فإنه يخشى أن يلتحق بالكفار.
فهذه أربع أدلة استثنى بها الحنابلة ما إذا رد العبد الآبق بلا اتفاق فأوجبوا له الأجرة بلا عقد مسبق.
= والقول الثاني: أنه إذا رد العبد الآبق فلا شيء له ما لم يتفق مع صاحب العبد.
واستدلوا: - بأن هذا عمل بغير اتفاق مسبق ومن عمل لغيره بغير إذنه فلا أجرة له.
ورأوا أن ما استدل به الحنابلة آثار ضعيفة وحديث مرسل.
وقالوا: الأصل في مال المسلم الحفظ فإذا لم يكن هناك اتفاق مسبق فلا حق لراد العبد الآبق.
والراجح إن شاء الله: مذهب الحنابلة. لأن الآثار التي ذكروها يقوي بعضها بعضاً كما أن الحديث المرسل الذي أفتى بموجبه الصحابة يصلح للاحتجاج كما أن الأدلة العقلية التي ذكروها قوية وتكفي للقول بهذا القول الذي تبناه الحنابلة وهو استثناء رد العبد الآبق.
- ثم قال رحمه الله:
- ويرجع بنفقته أيضاً.
أي: ويرجع راد العبد الآبق بنفقته على هذا العبد.
واستدل الحنابلة على ذلك: