الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
كتاب الجامع
باب الأدب
1203 -
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حق المسلم على المسلم ست؛ إذا لقيته فسلم عليه، وإذا دعاك فأجبه، وإذا استنصحك فانصحه، وإذا عطس فحمد الله فشمته، وإذا مرض فعده، وإذا مات فاتبعه". رواه مسلم (1).
قوله: "حق المسلم". الحق معناه ما لا ينبغي تركه، ويكون فعله إما واجبًا أو مندوبًا ندبًا مؤكدا شبيها بالواجب الذي لا ينبغي تركه، ويكون استعماله في المعنيين من باب استعمال المشترك في معنييه، فإن الحق مستعمل في معنى الواجب. كذا ذكره ابن الأعرابي، وفي معنى الثابت، ومعنى اللازم، ومعنى الصدق وغير ذلك، فيكون هنا مستعملا في الواجب والمندوب ندبًا مؤكدًا تشبيهًا (أ) بالواجب، وكون بعض هذه المذكورة واجبًا على خلاف فيه.
وقوله: "ست". جاء في رواية لمسلم (2): "خمس تجب للمسلم على أخيه، رد السلام". وذكر الباقي، وأسقط منها "إذا استنصحك فانصح له".
(أ) في جـ: شبيها.
_________
(1)
مسلم، كتاب السلام، باب من حق المسلم رد السلام 4/ 1705 ح 5/ 2162.
(2)
مسلم 4/ 1704 ح 4/ 2162.
وقوله: "إذا لقيته فسلم عليه". من باب الالتفات من الغيبة إلى الخطاب.
والحديث فيه دلالة على شرعية الابتداء بالسلام، ونقل ابن عبد البر (1) وغيره إجماع المسلمين أن ابتداء السلام سنة وأن رده فرض، وأقل السلام أن يقول: السلام عليكم. فإن كان المسلَّمُ عليه واحدًا فأقله: السلام عليك. والأفضل أن يقول: السلام عليكم. ليتناوله وملائكته، وأكمل منه أن يزيد: ورحمة الله. وأيضًا: وبركاته. ولو قال: سلام عليكم. أجزأه.
واستدل العلماء لزيادة: ورحمة الله وبركاته. يقول الله تعالى إخبارًا عن سلام الملائكة بعد ذكر السلام: {رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ} (2). وبقول المسلمين في التشهد: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته. وإذا كان المسلِّم جماعة فهو سنة كفاية في حقهم، إذا سلم بعضهم حصلت أصل سنية السلام في حق جميعهم، فإن كان المسلَّم عليه واحدًا تعين عليه الرد، وإن كانوا جماعة كان الردُّ فرض كفاية في حقهم، فإذا ردَّ واحدٌ سقط عن الباقين، والأفضل أن يبتدئ الجميع بالسلام وأن يرد الجميع. وعن أبي يوسف: يتعين على الجميع الرد (3). ويكره أن يقول المبتدئ: عليكم السلام. فإن قاله استحق الجواب على الصحيح المشهور، وقيل: لا يستحق. وقد صحَّ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا تقل:
(1) التمهيد 5/ 289.
(2)
الآية 73 من سورة هود.
(3)
شرح مسلم 14/ 140.
عليك السلام. فإن عليك السلام تحية الموتى" (1).
وأما صفة الرد فالأفضل والأكمل أن يقول: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. فيأتي بالواو، فلو حذفها جاز وكان تاركًا للأفضل، ولو اقتصر على: وعليكم السلام. أو على: عليكم السلام. أجزأه، فلو اقتصر على: عليكم. لم يجزئه بلا خلاف، ولو قال: وعليكم. بالواو، ففي إجزائه وجهان لأصحاب الشافعي، فإذا قال المبتدئ: سلام عليكم. أو: السلام عليكم. أجزأه وكان الجواب مثله. قال الله تعالى: {قَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ} (2). ولكن بالألف واللام أفضل، وأقل السلام ابتداء وردًّا أن يسمع صاحبه، ولا يجزئه دون ذلك، ويشترط كون الرد على الفور، ولو أتى سلام من غائب مع رسول أو في ورقة، وجب الرد على الفور، وجاء في رواية مسلم (3):"يسلم الراكب على الماشي والماشي على القاعد والقليل على الكثير". وفي رواية البخاري (4): "والصغير على الكبير". وهذا كله للاستحباب، فلو عكسوا جاز وكان خلاف الأفضل.
(أ) ساقطة من: ب، جـ، وهو عبد الله بن محيريز الإِمام الفقيه. وينظر سير أعلام النبلاء 4/ 494.
_________
(1)
أبو داود 4/ 359 ح 5209، والترمذي 5/ 68 ح 2722، والنسائي في الكبرى 6/ 88 ح 10150.
(2)
الآية 69 من سورة هود.
(3)
مسلم 4/ 1703 ح 2160.
(4)
البخاري 11/ 14 ح 6231.
ومفهوم قوله: "حق المسلم". أنه لا يسلم على الكافر ابتداء ولو ذمِّيًّا، وأخرج البخاري في "صحيحه" (1) عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"لا تبدءوا اليهود ولا النصارى بالسلام، فإذا لقيتم أحدهم في طريق فاضطروه إلى أضيقه". وفي "الصحيحين"(2) عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا سلم عليكم أهل الكتاب فقولوا: وعليكم". وفي "صحيح البخاري"(3) عن ابن عمر رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"إذا سلم عليكم اليهود فإنما يقول أحدهم: السام عليكم. فقل: وعليك". وفي ذلك أحاديث كثيرة، وقد قَطَع بأنه لا يجوز ابتداؤهم بالسلام الأكثرُ، وقال بعض أصحاب الشافعي: يكره. وحكى الماوردي وجهًا لبعض أصحاب الشافعي بجواز الابتداء بالسلام لهم، لكن يقتصر المسلم على قوله: السلام عليك. وروي ذلك عن ابن عباس وأبي أمامة (3) بن محيريز (4)، وحكى القاضي عن جماعة أنه يجوز ابتداؤهم للضرورة والحاجة، وهو قول علقمة والنخعي، وعن الأوزاعي قال: فإن سلمت فقد سلم الصالحون وإن تركت فقد ترك الصالحون. ولو سلم على رجل ظنه مسلمًا فبان كافرا، استحب أن يسترد سلامه ويقول له: رُدَّ علي سلامي. والغرض من ذلك أن يوحشه ويُظهر له أنه ليس بينهما ألفة.
(1) البخاري في الأدب المفرد 2/ 531، 538 ح 1103، 1111 بنحوه، ولم أجده في الصحيح، ومسلم 4/ 1707 ح 13/ 2167، واللفظ له.
(2)
البخاري 11/ 42 ح 6258، ومسلم 4/ 1705 ح 6/ 2163.
(3)
البخاري 11/ 42 ح 6257.
(4)
تقدم في 9/ 294.
وروي أن ابن عمر، رضي الله عنهما، سلم على رجل، فقيل له: إنه يهودي. فتبعه وقال له: ردّ عليّ سلامي (1). وفي "الموطأ"(2) عن مالك أنه لا يسترده، واختاره ابن العربي، وقال أبو سعد. لو أراد تحية ذمي فعلها بغير السلام بأن يقول: هداك الله. أو (أ) أنعم الله صباحك. قال النووي (3): لا بأس بذلك إذا احتاج إليه، وأما إذا لم يحتج إليه فالاختيار ألا يقول شيئًا؛ فإن في ذلك إيناسًا وإظهار تودد. وأما إذا من على جماعة فيهم مسلم وكافر، فالسنة أن يسلم عليهم ويقصد المسلم؛ كما في "الصحيحين"(4) عن أسامة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر على مجلس فيه أخلاط من المسلمين والمشركين عبدة الأوثان واليهود فسلم عليهم النبي صلى الله عليه وسلم. وفي "الصحيحين"(5) في كتاب النبي صلى الله عليه وسلم في قصة هرقل، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب:"من محمَّد عبدِ الله ورسوله إلى هرقل عظّم الروم: سلام على مِن إتبع الهدى".
وأما جواب سلام الذمي ففي "الصحيحين"(6) عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
(أ) في ب: و.
_________
(1)
عبد الرزاق 10/ 392 ح 19458.
(2)
الموطأ 2/ 960.
(3)
الأذكار ص 564.
(4)
البخاري 11/ 38 ح 6254، ومسلم 3/ 1422 ح 1798/ 116.
(5)
البخاري 1/ 31 ح 6، ومسلم 3/ 1393 ح 1773.
(6)
تقدم في الصفحة السابقة.
"إذا سلم عليكم أهل الكتاب فقولوا: وعليكم". وفي "صحيح البخاري"(1) عن ابن عمر رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"إذا سلم عليكم اليهود فإنما يقول أحدهم: السام عليك. فقل: وعليك".
وقد ذهب إلى هذا أكثر العلماء بأن يقتصر في الجواب بقوله: وعليكم. بإثبات الواو وبحذفها، فإن كان بالواو فمعناه: وعليكم الموت. أي: نحن وأنتم فيه سواء كلنا يموت، ويحتمل الواو للاستئناف لا للعطف، وتقديره: وعليكم ما تستحقونه من الذم. ومع حذف الواو؛ تقديره: بل عليكم السام. واختار ابن حبيب حذف الواو لئلا يقتضي التشريك، وقال غيره بإثباتها كما في أكثر الروايات، وقال بعضهم: يقول: عليكم السِّلام. بكسر السين، أي الحجارة، وهذا ضعيف، قال الخطابي (2): عامة المحدثين يروون هذا الحرف: وعليكم. بالواو، وكان ابن عيينة يرويه بغير واو. قال الخطابي: وهذا هو الصواب؛ لأنه إذا حذف الواو صار كلامه بعينه مردودا عليهم خاصة، وإذا أثبت الواو اقتضى المشاركة معهم فيما قالوه. انتهى.
والصواب أن كلا الأمرين جائزان والمعنى مستقيم عليهما، وثبوت الرواية بالواو عند الأكثر، وحذفها عند ابن عيينة، وظاهر قوله:"فقولوا". يدل على وجوب الرد على أهل الكتاب وهو متأيد بقوله تعالى: {وَإِذَا
(1) تقدم ص 146.
(2)
معالم السنن 4/ 154.
حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ} (أ)(1) الآية. فإن الآية مطلقة في حق المسلم وغيره، وذهب إلى هذا أكثر العلماء وعامة السلف، وذهب بعض العلماء إلى أنه لا يرد عليهم السلام، ورواه ابن وهب وأشهب عن مالك (2)، ولكن الحديث يرد عليهم.
والسلام قيل: هو اسم من أسماء الله تعالى. فقوله: السلام عليكم: أي اسم الله تعالى [عليكم](ب). أي أنت في حفظ الله، كما يقال: الله معك. و: الله يصحبك. وقيل: السلام بمعنى السلامة. أي السلامة ملازمة لك. والله أعلم.
وقوله: "وإذا دعاك فأجبه". المراد به إجابة دعوة الوليمة ونحوها من الطعام، وقد تقدم ذلك في باب الوليمة من كتاب النكاح.
وقوله: "إذا استنصحك". أي طلب منك النصيحة فانصحه، يدل على وجوب بذل النصيحة؛ لأن تركها من باب الغش، وليس منا من غش.
(أ) في حاشية ب: يقال المراد بالتحية المشروعة، وتحية اليهود بالسام غير مشروعة فلا يلزم الرد.
(ب) ساقطة من: ب، جـ. والمثبت من شرح مسلم 14/ 141.
_________
(1)
الآية 86 من سورة النساء.
(2)
شرح مسلم 14/ 145، وينظر تفسير القرطبي 5/ 304.
وقوله: "وإذا عطس فحمد الله فشمته". الحديث فيه دلالة على شرعية الحمد للعاطس، وقد اتفق العلماء على استحبابه، وأن يقول: الحمد لله. فلو زاد: رب العالمين. لكان أحسن، وفي "سنن أبي داود" (1) وغيره بإسناد صحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"إذا عطس أحدكم فليقل: الحمد لله على كل حال". قال: "وليقل أخوه أو صاحبه: يرحمك الله. ويقول هو: يهديكم الله ويصلح بالكم". وفي "سنن الترمذي"(2) عن ابن عمر رضي الله عنه، أن رجلًا عطس إلى جنبه فقال: الحمد لله والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال ابن عمر: وليس هكذا علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ علمنا أن نقول: الحمد لله على كل حال (3).
وفي "صحيح البخاري"(4) عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"إذا عطس أحدكم فليقل: الحمد لله. وليقل له أخوه أو صاحبه: يرحمك الله. فإذا قال له: يرحمك الله. فليقل: يهديكم الله ويصلح بالكم". قال العلماء: أي: شأنكم. وفي "موطأ مالك"(5) عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنه، أنه قال، إذا عطس فقيل له: يرحمك الله. يقول يرحمنا الله وإياكم، ويغفر الله لنا ولكم.
(1) أبو داود 4/ 309 ح 5033.
(2)
الترمذي 5/ 76 ح 2738.
(3)
الأثر بتمامه: فقال ابن عمر: وأنا أقول: الحمد لله والسلام على رسول الله، وليس هكذا علمنا
…
(4)
البخاري 10/ 608 ح 6224.
(5)
الموطأ 2/ 965.
والتشميت سنة على الكفاية، لو قال بعض الحاضرين أجزأ عنهم، ولكن الأفضل أن يقول له كل واحد؛ لظاهر قوله صلى الله عليه وسلم في حديث أبي هريرة أخرجه البخاري (1) قال:"إن الله يحب العطاس ويكره التثاؤب، فإذا عطس أحدكم وحمد الله، كان حقًّا على كل مسلم سمعه أن يقول: يرحمك الله تعالى". واختلف أصحاب مالك في وجوبه؛ فقال القاضي عبد الوهاب: هو سنة ويجزئ تشميت واحد. وقال ابن مريم: يلزم كل واحد منهم. وهو مذهب أهل الظاهر، واختاره ابن العربي المالكي. ومفهوم الشرط يدل على أنه إذا لم يحمد لا يشمت.
وفي "الصحيحين"(2) عن أنس قال: عطس رجلان عند النبي صلى الله عليه وسلم فشمَّت أحدهما ولم يُشمت الآخر، فقال الذي لم يشمته: عطس فلان فشمتَّه وعطست فلم تشمتني؟ فقال: "هذا حمد الله تعالى وأنت لم تحمد الله تعالى".
وفي "صحيح مسلم"(3) عن أبي موسى الأشعري قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إذا عطس أحدكم فحمد الله تعالى فشمتوه، فإن لم يحمد الله فلا تشمتوه". وأقل الحمد والتشميت أن يرفع صوته بحيث يسمعة صاحبه، ويستحب لمن حضر العاطس إذا لم (أيحمد الله أ) أن يذكره
(أ - أ) في ب: يحمد.
_________
(1)
البخاري 10/ 607 ح 6223.
(2)
البخاري 10/ 559 ح 6221، ومسلم 4/ 2292 ح 2991.
(3)
مسلم 4/ 2292 ح 2992.
الحمد، ورواه في "معالم السنن"(1) عن إبراهيم النخعي، وهو من باب الأمر بالمعروف، قال ابن العربي: لا يستحب. وفي كتاب ابن السني (2) بإسناد فيه من لم يتحقق عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إذا عطس أحدكم فليشمته جليسه، وإن زاد على ثلاث فهو مزكوم ولا يُشمت بعد ثلاث".
قال ابن العربي (3): قيل: يقال في الثانية: إنك مزكوم. كما في رواية مسلم (4) عن سلمة بن الأكوع أنه قاله النبي في الثانية، وقيل: يقال في الثالثة. كما في رواية أبي داود والترمذي (5) لحديث سلمة بن الأكوع، أنه قال في الثالثة:"رحمك الله هذا رجل مزكوم". وقيل: في الرابعة. والأصح أنه في الثالثة. وأما ما رواه في "سنن أبي داود" و"الترمذي"(6) عن عبيد بن رفاعة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يشمت العاطس ثلاثًا (أفإن زاد أ)، فإن شئت فشمته وإن شئت فلا". فهو حديث ضيعف، قال الترمذي: إسناده مجهول.
(أ - أ) ساقطة من: ب.
_________
(1)
معالم السنن 4/ 141، لكن عن الأوزاعي، وينظر الفتح 10/ 611.
(2)
عمل اليوم والليلة ص 126 ح 251.
(3)
عارضة الأحوذي 10/ 201.
(4)
مسلم 4/ 2292، 2293 ح 2993.
(5)
أبو داود 4/ 310 ح 5037، والترمذي 5/ 79 ح 2743.
(6)
أبو داود 4/ 310 ح 5036، والترمذي 5/ 79، 80 ح 2744.
قال ابن العربي (1): والمعنى فيه: إنك لست ممن يشمت بعد هذا؛ لأن هذا الذي بك زكام ومرض (ألا خِفَّة أ) العطاس. ولكنه يدعى له بدعاء المسلم للمسلم بالعافية والسلامة، ولا يكون من باب التشميت.
وناسب العطاس التحميد؛ لأن العطاس سببه محمود، وهو خفة الجسم التي تكون لقلة الأخلاط وتخفيف الغذاء، وهو أمر مندوب إليه؛ لأنه يضعف الشهوة ويسهل الطاعة، وهذه نعمة يحمد عليها. والتثاؤب بضد ذلك، ولذلك يؤمر برده ما استطاع.
وإذا عطس وهو يصلي يستحب له أن يقول: الحمد لله. ويسمع نفسه، ذكره النووي، قال (2): ولأصحاب مالك ثلاثة أقوال؛ أحدها هذا واختاره ابن العربي، والثاني: يحمد في نفسه، والثالث قاله سحنون: لا يحمد جهرًا ولا في نفسه. والسنة أن يضع العاطس يده أو ثوبه أو نحو ذلك على فمه، وأن يخفض صوته، وفي "سنن أبي داود" و"الترمذي" (3) عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وإذا عطس وضع يده أو ثوبه على فيه وخفض -أو غض- بها صوته، شك الراوي، قال الترمذي (4): حديث حسن. وفي كتاب ابن السني (5) عن عبد الله بن الزبير رضي الله عنه
(أ - أ) في جـ: لاحقه.
(1)
عارضة الأحوذي 10/ 201، 202.
(2)
المجموع 4/ 475.
(3)
أبو داود 4/ 308 ح 5029، والترمذي 5/ 80 ح 2745.
(4)
الترمذي 8015 عقب ح 2745 وفيه: هذا حديث حسن صحيح.
(5)
عمل اليوم والليلة ص 133 ح 267.
قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إن الله عز وجل يكره رفع الصوت بالتثاؤب والعطاس". وفيه (1) عن أم سلمة رضي الله عنها قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "التثاؤب الرفيع والعطسة الشديدة من الشيطان".
وإذا سمع التحميد بعض الحاضرين دون بعض فيشمته من سمعه دون من لم يسمعه، وحكى ابن العربي (2) خلافًا في تشميت الذين لم يسمعوا الحمد إذا سمعوا تشميت صاحبهم.
وإذا عطس يهودي، فأخرج أبو داود والترمذي (3) وغيرهما بالأسانيد الصحيحة عن أبي موسى قال: كان اليهود يتعاطسون عند رسول الله صلى الله عليه وسلم يرجون أن يقول لهم: يرحمكم الله. فيقول: "يهديكم الله ويصلح بالكم".
والتسميت بالسين المهملة والمعجمة لغتان مشهورتان، قال الأزهري (4): قال الليث: التسميت (أ) ذكر الله تعالى على كل شيء، ومنه قولك للعاطس: يرحمك الله. وقال ثعلب: يقال: سمت العاطس وشمته إذا دعوت له بالهدى، وقصد السمت المستقيم. قال: والأصل فيه السين المهملة فقلبت شينًا معجمة.
(أ) في جـ، وشرح مسلم 14/ 31: التشميت. والمثبت موافق لما في تهذيب اللغة.
_________
(1)
عمل اليوم والليلة ص 132 ح 264، بنحوه.
(2)
عارضة الأحوذي 10/ 201، 203.
(3)
أبو داود 4/ 310 ح 5038، والترمذي 5/ 76، 77 ح 2739.
(4)
تهذيب اللغة 12/ 389.
وقال صاحب "المحكم"(1): تسميت (أ) العاطس معناه: هداك الله إلى السمت. قال: وذلك لما في العاطس من الانزعاج والقلق.
قال أبو عبيد (2) وغيره: الشين المعجمة على اللغتين. قال ابن الأنباري (3): يقال منه: (ب شمته وسمت عليه ب). إذا دعوت له بخير، وكل داعٍ بالخير فهو مُشمَّت ومُسَمَّت.
وقوله: "وإذا مرض فعده". فيه دلالة على شرعية عيادة المريض، وهي مشروعة بالإجماع، وجزم البخاري بوجوبها، وقال (4): باب وجوب عيادة المريض. وقال ابن بطال (5): يحتمل أن يكون الوجوب للكفاية، كإطعام الجائع وفك الأسير، ويحتمل أن يكون الوارد فيها محمولا على الندب. وجزم الداودي (4) بالأول، وقال الجمهور بالندب، وقد يصل إلى الوجوب في حق بعض دون بعض. وعن الطبري (4): يتأكد في حق من ترجى بركته، ويُسَنُّ فيمن يراعى حاله، ويباح فيما عدا ذلك، وفي الكافر خلاف. ونقل
(أ) في جـ: تشميت.
(ب - ب) في جـ: سمته وشمت عليه.
_________
(1)
المحكم 8/ 309.
(2)
غريب الحديث 2/ 184.
(3)
شرح مسلم 14/ 32.
(4)
الفتح 10/ 112.
(5)
شرح البخاري لابن بطال 9/ 375.
النووي (1) الإجماع على عدم الوجوب، قال المصنف (2) رحمه الله تعالى: يعني على الأعيان. و [هي](أ) عامة في كل مرض، وقد استثنى الرمد، ولكنه قد أخرج أبو داود (3) من حديث زيد بن أرقم قال: عادني رسول الله صلى الله عليه وسلم من وجع بعيني. وصحح الحديث الحاكم (4)، وأخرجه البخاري (5) في "الأدب المفرد". وظاهر العيادة ولو في أول مرضه، وقد أخرج ابن ماجه (6) من حديث أنس: كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يعود إلا بعد ثلاث. تفرد به [مسلمة](ب) ابن عُلَيٍّ (7) وهو متروك. وسواء فيه من يعرفه ومن لا يعرفه، والقريب والأجنبي.
وقوله: و"إذا مات فاتبعه". كذلك فيه دلالة على شرعية اتباع الجنائز، وهو سنة بالإجماع، وسواء فيه من يعرفه ومن لا يعرفه، والقريب والأجنبي، وقد تقدم في الجنائز (8).
1204 -
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
(أ) ساقطة من: ب، جـ. والمثبت يقتضيه السياق، وينظر الفتح 10/ 113.
(ب) في ب، جـ: مسلم. والمثبت من مصدر التخريج، وينظر تهذيب الكمال 27/ 567.
_________
(1)
شرح مسلم 14/ 31.
(2)
الفتح 10/ 113.
(3)
أبو داود 3/ 183 ح 3102.
(4)
الحاكم 1/ 342،
(5)
الأدب المفرد 1/ 628 ح 532.
(6)
ابن ماجه 1/ 462 ح 1437.
(7)
مسلمة بن علي الخشني، أبو سعيد الدمشقي البلاطي، متروك. التقريب ص 531، وينظر تهذيب الكمال 27/ 567.
(8)
تقدم ما تقدم في 4/ 205 - 208.
"انظروا إلى من هو أسفل منكم، ولا تنظروا إلى من هو فوقكم، فهو أجدر ألا تزدروا نعمة الله عليكم". متفق عليه (1).
قوله: "أجدر". أي: أحق، والازدراء: الاحتقار، والمراد بـ "أسفل منكم". أي: في المال والخَلق، وكذلك قوله:"فوقكم". وهو مصرح بهذا في حديث آخر أخرجه مسلم (2) عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إذا نظر أحدكم إلى من فُضِّل عليه في المال والخَلق فلينظر إلى من هو أسفل منه". وهذا حديث جامع لأنواع من الخير؛ لأنه إذا رأى من فُضل عليه في الدنيا طلبت نفسه مثل ذلك، فاستصغر ما عنده من نعمة الله، وحرص على الازدياد ليلحق بذلك أو يقاربه، هذا هو الموجود في غالب الناس، وأما إذا نظر في أمور الدنيا إلى من هو دونه فيها، ظهرت له نعمة الله تعالى فشكرها وتواضع وفعل فيه الخير.
1205 -
وعن النَّوَّاس بن سَمْعان رضي الله عنه قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البر والإثم، قال:"البر حسن الخلق، والإثم ما حاك في صدرك وكرهت أن يطلع عليه الناس". أخرجه مسلم (3).
هو النواس بفتح النون وتشديد الواو وبالسين المهملة، وسمعان بفتح السين المهملة وكسرها وبالعين المهملة، الكلابي، ورد أبوه سمعان على النبي صلى الله عليه وسلم وزوجه بابنته، وهي الكلابية التي تعوذت من النبي صلى الله عليه وسلم، سكن
(1) البخاري، كتاب الرقاق، باب لينظر إلى من هو أسفل منه 11/ 322 ح 6490، ومسلم، كتاب الزهد والرقاق 4/ 2275 ح 2963/ 9، واللفظ له.
(2)
مسلم 4/ 2275 ح 8/ 2963.
(3)
مسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب تفسير البر والإثم، 4/ 1980 ح 2553/ 14.
النواس الشام، وهو معدود فيهم، له سبعة عشر حديثًا، روى عنه جُبير بن نُفَير وأبو إدريس الخولاني، ووقع في "صحيح مسلم" نسبته إلى الأنصار، قال المازري (1) والقاضي عياض (2): والمشهور أنه كلابي ولعله حليف الأنصار.
قوله: "البر حسن الحلق". ظاهر هذا حَصْر البر في حسن الخلق وأنهما في معنى واحد، وقد فسر سبحانه وتعالى قوله:{وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ} (3) إلى آخر الآية. وهو بتقدير مضاف، أي: بِرَّ مَن آمن بالله. أو: ذو البر من آمن. والمراد به أن الخصال المذكورة هي نفس البر ويفسره قراءة من قرأ: (ولكن البار من آمن)(4). فيكون المراد بحسن الخلق هو استكمال ما يجب شرعًا، كما في قوله تعالى:{وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ} (5). قال النووي (6): قال العلماء رحمهم الله تعالى: البر يكون بمعنى الصلة وبمعنى الصدق وبمعنى اللطف، والمبرة وحسن الصحبة والعشرة، وبمعنى الطاعة، وهذه الأمور هي مجامع (أ) حسن الخلق.
(أ) في ب: تجامع.
_________
(1)
المُعْلِم 3/ 162.
(2)
شرح مسلم 16/ 110، 111.
(3)
الآية 177 من سورة البقرة.
(4)
ينظر الإتقان 2/ 316.
(5)
الآية 4 من سورة القلم.
(6)
شرح مسلم 16/ 111.
وقال القاضي عياض (1): حسن الخلق مخالقة (أ) الناس بالجميل، والبشر والتودد لهم والإشفاق عليهم واحتمالهم، والحلم عنهم والصبر عليهم في والمكاره وترك الكبر والاستطالة عليهم، ومجانبة الغلظة والغضب والمؤاخذة. وحُكِي فيه خلاف هل هو غريزة أو مكتسب؟ قال القاضي (2): والصحيح أن منه ما هو غريزة ومنه ما هو مكتسب بالتخلق والاقتداء بغيره.
وقال السيد شريف الجرجاني رحمه الله في "تعريفات معاني العلوم"(3): حسن الخلق هيئة راسخة تصدر عنها الأفعال المحمودة بسهولة ويسر من غير حاجة إلى إعمال فكر وروية. انتهى.
وكأنه أراد ما أشار إليه القائل:
بشاشة الوجه وكف الأذى
…
وبذلك المعروف حسن الخلق
فيكون المراد بحسن الخلق هو الخصال التي يحمد الشخص عليها عادة وشرعا، وقد عد بعض العارفين مكاوم الأخلاق فقال: هي طلاقة الوجه، وإفشاء السلام على من عرفت وعلى من لم تعرف حيث يحسن، وإطعام الطعام، وكظم الغيظ، وكف الأذى عن الخلق، واحتماله منهم، والإيثار حيث يشرع، وترك الاستئثار، وترك الانتصاف، وشكر المتفضل، والمجازاة على الإحسان بحسب الإمكان، والسعي في قضاء حوائج ذوي الحاجات،
(أ) في شرح مسلم: مخالطة.
_________
(1)
شرح مسلم 15/ 78، 79.
(2)
شرح مسلم 15/ 79.
(3)
التعريفات للجرجاني ص 45.
وبذل الجاه في الشفاعات، والتحبب إلى الجيران والأقارب، وصلة الأرحام، والرفق بالطلبة وإعانتهم ومواساتهم والصبر عليهم والنصيحة لهم، وهذه الخصال كلها محمودة شرعا وعادة.
وقال بعضهم: علامات حسن الخلق أن يكون كثير الحياء، قليل الأذى، كثير الصلاح، صدوق اللسان، قليل الكلام، كثير العمل، قليل الزلل، قليل الفضول، وهو بَرٌّ وصول، وقور صبور، رضي شكور، حليم رفيق، عفيف شفيق، لا لعان ولا سباب، ولا نمام ولا مغتاب، ولا عجول ولا حقود، ولا بخيل ولا حسود، هشاش بشاش، يحب في الله ويرضى في الله.
والظاهر في الحديث أن المراد به ما دل الشرع على حسنه وجوبًا أو ندبًا أو إباحة، وظهرت الدلالة عليه، ويدل عليه تفسير الإثم بقوله:"ما حاك في صدرك وكرهت أن يطلع عليه الناس". أي: تحرك الخاطر في صدرك وترددت هل تفعله لكونه لا لوم فيه، أو تتركه خشية اللوم عليه من الله سبحانه وتعالى ومن الناس فلا يطلعون عليه لو فعلته؟ يعني: لم ينشرح لك صدرك (أ) وتحصل الطمأنينة بفعله خوف كونه ذنبا. ويفهم منه أنه ينبغي ترك ما تردد في إباحته، ويؤيده قوله صلى الله عليه وسلم:"دع ما يريبك إلى ما لا يريبك"(1).
وأن الاحتياط في تغليب جنبة الحظر على الإباحة، والله أعلم.
(أ) في جـ: الصدر.
_________
(1)
أحمد 3/ 153.
1206 -
وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا كنتم ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون الآخر حتى تختلطوا بالناس؛ من أجل أن ذلك يحزنه". متفق عليه (1)، واللفظ لمسلم.
الحديث فيه دلالة على تحريم مناجاة اثنين ومعهما ثالث دونه، والمناجاة: المسارَّة، يقال: انتجى القوم وتناجوا. أي تساروا، أي سَارَّ بعضهم بعضًا، ويقاس على ذلك مناجاة ثلاثة ومعهم رابع، وأما مناجاة اثنين من أربعة فلا محظور فيه إلا إذا أذن الثالث لاثنين بالمناجاة جاز ذلك، وظاهر النهي العموم في جميع الأزمان و (أ) في الحضر والسفر، وقد ذهب إلى هذا ابن عمر (2) ومالك وأصحاب الشافعي وجماهير العلماء، وادعى بعضهم (ب) أن هذا منسوخ وأنه كان في صدر الإسلام، فلما فشا الإسلام وحصل الأمان مع الناس نسخ حكمه، و (جـ) كان المنافقون يفعلون (د) ذلك بحضرة المؤمنين ليحزنوهم. وكان الحزن؛ لأنه قد يتوهم الحاضر أن تناجي الاثنين من أجله لتدبير أمر فيه أو دسيسة غائلة، أو أن ذلك من أجل الاختصاص بالكرامة.
(أ) ساقطة من: ب.
(ب) ساقطة من: جـ.
(جـ) زاد في جـ: إن.
(د) ساقطة من: جـ.
_________
(1)
البخاري، كتاب الاستئذان، باب إذا كانوا أكثر من ثلاثة فلا بأس بالمسارة والمناجاة 11/ 82 ح 6290، ومسلم، كتاب السلام، باب تحريم مناجاة الاثنين دون الثالث بغير رضاه 4/ 1718 ح 2184/ 37.
(2)
الموطأ 2/ 988.
قال الخطابي (1): سمعت ابن أبي هريرة يحكي عن أبي عُبيد بن حرب أنه قال: هذا في السفر الذي لا يأمن الرجل في صاحبه على نفسه، أما في الحضر وبين ظهراني العمارة فلا.
وقوله: "يحزنه" بفتح الياء وضم الزاي من حزنه يحزنه، وبضم الياء وكسر الزاي من أحزنه، وقد قرئ بهما في السبع.
1207 -
وعن ابن عمر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يقيم الرجلُ الرجلَ من مجلسه ثم يجلس فيه، ولكن تفسحوا وتوسعوا" متفق عليه (2).
قوله: "لا يقيم". بصيغة الخبر، والمراد به النهي، وفي لفظ لمسلم (3):"لا يقيمنَّ أحدكم الرجل من مجلسه". بصيغة النهي المؤكد، ظاهر النهي التحريم؛ فمن سبق إلى موضع مباح من مسجد أو غيره يوم جمعة أو غيرها لصلاة أو لغيرها من الطاعات، فهو أحق به ويحرم على غيره إقامته منه، إلا أنه يستثنى منه إذا كان قد سبق لغيره (أ) حق فيه بأن يكون قد قعد فيه مصل إذا كان في المسجد ثم قام منه لإعادة الوضوء أو يقضي شغلًا يسيرًا ثم يعود
(أ) من هنا سقط لوحة من تصوير المخطوط (جـ) ينتهي في ص 168.
_________
(1)
معالم السنن 4/ 117.
(2)
البخاري، كتاب الاستئذان، باب إذا قيل لكم: تفسحوا في المجلس
…
11/ 62 ح 6270، ومسلم، كتاب السلام، باب تحريم إقامة الإنسان من موضعه المباح الذي سبق إليه 4/ 1714 ح 2177/ 28.
(3)
مسلم 4/ 1714 ح 2177/ 27.
إليه، فإن له أن يقيم من كان قد قعد فيه، لقوله صلى الله عليه وسلم:"من قام من مجلسه ثم رجع إليه فهو أحق به". أخرجه مسلم (1). وقد ذهب إلى هذا الشافعية، وذكر مثل هذا في "البحر" للهدوية، وكذا في الأماكن المباحة مَن قعد في موضع مخصوص لحرفة أو تجارة أو محل لقراءة في المسجد معتاد (أ) لمقرئ، فإنه يكون أولى به ليس لأحد أن يقعد فيه إلا إذا طالت مفارقته لذلك بحيث ينقطع معاملوه، ذكره الذُّويد (ب) في شرحه على "الأزهار"، وكذا النووي في "شرح مسلم"(2)، وقال الإمام المهدي في "الغيث": يكون أحق به إلى العشي. وقال الغزالي: هو أحق به الأبد ما لم يَضرب. وقال بعض أصحاب الشافعي: إن ذلك على وجه الندب لا على الوجوب. وهو مذهب مالك، وقال أصحاب الشافعي: ولا فرق في المسجد بين أن يقوم منه ويترك له فيه سجادة ونحوها أم لا، فهو أحق به في الحالين. قالوا: وإنما يكون أحق به في تلك الصلاة وحدها دون غيرها، وظاهر الحديث الإطلاق.
ويدل الحديث على أنه إذا قام القاعد باختياره وأقعد غيره في مكانه أنه يجوز. وجاء في رواية عن ابن عمر أخرجها مسلم (3): وكان ابن عمر إذا قام له رجل من مجلسه لم يجلس فيه. ولعل هذا تورع من ابن عمر، وليس
(أ) في هامش ب: يستحق المحل في المسجد بالاعتياد له.
(ب) في هامش ب: هو الفقيه العارف الحسين محمد الذويد الصوري رحمه الله أحد العلماء وشرحه هذا مفيد.
_________
(1)
مسلم 4/ 1715 ح 2179.
(2)
شرح مسلم 14/ 160.
(3)
مسلم 4/ 1714 ح 12177/ 29.
قعوده حراما إذا قام برضاه؛ لأنه أسقط حق نفسه. وتورع ابن عمر لوجهين؛ أحدهما، أنه ربما استحيى منه إنسان فقام له من مجلسه من طيب قلبه أو من غيره، فسدَّ ابن عمر هذا الباب، الثاني، أن الإيثار لمحل الفضلية مكروه وخلاف الأولى، كالقيام من الصف الأول إلى الثاني، فترك ذلك ابن عمر لئلا يرتكب أحدٌ خلاف الأولى لأجله، والإيثار إنما عهد بحظوظ النفس وأمور الدنيا دون الفضائل.
1208 -
وعن ابن عباس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا أكل أحدكم طعامًا فلا يمسح يده حتى يَلعَقَها أو يُلعِقَها". متفق عليه (1).
قوله: "يَلعقها". بفتح الياء من الثلاثي، أي يَلعقها هو. وقوله:"أو يلعقها". بضم الياء من الرباعي، أي يُلعقها غيره، واللعق هو المص.
الحديث فيه دلالة وإرشاد إلى أن من سنن الأكل لعق اليد بعد الطعام حتي يزيل ما عليها من أثر الطعام قبل أن يمسحها بالمنديل. وفيه دلالة على جواز مسح اليد بالمنديل لكن بعد اللعق منه أو من غيره، وعلل ذلك صلى الله عليه وسلم بأن لا يدري الآكل في أي الطعام البركة، هل فيما أكل أو فيما بقي على الأصابع، أو ما بقي في الصحفة، أو ما سقط من اليد عند الأكل؟ كما في رواية لمسلم (2) أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بلعق الأصابع والصحفة وقال: "إنكم لا
(1) البخاري، كتاب الأطعمة، باب لعق الأصابع ومصها قبل أن تمسح بالمنديل 9/ 577 ح 5456، ومسلم، كتاب الأشربة، باب استحباب لعق الأصابع
…
3/ 1605 ح 2031/ 129.
(2)
مسلم 3/ 1606 ح 2033/ 133.
تدرون في أَيِّه البركة". وفي رواية لمسلم (1) "إذا وقعت لقمة أحدكم فليمط ما عليها من الأذى وليأكلها، ولا يدعها للشيطان ولا يمسح يده بالمنديل حتى يلعق أصابعه؛ فإنه لا يدري في أي طعامه البركة".
ومعنى الحديث -والله أعلم- أن الطعام الذي يحضره الإنسان فيه بركة ولا يدري أن البركة فيما أكله، أو فيما بقي على أصابعه أو ما بقي في أسفل القصعة، أو في اللقمة الساقطة، فينبغي أن نحافظ على هذا كله لتحصل البركة.
وأصل البركة الزيادة وثبوت الخير، والمراد هنا ما تحصل به التغذية وتسلم عاقبته من أذىً ويقوي على طاعة الله تعالى وغير ذلك. وأراد بقوله:"فلا يمسح أحدكم يده حتى يلعقها". أصابعه، كما فسر ذلك الأحاديث الأُخر، وقد جاء مصرحًا به في هيئة أكله صلى الله عليه وسلم، أنه كان يأكل بثلاث أصابع (2). فدل على أن السنة الأكل بالثلاث، ولا يضم الرابعة أو الخامسة إلا إذا احتاج إلى ذلك؛ يأن يكون الطعام غير مشتد لا يحفظه الثلاث، فيستعين عليه بما يمكنه التناول، ويلعق ما مسه الطعام من اليد. وقد أخرج سعيد بن منصور (3) من مرسل ابن شهاب، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أكل أكل بخمس. فيجمع بينه وبين حديث الثلاث بأنه إذا كان الطعام غير مشتد.
وإلعاق الغير للأصابع إذا كان ممن لا يتقذر ذلك؛ كالصبي والزوجة
(1) مسلم 3/ 1606 ح 2033/ 134.
(2)
أخرجه مسلم 3/ 1605 ح 2032/ 131.
(3)
كما في الفتح 9/ 578.
والخادم ونحوه، كمن يعتقد التبرك بالشخص. وقال البيهقي (1) إن "أو" في قوله:"أو يعلقها". يحتمل أن يكون شكا من الراوي، ويحتمل أن ذلك مقصود إذا كان محفوظا، وإذا تنجست اللقمة الساقطة أزال ما عليها من النجاسة وغسل المتنجس إن أمكنه ذلك، فإن تعذر أطعمها حيوانًا ولا يدعها للشيطان. وكذا ذكره النووي (2) بناء على أنه يجوز تمكين الحيوان من أكل المتنجس، وعليه الإجماع الفعلي خلفًا عن سلف.
1209 -
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ليسلم الصغير على الكبير والمار على القاعد والقليل على الكثير". متفق عليه (3) وفي رواية لمسلم (4): "والراكب على الماشي".
تقدم الكلام عليه أول الباب.
1210 -
وعن علي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يجزئ [عن] (أ) الجماعة إذا مروا أنْ يسلم أحدهم، ويجزئ عن الجماعة أن يرد أحدهم". رواه أحمد والبيهقي (5).
(أ) في ب: على. والمثبت من مصدر التخريج وبلوغ المرام.
_________
(1)
شعب الإيمان 5/ 81.
(2)
شرح مسلم 13/ 204.
(3)
البخاري، كتاب الاستئذان، باب يسلم الصغير على الكبير 11/ 16 ح 6234، ومسلم كتاب السلام، باب يسلم الراكب على الماشي والقليل على الكثير 4/ 1703 ح 2160.
(4)
تقدم ص 145.
(5)
الحديث لم أجده في المسند، وهو في سنن أبي داود، كتاب الأدب، باب ما جاء في رد الواحد عن الجماعة 4/ 355 ح 5210، والبيهقي، كتاب السير، باب النفير وما يستدل به على أن الجهاد فرض على الكفاية 9/ 48، 49، وينظر الفتح 11/ 7.
تقدم الخلاف فيه قريبا (1).
فائدة: قد تكلم العلماء في الحكمة فيمن يشرع لهم الابتداء بالسلام؛ فقال ابن بطال (2) عن المهلب: يسلم الصغير على الكبير لأجل حق الكبير؛ لأنه أمر بتوقيره والتواضع له، ويسلم القليل لأجل حق الكثير؛ لأن حقهم أعظم، ويسلم المار على القاعد لشبهه بالداخل على أهل المنزل، ويسلم الراكب لئلا يتكبر بركوبه فيرجع إلى التواضع.
قال ابن العربي (3): حاصل ما في الحديث أن المفضول بنوع ما يبدأ الفاضلَ، فلو تعارضت الجهة بأن يكون الراكب مثلًا كبيرًا والماشي صغيرًا بدأ الراكب. كذا نقله ابن دقيق العيد عن ابن رشد (4)، وإن كانا راكبين أو ماشيين بدأ الصغير، وظاهر هذه الأوامر الندب وخلافها مكروه، فلو ترك المأمور بالابتداء فبدأه الآخر كان المأمور تاركًا للمستحب والآخر فاعلًا للسنة. كذا ذكره المازري (4)، ويكون حكم سائر الصفات مثل هذا، وإذا تساوى المتلاقيان من كل وجه فكل منهما مأمور بالابتداء وخيرهما من يبدأ بالسلام. وقد أخرج البخاري من حديث جابر في "الأدب المفرد"(5) بسندٍ
(1) تقدم ص 144.
(2)
شرح البخاري لابن بطال 9/ 15.
(3)
عارضة الأحوذي 10/ 171.
(4)
الفتح 11/ 17.
(5)
الأدب المفرد 2/ 458 ح 994.
صحيح "الماشيان إذا اجتمعا فأيهما يبدأ بالسلام فهو أفضل". وأخرج الطبراني (1) بسند صحيح عن الأغر المزني: قال لي أبو بكر: لا يسبقك أحد إلى [السلام](أ). والترمذي (2) من حديث أبي أمامة مرفوعًا: "إن أولى الناس بالله من بدأ بالسلام". وقال: حسن. وأخرج الطبراني (3) من حديث أبي الدرداء، قلنا: يا رسول الله (ب)، إنا نلتقى، فأينا يبدأ (جـ) بالسلام؟ قال:"أطوعكم لله".
قال النووي (4): يستثنى من العموم بابتداء السلام من كان مشتغلًا بأكل أو شرب أو جماع أو كان في الخلاء أو الحمام أو نائما أو ناعسا (د) أو مصليا أو مؤذنا، ما دام متلبسًا بشيء مما ذكر، إلا أن السلام على من كان في الحمام إنما يكره إذا لم يكن عليه إزار، وإلا فلا كراهة، وقد ثبت في "صحيح مسلم"(5) أن أم هانئ أتت النبي صلى الله عليه وسلم -وهو يغتسل وفاطمة تستره فسلمت عليه. الحديث.
(أ) في ب: بالسلام. والمثبت من مصدر التخريج.
(ب) إلى هنا ينتهي السقط من المخطوطة (جـ) المشار إليه في ص 162.
(جـ) في ب: بدأ.
(د) ساقطة من: ب.
_________
(1)
الطبراني في الكبير 1/ 278 ح 880.
(2)
الترمذي 5/ 54 ح 2694.
(3)
الطبراني في مسند الشاميين 3/ 139 ح 1950.
(4)
المجموع 4/ 469، 470 بنحوه.
(5)
مسلم 1/ 265 ح 336/ 70.
قال النووي (1): وأما السلام حال الخطبة في الجمعة فيكره؛ للأمر بالإنصات، فلو سلم لم يجب الرد عند من قال: الإنصات واجب. ويجب عند من قال: إنه سنة. وعلى الوجهين لا ينبغي أن يرد أكثر من واحد، وأما المشتغل بقراءة القرآن فقال الواحدي (2): الأولى ترك السلام عليه، فإن سلم عليه كفاه الرد بالإشارة، وإن رد لفظا استأنف الاستعاذة وقرأ. قال النووي (2): فيه نظر، والظاهر أنه يشرع السلام عليه، ويجب عليه الرد ثم (أ) قال: وأما من كان مشتغلًا بالدعاء مستغرقا فيه مستجمع القلب فيحتمل أن يقال: هو كالقارئ. والأظهر عندي أنه يكره السلام عليه؛ لأنه يتنكد (ب) به ويشق عليه أكثر من مشقة الأكل، وأما الملبي في الإحرام فيكره أن يسلم عليه؛ لأن قطع التلبية مكروه، ويجب عليه الرد مع ذلك لفظًا إن سلم عليه. قال: ولو تبرع واحد من هؤلاء برد السلام، هل يشرع له أو يستحب؟ فيه تفصيل؛ إن كان مشتغلًا بالبول ونحوه يكره، وإن كان آكلًا أو نحوه فيستحب، وإن كان مصليًا لم يجز أن يقول: عليك السلام. بلفظ الخطاب، فلو فعل بطلت صلاته إن علم التحريم لا إن جهل في الأصح، وإن أتى بضمير الغيبة لم تبطل، ويستحب أن يرد بالإشارة، وإن رد بعد فراغ الصلاة لفظا فهو أحب، وإن كان مؤذنا أو ملبيا لم يكره له الرد لفظا، لأنه
(أ) ساقطة من: ب.
(ب) في جـ: يتنكب.
_________
(1)
المجموع 4/ 394.
(2)
المجموع 4/ 470.
قدر يسير لا يبطل الموالاة. انتهى.
وما ذكره من بطلان الصلاة إذا كان بلفظ الخطاب ليس متفقًا عليه عند الشافعية؛ فعن الشافعي نص أنه لا تبطل؛ لأنه لا يريد حقيقة الخطاب بل الدعاء، وذكر بعض الحنفية أن من جلس في المسجد للقراءة أو التسبيح أو لانتظار الصلاة لم يشرع التسليم عليهم، وإن سلم عليهم لم يجب الرد، قال (1): وكذلك الخصم إذا سلم على القاضي لا يجب عليه الرد، وكذلك الأستاذ إذا سلم عليه تلميذه لا يجب عليه الرد. كذا قال ولا يوافق على الطرف الأخير.
ويندب أن يسلم من دخل بيتًا ليس فيه أحدٌ، لقوله تعالى:{فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ} الآية (2). وأخرج البخاري في "الأدب المفرد" وابن أبي شيبة (3) بإسناد حسن عن ابن عمر: يستحب إذا لم يكن في البيت أحد أن يقول: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين. وأخرج [الطبري](أ) عن ابن عباس نحوه (4).
ويدخل فيه من مرَّ على مَنْ يظن أنه إذا سلم عليه لم يرد؛ لأنه قد يخطئ
(أ) في ب، جـ: الطبراني، والمثبت من الفتح 11/ 20.
_________
(1)
ينظر فتح الباري 11/ 20.
(2)
الآية 61 من سورة النور.
(3)
البخاري في الأدب المفرد 2/ 497، 498 ح 1055 وابن أبي شيبة 8/ 647.
(4)
تفسير الطبري 17/ 379، 380.
ظنه، قال النووي (1): وأما قول من لا تحقيق عنده أن ذلك يكون سببًا لتأثيم الآخر فهو غباوة، فإن المأمورات الشرعية لا تترك بمثل (أ) هذا. قال: وينبغي لمن وقع له ذلك أن يقول له بعبارة لطيفة: رد السلام واجب، فينبغي أن ترد ليسقط [عنك](5) الفرض. وينبغي إذا تمادى على الترك أن يحلله من ذلك؛ لأنه حق آدمي. ورجح ابن دقيق العيد في "شرح الإلمام"(2) المقالة التي زيفها (جـ) النووي بأن مفسدة توريط المسلم في المعصية أشد من مصلحة السلام عليه، وامتثال حديث الأمر بالإفشاء يحصل مع غير هذا. والله أعلم.
1211 -
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تبدءوا اليهود والنصارى بالسلام، وإذا لقيتموهم في طريق فاضطروهم إلى أضيقه". أخرجه مسلم (3).
تقدم الكلام في بداية اليهود والنصارى بالسلام.
وقوله: "وإذا لقيتموهم في طريق". إلى آخره. المراد أنه إذا كان المسلمون يطرقون فلا يتركون يمرون في وسط الطريق، بل في جانبه، لكن
(أ) في ب: لمثل.
(ب) في ب، جـ: عليك. والمثبت من الفتح 11/ 20.
(جـ) في جـ: رتبها.
_________
(1)
المجموع 4/ 470.
(2)
الفتح 11/ 20، 21.
(3)
مسلم، كتاب السلام، باب النهي عن ابتداء أهل الكتاب بالسلام وكيف يرد عليهم 4/ 1707 ح 2167/ 13.
بحيث لا يقع في هوة ولا يصدمه جدار، وإن خلت الطريق عن المسلمين فلا حرج أن يمروا في أيها شاءوا.
1212 -
وعنه رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا عطس أحدكم فليقل: الحمد لله. وليقل له أخوه: يرحمك الله. فإذا قال: يرحمك الله. فليقل: يهديكم الله ويصلح بالكم". أخرجه البخاري (1).
تقدم الكلام عليه (2).
1213 -
وعنه رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يشربن أحدكم قائمًا". أخرجه مسلم (3).
وتمامه: "فمن نسى فليستقئ". وأخرجه أحمد من وجه آخر وصححه ابن حبان (4) عن أبي صالح عنه بلفظ: "لو يعلم الذي يشرب وهو قائم لاستقاء". ولأحمد (5) من وجه آخر عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه صلى الله عليه وسلم رأى رجلًا يشرب قائما فقال: "مه (أ) " فقال: لمه؟ قال: "أيسرك أن يشرب معك الهر؟ ". قال: لا. قال: "قد شرب معلث من هو شر منه؛ الشيطان".
(أ) كذا في ب، جـ، وفي المسند: قه.
_________
(1)
البخاري، كتاب الأدب، باب إذا عطس كيف يشمت 10/ 608 ح 6224.
(2)
تقدم ص 150 - 155.
(3)
مسلم، كتاب الأشربة، باب كراهية الشرب قائما 3/ 1601 ح 2026.
(4)
أحمد 2/ 283، وابن حبان 12/ 142 ح 5324.
(5)
أحمد 2/ 301.
وهو من رواية شعبة عن أبي زياد (أ)[الطحان](ب) مولى الحسن بن علي عنه، وأبو زياد لا يعرف اسمه، وقد وثقه يحيى بن معين (1).
والحديث يدل على النهي عن ذلك، ولكن هل النهي محمول على حقيقته وهو التحريم أو مصروف عن ظاهره؛ فذهب ابن حزم إلى الأول، وهو مقتضى قاعدة الظاهرية. وذهب الجمهور إلى أنه محمول على خلاف الأولى، وبعضهم قال بكراهته. قال المازري (2): قال بعض شيوخنا: لعل النهي منصرف إلى من أتى أصحابه بماءٍ فبادر ليشربه (جـ) قائما قبلهم، استبدادًا به وخروجا عن كون ساقي القوم آخرهم شربا، وبعضهم أن في الشرب قائما ضررًا ما، ولذلك كان القيء دواء له، ويؤيده قول النخعي: إنما نهي عن ذلك لداء البطن.
وتكلم عياض على حديث أبي هريرة هذا بأن في سنده عمر بن حمزة (3)، وقد خالف غيره ولا يحتمل منه مثل هذا، والصحيح أنه موقوف. انتهى.
وقد روى نحوه مسلم (4) من حديث أنس، واعترضه عياض بأنه من
(أ) في جـ: الزناد.
(ب) في ب، جـ: الطحاوي، والمثبت من مصدر التخريج، وينظر الجرح والتعديل 9/ 373.
(جـ) في ب: بشربه.
_________
(1)
وقال أبو حاتم: شيخ صالح الحديث. الجرح والتعديل 9/ 373، وتعجيل المنفعة 2/ 461.
(2)
المعلم بفوائد مسلم 3/ 68.
(3)
عمر بن حمزة بن عبد الله بن عمر بن الخطاب العمري، المدني، ضعيف. التقريب ص 411، وتهذيب الكمال 21/ 311، 312.
(4)
مسلم 3/ 1600 ح 2024.
رواية قتادة عن أنس، وهو معنعن، وكان شعبة يترك من حديثه ما لم يصرح فيه بالتحديث، هذا كلامه، وقد أجاب عنه المصنف رحمه الله (1) بأن قتادة قد أشار في سند حديث أنس بالتحديث منه؛ فإن فيه: قلنا لأنس: فالأكل؟ قال: أشر منه. واعترض عياض على رواية مسلم له من حديث أبي سعيد بأن في إسناده أبا عيسى (2) وهو غير مشهور ولم يرو عنه إلا قتادة، وقد سبق إلى هذا الاعتراض علي بن المديني وأجاب عنه المصنف رحمه الله (1) بأنه قد وثقه الطبري وابن حبان. ومئل هذا يخرج في الشواهد، ودعوى اضطرابه مردودة؛ لأن لقتادة إسنادين وهو حافظ. قال المصنف (1): وأما تضعيفه لحديث أبي هريرة بعمر بن حمزة فهو مختلف في توثيقه، ومثله يخرج له مسلم في المتابعات، وقد تابعه الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة كما تقدم عند أحمد وابن حبان، فالحديث بمجموع طرقه صحيح. انتهى.
فتقرر أن الحديث لا مطعن فيه، ولكنه معارض بما أخرجه مسلم (3) عن ابن عباس قال: سقيت رسول الله صلى الله عليه وسلم من زمزم، فشرب وهو قائم. وفي الرواية الأخرى، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم شرب من زمزم وهو قائم. وفي "صحيح البخاري"(4)، أن عليا رضي الله عنه شرب قائما وقال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل كما رأيتموني فعلت. فطريق الجمع أنه فعل ذلك صلى الله عليه وسلم لبيان الجواز، ولا
(1) الفتح 10/ 83.
(2)
أبو عيسى الأسواري، البصري، مقبول. التقريب ص 663، وينظر تهذيب الكمال 34/ 165.
(3)
مسلم 3/ 1601 ح 2027.
(4)
البخاري 10/ 81 ح 5615.
يقال: إنه فعل مكروها أو خلاف الأولى؛ لأن البيان في حقه واجب، وقد وقع مثل هذا في كثير من الأحكام مثل؛ توضئه مرةً مرةً مع أن المندوب الثلاث، والطواف راكبًا مع أن الأفضل المشي، وكذلك فعل علي رضي الله عنه، أنه شرب قائمًا فرأى الناس كأنهم أنكروه، فقال: ما ينظرون؟! إن أشرب قائما فقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يشرب قائما، وإن أشرب قاعدا فقد رأيته يشرب قاعدا. وصحح الترمذي (1) من حديث ابن عمر: كنا نأكل على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن نمشي، ونشرب ونحن قيام. وفي الباب عن سعد بن أبي وقاص أخرجه الترمذي (2)، وفي عبد الله بن أنيس أخرجه الطبراني (3)، وعن أنس أخرجه البزار والأثرم (4)، وعن (أعمرو بن شعيب أ) عن أبيه عن جده أخرجه الترمذي (5) وحسنه، وعن عائشة أخرجه البزار وأبو علي الطوسي في "الأحكام"(4).
وعن أم سُليم نحوه أخرجه ابن شاهين (6) وغير ذلك، وثبت عن عمر
(أ- أ) في ب: عمر بن سعيد.
_________
(1)
الترمذي 4/ 265 ح 1880.
(2)
الترمذي في الشمائل 1/ 372 ح 208.
(3)
الطبراني في الأوسط 3/ 8 ح 2306.
(4)
الفتح 10/ 84.
(5)
الترمذي 4/ 266، 267 ح 1883.
(6)
الفتح 10/ 84.
وعن عثمان أخرجه في "الموطأ"(1)، وقال الأثرم (2): إن أحاديث الجواز أقوى من أحاديث النهي فترجح. قال: ويدل على وهاء أحاديث النهي اتفاق العلماء على أنه ليس على أحد أن يستقيء إذا شرب قائما، ومثله عن عياض، وقد دفع ذلك النووي بأنه لا يلزم من عدم القول بوجوب الاستقاء عدم الاستحباب.
وبعضهم ادعى أن أحاديث الجواز ناسخة لأحاديث النهي؛ بقرينة عمل الخلفاء الراشدين ومعظم الصحابة والتابعين، وأن استقاء النبي صلى الله عليه وسلم من زمزم في حجة الوداع متأخر.
وعكس ابن حزم (3) وادعى أن أحاديث النهي ناسخة لأحاديث الجواز؛ لأن الجواز مقرر لحكم الأصل من الإباحة، وأحاديث النهي ناقلةٌ لذلك، فمن ادعى الجواز بعد النهي فعليه البيان؛ فإن النسخ لا يثبت بالاحتمال. وجمع أبو الفرج (2) بين الأحاديث بتأويل الشرب قائما بأن المراد بالقيام المشي، يقال: قمت في الأمر، إذا مشيت فيه. وقصت في حاجتي إذا سعيت وقضيتها؛ وقوله تعالى:{إلا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا} (4). أي: مواظبًا بالمشي إليه. وتأول عكرمة حديث ابن عباس بأن المراد أنه شرب راكبًا، والراكب يشبه القائم من حيث كونه سائرًا، وشبه القاعد من حيث كونه مستقرا على الدابة؛ وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم طاف على بعيره، إلا أنه
(1) الموطأ 2/ 925.
(2)
الفتح 10/ 84.
(3)
المحلى 8/ 305.
(4)
الآية 75 من سورة آل عمران.
يخدش فيه ما أخرجه أبو داود (1) عن عكرمة عن ابن عباس، أن النبي صلى الله عليه وسلم طاف على بعيره ثم أناخه فصلى ركعتين. فلعله حينئذ شرب من زمزم قبل أن يعود إلى بعيره ويخرج إلى الصفا.
وأما شرب الراكب، فقد أخرج البخاري (2) أن النبي صلى الله عليه وسلم شرب وهو واقف على بعيره، وقد تقدم في كتاب الصيام (3).
1214 -
وعنه رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا انتعل أحدكم فليبدأ باليمين، فإذا نزع فليبدأ بالشمال، ولتكن اليمين أولهما تُنْعل وآخرهما تنزع". أخرجه مسلم (4) إلى قوله: "بالشمال". وأخرج باقيه مالك والترمذي وأبو داود (5).
ولفظ مسلم: "وإذا خلع" عوض: "وإذا نزع".
الحديث فيه دلالة على شرعية البداية باليمين في الانتعال، وظاهر الأمر الوجوب ولكنه محمول على الاستحباب، ونقل القاضي عياض الإجماع على أن الأمر للاستحباب، قال ابن العربي (6): البداءة باليمين مشروعة في جميع الأعمال الصالحة؛ لفضل اليمنى حسًّا في القوة، وشرعا في الندب
(1) أبو داود 2/ 183 ح 1881.
(2)
البخاري 10/ 85 ح 5618.
(3)
تقدم 5/ 126.
(4)
مسلم، كتاب اللباس والزينة، باب استحباب لبس النعال وما في معناها 3/ 1660 ح 2097.
(5)
مالك، كتاب اللباس، باب ما جاء في الانتعال 2/ 916، والترمذي، كتاب اللباس، باب ما جاء بأي رجل يبدأ إذا انتعل 4/ 215 ح 1779، وأبو داود، كتاب اللباس، باب في الانتعال 4/ 68 ح 4139.
(6)
عارضة الأحوذي 7/ 273.
إلى تقديمها. قال النووي (1): يُستحب البداءة باليمين في كل ما كان من باب التكريم والزينة، والبداءة باليسار في ضد ذلك؛ كالدخول في الخلاء، ونزع النعل، والخف، والخروج من المسجد، والاستنجاء، وغيره من جميع المستقذرات. وقد مَرَّ بعض ذلك في الوضوء.
وقوله: "وإذا نزع". إلى آخره. قال الحليمي (2): إنما بدئ بالشمال عند الخلع لأن اللبس كرامة؛ لأنه وقاية للبدن، فلما كانت اليمنى أكرم من اليسرى بدئ بها في اللبس وأخرت في النزع لتكون الكرامة لها أدوم وحظها منها أكثر.
قال ابن عبد البر (3): مَنْ بدأ في الانتعال باليسرى أساء؛ لمخالفته السنة، ولكن لا يحرم عليه لبس نعله. وقال غيره: ينبغي له أن ينزع النعل من اليسرى ثم يبدأ باليمنى، ويمكن أن يكون مراد ابن عبد البر ما إذا لبسهما معا فبدأ باليسرى، فإنه لا يشرع له أن ينزعهما ثم يلبسهما على الترتيب المأمور به؛ إذ قد فات محله.
وهذا الحديث لا دلالة فيه على استحباب لبس النعل؛ لأنه قال: "إذا انتعل". وقد أخرج مسلم (4) من حديث جابر مرفوعًا: "استكثروا من النعال، فإن الرجل لا يزال راكبا ما انتعل". أي أنه يشبه الراكب في خفة المشقة وقلة التعب وسلامة الرجل من أذى الطريق، وهذا يدل على
(1) شرح مسلم 14/ 74.
(2)
الفتح 10/ 312.
(3)
التمهيد 18/ 182.
(4)
مسلم 3/ 1660 ح 2096.
الاستحباب، وهذا اللفظ في غاية البلاغة والفصاحة لم ينسج على منواله ولا يؤتى بمثاله، وهو إرشاد إلى المصلحة وتنبيه على ما يخفف المشقة؛ فإن الحافي المديم للمشي يلقى من الآلام والمشقة بالعثار وغيره ما يقطعه عن المشي ويمنعه من الوصول إلى مقصده، بخلاف المنتعل فإنه لا يمنعه من إدامة المشي، فيصل إلى مقصده كالراكب فلذلك شبه به.
1215 -
وعنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يمش أحدكم في نعل واحد ولينعلهما جميعًا أو ليخلعهما جميعًا". متفق عليه (1).
الحديث فيه دلالة على أنه لا يشرع المشي في نعل واحدة؛ قال العلماء: إن ذلك مكروه. حملوا النهي على الكراهة، واختلفوا في علة الكراهة؛ فقيل: إن النعل شرعت لوقاية الرجل عمَّا يكون في الأرض من شوك أو نحوه، فإذا انفردت إحدى الرجلين احتاج الماشي أن يتوقى لإحدى رجليه ما لا يتوقى للأخرى، فيخرج بذلك عن سجية مشيته ولا يأمن مع ذلك العثار. وقيل: إنه قد ينسب فاعل ذلك إلى ضعف الرأي لما لم يسوِّ بين جوارحه.
وقيل: إنها مشية الشيطان. وقيل: لخروجها عن الاعتدال.
وقال البيهقي (2): الكراهة لما في ذلك من الشهرة في اللباس. وقد ورد في رواية لمسلم (3) عن أبي هريرة بلفظ: "إذا انقطع شِسْع أحدكم فلا يمش
(1) البخاري، كتاب اللباس، باب لا يمشي في نعل واحدة 10/ 309 ح 5855 ومسلم، كتاب اللباس والزينة، باب استحباب لبس النعال في اليمين 3/ 1660 ح 2097.
(2)
شعب الإيمان 5/ 179.
(3)
مسلم 3/ 1660 ح 2098.
في نعل واحدة حتى يصلحها". ومن حديث جابر (1) بلفظ: "حتى يصلح نعله". فقد يفهم من التقييد بالشرط أن ذلك إنما هو عند وقوع هذه الحالة وكانتا قبل ذلك منتعلتين، وأما إذا لبسها ابتداءً فلا نهي. ويجاب عنه بأن التقييد إنما هو لكونه هو الغالب، فلا يعمل بالمفهوم، وبأنه قد يمكن أن يكون ذلك من باب مفهوم الموافقة؛ وهو أنه إذا كره مع كون أصل الانتعال لهما جميعا أن ينفرد أحدهما بالنعل لضرورة الانقطاع، فبالأولى الكراهة لذلك ابتداء، وقد عورض هذا الحديث بما أخرجه الترمذي (2) عن عائشة قالت: ربما انقطع شسع رسول الله صلى الله عليه وسلم فمشى في النعل [الواحدة](أ) حتى يصلحها. وقد رجح البخاري (3) وغير واحد أن هذا موقوف على عائشة من فعلها، كما أخرج الترمذي (4)، عن القاسم بن محمد، عن عائشة، أنها مشت في نعل واحدة. وقال الترمذي: هذا أصح. إلا أنه ذكر رزين (5) عنها قالت: قد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ينتعل قائمًا ويمشي في نعل واحدة غير ما مرة. وقال القاسم بن محمد: رأيت عائشة تمشي بنعل واحدة -أو قال: في خف واحد- وهي تصلح الأخرى. ولعل رواية الخف أصح؛ فإنه قد أخرج أبو داود (6) عن ابن أبي مليكة، قال: قيل لعائشة: هل تلبس المرأة النعل؟
(أ) في ب، جـ: الواحد. والمثبت من مصدر التخريج.
_________
(1)
مسلم 3/ 1661 ح 2099/ 71، ولفظه:"يصلح شسعه".
(2)
الترمذي 4/ 412 ح 1777.
(3)
علل الترمذي ص 293.
(4)
الترمذي 4/ 214 ح 1778.
(5)
كما في جامع الأصول 10/ 653.
(6)
أبو داود 4/ 59، 60 ح 4099.
فقالت: قد لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم الرَّجُلة من النساء. ويمكن الجمع بأنه إن صحَّ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل ذلك، ففعله لبيان الجواز، وأن النهي ليس للتحريم، أو أن ذلك كان وقتا يسيرا كما قالت: حتى يصلحها. وأمّا فعل عائشة لذلك فيحمل على أنها لم يبلغها النهي، أو كان زمن الفعل يسيرا، أو أنها حملت النهي على التنزيه، وكذلك يحمل ما روي عن علي وابن عمر (1) أنهما فعلا ذلك. والشِّسْع بكسر الشين المعجمة وسكون المهملة: أحد سيور النعل التي تكون في أصبع الرِّجل من الرَّجل، والشراك بكسر المعجمة وتخفيف الراء وآخره كافٌ: أحد سيور النعل التي تكون في وجهها، وكلاهما يختل السير بفقده، وقد فهم البعض من قوله:"لا يمش". أنه لا كراهة في وقوفه بنعل واحدة إذا عرض للنعل ما يحتاج إلى إصلاحها، وقد نقل عياض (2) عن مالك أنه قال: يخلع الأخرى ويقف إذا كان في أرض حارة أو نحوها مما يضر به المشي حتى يصلحها، أو يمشي حافيا إن لم يكن ذلك. فأفهم أنه لا يقعد في نعل واحدة، إلا أن العلل التي ذكرت لا تظهر في القعود بنعل واحدة.
وقوله: "لينعلهما جميعًا". أعاد الضمير إلى القدمين وإن لم يجر لهما ذكر؛ لذكر ما يدل عليهما من النعل، وضبطه النووي (3) بضم الياء من أنعل يُنعل، أي: ألبس رجله نعلًا. وأنعل دابته: جعل لها نعلًا. كذا ذكره أهل
(1) ينظر ابن أبي شيبة 8/ 416.
(2)
الفتح 10/ 310، 311.
(3)
شرح مسلم 14/ 75.
اللغة، وذكر في "شرح الترمذي" (1) أن أهل اللغة قالوا: نعل بفتح العين وحكى كسرها، وانتعل، أي: لبس النعال. فالياء مفتوحة على هذا، والضمير للنعلين لا للقدمين، والحاصل أن الضمير إن كان للنعلين كانت الياء مفتوحة، وإن كان للقدمين كانت الياء مضمومة، وقال صاحب "المحكم" (2): نَعَلَ الدابة والبعير ونعّلهما. بالتشديد فعلى هذا فيجوز الفتح مع عود الضمير إلى القدمين.
وقوله: "أو ليخلعهما جميعًا". أي النعلين، كذا في رواية مسلم، وفي رواية البخاري:"أو ليحفهما جميعًا". والضمير للقدمين، ويلحق بهذا كل لباس شفع كالخفين.
وقد أخرج ابن ماجه (3) حديث أبي هريرة بلفظ: "لا يمشي أحدكم في نعل واحدٍ ولا خف واحد". وهو عند مسلم (4) من حديث جابر، وعند أحمد (5) من حديث أبي سعيد، وعند الطبراني (6) من حديث ابن عباس، قال الخطابي (7): وكذا إخراج (أ) اليد الواحدة من الكم دون الأخرى،
(أ) في ب: أخرج.
_________
(1)
الفتح 10/ 311.
(2)
المحكم 2/ 114.
(3)
ابن ماجه 2/ 1195 ح 3617.
(4)
مسلم 3/ 1661 ح 2099/ 71.
(5)
أحمد 3/ 42.
(6)
الطبراني 12/ 23، 24 ح 12359.
(7)
معالم السنن 4/ 204.
والتردي على أحد (أ) المنكبين دون الآخر، والإلحاق يستقيم على بعض الوجوه المناسبة، فتأمل.
والنعل مؤنثة تجمع على نعال؛ وهي ما لها قبالان أو قبال واحد واسع.
والقِبال بكسر القاف وتخفيف الباء، هو الزمام، وهو السير الذي يعقد فيه الشسع الذي يكون بين إصبعي الرِّجل. قال ابن العربي (1): النعل لباس الأنبياء، وإنما اتخذ الناس غيرها لما في أرضهم من الطين، وقد يطلق النعل على كل ما يقي القدم. قال في "المحكم" (2): النعل والنعلة ما وقيت به القدم، وكانت نعل النبي صلى الله عليه وسلم لها قبالان، سبتية، بكسر السين المهملة وسكون الموحدة بعدها مثناة، منسوبة إلى السِّبت. قال أبو عبيدة (3): أي المدبوغة. زاد أبو عمرو: بالقرظ. وقال بعضهم: هي التي حلق عنها الشعر. وهو مأخوذ من السبت؛ لأن معناه القطع، وقيل: لأنها سبتت بالدباغ. أي: لانت قال أبو عبيدة (4): كانوا في الجاهلية لا يلبس المدبوغة إلا أهل السعة. وقد روي من حديث أنس (5) أنه أخرج نعلين لهما قبالان، فقال ثابت البناني: هذه نعل النبي صلى الله عليه وسلم. روي ذلك عن أنس، وكذا أخرج
(أ) في ب: إحدى.
_________
(1)
عارضة الأحوذي 7/ 273.
(2)
المحكم 2/ 114.
(3)
غريب الحديث 2/ 150، 151.
(4)
غريب الحديث 2/ 150.
(5)
أخرجه الترمذي في الشمائل 1/ 152 ح 75.
الترمذي عن ابن عباس في "الشمائل"(1): كان لنعل النبي صلى الله عليه وسلم قبالان مُثَنَّى شراكهما. ولا كراهة (أ) في لبسها في أي محل. وقال أحمد (2): يكره لبسها في المقابر؛ لحديث بشير بن الخصاصية؛ قال: بينما أنا أمشي في المقابر وعليّ نعلان إذا رجل من خلفي ينادي: يا صاحب السبتيتين، إذا كنت في (ب) هذا الموضع فاخلع نعليك. أخرجه أبو داود وصححه الحاكم (3)، وتعقب ذلك الطحاوي (4) بأنه يجوز أن يكون الأمر بخلعها لأذى كان فيهما، وقد ثبت في الحديث أن الميت يسمع قرع نعالهم إذا ولوا عنه مدبرين (5). وهو دالٌّ على جواز لبس النعال في المقابر، وقد ثبت في حديث أنس أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم صلى في نعليه (6). فإذا جاز دخول المسجد بالنعل فالمقبرة أولى. قال المصنف رحمه الله تعالى (7): ويحتمل أن يكون النهي لإكرام الميت، كما ورد النهي عن الجلوس على القبر (8)، وقوله تعالى:{فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ} (9). إما لتكريم
(أ) في جـ: كراهية.
(ب) في جـ: من.
_________
(1)
الشمائل 1/ 151 ح 74.
(2)
مسائل الإمام أحمد، رواية ابنه عبد الله 2/ 488 ح 679، وينظر الفتح 10/ 309.
(3)
أبو داود 3/ 214، 215 ح 3230، والحاكم 1/ 373.
(4)
شرح معاني الآثار 1/ 510.
(5)
تقدم في 4/ 235.
(6)
البخاري 1/ 494 ح 386، ومسلم 1/ 391 ح 555.
(7)
الفتح 10/ 309.
(8)
تقدم ح 439.
(9)
الآية 12 من سورة طه.
مقام المناجاة، أو لما قيل: إنهما كانتا من جلد حمار غير مدبوغ فهو للنجاسة. والله سبحانه أعلم.
1216 -
وعن ابن عمر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا ينظر الله إلى من جرَّ ثوبه خيلاء". متفق عليه (1).
قوله: "لا ينظر الله". النظر حقيقة في إدراك العين للمرئي، وهو هنا مجاز عن الرحمة. أي: لا يرحم الله. لامتناع حقيقة النظر في حقه تعالى (2)، والعلاقة هو السببية، فإن من نظر إلى غيره في حالة ممتهنة، أو إلى من لم يكن بينه وبينه عداوة رحمه ووصله بإحسانه، وإذا استعمل في غير معناه الحقيقي في حق غير الله تعالى، كان كناية إذا لم تمنع القرينة من إرادة المعنى الحقيقي.
وقال في "شرح الترمذي"(3): عبّر عن المعنى الكائن عند النظر بالنظر، لأن من نظر إلى متواضع رحمه، ومن نظر إلى متكبر مقته، فالرحمة والمقت متسببان عن النظر.
(أ) في جـ: فأخل.
_________
(1)
البخاري، كتاب اللباس، باب قول الله تعالى:{قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ} . 10/ 252 ح 5783. ومسلم، كتاب اللباس والزينة، باب تحريم جر الثوب خيلاء
…
3/ 1651 ح 2085/ 42.
(2)
كذا قال المصنف، وهذا تأويل لصفة من صفات الله عز وجل. وهو خلاف طريقة السلف الذين يمرون الصفات كما هي بغير تأويل ولا تشبيه. وينظر ما تقدم ص 73 حاشية (2).
(3)
فتح الباري 10/ 258.
وقوله: "إلى مَنْ جرَّ" ظاهر "مَنْ" العموم للرجال والنساء، وقد فهمت ذلك أم سلمة رضي الله عنها فقالت بعد ذكر النبيّ صلى الله عليه وسلم هذا الحديث: فكيف تصنع النساء بذيولهن؟ فقال: "يرخين شبرا". فقالت: إذن تنكشف أقدامهن. قال: "فيرخينه ذراعًا لا يزدن عليه". أخرجه النسائي والترمذي (1)، والمراد بالذراع ذراع اليد، وهو شبران بشبر اليد المعتدلة.
وجرّ الثوب: المراد به جره على الأرض، وهو الموافق لقوله صلى الله عليه وسلم:"ما أسفل من الكعبين من الإزار في النار". أخرجه البخاري (2).
وقوله: "خيلاء". الخُيَلاء: فُعَلاء بضم الخاء المعجمة ممدود، والخيلة والبطر والكبر والزهو والتبختر كلها بمعنى واحد، يقال: خال واختال اختيالًا. إذا تكبر، و: هو رجلٌ خال. أي متكبر، و: صاحب خال. أي صاحب كبر. والتقييد بالخيلاء يدل بمفهومه أن جرَّ الثوب لغير الخيلاء لا يكون داخلًا في هذا الوعيد. قال ابن عبد البر (3): مفهومه أن الجار لغير الخيلاء لا يلحقه الوعيد (أإلا أنه أ) مذموم. وقال النووي (4): إنه مكروه وهذا نص الشافعي. قال البويطي في "مختصره" عن الشافعي (5): قال: لا يجوز
(أ- أ) في جـ: لأنه.
_________
(1)
النسائي 8/ 209، والترمذي 4/ 195، 196 ح 1731.
(2)
البخاري 10/ 256 ح 5787.
(3)
التمهيد 3/ 244.
(4)
شرح مسلم 14/ 62.
(5)
ينظر فتح الباري 10/ 263.
السدل في الصلاة ولا في غيرها للخيلاء، ولغيرها خفيف؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بكر. انتهى. وحديث أبي بكر أنه قال أبو بكر بعد أن قال النبي صلى الله عليه وسلم:"منْ جرَّ ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة". فقال أبو بكر: يا رسول الله، إن إزاري يَسترخي إلا أن أتعاهده. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إنك لست ممن يفعله خيلاء". أخرجه البخاري وأبو داود والنسائي (1)، فقوله: خفيف. ليس صريحًا في نفي التحريم، وقد صرّحت السنة بأن أحسن الحالات أن يكون إلى نصف الساق ودون ذلك لا حرج على فاعله إلى الكعبين، وما دون الكعبين فهو حرام إن كان للخيلاء، وإن كان لغير الخيلاء فقال النووي (2) وغيره: إنه مكروه وقد يتجه أن يقال: إن كان الثوب على قدر لابسه لكنه يسدله، فإن كان لا عن قصد كالذي وقع لأبي بكر، فهو غير داخل في الوعيد، وإن كان الثوب زائدا على قدر لابسه فهذا ممنوع من جهة الإسراف؛ فهو محرم لأجله ومن أجل التشبه (أ) بالنساء، ومن حيث إن لابسه لا يأمن أن تعلق النجاسة به كما في حديث الترمذي والنسائي (3) عن عبيد بن خالد قال: كنت أمشي وعليّ برد أجره فقال لي رجل: "ارفع ثوبك فإنه أتقى وأنقى"(أ). فنظرت فإذا هو النبي صلى الله عليه وسلم، فقلت: إنما هي بردة مَلْحاء -بفتح الميم ولام ساكنة وحاء مهمله ممدوًا، أي فيها خطوط سود
(أ) في جـ: الشبه.
(ب) في مصدري التخريج: أبقى.
_________
(1)
أخرجه البخاري 10/ 254 ح 5784، وأبو داود 4/ 56 ح 4085، والنسائي 8/ 208.
(2)
شرح مسلم 14/ 62.
(3)
أخرجه الترمذي في الشمائل 1/ 216 ح 115، والنسائي في الكبرى 5/ 484 ح 9682.
وبيض- فقال: "ما لك في أسوةٌ؛". قال: فنظرت فإذا إزاره إلى نصف ساقيه (أ). وسنده جيدٌ، ويعلل أيضًا تحريم الإسبال بأنه مظنة للخيلاء. قال ابن العربي (1): لا يجوز للرجل أن يجاوز بثوبه كعبه ويقول: لا أجره خيلاء. لأن النهي قد تناوله لفظا، ولا يجوز لمن يتناوله اللفظ أن يخالفه، إذ صار حكمه أن يقول: لا أمتثله؛ لأن تلك [العلة](ب) ليست فيّ. فإنها دعوى غير مسلمة، بل إطالة ذيله دالة على تكبره. انتهى.
وحاصله أن الإسبال يستلزم جر الثوب، وجر الثوب يستلزم الخيلاء ولو لم يقصده اللابس، ويؤيده ما أخرجه أحمد بن منيع (2) عن ابن عمر في أثناء حديث رفعه:"إياك وجرَّ الإزار؛ فإن جر الإزار من المخيلة". وأخرج الطبراني (3) من حديث أبي أمامة: بينما نحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ لحقنا عَمرو بن زرارة الأنصاري في حلةٍ؛ إزارٍ ورداءٍ قد أسبل، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يأخذ بناحية ثوبه ويتواضع لله تعالى ويقول:"عبدك وابن عبدك وأمتك". حتى سمعها عمرو، فقال: يا رسول الله، إني حمش الساقين (4). فقال: "يا عمرو، إن الله تعالى قد أحسن كلَّ شيء خلقه، يا عمرو، إن الله
(أ) في جـ: ساقه.
(ب) في ب، جـ: لعلة. والمثبت من العارضة، وينظر الفتح 10/ 264.
_________
(1)
عارضة الأحوذي 7/ 238.
(2)
كما في الفتح 10/ 264.
(3)
المعجم الكبير 8/ 277 ح 7909.
(4)
يقال: رجل حمش الساقين وأحمش الساقين: أي دقيقهما. النهاية 1/ 440.
لا يحب المسبل" (1) الحديث. وأخرجه [الطبراني] (أ) عن عمرو بن زرارة، وفيه: وضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم بأربع أصابع تحت ركبة عمرو، فقال: "يا عمرو، هذا موضع الإزار". ثم ضرب بأربع أصابع تحت الأربع فقال:"يا عمرو، وهذا موضع الإزار" الحديث. ورجاله ثقات، وظاهره أن عمرًا لم يقصد الخيلاء وقد منعه (ب) منه لكونه مظنته، وغير هذا من الأحاديث الدالة على منع الإسبال وإن لم يقصد به الخيلاء، وما يفهم منها من قصد إرادة العموم معارض للمفهوم، فلا يخصص المفهوم. وما أخرجه ابن أبي شيبة (2) عن ابن مسعود بسندٍ جيد، أنه كان يسبل إزاره، فقيل له في (جـ) ذلك فقال: إني أحمش الساقين. فهو محمول على أنه أسبله قدرًا زائدا على المستحب من نصف الساق، ولعله فعل ذلك إلى الكعب أو أعلى منه وهو جائز، ولا يظن به أنه جاوز الكعب؛ إذ لا حاجة إلى ذلك لحصول ستر الساق بدونه، ولعله لم يبلغه قصة عمرو بن زرارة.
وحكم غير الثوب والإزار حكمهما؛ ولذلك لما سأل شعبة مُحارب -بضم الميم وبعدها حاء مهملة وبالراء المهملة المكسورة بعدها باء موحدة بوزن مقاتل- بن دِثار بكسر المهملة وتخفيف الثاء المثلثة -فقال شعبة: أذَكَر
(أ) في ب، جـ: الطبري. والمثبت من الفتح 10/ 264.
(ب) في جـ: تبعه.
(جـ) ساقطة من: ب.
_________
(1)
في مصدر التخريج: المسبلين.
(2)
ابن أبي شيبة 8/ 202.
الإزار؟ قال: ما خص إزارًا ولا قميصا (1). ومقصوده أن التعبير بالثوب يشمل الإزار وغيره، ويؤيد ذلك ما أخرجه أصحاب السنن إلا الترمذي (2) عن ابن عمر عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"الإسبال في الإزار والقميص والعمامة، من جرَّ منها شيئًا خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة". وفي إسناده عبد العزيز بن [أبي](أ) رواد، وفيه مقال.
قال ابن بطال: وإسبال العمامة المراد به إرسال العذبة زائدًا على ما جرت به العادة. وقد أخرج النسائي (3) من حديث عمرو بن أمية أن النبي صلى الله عليه وسلم أرخى طرف عمامته بين كتفيه. انتهى. وكذلك أكمام القميص تطويلها زائد على المعتاد كما يفعله بعض أهل الحجاز إسبالٌ محرم، وقد نقل القاضي عياض عن العلماء كراهة كل ما زاد على العادة وعلى المعتاد في اللباس من الطول والسعة. والله أعلم.
1217 -
وعنه رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إذا أكل أحدكم فليأكل بيمينه، وإذا شرب فليشرب بيمينه، فإن الشيطان يأكل بشماله ويضرب بشماله". أخرجه مسلم (4).
الحديث فيه دلالة على استحباب الأكل والشرب باليمين وكراهتهما
(أ) ساقطة من ب، جـ. والمثبت من تهذيب الكمال 18/ 136.
_________
(1)
البخاري 10/ 258 ح 5791.
(2)
أبو داود 4/ 59 ح 4094، وابن ماجه 2/ 1184 ح 3576، والنسائي 8/ 208 من حديث ابن عمر.
(3)
النسائي 8/ 211.
(4)
مسلم، كتاب الأشربة، باب آداب الطعام والشراب وأحكامهما 3/ 1598 ح 2020/ 105.
بالشمال، وقد زاد نافع الأخذ والإعطاء (1)؛ وهذا إذا لم يكن له عذرٌ، فإن عرض مانع من مرض أو جراحة أو غير ذلك، فلا كراهة في الشمال. وأنه ينبغي اجتناب الأفعال التي تشبه أفعال الشياطين. وأن الشيطان يأكل ويشرب وأن له يدين. والله أعلم.
1218 -
وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كُلْ واشربْ والبس وتصدقْ في غير سَرفٍ ولا مَخيلة". أخرجه أبو داود وأحمد وعلقه البخاري (2)، ثبت هذا التعليق في البخاري للمستملي والسرخسي فقط، وسقط للباقين ولم يصله البخاري في محل آخر.
وقوله: "في غير سرف". يدل على أن الإسراف منهي عنه؛ وهو عبارة عن مجاوزة الحد في كل فعل أو (أ) قولٍ، وهو في الإنفاق أشهر، وقد قال الله تعالى:{قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ} (3)، وقال الله تعالى:{فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ} (4).
وقوله: "ولا مخيلة". بوزن عطيمة وهي الخيلاء والتكبر. قال
(أ) في ب: و.
_________
(1)
مسلم 3/ 1599 ح 2020/ 106.
(2)
الحديث أخرجه أحمد 2/ 181، والبخاري، كتاب اللباس، باب قول الله تعالى:{قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ} 10/ 252، والحديث لم نجده عند أبي داود وهو عند ابن ماجه كتاب اللباس، باب البس ما شئت 2/ 1192 ح 3605.
(3)
الآية 53 من سورة الزمر.
(4)
الآية 33 من سورة الإسراء.
الراغب (1): الخيلاء في النفس، ووجه الحصر في الإسراف والمخيلة أن المنوع من تناوله أكلا ولبسًا وغيرهما، إما لمعنى فيه وهو تجاوز الحد وهو الإسراف، وإما للتعبد كالحرير إن ثبتت علة النهي عنه وهو الراجح. ومجاوزة الحد تتناول مخالفة ما ورد به الشرع، فدخل الحرام وقد يستلزم الإسراف الكبر وهو المخيلة، قال الموفق عبد اللطيف البغدادي: هذا الحديث جامع لفضائل تدبير الإنسان نفسه، وفيه تدبير مصالح النفس والجسد في الدنيا والآخرة، فإن السرف في كل شيء يضر بالجسد ويضر بالعيشة ويؤدي إلى الإتلاف، فيضر بالنفس إذا كانت تابعة للجسد في أكثر الأحوال، والمخيلة تضر بالنفس حيث تكسبها العُجب، وتضر بالآخرة حيث تكسب الإثم، وبالدنيا حيث تكسب المقت من الناس.
وعلق البخاري (2) عن ابن عباسٍ وقال: قال ابن عباسٍ: كلْ ما شئت واشرب ما شئت، ما أخطأك ثنتان، سرف أو مخيلة.
(1) المفردات (خ ي ل).
(2)
البخاري 10/ 252 قبل حديث 5783.