المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌باب الشهادات هي جمع شهادة، وهي مصدر شهد يشهد، جمع المصدر - البدر التمام شرح بلوغ المرام ت الزبن - جـ ١٠

[الحسين بن محمد المغربي]

الفصل: ‌ ‌باب الشهادات هي جمع شهادة، وهي مصدر شهد يشهد، جمع المصدر

‌باب الشهادات

هي جمع شهادة، وهي مصدر شهد يشهد، جمع المصدر لما أريد به أنواع الشهادات. قال الجوهري (1): الشهادة خبر قاطع، والمشاهدة المعاينة، مأخوذة من الشهود، أي: الحضور؛ لأن الشاهد مشاهد لما غاب عن غيره. وقيل: مأخوذة من الإعلام.

1169 -

عن زيد بن خالد الجهني رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ألا أخبركم بخير الشهداء؟ الذي يأتي بشهادته قبل أن يسألها". رواه مسلم (2).

الحديث فيه دلالة على أن الأفضل للشاهد أن يأتي بشهادته قبل أن يسأله من له الشهادة أن يشهد له، وظاهر هذا معارض لحديث عمران المذكور عقيب هذا، فإنه جعل الشهادة قبل أن يستشهد من صفات الذم للآتين بعد القرون التي فيها الخير.

واختلف العلماء في الترجيح فجنح ابن عبد البر (3) إلى ترجيح حديث زيد بن خالد؛ لكونه من رواية أهل المدينة، فقدمه على رواية أهل العراق، وبالغ فزعم أن حديث عمران لا أصل له، وجنح غيره إلى ترجيح حديث عمران؛ لاتفاق "الصحيحين" على إخراجه، وحديث زيد من أفراد مسلم،

(1) الصحاح (ش هـ د).

(2)

مسلم، كتاب الأقضية، باب بيان خير الشهود 3/ 1344 ح 1719.

(3)

التمهيد 17/ 298 - 300.

ص: 37

وذهب آخرون إلى الجمع بينهما، وأجابوا بأجوبة في الجمع (أ)؛ أحدها: أن المراد بحديث زيد أنه إذا كان عند الشاهد شهادة بحق لا يعلم بالشهادة صاحب الحق فيأتي إليه فيخبره بها، أو يموت صاحبها العالم بها ويخلف ورثة فيأتي الشاهد إليهم أو إلى من يتحدث عنهم فيعلمهم بذلك. وهذا أحسن الأجوبة، وقد أجاب به يحيى بن سعيد شيخ مالك ومالك وغيرهما.

الثاني: المراد به شهادة الحسبة، وهي ما لا تتعلق بحقوق الآدميين المختصة بهم (ب) محضًا، ويدخل في الحسبة ما يتعلق بحق الله أو ما فيه شائبة؛ كالعتاق والوقف والوصية العامة والعدة والطلاق والحدود ونحو ذلك، وحديث عمران مراد به الشهادة في حقوق الآدميين المحضة.

الثالث: أن المراد بقوله: "أن يأتي بالشهادة قبل أن يسألها". هو المبالغة في الإجابة، فيكون لقوة استعداده كالذي أتى بها قبل أن يُسألها، كما يقال في حق الجواد: إنه ليعطي قبل الطلب.

وهذه الأجوبة مبنية على أن الشهادة عند الحاكم لا تصح أن تؤدى قبل أن يطلبها صاحب الحق. وذهب البعض إلى جواز أداء الشهادة قبل السؤال على ظاهر عموم حديث زيد، وتأول حديث عمران بتأويلات؛ أحدها: أنه محمول على شهادة الزور، أي يؤدون شهادة لم يسبق لهم تحملها، وهذا حكاه الترمذي (1) عن بعض أهل العلم. ثانيها: المراد بها الشهادة في الحلف،

(أ) في ب: الجميع.

(ب) في جـ: لهم.

_________

(1)

الترمذي 4/ 476 عقب ح 2302.

ص: 38

والمراد أن يأتي بالشهادة بلفظ الحلف بأن يقول الرجل: أشهد بالله ما كان إلا كذا. وهذا جواب الطحاوي (1). ثالثها: أن المراد الشهادة على ما لا يعلم ما سيكون من الأمور المستقبلة، فيشهد على قوم بأنهم من أهل النار، وعلى قوم بأنهم من أهل الجنة، بغير دليل، كما يصنع ذلك أهل الأهواء. حكاه الخطابي (2). رابعها: أن ينتصب شاهدًا وليس من أهل الشهادة. خامسها: أن يتسارع إلى الشهادة وصاحبها يعلم أنه شاهد له من قبل أن يسأله. والله أعلم.

1170 -

وعن عمران بن حصين رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن خيركم قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يكون قوم يشهدون ولا يستشهدون، ويخونون ولا يؤتمنون، وينذرون ولا يوفون، ويظهر فيهم السِّمَن". متفق عليه (3).

قوله: "إن خيركم قرني". القرن أهل زمان واحد متقارب اشتركوا في أمر من الأمور المقصودة، ويقال: إن ذلك مخصوص بما إذا اجتمعوا في زمن [نبي](أ) أو رئيس يجمعهم على ملة أو مذهب أو عمل، ويطلق القرن على

(أ) ساقطة من: ب، جـ. والمثبت من الفتح 7/ 5.

_________

(1)

شرح معاني الآثار 4/ 152.

(2)

معالم السنن 4/ 168.

(3)

البخاري، كتاب الشهادات، باب لا يشهد على شهادة جور إذا أشهد 5/ 258 ح 2651، ومسلم، كتاب فضائل الصحابة، باب فضل الصحابة ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم 4/ 1964 ح 2535/ 214.

ص: 39

مدة من الزمان، واختلفوا في تحديدها من عشرة أعوام (أإلى مائة أ) وعشرين. قال المصنف (1) رحمه الله تعالى: إنه لم ير من صرح بالتسعين ولا بمائة وعشرة، وما عدا ذلك فقد قال به قائل. وذكر في "القاموس"(2) إطلاقه من العشرة إلى مائة وعشرين، ولم يذكر فيها التسعين، ورجح الإطلاق على المائة، وذكر الجوهري (3) الثلاثين والثمانين، وقد وقع في حديث عبد الله بن (ب) بسر عند مسلم (4) ما يدل على أن القرن مائة. وقال صاحب "المطالع" (5): القرن أمة هلكت فلم يبق منهم أحد. ولم يذكر صاحب "المحكم"(6) الخمسين، وذكر من عشر إلى تسعين (7)، وهو القدر المتوسط من أعمار (جـ) أهل كل زمن، وهذا أعدل الأقوال، وبه صرح ابن الأعرابي وقال: إنه مأخوذ من الأقران.

والمراد بقرن النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث الصحابة، وفي صفة النبي صلى الله عليه وسلم

(أ- أ) ساقطة من: جـ.

(ب) في جـ: بشر.

(جـ) في جـ: أعمال.

_________

(1)

الفتح 7/ 5. وذكر السبعين بدل التسعين.

(2)

القاموس المحيط (ق ر ن).

(3)

الصحاح (ق ر ن).

(4)

الحديث عند أحمد 4/ 189، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني ح 1337، والحاكم 2/ 549، 4/ 500، والبيهقي في الدلائل 6/ 503. وليس عند مسلم وينظر المجمع 9/ 405.

(5)

ينظر مشارق الأنوار 2/ 179.

(6)

المحكم 6/ 222 (ق ر ن).

(7)

كذا ذكر المصنف نقلا عن الحافظ في الفتح لكن فيه "سبعين"، والذي في المحكم أنه لم يذكر الأربعين والخمسين، وذكر من عشر إلى ثمانين، وقال: وهو مقدار التوسط في أعمار أهل الزمان.

ص: 40

قوله: "وبعثت من خير قرون بني آدم"(1). وفي رواية بريدة عند أحمد (2): "خير هذه الأمة القرن الذي بعثت فيهم". وقد ظهر أن الذي بين البعثة وآخر من مات من الصحابة مائة سنة وعشرون سنة أو دونها أو فوقها بقليل على الاختلاف في وفاة أبي الطفيل، وإن اعتبر ذلك بعد وفاته صلى الله عليه وسلم فيكون مائة سنة أو تسعين أو سبعا وتسعين. وأما قرن التابعين فإن اعتبر من سنة مائة كان نحو سبعين أو ثمانين، وأما الذين بعدهم فإن اعتبر منها كان نحوًا من خمسين، فظهر بذلك أن مدة القرن تختلف باختلاف أعمار أهل كل زمان، والله أعلم. واتفق أن آخر من كان من أتباع التابعين ممن يقبل قوله من عاش إلى حدود العشرين ومائتين، وفي هذا الوقت ظهرت البدع ظهورًا فاشيًا وتغيرت الأحوال تغيرًا شديدًا ولم يزل الأمر في نقص إلى الآن.

وقوله: "ثم الذين يلونهم". أي القرن الذي بعدهم وهم التابعون. "ثم الذين يلونهم". وهم أتباع التابعين، وهذا يقضي بأن الصحابة أفضل من التابعين، وأن التابعين أفضل من أتباعهم، وظاهر التفضيل أنه بالنظر إلى كل فرد فرد، وقد ذهب إلى هذا الجمهور، وذهب ابن عبد البر (3) إلى أن التفضيل إنما هو بالنسبة إلى مجموع الصحابة، فإنهم أفضل ممن بعدهم لا كل فرد منهم، واحتج على ذلك بقوله صلى الله عليه وسلم:"مثل أمتي مثل المطر لا يدرى خير أوله أم آخره". وهو حديث حسن له طرق قد يرتقي بها إلى الصحة،

(1) أحمد 2/ 417، والبخاري 6/ 566 ح 3557.

(2)

أحمد 5/ 357.

(3)

التمهيد 20/ 251، 252.

ص: 41

وإن كان النووي في "فتاويه" نسبه إلى "مسند أبي يعلى"(1) من حديث أنس بإسناد ضعيف، وغفل عن رواية الترمذي (2) له بإسناد أقوى منه من حديث أنس أيضًا، وصححه ابن حبان (3) من حديث عمار، ويقويه ما أخرجه ابن أبي شيبة (4) من حديث عبد الرحمن بن جبير بن نُفَيْر أحد التابعين بإسناد حسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ليدركن المسيح أقوامًا إنهم لمثلكم أو خير -ثلاثا- ولن يخزي الله أمة أنا أولها والمسيح آخرها". وأخرج أبو داود والترمذي (5) من حديث ثعلبة رفعه: "تأتي أيام للعامل فيهن أجر خمسين". قيل: منهم أو منا يا رسول الله؟ قال: "بل منكم". واحتج ابن عبد البر (6) أيضًا بحديث عمر رفعه: "أفضل الخلق إيمانًا قوم في أصلاب الرجال يؤمنون بي ولم يروني". أخرجه الطيالسي (7) وغيره لكن إسناده ضعيف فلا حجة فيه. وروى أحمد والدارمي والطبراني (8) من حديث أبي جمعة قال: قال أبو عبيدة: يا رسول الله، أحد خير منا؟ أسلمنا معك وجاهدنا معك. قال:"قوم يكونون من بعدكم، يوُمنون بي ولم يروني". وإسناده حسن، وقد صححه الحاكم (9)، واحتج من حيث القياس بأن السبب في كون القرن

(1) أبو يعلى 6/ 190، 191، 380 ح 3475، 3717.

(2)

الترمذي 5/ 140 ح 2869.

(3)

ابن حبان 16/ 209، 210 ح 7226.

(4)

ابن أبي شيبة 5/ 299.

(5)

أبو داود 4/ 121 ح 4341، والترمذي 5/ 240 ح 3058.

(6)

التمهيد 20/ 248.

(7)

الطيالسي -كما في التمهيد 20/ 248 - والعقيلي 4/ 238.

(8)

أحمد 4/ 106، والدارمي 2/ 308، والطبراني 4/ 26، 27 ح 3537.

(9)

الحاكم 4/ 85.

ص: 42

الأول خير القرون، أنهم كانوا غرباء في إيمانهم؛ لكثرة الكفار، وصبرهم على أذاهم، وتمسكهم بدينهم. قال: فكذلك أواخرهم إذا أقاموا الدين وتمسكوا به وصبروا على الطاعة حين ظهرت المعاصي والفتن -كانوا أيضًا غرباء، وزكت أعمالهم في ذلك كما زكت أعمال أولئك، شهد له ما رواه مسلم (1) عن أبي هريرة رفعه:"بدأ الإِسلام غريبًا وسيعود غريبًا كما بدأ، فطوبى للغرباء". وأجيب عليه بالآيات الواضحة النيرة والأحاديث الصحيحة كحديث "الصحيحين"(2): "لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبًا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه". و [هكذا](أ) حديث عمران وغيرهما من الأحاديث المصرحة بأفضلية الصحابة على غيرهم، واستثنى ابن عبد البر (3) أهل بدر والحديبية؛ فقال بأفضليتهم على غيرهم، وجمع الجمهور بين الأحاديث بأن الصحبة لها فضيلة ومزية لا يوازيها (ب) شيء من الأعمال؛ فلمن صحب النبي صلى الله عليه وسلم فضيلتها وإن قصر عمله وأجره باعتبار الاجتهاد في العبادة، وتكون خيرية مَن سيأتي من المذكورين باعتبار كثرة الأجر بالنظر إلى ثواب الأعمال، وهذا قد يكون في حق بعض من الصحابة، وأما مشاهير الصحابة فإنهم حازوا مراتب السبق في كل نوع من أنواع الخير،

(أ) في ب، جـ: هذا. والمثبت يقتضيه السياق.

(ب) في ب: يوازنها.

_________

(1)

مسلم 1/ 130 ح 145/ 232.

(2)

البخاري 7/ 21 ح 3673، ومسلم 4/ 1967 ح 2540/ 221.

(3)

التمهيد 20/ 255.

ص: 43

وبهذا يحصل الجمع بين الأحاديث، وأيضًا فإن المفاضلة بين الأعمال بالنظر إلى الأعمال المتساوية في النوع، وفضيلة الصحبة مختصة بالصحابة لم يكن فيمن عداهم شيء من ذلك النوع، وأما حديث أبي جمعة فلم تتفق الرواة (أ) على لفظه؛ فقد رواه بعضهم بلفظ الخيرية، ورواه بعضهم بلفظ: قلنا: يا رسول الله، هل مِن قوم أعظم منا أجرًا؟ الحديث. أخرجه الطبراني (1)، وإسناد هذه الرواية أقوى من إسناد الرواية المتقدمة، وأجاب النووي عن حديث:"مثل أمتي مثل المطر". بما حاصله أن المراد ممن يشتبه عليه الحال في ذلك من أهل الزمان الذين يدركون عيسى بن مريم عليه السلام ويرون ما في زمانه من الخير والبركة وانتظام كلمة الإِسلام ودحض أمر الكفر، فيشتبه الحال على مَن (ب) شاهد ذلك أي الزمانين خير. وهذا الاشتباه مندفع بصريح قوله صلى الله عليه وسلم:"خير القرون قرني (جـ) ".

وذكر في حديث عمران قرنين (هـ) بعده، وكذا في حديث عائشة عند مسلم (2)، وكذا عند الطبراني وسمويه (و)(3) من حديث بلال بن سعد عن

(أ) في جـ: الرواية.

(ب) في جـ: ما.

(جـ) ساقط من: جـ.

(د) زاد بعده في ب، جـ: هذا. وبحذفها يستقيم السياق.

(هـ) في جـ: قرني.

(و) في جـ: ميمونه.

_________

(1)

الطبراني 4/ 28 ح 3541.

(2)

مسلم 4/ 1965 ح 2536.

(3)

الطبراني 6/ 54 ح 5460، وفوائد سمويه ص 76 ح 60.

ص: 44

أبيه، وكذا من حديث عمر عند الطيالسي (1)، ووقع في حديث جعدة بن هبيرة عند ابن أبي شيبة والطبراني (2) إثبات ثلاثة بعد قرن النبي صلى الله عليه وسلم، ورجاله ثقات، إلا أن جعدة مختلف في صحبته، ووقع في رواية البخاري (3) لحديث عمران شك؛ قال: فلا أدري ذكر بعد قرنه قرنين أو ثلاثة. ووقع مثل هذا الشك في حديث ابن مسعود وأبي هريرة عند مسلم (4)، وفي حديث بريدة عند أحمد (5).

وقوله: "ثم يكون بعدهم قوم". إلخ. ظاهر هذا أنه (أ) لم يكن في القرون الثلاثة من يتصف بهذه الصفات، والظاهر في القرنين بعد الصحابة أنه قد كان فيهم من هو متصف بالصفات المذمومة، ولكن هذا بحسب الأغلب. وقد استدل بهذا الحديث على تعديل القرون الثلاثة وإن تفاوتت منازلهم في الفضل، ولكنه محمول على الأغلب.

وقوله: "يخونون". بالخاء المعجمة والواو، مشتق من الخيانة، وهو كذا في جميع نسخ البخاري، وزعم ابن حزم (6) أنه وقع في نسخته:

(أ) زاد في جـ: إذا.

_________

(1)

الطيالسي 1/ 36، 37 ح 32.

(2)

ابن أبي شيبة 12/ 176، والطبراني 2/ 320 ح 2187.

(3)

البخاري 5/ 58 ح 2651.

(4)

مسلم 4/ 1963، 1964 ح 2533/ 212، 2534/ 213.

(5)

أحمد 5/ 350.

(6)

المحلى 1/ 34، 35.

ص: 45

"يحربون (أ) ". بسكون الحاء المهملة وبالراء بعدها باء موحدة، قال: فإن كان محفوظًا فهو من قولهم: حَرَبه يَحربه. إذا أخذ ماله (ب) وتركه بلا شيء، ورجل محروب أي مسلوب.

وقوله: "ولا يؤتمنون". من الأمانة، أي: لا يثق الناس بهم ولا يعتقدونهم أمناء. بأن تكون خيانتهم ظاهرة بحيث لا يبقى للناس اعتماد عليهم. ووقع في أكثر نسخ مسلم: "ولا يُتَّمنون". بتشديد التاء الفوقانية مثل قراءة ابن مُحَيْصن: (فليؤد الذي اتُّمن) بالإدغام (1).

وقوله: "وينذرون". بفتح أوله وكسر الذال المعجمة وضمها، تقدم الكلام على النذر (2).

وقوله: "ويظهر فيهم السِّمَن". بكسر السين المهملة وفتح الميم بعدها نون، أي: يحبون التوسع في المآكل والمشارب. وهي أسباب السمن، والمراد ذم من قصد إلى حصوله لا من خلق كذلك. وقيل: أراد كثرة المال. وقيل: إنهم يتسمنون. أي يتكثرون (جـ) بما ليس فيهم، ويدعون ما ليس لهم من الشرف، وقد جاء في حديث الترمذي (3) عن عمران بن حصين بلفظ:

(أ) في جـ: يخونون.

(ب) ساقط من: جـ.

(جـ) في جـ: يتكبرون.

_________

(1)

مختصر الشواذ لابن خالويه ص 25.

(2)

تقدم ص تحت حديث 1148.

(3)

الترمذي 4/ 475، 476 ح 2302.

ص: 46

"ثم يجيء قوم يتسمنون ويحبون السمن". فجمع بين السمن أي التكثر (أ) بما ليس عنده وتعاطي أسباب السمن الحقيقي.

1171 -

وعن عبد الله بن عمرو (ب) رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تجوز شهادة خائن ولا خائنة، ولا ذي غِمْر على أخيه، ولا تجوز شهادة القانع لأهل البيت". رواه أحمد وأبو داود (1).

أخرجه أبو داود من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، ولفظ أبي داود: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رد شهادة الخائن والخائنة. الحديث. وأخرج الحديث ابن ماجه والبيهقي (2) أيضًا، وسنده قوي، وساقه في "البدر المنير"(3) من خمس طرق عن عمرو بن شعيب، وأخرجه الترمذي والدارقطني والبيهقي (4) من حديث عائشة بلفظ:"لا تجوز شهادة خائن ولا خائنة، ولا ذي غِمر لأخيه، ولا ظنين [في ولاءٍ] (جـ) ولا قرابة". وفيه يزيد بن زياد الشامي الواسطي، وهو ضعيف (5)، وقال الترمذي (6): لا يعرف هذا من حديث الزهري إلا من هذا الوجه، ولا يصح عندنا إسناده. وقال أبو زرعة

(أ) في جـ: التكبر.

(ب) في جـ: عمر.

(جـ) ساقط من: ب، جـ. والمثبت من الترمذي والبيهقي.

_________

(1)

أحمد 2/ 204، وأبو داود، كتاب الأقضية، باب من ترد شهادته 3/ 304، 305 ح 3600.

(2)

ابن ماجه 2/ 792 ح 2366، والبيهقي 10/ 200.

(3)

خلاصة البدر المنير 2/ 439، 440 ح 2902.

(4)

الترمذي 4/ 473 ح 2298، والدارقطني 4/ 243، والبيهقي 10/ 155، 202.

(5)

يزيد بن زياد، أو ابن أبي زياد، القرشي، الدمشقي، متروك. التقريب ص 601، وينظر تهذيب الكمال 32/ 134.

(6)

الترمذي 473 عقب ح 2298.

ص: 47

في "العلل": منكر. وضعفه عبد الحق وابن حزم وابن الجوزي (1)، ورواه الدارقطني والبيهقي (2) من حديث عبد الله بن عُمر، وفيه عبد الأعلى (3)، وهو ضعيف، وشيخه يحيى بن سعيد الفارسي (4)، وهو ضعيف. قال البيهقي (5): لا يصح من هذا شيء عن النبي صلى الله عليه وسلم.

قوله: "الخائن والخائنة". ظاهره الخيانة في الأموال، كخيانة الوديعة، والتطفيف بالكيل والوزن. وقال أبو [عبيد] (أ) (6): لا نراه خص به الخيانة في أمانات الناس دون ما افترض الله على عباده وائتمنهم عليه؛ فإنه قد سمى ذلك أمانة: قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ} (7). فمن ضيع شيئًا مما أمر الله تعالى به أو ركب ما نهى عنه فليس ينبغي أن يكون عدلًا. انتهى.

وقوله: "ولا ذي غِمْر": بكسر الغين المعجمة وسكون الميم بعدها راء مهملة، فسره أبو داود (8) بالحنة، بكسر الحاء المهملة وتخفيف النون

(أ) في ب، جـ: عبيدة. والمثبت من النهاية 2/ 89، واللسان (ح ون).

_________

(1)

علل ابن أبي حاتم 1/ 476، والأحكام الوسطى 3/ 358، والمحلى 10/ 606، والضعفاء والمتروكين 3/ 209.

(2)

الدارقطني 4/ 244، والبيهقي 10/ 155.

(3)

عبد الأعلى بن محمَّد، ضعفه الأزدي، وقال العقيلي: يروى عن يحيى بن سعيد الأنصاري بواطيل لا أصول لها. الضعفاء الكبير 3/ 61، ولسان الميزان 3/ 382.

(4)

يحيى بن سعيد الفارسي التميمي، قال البخاري: منكر الحديث. وقال النسائي: يروي عن الزهري أحاديث موضوعة، متروك الحديث. الكامل لابن عدي 7/ 2652، ولسان الميزان 6/ 259.

(5)

البيهقي 10/ 155.

(6)

غريب الحديث لأبي عبيد 2/ 153.

(7)

الآية 27 من سورة الأنفال.

(8)

أبو داود 3/ 305 عقب ح 3600.

ص: 48

المفتوحة، لغة في الإحْنة، وهو الحقد والشحناء، بالمد، والمراد به العداوة.

وقوله: "على أخيه". المراد به السلم، والمقصود من ذكره التنبيه بأنه لا يحسُن الحقد والعداوة بين المسلمين؛ لأنهم إخوة، وهو بحسب الأغلب، وإلا فالكافر كذلك، لا يصح أن يشهد عليه وبينهما عداوة على سبب غير المخالفة في الدين.

وقوله: "القانع لأهل البيت". المراد به الخادم، والقانع المنقطع إلى خدمتهم ويتبع حوائجهم وموالاتهم عند الحاجة. وتمام الحديث: وأجازها لغيرهم. أي أجاز شهادة القانع لغير أهل البيت.

والعلة في رد شهادة المذكورين المناسبة لشرعية هذا الحكم، هو أن الشهادة مبناها على تحصيل الظن المشهود عنده ليعمل (أ) بمقتضى ما شهدوا به، والخائن غير موثوق بخبره؛ لأنه إذا لم يكن له تقوى تردعه عن ارتكاب محظورات الدين، لم يكن له ما يردعه عن ارتكاب الكذب، فلا يحصل الظن بصدق خبره؛ لأنه مَظِنَّة تهمة، أو مسلوب أهلية الشهادة والإخبار، وكذلك ذو الحقد والشحناء متهم في تحري الصدق؛ لمحبته إنزال الضرر بمن قد حقد عليه، وأما قبول شهادة المسلم على الكافر، وإن كان بينهما عداوة، (ب فهي عداوة دين، وعداوة ب) الدين لا تقضي بأن يشهد عليه زورًا؛ فإن الدين لا يسوغ ذلك، وكذا القانع إذا شهد لمن هو خادم له فهو مَظِنة تهمة؛ لأنه يجلب لنفسه استمرار النفع عند من هو تابع (جـ) له، ويلحق به الوكيل والوصي، فلا تصح شهادتهما فيما لهما فيه التصرف.

والحديث فيه دلالة على اشتراط عدالة الشاهد على وفق قوله تعالى:

(أ) في جـ: ليعلم.

(ب- ب) ساقط من: جـ.

(جـ) في جـ: نافع.

ص: 49

{وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ} (1). فإن الخيانة إذا كانت في مال له خطر فذلك غصب وأكل مال المسلم بغير حق، وكذلك عدم الوفاء بما افترض الله على عباده، إذا كان ذلك مما هو واجب قطعي فهو كبيرة، ومرتكب الكبيرة غير عدل؛ لأن العدالة في عرف الشرع محافظة دينية تحمل على ملازمة التقوى والمروءة، أو ملكة نفسانية تحمل على ملازمة التقوى والمروءة، وهي تُحَقَّق باجتناب الكبائر وعدم الإصرار على الصغائر، واجتناب خصال الخسَّة، وهي ما لا يفعلها أمثاله من أهل زمانه ومكانه. قال الإِمام يحيى والغزالي: فحمل [ذي](أ) المنصب العالي المتاع من السوق إلى بيته لا على وجه المجاهدة لنفسه جرح.

والكافر الصريح الحربي لا تقبل شهادته على المسلم إجماعًا، ولا على كافر مثله أو غيره عند الأكثر، وذهب الحسن البصري وعثمان البتي وحماد وأبو حنيفة وأصحابه إلى أنه تقبل شهادته على كافر ولو خالفه في الاعتقاد؛ إذ الكفر ملة واحدة، وذهب الشعبي وداود والحكم وإسحاق وأبو عبيد (ب) وبعض الهدوية، وهو المبني عليه عند المتأخرين منهم، إلى أنه تقبل على أهل ملته ولا تقبل على غيرهم للعداوة، ولا تقبل [من](أ) الذمي على المسلم إجماعًا في غير الوصية في السفر، وفيها خلاف أبي موسى الأشعري وابن

(أ) ساقط من: ب، جـ. والمثبت يقتضيه السياق.

(ب) في ب: عبيدة.

_________

(1)

الآية 2 من سورة الطلاق.

ص: 50

أبي ليلى وشريح والنخعي وأبو حنيفة وأحمد بن حنبل، وذهب إليه المنصور بالله؛ لقوله تعالى:{أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ} (1).

وأما صاحب البدعة التي تئول بدعته إلى كفر أو فسق عند من يقول بكفر التأويل وفسقه؛ فالجمهور أنه تقبل شهادته وخبره، وكذا فسق التأويل، وفاسق (أالجارحة لا تصح شهادته أ) إجماعًا، للآية الكريمة وهذا الحديث، وإنما كان خصال الخسَّة جرحا؛ لأن ترك المروءة دليل عدم الحياء الذي هو مظنة الجرأة؛ لقوله صلى الله عليه وسلم:"إذا لم تستحي فاصنع ما شئت"(2).

وأما ذو الغِمْر فذهب إلى أن شهادته لا تقبل الهدوية ومالك والشافعي وأحمد؛ لهذا الحديث، وذهب المؤيد بالله وأبو حنيفة إلى أن شهادته تقبل؛ قالوا: لأن العدالة تمنع التهمة. والجواب: السنة منعت وقد صار مظنة تهمة، والنفس طموح.

وأما شهادة القانع فذهب إلى أنها لا تقبل الهادي والقاسم والناصر والشافعي؛ قالوا: لاستغراق منافعه فأشبه العبد، وهو الذي يعبر عنه بالأجير الخاص الذي منافعه مستغرقة لمن تبعه. وأما الأجير المشترك فتصح شهادته فيما لا يتعلق بعمله، والخلاف للمؤيد بالله أنها لا تصح شهادة الأجير مطلقًا، وذلك لما يلحق من التهمة بالمحاباة.

(أ- أ) في جـ: الجرحة.

_________

(1)

الآية 106 من سورة المائدة.

(2)

أحمد 4/ 121، والبخاري 6/ 515 ح 3484.

ص: 51

وأما المحاباة بالقرابة ففيها تفصيل وخلاف مستوفى في الفروع. وكذا بالرق والولاء، فالعبد (أ) لسيده إلا يصح إجماعًا، وأما لغيره ففيه خلاف.

1172 -

وعن أبي هريرة رضي الله عنه، أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"لا تجوز شهادة بدوي على صاحب قرية". رواه أبو داود وابن ماجه (1).

البدوي: هو من سكن البادية، والنسبة على خلاف القياس، والقياس بادوي، ومسكنه المضارب والخيام، وهو غير مقيم في موضع خاص، بل يرتحل من مكان إلى مكان، كذا ذكره ابن رسلان في "شرح سنن أبي داود"، ولم يذكر في "القاموس" ولا في "الضياء" ولا في "النهاية" هذا التفسير. والقرية بفتح القاف وبكسرها: المِصر الجامع، والنسبة إليها قريي، وقروي.

والحديث فيه دلالة على أن شهادة البدوي لا تصح على القروي، وأما على مثله فتصح، وقد ذهب إلى هذا أحمد بن حنبل وجماعة من أصحابه، قال أحمد: أخشى ألا تقبل شهادة البدوي على صاحب القرية لهذا الحديث، ولأنه متهم حيث عدل عن أن يُشهِد قرويًّا وأشهد بدويًّا. وذهب إلى هذا أبو [عبيد](ب)، وكذا قال مالك إلا أنه استثنى الدماء فتقبل فيها

(أ) في جـ: بالعبد.

(ب) في ب، جـ: عبيدة. والمثبت من المغني 14/ 150.

_________

(1)

أبو داود، كتاب الأقضية، باب شهادة البدوي على أهل الأمصار 3/ 305 ح 3602، وابن ماجه، كتاب الأحكام، باب من لا تجوز شهادته 2/ 793 ح 2367.

ص: 52

احتياطًا للدماء، وعلل هذا في "النهاية"(1)، قال: إنما كره شهادة البدوي لما فيه من الجفاء في الدين والجهالة بأحكام الشرع، ولأنهم في الغالب لا يضبطون الشهادة على وجهها. وذهب الأكثر ومنهم الهدوية والشافعي وأبو حنيفة وابن سيرين وأبو ثور، واختاره أبو الخطاب من الحنابلة إلى قبول شهادتهم، وحملوا الحديث على من لم تعرف عدالته من أهل البادية، والغالب عليهم أن عدالتهم غير معروفة. واحتج الإِمام المهدي على ذلك في "البحر" بما ثبت من قبول النبي صلى الله عليه وسلم للأعرابي في شهادة رمضان (2).

1173 -

وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، أنه خطب فقال: إن أناسًا كانوا يؤخذون بالوحي في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإن الوحي قد انقطع، وإنما نأخذكم الآن بما ظهر لنا من أعمالكم. رواه البخاري (3).

الحديث تمامه: فمن أظهر لنا خيرًا أَمِنَّاه وقربناه وليس إلينا (أ) من سريرته شيء، الله يحاسبه في سريرته، ومن أظهر لنا سوءًا لم نأمنه ولم نصدقه وإن قال: إن سريرته حسنة.

فيه دلالة على أنه تقبل شهادة من لم توجد منه ريبة بالنظر إلى ظاهر الحال، وأنه يكفي في التعديل ما يظهر من حال المعدل من الاستقامة من غير كشف عن سريرته؛ لأن ذلك متعذر، وكان في عهد النبي صلى الله عليه وسلم قد يطلع

(أ) في جـ: لنا.

_________

(1)

النهاية 1/ 109.

(2)

أبو داود 2/ 312 ح 2340، والترمذي 3/ 74 ح 691، والنسائي 4/ 132، وابن ماجه 1/ 529 ح 1652 من حديث ابن عباس.

(3)

البخاري، كتاب الشهادات، باب الشهداء العدول 5/ 251 ح 2641.

ص: 53

على معرفة سريرة البعض بالوحي، وقد انقطع الوحي بموته صلى الله عليه وسلم.

وقوله: أَمِنَّاه. بفتح الهمزة وكسر الميم وتشديد النون.

1174 -

وعن أبي بكرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه عد شهادة الزور في أكبر الكبائر. متفق عليه في حديث (1).

الحديث في البخاري قال النبي صلى الله عليه وسلم: "ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ " ثلاثًا. قالوا: بلى يا رسول الله. قال: "الإشراك بالله، وعقوق الوالدين". وجلس وكان متكئًا فقال: "ألا وقول الزور". فما زال يكررها حتى قلنا: ليته سكت.

الحديث فيه دلالة على تعظيم إثم شهادة الزور، والمراد بها أن يشهد الشاهد بما لا يعلمه. قال الثعلبيِ في "تفسيره" (2): أصل الزور تحسين الشيء ووصفه بخلاف صفته، حتى يخيل إلى من سمعه أو رآه أنه بخلاف ما هو به، فهو تمويه الباطل بما يوهم أنه حق، وقد جعلها مساوية للشرك في أنها من أكبر الكبائر. قال النووي (3): وليس هو على ظاهره المتبادر؛ وذلك لأن الشرك أكبر منها بلا شك، وكذلك القتل، فلا بد من تأويله، وفي تأويله ثلاثة أوجه؛ أحدها: الحمل على الكفر، فإن الكافر شاهد بالزور وقائل به. والثاني: الحمل على المستحل ويصير بذلك كافرًا. الثالث: أن التفضيل لها

(1) البخاري، كتاب الشهادات، باب ما قيل في شهادة الزور 5/ 261 ح 2654، ومسلم، كتاب الإيمان، باب بيان الكبائر وأكبرها 1/ 91 ح 87/ 143.

(2)

شرح مسلم 2/ 84.

(3)

شرح مسلم 2/ 87، 88.

ص: 54

بالنظر إلى ما يناظرها في المفسدة، فهي أكبر مما يناظرها في المفسدة، وهي التسبب إلى أكل المال بالباطل، وهذا التأويل هو متعين؛ لأن الحمل على الكفر بعيد؛ فإنه قد ذكر الإشراك بالله، ولأنه خرج مخرج الزجر عن شهادة الزور في الحقوق المالية، وأما قبح الكفر وكونه أكبر الكبائر فذلك معروف ولا يتشكك فيه أحد من أهل القبلة، وظاهر الحديث أنه لا فرق في شهادة الزور بين أن يكون المشهود به حقيرًا أو عظيمًا، وقد يحتمل أن يقال مثل ما تقدم في حد الكبيرة. انتهى كلام النووي مع تصرف فيه.

وفي تمام الحديث تهويل وتحذر؛ فإنه صلى الله عليه وسلم جلس وكان متكئًا، ثم أتى بحرف التنبيه؛ ليلقي الخاطب سمعه لما يُحذر منه، ثم أعاد اللفظ ثلاث مرات، ولعل سبب الاهتمام بذلك كون قول الزور أو شهادة الزور أسهل وقوعًا على اللسان، والتهاون بها أكثر؛ فإن الإشراك ينبو عنه قلب المسلم، والعقوق يصرف عنه حسن الطبع وكرم الخلق، وأما الزور فالحوامل عليه كثيرة؛ كالعداوة والحسد وغيرهما، [فاحتيج](أ) إلى الاهتمام بتعظيمه، ولأن الإشراك مفسدته قاصرة لا (ب) تتعدى إلى غير المشرك القائم به الإشراك، وأما المعبود فهو الغني عن الخلق، له ما في السماوات وما في الأرض، وقول الزور مُتَعدٍّ إلى المقول فيه؛ كما قال تعالى:{وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا} (1). وقد جاء في لفظ في البخاري: "ألا وقول الزور

(أ) في ب، جـ: واحتيج. والمثبت من الفتح 5/ 263.

(ب) ساقطة من: جـ.

_________

(1)

الآية 112 من سورة النساء.

ص: 55

وشهادة الزور" (1). وهو يحتمل أن يكون من عطف الخاص على العام، أو من عطف الشيء على نفسه، زيادة في التحذير.

وقوله: حتى قلنا: ليته سكت. أي شفقة عليه وكراهية لما يزعجه، مما يدل على نكارة الحال وشدتها، وهذا منهم لما كانوا عليه من الأدب معه صلى الله عليه وسلم والمحبة والشفقة عليه.

1175 -

وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لرجل: "ترى الشمس؟ ". قال: نعم. قال: "على مثلها فاشهد أو دع". أخرجه ابن عدي بإسناد ضعيف وصححه الحاكم فأخطأ (2).

الحديث أخرجه أيضًا العقيلي وأبو نعيم في "الحلية" والبيهقي (3) من حديث طاوس عن ابن عباس أنه سئل صلى الله عليه وسلم عن الشهادة فقال للسائل: "ترى الشمس؟ ". قال: نعم. قال: "على مثلها فاشهد أو دع". وفي إسناده محمَّد بن سليمان بن مشمول (أ)(4) ضعفه النسائي (5)، وقال البيهقي: لم يرو من وجه يعتمد عليه.

(أ) في جـ: مشول. وعند النسائي والبيهقي وفي تاج العروس (س م ل): مسمول بالسين، وأكثر ما يذكر في مصادر ترجمته بالسين المهملة.

_________

(1)

البخاري 5/ 261 ح 2654.

(2)

ابن عدي 6/ 2213، والحاكم، كتاب الأحكام 4/ 98.

(3)

محمَّد بن سليمان بن مشمول المشمولي المخزومي، ضعفه أبو حاتم وابن عدي وغيرهما وذكره ابن حبان وابن شاهين في الثقات. الجرح والتعديل 7/ 267، الكامل لابن عدي 6/ 2213، ولسان الميزان 5/ 185.

(4)

العقيلي 4/ 70، وأبو نعيم 4/ 18، والبيهقي 10/ 156.

(5)

الضعفاء والمتروكين للنسائي ص 231.

ص: 56

الحديث فيه دلالة على أنه لا يجوز للشاهد أن يشهد إلا على ما يعلمه علمًا يقينًا كما يعلم الشمس بالمشاهدة، ولا تجوز الشهادة بالظن، فإن كانت الشهادة على فعل فلا بد من رؤية ذلك الفعل، وإن كانت على صوت فلا بد من سماع ذلك الصوت ورؤية المصوِّت، أو التعريف بالمصوِّت بعدلين، أو عدل عند من يكتفي به، إلا في مواضع فيجوز الشهادة بالظن، وبوب البخاري لذلك بقوله: باب الشهادة على الأنساب والرضاع المستفيض، والموت القديم (1)، فعقد هذه الترجمة. وذكر في الباب أربعة أحاديث في إثبات الرضاع، وثبوته إنما هو بالاستفاضة فيها، لم يذكر فيها شهادة على رؤية الرضاع، وأشار بذلك إلى ثبوت النسب، فإنه من لازم الرضاع ثبوت النسب، وأما ثبوت الرضاعة نفسها بالاستفاضة فهي مستفادة من صريح الأحاديث، فإن الرضاعة المذكورة فيها كانت في الجاهلية وكان ذلك مستفيضًا عند من وقع له، وأما الموت القديم فمقيس على الرضاعة. قال ابن المنير (2): واحترز البخاري بالقديم عن الموت الحادث، والمراد بالقديم ما تطاول الزمان عليه، وحدّه بعض المالكية بخمسين سنة. وقيل: بأربعين سنة.

وحد الاستفاضة عند الهدوية شهرة في المحلة تثمر علمًا أو ظنّا، وأقل من يسمع منهم جمع يُؤمَن تواطؤهم على الكذب. وقيل: خمسة. وقيل: أربعة. وقيل: يكفي من عدلين. وقيل: يكفي من عدل واحد إذا سكن القلب إليه. وإنما اكتفي بالشهرة في المذكورة، إذ لا طريق إلى التحقيق

(1) البخاري 5/ 253.

(2)

الفتح 5/ 254.

ص: 57

[بالنسب، لتعذر](أ) التحقيق فيه بحسب الأغلب، والموت يشق فيه التحقيق، ويلحق بما ذكر ما شابهها في هذا الوصف، وقد ذهب العترة والحنفية والشافعية وأحمد إلى العمل بالشهرة في النسب والموت، وفي الولاء العترة وأبو يوسف ومحمد وأحد قولي الشافعي؛ لأن الولاء كالنسب، وذهب أبو حنيفة وأحد قولي الشافعي إلى أنها لا تكفي، وتوقف أبو العباس، وذهب العترة وأبو حنيفة وصاحباه إلى أنها تكفي في النكاح، وذهبت الهدوية إلى أنها تكفي في الوقف والوصية، وذهب المنصور بالله، وكذا في مصرف الوقف والوصية، وذهب العترة وأبو حنيفة ومحمد إلى أنها تكفي في كونه قاضيًا، وذهب الشافعي واختاره الإمام المهدي إلى أنها تكفي في ثبوت الملك وثبوت اليد؛ لتعذر تعين الملك كالنسب، هكذا حكى الخلاف الإمام المهدي في "البحر". وقال المصنف رحمه الله تعالى في "الفتح" (1): اختلف العلماء في ضابط ما تقبل فيه الشهادة بالاستفاضة؛ فتصح عند الشافعية في النسب قطعًا والولادة وفي الموت والعتق والولاء والوقف والولاية والعزل (ب) والنكاح وتوابعه والتعديل والتجريح والوصية والرشد والسَّفَه والملك، على الراجح في جميع ذلك، وبلغها بعض المتأخرين من الشافعية بضعة وعشرين موضعًا، وهي مستوفاة في "قواعد العلائي"، وعن أبي حنيفة: تجوز في النسب والموت والنكاح والدخول وكونه قاضيًا، زاد أبو يوسف الولاء،

(أ) في ب، جـ: فالنسب بتعذر. والمثبت من سبل السلام 4/ 261.

(ب) في ب، جـ: العدل. والمثبت من الفتح 5/ 254.

_________

(1)

الفتح 5/ 254.

ص: 58

ومحمد الوقف. قال صاحب "الهداية"(1): وإنما أجيزا (أ) استحسانًا، وإلا فالأصل أن الشهادة لا بد فيها من المشاهدة. انتهى.

1176 -

وعن ابن عباس رضي الله عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى بيمين وشاهد. أخرجه مسلم وأبو داود والنسائي، وقال: إسناده جيد (2).

وعن أبي هريرة رضي الله عنه مثله. أخرجه أبو داود والترمذي، وصححه ابن حبان (3).

وأخرج حديث ابن عباس الشافعي (4)، وزاد فيه: عن عمرو بن دينار أنه قال: وذلك في الأموال. قال الشافعي: وهذا الحديث ثابت لا يرده أحد من أهل العلم لو لم يكن فيه غيره، مع أن معه غيره مما شده. وقال البزار (5): في الباب أحاديث حسان أصحها حديث ابن عباس. وقال ابن عبد البر (6): لا مطعن لأحد في إسناده. كذا قال، ولكن قد قال عباس الدوري في "تاريخ يحيى بن معين" (7) عنه: ليس بمحفوظ. وقال

(أ) في ب: أجيز.

_________

(1)

الهداية شرح البداية 7/ 388، 389.

(2)

مسلم، كتاب الأقضية، باب القضاء باليمين والشاهد 3/ 1337 ح 1712، وأبو داود، كتاب الأقضية، باب القضاء باليمين والشاهد 3/ 307 ح 3608، والنسائي في الكبرى، كتاب القضاء، باب الحكم باليمين مع الشاهد الواحد 3/ 490 ح 6011.

(3)

أبو داود 3/ 307 ح 3610، والترمذي 3/ 627 ح 1343، وابن حبان، 462 ح 5073.

(4)

الأم 6/ 254، 255.

(5)

كما في التلخيص الحبير 4/ 205.

(6)

التمهيد 2/ 138.

(7)

تاريخ يحيى بن معين 3/ 576.

ص: 59

البيهقي (1): أَعلّه الطحاوي بأنه لا يعلم قيسًا يحدث عن عمرو بن دينار بشيء. قال: وليس ما لا يعلمه الطحاوي لا يعلمه غيره. ثم روى (أ) البيهقي (2) حديث الذي وقصته ناقته عن قيس بن سعد (ب) عن عمرو بن دينار، يعني فقد ثبت روايته عنه، ثم قال البيهقي: وليس من شرط قبول الأخبار كثرة رواية الراوي عمن روى عنه، ثم إذا روى الثقة عمن لا ينكر سماعه منه حديثًا واحدًا، وجب قبوله وإن لم يرو عنه غيره، على أن قيسًا قد تابعه محمد بن مسلم الطائفي عن عمرو بن دينار في رواية عبد الرزاق، أخرجه أبو داود (3). وتابع عبد الرزاق أبو حذيفة، وقال الترمذي في "العلل" (4): سألت محمدًا عن هذا الحديث فقال: لم يسمعه عندي عمرو من ابن عباس. قال الحاكم (5): قد سمع عمرو من ابن عباس عدة أحاديث، وسمع من جماعة من أصحابه، فلا ينكر أن يكون سمع منه حديثًا وسمعه من بعض أصحابه عنه، وأما رواية عصام البلخي وغيره ممن زاد فيه بين عمرو وابن عباس طاوسًا، فهم ضعفاء. قال البيهقي (6): ورواية الثقات لا تعلل

(أ) في جـ: رد.

(ب) في ب، جـ: سعيد. والمثبت من مصدر التخريج. وينظر تهذيب الكمال 24/ 47.

_________

(1)

معرفة السنن والآثار 7/ 401، 402.

(2)

معرفة السنن والآثار 7/ 402.

(3)

أبو داود 3/ 307 ح 3609.

(4)

علل الترمذي الكبير ص 204.

(5)

التلخيص الحبير 4/ 205.

(6)

البيهقي 10/ 168.

ص: 60

برواية الضعفاء. وحديث أبي هريرة أخرجه أيضًا الشافعي (1). وقال ابن أبي حاتم في "العلل" عن أبيه (2): هو صحيح. ورواه البيهقي (3) من حديث مغيرة بن عبد الرحمن عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة. ونقل عن أحمد أن حديث الأعرج ليس في الباب أصح منه (4). وقد أخرج الحديث عن اثنين وعشرين من الصحابة (5)، عمر، وجابر، وسعد بن عبادة، وعمارة بن حزم، وأبو هريرة، وأُبي بن كعب، وزيد بن ثابت، وسُرَّق بن أسد، وعبد الله بن عمرو، وابن عباس، وقضى به علي في العراق، وابن عمر، وأبو سعيد، وعامر بن ربيعة، وسهل بن سعد، والمغيرة بن شعبة، وبلال بن الحارث، ومسلمة بن قيس، وأنس، وتميم الداري، وزُبَيب بن ثعلبة -بضم الزاي وفتح الباء الموحدة ثم مثناة تحت ساكنة ثم باء موحدة، وقيل: زنيب بالنون- وأم سلمة.

الحديث فيه في دلالة على أنه يثبت القضاء بشاهد ويمين، وقد ذهب إليه جماهير من الصحابة والتابعين والأئمة وهم؛ علي وأبو بكر وعمر وعثمان وابن عباس وأُبي وعمر بن عبد العزيز وشُريح والشعبي وربيعة وفقهاء المدينة السبعة والناصر والهدوية ومالك والشافعي؛ لهذه الأحاديث الصحيحة، وذهب زيد بن علي والزهري والنخعي والأوزاعي وابن شُبرمة والثوري

(1) الأم 6/ 255.

(2)

العلل لابن أبي حاتم 1/ 463، 464.

(3)

البيهقي 10/ 169.

(4)

التلخيص الحبير 4/ 192.

(5)

ينظر عمدة القاري 13/ 246، 247.

ص: 61

وأبو حنيفة وأصحابه وجمهور أهل العراق إلى أنه لا يجوز القضاء بشاهد ويمين؛ قالوا: لقوله تعالى: {وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ} (1). وهذا يقتضي الحصر، والزيادة بالشاهد واليمين تخالفه، فإذا اعتبر مفهوم المخالفة كان المعنى: لا بغير ذلك. وزيادة الشاهد واليمين تكون نسخًا لمفهوم المخالفة عند من أثبته، أو على ما أصله الشيخ أبو الحسن الكرخي وأبو عبد الله البصري أن الزيادة باعتبار الشاهد واليمين على ما دلت عليه الآية من الاقتصار على الشاهدين أو الرجل والمرأتين- نسخ للاقتصار، وكذا على قول من قال: إن الزيادة على ما دل عليه (أالنص نسخ أ)؛ لأنها قد رفعت أجزاء المزيد عليه من دونها مطلقًا، سواء كانت الزيادة دالة على زيادة شطر لشيء؛ كزيادة ركعة في الفجر وزيادة التغريب في الحد، أو شرط؛ كزيادة وصف الإيمان في إعتاق رقبة بالإطلاق، وزيادة الطهارة على الطواف، أو رفع مفهوم مخالفة كما في هذا الذي نحن فيه. قالوا: ولا يصح نسخ العلوم بالمظنون، فوجب الاقتصار على ما دلت عليه الآية، وكذا قوله صلى الله عليه وسلم في مخاصمة الأشعث بن قيس:"شاهداك أو يمينه". أخرجه البخاري ومسلم (2). والجواب عن ذلك أن حديث ابن عباس صحيح كما عرفت، وهو متأيد بغيره كما نبهناك عليه، والآية الكريمة إن سلمنا دلالتها على مفهوم المخالفة الذي دلت عليه الآية

(أ- أ) في جـ: التصريح.

_________

(1)

الآية 282 من سورة البقرة.

(2)

البخاري 5/ 280 ح 2669، 2670، ومسلم 1/ 123 ح 138/ 221.

ص: 62

الكريمة فالمفهوم ظني، فلا مانع أن ينسخها الحديث المذكور، وإن كان ظنيًّا فهو من باب نسخ الظني بالظني، وكذا الاقتصار على منطوق الآية ظني، وعلى ما حققه العلامة عضد الملة والدين والمدقق الفهامة سعد الدين رحمهما الله تعالى في "شرح مختصر ابن الحاجب" أنه لا نسخ حينئذٍ، وحاصل ذلك أن المرفوع بحديث الشاهد واليمين إنما هو عدم جواز الحكم به، وقوله تعالى:{وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ} الآية. لم يثبته لا بمنطوقه ولا بمفهوم المخالفة؛ وذلك لأن الآية دلت على حصر طلب الاستشهاد؛ بمعنى أن اللازم رجلان على تقدير الإمكان، ورجل وامرأتان على تقدير التعذر، فإن منع المفهوم كما هو رأي الحنفية فلا نسخ، وإن سلم المفهوم فليس (أمفهوم قوله أ):{وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ} . وقوله: {فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ} . سواء. أن غير هذا الاستشهاد ليس بمطلوب، بمعنى أن طلب الاستشهاد لم يتعلق إلا بهذين النوعين، وأما أنه لا يصح الحكم بغير هذين النوعين، فلا دلالة عليه للنص، لا بالمنطوق ولا بالمفهوم. انتهى. فيكون حديث الشاهد واليمين بيان حجة مستقلة يثبت بها الحق، وأما حديث:"شاهداك أو يمينه". فهذا الحديث مثله صحيح ظني فيعمل به فيما دل عليه صريحًا وإن خالف مفهوم: "شاهداك أو يمينه". وأجاب الإمام المهدي في "البحر" عن حجة الآخرين بالآية بقوله: قلنا: لم يصرح بإبطال ما روينا، فوجب الجمع. انتهى. وهذا الجواب مجمل لا يفيد المطلوب، ثم قال: وتوقف المؤيد بالله. قلنا: لا وجه موجب للتوقف، إذ الحجة الضعيفة إذا انضمت إلى القوية عمل بها، كالامرأتين مع الرجل.

(أ- أ) في جـ: بمفهوم وقوله.

ص: 63

انتهى. ولا يخفى ركة الجواب والله أعلم. وفي وجه للشافعي وصححه الحنابلة أنه لا يقضى بالشاهد واليمين إلا إذا عدم الشاهدان.

وقوله في زيادة الشافعي: وذلك في الأموال. يدل على أنه لا تثبت الحقوق والحدود بهما، قال الإمام المهدي في "البحر": ولا يحكم بذلك إلا في حق لآدمي محض لا في الحد والقصاص إجماعًا ثم قال: ولا في وقف وعتق إلا عن بعض أصحاب الشافعي. قلنا: فيهما (أ) حق لله تعالى فأشبها الحد. ثم قال: فرع: الهدوية: ويحكم بذلك في الحقوق؛ كالنكاح والطلاق والرجعة والوكالة والوصاية. الشافعي: لا، إلّا في الأموال وتوابعها؛ كالإبراء والكفالة والرد بالعيب. قلنا: والحقوق مقيسة، إذ لا فاصل. قلت: ويصح في غلة الوقف إذ هو مالي. انتهى. ولا يخفى أن النص حجة للشافعي، إلا أن الحقوق إذا كانت تئول إلى المال فقياسها قوي على المال، وأما الحق المحض فلا يصح قياسه لعدم الجامع. ثم قال الإمام في "البحر": فرع: ولا يحكم بامرأتين ويمين، إذ ضم ضعيف إلى ضعيف، كأربع نسوة أو يمينين. مالك: الامرأتان كالرجل. لنا ما مر، وكما لا يكفي في النكاح. انتهى.

فائدة من "طبقات السبكي الكبرى"(1): حكى الكرابيسي عن معاوية أنه قبل شهادة أم سلمة لابن أخيها، وأجاز زُرارة شهادة أبي مجلز وحده، وأجاز شريح شهادة أبي إسحاق وحده، وأجاز شريح أيضًا شهادة أبي قيس

(أ) في جـ: فهما.

_________

(1)

طبقات الشافعية الكبرى 2/ 125.

ص: 64

على مصحف وحده. قال الكرابيسي: إن قال قائل: أجيز شهادة واحد. ارتد (أ)، فإن تاب وإلا قتل. قال: فإن قال قائل: هؤلاء من العلماء. قيل له: إنما يهدم الإسلام زَلَّةُ عالم ولا يهدمه ألف زلة جاهل. انتهى.

وقد أخذ أبو مضر من قول المؤيد بالله: إن خبر الواحد مع القرينة قد يفيد العلم أن الحاكم إذا حصل له العلم بخبر الواحد جاز له الحكم إلا في الحدود. قال أبو مضر: أو ظن مقارب. قال: ولا فرق بين أن يكون المخبر عدلًا أو فاسقًا. قال الفقيه يحيى بن أحمد: هذا غلط، لأن الأمة أجمعت على اعتبار العدد. ومثل كلام أبي مضر قال المنصور بالله، قالوا: لأن الشهادة العادلة لا تحصل إلا الظن. والله سبحانه أعلم.

ص: 65