الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
[ذِكْرُ رَضَاعِهِ عليه الصلاة والسلام مِنْ حَلِيمَةَ السَّعْدِيَّةِ]
ذِكْرُ رَضَاعِهِ عليه الصلاة والسلام
مِنْ حَلِيمَةَ بِنْتِ أَبِي ذُؤَيْبٍ السَّعْدِيَّةِ،
وَمَا ظَهَرَ عَلَيْهِ مِنَ الْبَرَكَةِ، وَآيَاتِ النُّبُوَّةِ
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ: وَاسْتُرْضِعَ لَهُ عليه الصلاة والسلام مِنْ حَلِيمَةَ بِنْتِ أَبِي ذُؤَيْبٍ، وَاسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ شِجْنَةَ بْنِ جَابِرِ بْنِ رِزَامِ بْنِ نَاصِرَةَ بْنِ سَعْدِ بْنِ بَكْرِ بْنِ هَوَازِنَ بْنِ مَنْصُورِ بْنِ عِكْرِمَةَ بْنِ خَصَفَةَ بْنِ قَيْسِ بْنِ عَيْلَانَ بْنِ مُضَرَ. قَالَ: وَاسْمُ أَبِي رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم الَّذِي أَرْضَعَهُ - يَعْنِي زَوْجَ حَلِيمَةَ - الْحَارِثُ بْنُ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ رَفَاعَةِ بْنِ مَلَّانَ بْنِ نَاصِرَةَ بْنِ سَعْدِ بْنِ بَكْرِ بْنِ هَوَازِنَ، وَإِخْوَتُهُ عليه الصلاة والسلام يَعْنِي مِنَ الرَّضَاعَةِ - عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَارِثِ، وَأُنَيْسَةُ بِنْتُ الْحَارِثِ، وَحُذَافَةُ بِنْتُ الْحَارِثِ وَهِيَ الشَّيْمَاءُ، وَذَكَرُوا أَنَّهَا كَانَتْ تَحْضُنُ رَسُولَ
اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مَعَ أُمِّهِ إِذْ كَانَ عِنْدَهُمْ.
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ حَدَّثَنِي جَهْمُ بْنُ أَبِي جَهْمٍ مَوْلًى لِاِمْرَأَةٍ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ كَانَتْ عِنْدَ الْحَارِثِ بْنِ حَاطِبٍ، وَيُقَالَ لَهُ: مَوْلَى الْحَارِثِ بْنِ حَاطِبٍ قَالَ: حَدَّثَنِي مَنْ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ: حُدِّثْتُ عَنْ حَلِيمَةَ ابْنَةِ الْحَارِثِ أَنَّهَا قَالَتْ: قَدِمْتُ مَكَّةَ فِي نِسْوَةٍ - وَذَكَرَ الْوَاقِدِيُّ بِإِسْنَادِهِ أَنَّهُنَّ كُنَّ عَشْرَ نِسْوَةٍ مِنْ بَنِي سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ يَلْتَمِسْنَ بِهَا الرُّضَعَاءَ - مِنْ بَنِي سَعْدٍ نَلْتَمِسُ بِهَا الرُّضَعَاءَ، وَفِي سَنَةٍ شَهْبَاءَ فَقَدِمْتُ عَلَى أَتَانٍ لِي قَمْرَاءَ، كَانَتْ أَذَمَّتْ بِالرَّكْبِ، وَمَعِي صَبِيٌّ لَنَا، وَشَارِفٌ لَنَا وَاللَّهِ مَا تَبِضُّ بِقَطْرَةٍ وَمَا نَنَامُ لَيْلَتَنَا ذَلِكَ أَجْمَعَ مَعَ صَبِيِّنَا ذَاكَ، مَا نَجِدُّ فِي ثَدْيِي مَا يُغْنِيهِ وَلَا فِي شَارِفِنَا مَا يُغَذِّيهِ، وَلَكِنَّا كُنَّا نَرْجُو الْغَيْثَ وَالْفَرَجَ فَخَرَجْتُ عَلَى أَتَانِي تِلْكَ فَلَقَدْ أَذَمَّتْ بِالرَّكْبِ حَتَّى شَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ ضَعْفًا وَعَجَفًا فَقَدِمْنَا مَكَّةَ فَوَاللَّهِ مَا عَلِمْتُ مِنَّا امْرَأَةً إِلَّا
وَقَدْ عُرِضَ عَلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَتَأْبَاهُ إِذَا قِيلَ: إِنَّهُ يَتِيمٌ تَرَكْنَاهُ، وَقُلْنَا: مَاذَا عَسَى أَنْ تَصْنَعَ إِلَيْنَا أُمُّهُ؟ إِنَّمَا نَرْجُو الْمَعْرُوفَ مِنْ أَبِي الْوَلَدِ فَأَمَّا أُمُّهُ فَمَاذَا عَسَى أَنْ تَصْنَعَ إِلَيْنَا؟ فَوَاللَّهِ مَا بَقِيَ مِنْ صَوَاحِبِي امْرَأَةٌ إِلَّا أَخَذَتْ رَضِيعًا غَيْرِي فَلَمَّا لَمْ نَجِدْ غَيْرَهُ،
وَأَجْمَعْنَا الِانْطِلَاقَ قُلْتُ لِزَوْجِي الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى: وَاللَّهِ وَإِنِّي لَأَكْرَهُ أَنْ أَرْجِعَ مِنْ بَيْنِ صَوَاحِبِي لَيْسَ مَعِيَ رَضِيعٌ، لَأَنْطَلِقَنَّ إِلَى ذَلِكَ الْيَتِيمِ فَلْآخُذَنَّهُ. فَقَالَ: لَا عَلَيْكِ أَنْ تَفْعَلِي فَعَسَى أَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَنَا فِيهِ بَرَكَةً فَذَهَبْتُ فَأَخَذَتْهُ فَوَاللَّهِ مَا أَخَذْتُهُ إِلَّا أَنِّي لَمْ أَجِدْ غَيْرَهُ فَمَا هُوَ إِلَّا أَنْ أَخَذْتُهُ فَجِئْتُ بِهِ رَحْلِي فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ ثَدْيَايَ بِمَا شَاءَ مِنْ لَبَنٍ فَشَرِبَ حَتَّى رَوِيَ، وَشَرِبَ أَخُوهُ حَتَّى رَوِيَ، وَقَامَ صَاحِبِي إِلَى شَارِفِنَا تِلْكَ فَإِذَا إِنَّهَا لَحَافِلٌ فَحَلَبَ مَا شَرِبَ، وَشَرِبْتُ حَتَّى رَوِينَا فَبِتْنَا بِخَيْرِ لَيْلَةٍ فَقَالَ صَاحِبِي حِينَ أَصْبَحْنَا: يَا حَلِيمَةُ وَاللَّهِ إِنِّي لِأَرَاكِ قَدْ أَخَذْتِ نَسَمَةً مُبَارَكَةً; أَلَمْ تَرَيْ مَا بِتْنَا بِهِ اللَّيْلَةَ مِنَ الْخَيْرِ وَالْبَرَكَةِ حِينَ أَخَذْنَاهُ! فَلَمْ يَزَلِ اللَّهُ عز وجل يَزِيدُنَا خَيْرًا، ثُمَّ خَرَجْنَا رَاجِعِينَ إِلَى بِلَادِنَا فَوَاللَّهِ لَقَطَعَتْ أَتَانِي بِالرَّكْبِ حَتَّى مَا يَتَعَلَّقُ بِهَا حِمَارٌ حَتَّى إِنَّ صَوَاحِبِي لَيَقُلْنَ: وَيْلَكِ يَا بِنْتَ أَبِي ذُؤَيْبٍ هَذِهِ أَتَانُكِ الَّتِي خَرَجْتِ عَلَيْهَا مَعَنَا؟ فَأَقُولُ: نَعَمْ وَاللَّهِ إِنَّهَا لَهِيَ فَيَقُلْنَ: وَاللَّهِ إِنَّ لَهَا لَشَأْنًا حَتَّى قَدِمْنَا أَرْضَ بَنِي سَعْدٍ وَمَا أَعْلَمُ أَرْضًا مِنْ أَرْضِ اللَّهِ أَجْدَبَ مِنْهَا فَإِنْ كَانَتْ غَنَمِي لَتَسْرَحُ، ثُمَّ تَرُوحُ شِبَاعًا لَبَنًا،
فَنَحْلِبُ مَا شِئْنَا وَمَا حَوَالَيْنَا أَوْ حَوْلَنَا أَحَدٌ تَبِضُّ لَهُ شَاةٌ بِقَطْرَةِ لَبَنٍ، وَإِنَّ أَغْنَامَهُمْ لَتَرُوحَ جِيَاعًا حَتَّى إِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ لِرُعَاتِهِمْ أَوْ لِرُعْيَانِهِمْ وَيْحَكُمُ انْظُرُوا حَيْثُ تَسْرَحُ غَنَمُ بِنْتِ أَبِي ذُؤَيْبٍ فَاسْرَحُوا مَعَهُمْ فَيَسَرَحُونَ مَعَ غَنَمِي حَيْثُ تَسْرَحُ فَتَرُوحُ أَغْنَامُهُمْ جِيَاعًا مَا فِيهَا قَطْرَةُ لَبَنٍ، وَتَرُوحُ أَغْنَامِي شِبَاعًا لَبَنًا نَحْلِبُ مَا شِئْنَا فَلَمْ يَزَلِ اللَّهُ يُرِينَا الْبَرَكَةَ نَتَعَرَّفُهَا حَتَّى بَلَغَ سَنَتَيْهِ فَكَانَ يَشِبُّ شَبَابًا لَا تَشِبُّهُ الْغِلْمَانُ فَوَاللَّهِ مَا بَلَغَ السَّنَتَيْنِ حَتَّى كَانَ غُلَامًا جَفْرًا فَقَدِمْنَا بِهِ عَلَى أُمِّهِ، وَنَحْنُ أَضَنُّ شَيْءٍ بِهِ مِمَّا رَأَيْنَا فِيهِ مِنَ الْبَرَكَةِ.
فَلَمَّا رَأَتْهُ أُمُّهُ قُلْنَا لَهَا: يَا ظِئْرُ دَعِينَا نَرْجِعُ بِابْنِنَا هَذِهِ السَّنَةَ الْأُخْرَى فَإِنَّا نَخْشَى عَلَيْهِ وَبَاءَ مَكَّةَ فَوَاللَّهِ مَا زِلْنَا بِهَا حَتَّى قَالَتْ: فَنَعَمْ فَسَرَّحَتْهُ مَعَنَا فَأَقَمْنَا بِهِ شَهْرَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً فَبَيْنَا هُوَ خَلْفَ بُيُوتِنَا مَعَ أَخٍ لَهُ مِنَ الرَّضَاعَةِ فِي بَهْمٍ لَنَا جَاءَنَا أَخُوهُ ذَلِكَ يَشْتَدُّ فَقَالَ: ذَاكَ أَخِي الْقُرَشِيُّ جَاءَهُ رَجُلَانِ عَلَيْهِمَا ثِيَابٌ بِيضٌ فَأَضْجَعَاهُ فَشَقَّا بَطْنَهُ. فَخَرَجْتُ أَنَا وَأَبُوهُ نَشْتَدُّ نَحْوَهُ فَنَجِدُهُ قَائِمًا مُنْتَقِعًا لَوْنُهُ فَاعْتَنَقَهُ أَبُوهُ وَقَالَ يَا بُنَيَّ مَا شَأْنُكَ؟
قَالَ: جَاءَنِي رَجُلَانِ عَلَيْهِمَا ثِيَابٌ بِيضٌ أَضْجَعَانِي وَشَقَّا بَطْنِي، ثُمَّ اسْتَخْرَجَا مِنْهُ شَيْئًا فَطَرَحَاهُ، ثُمَّ رَدَّاهُ كَمَا كَانَ. فَرَجَعْنَا بِهِ مَعَنَا فَقَالَ أَبُوهُ: يَا حَلِيمَةُ لِقَدْ خَشِيتُ أَنْ يَكُونَ ابْنِي قَدْ أُصِيبَ فَانْطَلِقِي بِنَا نَرُدُّهُ إِلَى أَهْلِهِ قَبْلَ أَنْ يَظْهَرَ بِهِ مَا نَتَخَوَّفُ قَالَتْ حَلِيمَةُ: فَاحْتَمَلْنَاهُ فَلَمْ تُرَعْ أُمُّهُ إِلَّا بِهِ فَقَدِمْنَا بِهِ عَلَيْهَا فَقَالَتْ: مَا رَدَّكُمَا بِهِ فَقَدْ كُنْتُمَا عَلَيْهِ حَرِيصَيْنِ؟ فَقَالَا: لَا وَاللَّهِ إِلَّا أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَدَّى عَنَّا، وَقَضَيْنَا الَّذِي عَلَيْنَا، وَقُلْنَا نَخْشَى الْإِتْلَافَ وَالْأَحْدَاثَ نَرُدُّهُ إِلَى أَهْلِهِ فَقَالَتْ: مَا ذَاكَ بِكُمَا فَاصْدُقَانِي شَأْنَكُمَا فَلَمْ تَدَعْنَا حَتَّى أَخْبَرْنَاهَا خَبَرَهُ فَقَالَتْ: أَخَشِيتُمَا عَلَيْهِ الشَّيْطَانَ؟ كَلَّا وَاللَّهِ مَا لِلشَّيْطَانِ عَلَيْهِ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهِ إِنَّهُ لِكَائِنٌ لِابْنِي هَذَا شَأْنٌ أَلَا أُخْبِرُكُمَا خَبَرَهُ. قُلْنَا: بَلَى قَالَتْ: حَمَلْتُ بِهِ فَمَا حَمَلْتُ حَمْلَا قَطُّ أَخَفَّ مِنْهُ فَأُرِيتُ فِي النَّوْمِ حِينَ حَمَلْتُ بِهِ كَأَنَّهُ خَرَجَ مِنِّي نُورٌ أَضَاءَتْ لَهُ قُصُورُ الشَّامِ، ثُمَّ وَقَعَ حِينَ وَلَدْتُهُ، وُقُوعًا مَا يَقَعُهُ الْمَوْلُودُ، مُعْتَمِدًا عَلَى يَدَيْهِ رَافِعًا رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ فَدَعَاهُ عَنْكُمَا. وَهَذَا الْحَدِيثُ قَدْ رُوِيَ مِنْ طُرُقٍ أُخَرَ وَهُوَ مِنَ الْأَحَادِيثِ الْمَشْهُورَةِ الْمُتَدَاوَلَةِ بَيْنَ أَهْلِ السِّيَرِ وَالْمَغَازِي.
وَقَالَ الْوَاقِدِيُّ حَدَّثَنِي مُعَاذُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: خَرَجَتْ حَلِيمَةُ تَطْلُبُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم وَقَدْ وَجَدَتِ الْبَهْمَ تَقِيلُ فَوَجَدَتْهُ مَعَ أُخْتِهِ فَقَالَتْ: فِي هَذَا الْحَرِّ! فَقَالَتْ أُخْتُهُ: يَا أُمَّهْ مَا وَجَدَ أَخِي حَرًّا رَأَيْتُ غَمَامَةً تَظَلُّ عَلَيْهِ إِذَا وَقَفَ وَقَفَتْ وَإِذَا سَارَ سَارَتْ حَتَّى انْتَهَى إِلَى هَذَا الْمَوْضِعِ.
وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ حَدَّثَنِي ثَوْرُ بْنُ يَزِيدَ عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ «عَنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُمْ قَالُوا لَهُ أَخْبِرْنَا عَنْ نَفْسِكَ قَالَ: نَعَمْ أَنَا دَعْوَةُ أَبِي إِبْرَاهِيمَ، وَبُشْرَى عِيسَى عليهما السلام، وَرَأَتْ أُمِّي حِينَ حَمَلَتْ بِي أَنَّهُ خَرَجَ مِنْهَا نُورٌ أَضَاءَتْ لَهُ قُصُورُ الشَّامِ، وَاسْتُرْضِعْتُ فِي بَنِي سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ فَبَيْنَا أَنَا فِي بَهْمٍ لَنَا أَتَانِي رَجُلَانِ عَلَيْهِمَا ثِيَابٌ بِيضٌ مَعَهُمَا طَسْتٌ مِنْ ذَهَبٍ مَمْلُوءٌ ثَلْجًا فَأَضْجَعَانِي فَشَقَّا بَطْنِي، ثُمَّ اسْتَخْرَجَا قَلْبِي فَشَقَّاهُ فَأَخْرَجَا مِنْهُ عَلَقَةً سَوْدَاءَ فَأَلْقَيَاهَا، ثُمَّ غَسَلَا قَلْبِي وَبَطْنِي بِذَلِكَ الثَّلْجِ حَتَّى إِذَا أَنْقَيَاهُ رَدَّاهُ كَمَا كَانَ، ثُمَّ قَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: زِنْهُ بِعَشَرَةٍ مِنْ أُمَّتِهِ فَوَزَنَنِي بِعَشَرَةٍ فَوَزَنْتُهُمْ، ثُمَّ قَالَ: زِنْهُ بِمِائَةٍ مِنْ أُمَّتِهِ فَوَزَنَنِي بِمِائَةٍ فَوَزَنْتُهُمْ، ثُمَّ قَالَ: زِنْهُ بِأَلْفٍ مِنْ أُمَّتِهِ فَوَزَنَنِي بِأَلْفٍ فَوَزَنْتُهُمْ فَقَالَ: دَعْهُ عَنْكَ فَلَوْ وَزَنْتَهُ بِأُمَّتِهِ لَوَزَنَهُمْ» . وَهَذَا إِسْنَادٌ جَيِّدٌ قَوِيٌّ.
وَقَدْ رَوَى أَبُو نُعَيْمٍ الْحَافِظُ فِي الدَّلَائِلِ مِنْ طَرِيقِ عُمَرَ بْنِ الصُّبْحٍ وَهُوَ أَبُو نُعَيْمٍ عَنْ ثَوْرِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ مَكْحُولٍ عَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ هَذِهِ الْقِصَّةَ مُطَوَّلَةً جِدًّا، وَلَكِنَّ عُمَرَ بْنَ صُبْحٍ هَذَا مَتْرُوكٌ كَذَّابٌ مُتَّهَمٌ بِالْوَضْعِ; فَلِهَذَا لَمْ نَذْكُرْ لَفْظَ الْحَدِيثِ إِذْ لَا يُفْرَحُ بِهِ، ثُمَّ قَالَ: وَحَدَّثَنَا أَبُو عَمْرِو بْنُ حَمْدَانَ حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ نُفَيْرٍ حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ حَدَّثَنَا بَقِيَّةُ بْنُ الْوَلِيدِ عَنْ بَحِيرِ بْنِ سَعِيدٍ عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَمْرٍو السُّلَمِيِّ عَنْ عُتْبَةَ بْنِ عَبْدٍ أَنَّهُ حَدَّثَهُ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ كَيْفَ كَانَ أَوَّلُ شَأْنِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «كَانَتْ حَاضِنَتِي مِنْ بَنِي سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ فَانْطَلَقْتُ أَنَا وَابْنٌ لَهَا فِي بَهْمٍ لَنَا، وَلَمْ نَأْخُذْ مَعَنَا زَادًا فَقُلْتُ: يَا أَخِي اذْهَبْ فَائْتِنَا بِزَادٍ مِنْ عِنْدِ أُمِّنَا فَانْطَلَقَ أَخِي وَمَكَثْتُ عِنْدَ الْبَهْمِ فَأَقْبَلَ طَائِرَانِ أَبْيَضَانِ كَأَنَّهُمَا نَسْرَانِ فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: أَهْوَ هُوَ؟ فَقَالَ: نَعَمْ. فَأَقْبَلَا يَبْتَدِرَانِي فَأَخَذَانِي فَبَطَحَانِي لِلْقَفَا فَشَقَّا بَطْنِي، ثُمَّ اسْتَخْرَجَا قَلْبِي فَشَقَّاهُ فَأَخْرَجَا مِنْهُ عَلْقَتَيْنِ سَوْدَاوَيْنِ فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: ائْتِنِي بِمَاءٍ ثَلْجٍ فَغَسَلَا بِهِ جَوْفِي، ثُمَّ قَالَ: ائْتِنِي بِمَاءٍ بَرَدٍ فَغَسَلَا بِهِ قَلْبِي، ثُمَّ
قَالَ: ائْتِنِي بِالسَّكِينَةِ فَذَرَّهَا فِي قَلْبِي، ثُمَّ قَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: حُصْهُ فَحَاصَهُ، وَخَتَمَ عَلَى قَلْبِي بِخَاتَمِ النُّبُوَّةِ فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: اجْعَلْهُ فِي كِفَّةٍ، وَاجْعَلْ أَلْفًا مِنْ أُمَّتِهِ فِي كِفَّةٍ فَإِذَا أَنَا أَنْظُرُ إِلَى الْأَلْفِ فَوْقِي أُشْفِقُ أَنْ يَخِرَّ عَلَيِّ بَعْضُهُمْ فَقَالَ: لَوْ أَنَّ أُمَّتَهُ وُزِنَتْ بِهِ لَمَالَ بِهِمْ، ثُمَّ انْطَلَقَا فَتَرَكَانِي، وَفَرِقْتُ فَرَقًا شَدِيدًا، ثُمَّ انْطَلَقْتُ إِلَى أُمِّي فَأَخْبَرْتُهَا بِالَّذِي لَقِيتُ فَأَشْفَقَتْ أَنْ يَكُونَ قَدِ الْتُبِسَ بِي.
فَقَالَتْ: أُعِيذُكَ بِاللَّهِ فَرَحَّلَتْ بَعِيرًا لَهَا، وَحَمَلَتْنِي عَلَى الرَّحْلِ، وَرَكِبَتْ خَلَفِي حَتَّى بَلَغْنَا إِلَى أُمِّي فَقَالَتْ أَدَّيْتُ أَمَانَتِي وَذِمَّتِي، وَحَدَّثَتْهَا بِالَّذِي لَقِيتْ فَلَمْ يَرُعْهَا، وَقَالَتْ: إِنِّي رَأَيْتُ خَرَجَ مِنِّي نُورٌ أَضَاءَتْ مِنْهُ قُصُورُ الشَّامِ» . وَرَوَاهُ أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ بَقِيَّةَ بْنِ الْوَلِيدِ بِهِ. وَهَكَذَا رَوَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ وَغَيْرُهُ عَنْ بَقِيَّةَ بْنِ الْوَلِيدِ بِهِ. وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ عَسَاكِرَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي دَاوُدَ الطَّيَالِسِيِّ حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْمَانَ الْقُرَشِيُّ أَخْبَرَنِي عُمَرُ بْنُ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ «سَمِعْتُ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي ذَرٍّ الْغِفَارِيِّ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ عَلِمْتَ أَنَّكَ
نَبِيٌّ حِينَ عَلِمْتَ ذَلِكَ، وَاسْتَيْقَنْتَ أَنَّكَ نَبِيٌّ؟ قَالَ: يَا أَبَا ذَرٍّ أَتَانِي مَلَكَانِ، وَأَنَا بِبَعْضِ بَطْحَاءِ مَكَّةَ فَوَقَعَ أَحَدُهُمَا عَلَى الْأَرْضِ وَكَانَ الْآخَرُ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: أَهْوَ هُوَ؟ قَالَ: هُوَ هُوَ. قَالَ: فَزِنْهُ بِرَجُلٍ فَوُزِنْتُ بِرَجُلٍ فَرَجَحْتُهُ» . وَذَكَرَ تَمَامَهُ وَذَكَرَ شَقَّ صَدْرِهُ وَخِيَاطَتَهُ، وَجَعْلَ الْخَاتَمِ بَيْنَ كَتِفَيْهِ قَالَ فَمَا هُوَ إِلَّا أَنْ وَلَّيَا عَنِّي فَكَأَنَّمَا أُعَايِنُ الْأَمْرَ مُعَايَنَةً. ثُمَّ أَوْرَدَ ابْنُ عَسَاكِرَ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ بِنَحْوِ ذَلِكَ، وَمِنْ حَدِيثِ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ بِأَبْسَطَ مِنْ ذَلِكَ.
وَثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ «، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَتَاهُ جِبْرِيلُ عليه السلام وَهُوَ يَلْعَبُ مَعَ الْغِلْمَانِ فَأَخَذَهُ فَصَرَعَهُ فَشَقَّ عَنْ قَلْبِهِ فَاسْتَخْرَجَ الْقَلْبَ وَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ عَلَقَةً فَقَالَ: هَذَا حَظُّ الشَّيْطَانِ مِنْكَ، ثُمَّ غَسَلَهُ فِي طَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ بِمَاءِ زَمْزَمَ، ثُمَّ لَأَمَهُ ثُمَّ أَعَادَهُ فِي مَكَانِهِ، وَجَاءَ الْغِلْمَانُ يَسْعَوْنَ إِلَى أُمِّهِ - يَعْنِي ظِئْرَهَ - فَقَالُوا: إِنَّ مُحَمَّدًا قَدْ قُتِلَ فَاسْتَقْبَلُوهُ وَهُوَ مُنْتَقِعُ اللَّوْنِ. قَالَ أَنَسٌ: وَقَدْ كُنْتُ أَرَى
أَثَرَ ذَلِكَ الْمِخْيَطِ فِي صَدْرِهِ» وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ عَسَاكِرَ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ عَنْ عَبْدِ رَبِّهِ بْنِ سَعِيدٍ عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ عَنْ أَنَسٍ «أَنَّ الصَّلَاةَ فُرِضَتْ بِالْمَدِينَةِ، وَأَنَّ مَلَكَيْنِ أَتَيَا رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَذَهَبَا بِهِ إِلَى زَمْزَمَ فَشَقَّا بَطْنَهُ فَأَخْرَجَا حَشْوَتَهُ فِي طَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ فَغَسَلَاهُ بِمَاءِ زَمْزَمَ، ثُمَّ كَبَسَا جَوْفَهُ حِكْمَةً وَعِلْمًا» . .
وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَهْبٍ أَيْضًا عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَامِرِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ عَنْ أَنَسٍ «قَالَ أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ثَلَاثَ لَيَالٍ قَالَ: خُذُوا خَيْرَهُمْ وَسَيِّدَهُمْ فَأَخَذُوا رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَعُمِدَ بِهِ إِلَى زَمْزَمَ فَشُقَّ جَوْفُهُ، ثُمَّ أُتِيَ بِتَوْرٍ مِنْ ذَهَبٍ فَغُسِلَ جَوْفُهُ، ثُمَّ مُلِئَ حِكْمَةً وَإِيمَانًا» وَثَبَتَ مِنْ رِوَايَةِ سُلَيْمَانَ بْنِ الْمُغِيرَةِ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ، وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ طَرِيقِ شَرِيكِ بْنِ أَبِي نَمِرٍ عَنْ أَنَسٍ، وَعَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَنَسٍ عَنْ أَبِي ذَرٍّ وَقَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ وَعَنْ مَالِكِ بْنِ صَعْصَعَةَ عَنِ
النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي حَدِيثِ الْإِسْرَاءِ كَمَا سَيَأْتِي قِصَّةُ شَرْحِ الصَّدْرِ لَيْلَتَئِذٍ، وَأَنَّهُ غُسِلَ بِمَاءِ زَمْزَمَ وَلَا مُنَافَاةَ; لِاحْتِمَالِ وُقُوعِ ذَلِكَ مَرَّتَيْنِ; مَرَّةً وَهُوَ صَغِيرٌ، وَمَرَّةً لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ لِيَتَأَهَّبَ لِلْوُفُودِ إِلَى الْمَلَأِ الْأَعْلَى، وَلِمُنَاجَاةِ الرَّبِّ عز وجل وَالْمُثُولِ بَيْنَ يَدَيْهِ تبارك وتعالى.
وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ لِأَصْحَابِهِ «أَنَا أَعْرَبُكُمْ أَنَا قُرَشِيٌّ، وَاسْتُرْضِعْتُ فِي بَنِي سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ» وَذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ أَنَّ حَلِيمَةَ لَمَّا أَرْجَعَتْهُ إِلَى أُمِّهِ بَعْدَ فِطَامِهِ، مَرَّتْ بِهِ عَلَى رَكْبٍ مِنَ النَّصَارَى فَقَامُوا إِلَيْهِ عليه الصلاة والسلام فَقَلَّبُوهُ، وَقَالُوا: إِنَّا سَنَذْهَبُ بِهَذَا الْغُلَامِ إِلَى مَلِكِنَا فَإِنَّهُ كَائِنٌ لَهُ شَأْنٌ فَلَمْ تَكَدْ تَنْفَلِتُ مِنْهُمْ إِلَّا بَعْدَ جَهْدٍ. وَذَكَرَ أَنَّهَا لَمَّا رَدَّتْهُ حِينَ تَخَوَّفَتْ عَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ أَصَابَهُ عَارِضٌ فَلَمَّا قَرُبَتْ مِنْ مَكَّةَ افْتَقَدَتْهُ فَلَمْ تَجِدْهُ فَجَاءَتْ جَدَّهُ عَبْدَ الْمُطَّلِبِ فَخَرَجَ هُوَ وَجَمَاعَةٌ فِي طَلَبِهِ فَوَجَدَهُ وَرَقَةُ بْنُ نَوْفَلٍ، وَرَجُلٌ آخَرُ مِنْ قُرَيْشٍ فَأَتَيَا بِهِ جَدَّهُ فَأَخَذَهُ عَلَى عَاتِقِهِ وَذَهَبَ فَطَافَ بِهِ يُعَوِّذُهُ وَيَدْعُو لَهُ، ثُمَّ رَدَّهُ إِلَى أُمِّهِ آمِنَةَ.
وَذَكَرَ الْأُمَوِيُّ مِنْ طَرِيقِ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْوَقَّاصِيِّ - وَهُوَ ضَعِيفٌ - عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ قِصَّةَ مَوْلِدِهِ عليه الصلاة والسلام، وَرَضَاعِهِ مِنْ حَلِيمَةَ عَلَى غَيْرِ سِيَاقِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ. وَذَكَرَ أَنَّ عَبْدَ الْمُطَّلِبِ أَمَرَ ابْنَهُ عَبْدَ اللَّهِ أَنْ يَأْخُذَهُ فَيَطُوفَ بِهِ فِي أَحْيَاءِ الْعَرَبِ لِيَجِدَ لَهُ مُرْضِعَةً فَطَافَ حَتَّى اسْتَأْجَرَ حَلِيمَةَ عَلَى رَضَاعِهِ، وَذَكَرَ أَنَّهُ أَقَامَ عِنْدَهَا سِتَّ سِنِينَ
تُزِيرُهُ جَدَّهُ فِي كُلِّ عَامٍ فَلَمَّا كَانَ مِنْ شَقِّ صَدْرِهِ عِنْدَهُمْ مَا كَانَ رَدَّتْهُ إِلَيْهِمْ فَأَقَامَ عِنْدَ أُمِّهِ حَتَّى كَانَ عُمُرُهُ ثَمَانِي سِنِينَ مَاتَتْ فَكَفَلَهُ جَدُّهُ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ فَمَاتَ وَلَهُ عليه الصلاة والسلام عَشْرُ سِنِينَ فَكَفَلَهُ عَمَّاهُ شَقِيقَا أَبِيهِ الزُّبَيْرُ، وَأَبُو طَالِبٍ فَلَمَّا كَانَ لَهُ بِضْعَ عَشْرَةَ سَنَةً خَرَجَ مَعَ عَمِّهِ الزُّبَيْرِ إِلَى الْيَمَنِ فَذَكَرَ أَنَّهُمْ رَأَوْا مِنْهُ آيَاتٍ فِي تِلْكَ السَّفْرَةِ مِنْهَا; أَنَّ فَحْلًا مِنَ الْإِبِلِ كَانَ قَدْ قَطَعَ بَعْضَ الطَّرِيقِ فِي وَادٍ، مَمَرُّهُمْ عَلَيْهِ، فَلَمَّا رَأَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بَرَكَ حَتَّى حَكَّ بِكَلْكَلِهِ الْأَرْضَ فَرَكِبَهُ عليه الصلاة والسلام، وَمِنْهَا أَنَّهُ خَاضَ بِهِمْ سَيْلًا عَرَمْرَمًا فَأَيْبَسَهُ اللَّهُ تَعَالَى حَتَّى جَاوَزُوهُ، ثُمَّ مَاتَ عَمُّهُ الزُّبَيْرُ، وَلَهُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً فَانْفَرَدَ بِهِ أَبُو طَالِبٍ.
وَالْمَقْصُودُ أَنَّ بَرَكَتَهُ عليه الصلاة والسلام حَلَّتْ عَلَى حَلِيمَةَ السَّعْدِيَّةِ وَأَهْلِهَا وَهُوَ صَغِيرٌ، ثُمَّ عَادَتْ عَلَى هَوَازِنَ بِكَمَالِهِمْ فَوَاضِلُهُ حِينَ أَسَرَهُمْ بَعْدَ وَقْعَتِهِمْ وَذَلِكَ بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ بِشَهْرٍ فَمَتُّوا إِلَيْهِ بِرَضَاعِهِ فَأَعْتَقَهُمْ، وَتَحَنَنَّ عَلَيْهِمْ، وَأَحْسَنَ إِلَيْهِمْ، كَمَا سَيَأْتِي مُفُصَّلًا فِي مَوْضِعِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ: فِي وَقْعَةِ هَوَازِنَ: عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِحُنَيْنٍ فَلَمَّا أَصَابَ مِنْ
أَمْوَالِهِمْ وَسَبَايَاهُمْ، أَدْرَكَهُ وَفْدُ هَوَازِنَ بِالْجِعْرَانَةِ وَقَدْ أَسْلَمُوا فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا أَصْلٌ وَعَشِيرَةٌ، وَقَدْ أَصَابَنَا مِنَ الْبَلَاءِ مَا لَمْ يَخْفَ عَلَيْكَ فَامْنُنْ عَلَيْنَا مَنَّ اللَّهُ عَلَيْكَ، وَقَامَ خَطِيبُهُمْ زُهَيْرُ بْنُ صُرَدٍ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ مَا فِي الْحَظَائِرِ مِنَ السَّبَايَا خَالَاتُكَ، وَحَوَاضِنُكَ اللَّاتِي كُنَّ يَكْفُلْنَكَ فَلَوْ أَنَّا مَلَحْنَا ابْنَ أَبِي شَمِرٍ أَوِ النُّعْمَانَ بْنَ الْمُنْذِرِ، ثُمَّ أَصَابَنَا مِنْهُمَا مِثْلَ الَّذِي أَصَابَنَا مِنْكَ رَجَوْنَا عَائِدَتَهُمَا، وَعَطْفَهُمَا، وَأَنْتَ خَيْرُ الْمَكْفُولِينَ. ثُمَّ أَنْشَدَ:
امْنُنْ عَلَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ فِي كَرَمٍ
…
فَإِنَّكَ الْمَرْءُ نَرْجُوهُ وَنَدَّخِرُ
امْنُنْ عَلَى بَيْضَةٍ قَدْ عَاقَهَا قَدَرٌ
…
مُمَزَّقٌ شَمْلُهَا فِي دَهْرِهَا غِيَرُ
أَبْقَتْ لَنَا الدَّهْرَ هُتَّافًا عَلَى حَزَنٍ
…
عَلَى قُلُوبِهُمُ الْغَمَّاءُ وَالْغُمَرُ
إِنْ لَمْ تَدَارَكْهَا نَعْمَاءُ تَنْشُرُهَا
…
يَا أَرْجَحَ النَّاسِ حِلْمًا حِينَ يُخْتَبَرُ
امْنُنْ عَلَى نِسْوَةٍ قَدْ كُنْتَ تَرْضَعُهَا
…
إِذْ فُوكَ يَمْلَؤُهُ مِنْ مَحْضِهَا دِرَرُ
امْنُنْ عَلَى نِسْوةٍ قَدْ كُنْتَ تَرْضَعُهَا
…
وَإِذْ يُرِينَكَ مَا تَأْتِي وَمَا تَذَرُ
لَا تَجْعَلَنَّا كَمَنْ شَالَتْ نَعَامَتُهُ
وَاسْتَبْقِ مِنَّا فَإِنَّا مَعْشَرٌ زُهُرُ
…
إِنَّا لَنَشْكُرُ لِلنُّعْمَى وَإِنْ كُفِرَتْ
وَعِنْدَنَا بَعْدَ هَذَا الْيَوْمِ مُدَّخَرُ
وَقَدْ رُوِيَتُ هَذِهِ الْقِصَّةُ مِنْ طَرِيقِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ رُمَاحِسٍ الْكَلْبِيِّ الرَّمْلِيِّ عَنْ زِيَادِ بْنِ طَارِقٍ الْجُشَمِيِّ عَنْ أَبِي صُرَدٍ زُهَيْرِ بْنِ جَرْوَلٍ - وَكَانَ رَئِيسَ قَوْمِهِ - قَالَ: لَمَّا أَسَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَوْمَ حُنَيْنٍ فَبَيْنَا هُوَ يُمَيِّزُ بَيْنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَثَبَتَ حَتَّى قَعَدْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَأَسْمَعْتُهُ شِعْرًا أَذْكُرُهُ حِينَ شَبَّ، وَنَشَأَ فِي هَوَازِنَ حَيْثُ أَرْضَعُوهُ:
امْنُنْ عَلَيْنِا رَسُولَ اللَّهِ فِي دَعَةٍ
…
فَإِنَّكَ الْمَرْءُ نَرْجُوهُ وَنَنْتَظِرُ
امْنُنْ عَلَى بَيْضَةٍ قَدْ عَاقَهَا قَدَرٌ
…
مُمَزَّقٍ شَمْلُهَا فِي دَهْرِهَا غِيَرُ
أَبْقَتْ لَنَا الْحَرْبُ هُتَّافًا عَلَى حَزَنٍ
…
عَلَى قُلُوبِهُمُ الْغَمَّاءُ وَالْغُمَرُ
إِنْ لَمْ تَدَارَكْهَا نَعْمَاءُ تَنْشُرُهَا
…
يَا أَرْجَحَ النَّاسِ حِلْمًا حِينَ يُخْتَبَرُ
امْنُنْ عَلَى نِسْوَةٍ قَدْ كُنْتَ تَرْضَعُهَا
…
إِذْ فُوكَ تَمْلَؤُهُ مِنْ مَحْضِهَا الدِّرَرُ
إِذْ أَنْتَ طِفْلٌ صَغِيرٌ كُنْتَ تَرْضَعُهَا
…
وَإِذْ يُرِينَكَ مَا تَأْتِي وَمَا تَذَرُ
لَا تَجْعَلَنَّا كَمَنْ شَالَتْ نَعَامَتُهُ
وَاسْتَبْقِ مِنَّا فَإِنَّا مَعْشَرٌ زُهُرُ
…
إِنَّا لَنَشْكُرُ لِلنُّعْمَى وَإِنْ كُفِرَتْ
وَعِنْدَنَا بَعْدَ هَذَا الْيَوْمِ مُدَّخَرُ
…
فَأَلْبِسِ الْعَفْوَ مَنْ قَدْ كُنْتَ تَرْضَعُهُ
مِنْ أُمَّهَاتِكَ إِنَّ الْعَفْوَ مُشْتَهَرُ
…
إِنَّا نُؤَمِّلُ عَفْوًا مِنْكَ تُلْبِسُهُ
هَذِي الْبَرِيَّةَ إِذْ تَعْفُو وَتَنْتَصِرُ
…
فَاغْفِرْ عَفَا اللَّهُ عَمَّا أَنْتَ رَاهِبُهُ
يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِذْ يُهْدَى لَكَ الظَّفَرُ
قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «أَمَّا مَا كَانَ لِي وَلِبَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَهُوَ لِلَّهِ وَلَكُمْ» . فَقَالَتِ الْأَنْصَارُ: وَمَا كَانَ لَنَا لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ صلى الله عليه وسلم. وَسَيَأْتِي أَنَّهُ عليه الصلاة والسلام أَطْلَقَ لَهُمُ الذُّرِّيَّةَ، وَكَانَتْ سِتَّةَ آلَافٍ مَا بَيْنَ صَبِيٍّ وَاِمْرَأَةٍ، وَأَعْطَاهُمْ أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا حَتَّى قَالَ أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ فَارِسَ: فَكَانَ قِيمَةَ مَا أَطْلَقَ لَهُمْ يَوْمَئِذٍ خَمْسَمِائَةِ أَلْفِ أَلْفِ دِرْهَمٍ. فَهَذَا كُلُّهُ مِنْ بَرَكَتِهِ الْعَاجِلَةِ فِي الدُّنْيَا فَكَيْفَ بِبَرَكَتِهِ عَلَى مَنِ اتَّبَعَهُ فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ.