الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
باب الذكر والدعاء
الذكر: مصدر ذكر يذكر، وهو ما يجري على اللسان، والمراد هنا هو ذكر خاص، وهو ذكر الله تعالى بالألفاظ التي ورد الترغيب في قولها والإكثار منها، مثل سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلَّا الله والله أكبر، وما يلحق بهامش الحولقة (1) والبسملة والاستغفار، ونحو ذلك، والدعاء بخيري الدُّنيا والآخرة.
والدعاء مصدر دعا. والدعوة: المسألة الواحدة. والدعاء: الطّلب. والدعاء إلى الشيء: الحثُّ علي فعله بقول (أ): دعوت فلانًا. سألته. ودعوته: استعنته (ب). ويطلق أيضًا على رفعة القدر؛ كقوله تعالى: {لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ} (2). كذا قال الراغب (3). ويمكن رده إلى الذي قبله. ويطلق الدعاء أيضًا على العبادة. والدعوى بالقصر: الدعاء؛ كقوله تعالى: {وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ} (4). والادعاء كقوله تعالى: {فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا} (5). ويطلق الدعاء على التّسمية؛ كقوله تعالى:
(أ) في جـ: بقوله.
(ب) في جـ: أستعينه.
_________
(1)
الحولقة: هي الحوقلة. يقال: حوقل فلان. قال: لا حول ولا قوة إلَّا بالله. الوسيط (حوقل). وينظر ما سيأتي ص 417.
(2)
الآية 43 من سورة غافر.
(3)
المفردات في غريب القرآن ص 170.
(4)
الآية 10 من سورة يونس.
(5)
الآية 5 من سورة الأعراف.
{لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا} (1). وقال الراغب (2): الدعاء والنداء واحد، لكن قد يتجرد النداء عن الاسم، والدعاء لا يكاد يتجرد. وقال الإمام أبو القاسم القشيرى في "شرح الأسماء الحسنى" ما ملخصه (3): جاء الدعاء في القرآن على وجوه؛ منها، العبادة:{وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ} (4)، ومنها الاستغاثة:{وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ} (5). (أومنها أ) السؤال: {ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} (6). ومنها القول: {دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ} (7). والنداء: {يَوْمَ يَدْعُوكُمْ} (8). والثناء: {قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَو ادْعُوا الرَّحْمَنَ} (9). انتهى.
والمراد هنا: الطّلب من الله سبحانه وتعالى خير الدُّنيا وخير الآخرة، والاستعاذة من شرورهما.
وأعلم أن العلماء اختلفوا في الأفضل؛ الدعاء أو (ب) التفويض والتسليم،
(أ- أ) ساقط من: جـ.
(ب) في جـ: و.
_________
(1)
الآية 63 من سورة النور.
(2)
المفردات ص 169، 170.
(3)
الفتح 11/ 94.
(4)
الآية 106 من سورة يونس.
(5)
الآية 23 من سورة البقرة.
(6)
الآية 60 من سورة غافر.
(7)
الآية 10 من سورة يونس.
(8)
الآية 52 من سورة الإسراء.
(9)
الآية 110 من سورة الإسراء.
وذهب الأكثر إلى أن الدعاء أفضل، واحتجوا بقوله تعالى:{ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} . فإن الأمر أقل أحواله أن يكون للندب هنا. وقوله: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ} (1) الآية. ودلت عليه (أ) آثار كثيرة؛ منها ما أخرجه التِّرمذيُّ (2) من حديث أنصر رفعه: "الدعاء منع العبادة". وحديث أبي هريرة رفعه: "من لم يسأل الله يغضب عليه". أخرجه البُخاريّ في "الأدب المفرد" والترمذي، وابن ماجه، والحاكم، كلهم من رواية أبي صالح الخوزي (3) -بضم الخاء المعجمة وسكون الواو ثم زاي معجمة- وهو مختلف فيه (4)؛ ضعفه ابن معين (5)، وقوَّاه أبو زرعة (6)، وليس هو أبا صالح السمان (7) كما ظنه الحافظ ابن كثير (8). قال الطيبي (9): معناه أن من لم يسأل الله يبغضه، والمبغوض مغضوب عليه، والله يحب أن يسأل. انتهى.
(أ) في جـ: على.
_________
(1)
الآية 186 من سورة البقرة.
(2)
التِّرمذيُّ 5/ 425 ح 3371.
(3)
البُخاريّ 2/ 113، 114 ح 658، والترمذي 5/ 426 ح 3373، وابن ماجه 2/ 1258 ح 8327، والحاكم 1/ 491.
(4)
أبو صالح الخوزي، لين الحديث. التقريب ص 649، وينظر تهذيب الكمال 33/ 418.
(5)
الكامل في ضعفاء الرجال 7/ 2749.
(6)
الجرح والتعديل 9/ 393.
(7)
ذكوان، أبو صالح السمان الزيات المدني، ثقة ثبت. التقريب ص 203، وينظر تهذيب الكمال 8/ 513.
(8)
تفسير ابن كثير 7/ 143. وينظر الفتح 11/ 95.
(9)
الفتح 11/ 95.
وحديث ابن مسعود رفعه: "سلوا (أ) الله من فضله؛ فإن الله يحب أن يسأل". أخرجه التِّرمذيُّ (1)، وحديث ابن عمر رفعه:"إن الدعاء ينفع ممَّا نزل ومما لم ينزل، فعليكم عباد الله بالدعاء". وفي سنده لين، وقد صححه مع ذلك الحاكم (2)، وأخرج الطّبرانيّ في "الدعاء" (3) بسند رجاله ثقات إلَّا أن فيه عنعنة بقية (4) عن عائشة مرفوعًا:"إن الله يحب الملحين في الدعاء". وذهب طائفة إلى أن ترك الدعاء والاستسلام للقضاء أفضل، وتأولوا الآية الكريمة بأن المراد بالدعاء العبادة؛ لقوله في آخر الآية:{إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي} (5). ولحديث النُّعمان بن بشير عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: "الدعاء هو العبادة". ثم قرأ الآية. أخرجه الأربعة وصححه التِّرمذيُّ والحاكم (6). وأجاب الجمهور أن الدعاء من أعظم العبادة فأطلق في آخر الآية العبادة على الدعاء لما كان الدعاء ركنها الأعظم، كقوله:"الحج عرفة"(7). وقال الإمام تقي الدين السبكي رحمه الله (8): إن العبادة تشمل الدعاء فهي
(أ) في جـ: سألوا.
_________
(1)
التِّرمذيُّ 5/ 528 ح 3571.
(2)
الحاكم 1/ 493.
(3)
الدعاء 2/ 794، 795 ح 20.
(4)
تقدمت ترجمته في 1/ 122.
(5)
الآية 60 من سورة غافر.
(6)
أبو داود 1/ 77 ح 1479، والترمذي 5/ 194، 195 ح 2969، والنَّسائيُّ في الكبرى 6/ 450 ح 11464، وابن ماجه 2/ 1258 ح 8328، والحاكم 1/ 490، 491.
(7)
تقدم تخريجه في 5/ 332.
(8)
الفتح 11/ 95.
أعم، والدعاء أخص، فأريد بقوله:{ادْعُونِي} . حقيقة الدعاء.
وقوله: {إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي} . مراد به العبادة من حيث عمومها للدعاء، فالربط بين العلة والمعلل عموم العبادة للدعاء، وكونه جزئيًّا من جزئيات العبادة، فمن استكبر عن العبادة استكبر عن الدعاء؛ لوجود الخاص في ضمن العام، وعلى هذا، فالوعيد إنما هو في حق من ترك الدعاء استكبارًا، ومن فعل ذلك كفر، وأمَّا تركه لمقصد من المقاصد، فلا يتوجه إليه الوعيد المذكور، وإن كُنَّا نرى أن ملازمة الدعاء والاستكثار منه أرجح من الترك؛ لكثرة الأدلة الواردة في الحض عليه.
وقال الطيبي في حديث النُّعمان (1): أن تُحْمَلَ العبادة على المعنى اللغوي، وهو التذلل، إذ الدعاء هو إظهار غاية التذلل والافتقار، ولذا ختم الآية بقوله:{إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي} الآية. وحكى القشيري في "الرسالة"(2) الخلاف في الأفضل، ورجح أن الأفضل الدعاء؛ لكثرة الأدلة، ولما فيه من إظهار الخضوع والافتقار. قال: وشبهة القول الآخر أن الداعي لا يعرف ما قدر له، فدعاؤه إن كان على وفق المقدور (أ) فهو تحصيل الحاصل، وإن كان على خلافه فهو معاندة. ويجاب عن الأول، أن فعل الدعاء إنَّما هو لأجل كونه عبادة فليس تحصيلًا للحاصل، وعن الثَّاني أنَّه إذا (ب) كان
(أ) في جـ: المقدر.
(ب) في جـ: إن.
_________
(1)
الفتح 11/ 95.
(2)
الرسالة 2/ 527، 528، والفتح 11/ 95.
يعتقد أنَّه لا يقع إلَّا ما قدر (أ) الله فلا معاندة؛ لأنَّ الله تعالى خالق الأسباب ومسبباتها (ب). قال: وقالت طائفة: ينبغي أن يكون داعيًا بلسانه راضيًا بقلبه. قال: والأولى أن يقال: إذا (جـ) وجاء في قلبه إشارة الدعاء، أفضل وبالعكس. ومن حجتهم قوله تعالى:{بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ} (1). فجعل الكشف مقيدًا بالمشيئة، وظاهر قوله:{ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} (2). ألا تتخلفٌ الاستجابة عن الدعاء، وفي الواقع ليس كذلك، أنَّه ليس كل داع يستجاب له، ويجاب عنه بأنه ملتزم ألا تتخلف الإجابة عن الدعاء، ولكنها تتنوع كما ورد في حديث عبادة بن الصَّامت، أخرجه التِّرمذيُّ والحاكم (3) بإسناد صحيح يرفعه:"ما على الأرض مسلم يدعو بدعوة إلَّا آتاه الله إياها، أو صرف عنه من السوء مثلها". ولأحمد (4) من حديث أبي هريرة: "إما أن يعجلها له، وإما أن يدخرها له". وله (5) من حديث أبي سعيد يرفعه: "ما من مسلم يدعو بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم إلَّا أعطاه الله بها
(أ) في جـ: قدره.
(ب) في حاشية ب: على أنَّه قد أخرج الحاكم عن عائشة وصححه مرفوعًا: لا يغني حذر من قدر. والدعاء ينفع ممَّا نزل ومما لم ينزل، وإن النبلاء لينزل فيتلقاه الدعاء فيعتلجان إلى يوم القيامة. وأخرج عن ثوبان وصححه يرفعه: لا يرد القدر إلَّا الدعاء. وأخرج عن ابن عمر مرفوعًا: الدعاء ينفع ممَّا نزل ومما لم ينزل. انتهى من المستدرك للحاكم الدعاء.
(جـ) في جـ: إذ.
_________
(1)
الآية 41 من سورة الأنعام.
(2)
الآية 60 من سورة غافر.
(3)
التِّرمذيُّ 5/ 529 ح 3573، والحاكم -كما في الترغيب والترهيب للمنذري 2/ 478.
(4)
أحمد 2/ 448.
(5)
أحمد 3/ 18.
إحدى ثلاث؛ إما أن يعجل له دعوته، وإما أن يدخرها له في الآخرة، وإما أن يصرف عنه من السوء مثلها". وصححه الحاكم (1).
وللإجابة شروط؛ منها طيب المطعم والملبس؛ لحديث "فأنى يستجاب لذلك"(2). ومنها ألا يستعجل؛ لحديث: "يستجاب لأحدكم ما لم يقل: دعوت فلم يستجب لي". أخرجه مالك (3)
1298 -
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يقول الله تعالى: أنا مع عبدي ما ذكرني وتحركت بي شفتاه". أخرجه ابن ماجه وصححه ابن حبان وذكره البُخاريّ تعليقًا (4).
قوله: "مع عبدي ممَّا ذكرني". أي بعلمي، كقوله تعالى:{إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى} (5). والمعية المذكورة أخص من المعية التي في قوله تعالى: {مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إلا هُوَ رَابِعُهُمْ} إلى قوله: {إلا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا} (6). أي معه بالرحمة والتوفيق والهداية والرعاية والإعانة، وأمَّا قوله تعالى:{وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ} (7). فمعناه العلم
(1) الحاكم 1/ 493.
(2)
مسلم 2/ 703 ح 1015، والترمذي 5/ 205 ح 2989.
(3)
الموطأ 2/ 213.
(4)
ابن ماجه، كتاب الأدب، باب فضل الذكر 2/ 1246 ح 3792، وابن حبان، كتاب الرقاق، باب الأذكار 3/ 97 ح 815، والبخاري، كتاب التوحيد، باب قول الله تعالى:{لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ} . 13/ 499 قبل ح 7524.
(5)
الآية 46 من سورة طه.
(6)
الآية 7 من سورة المجادلة.
(7)
الآية 4 من سورة الحديد.
والإحاطة، ويكون من باب الاستعارة التمثيلية، شبه إسبال الرحمة والتوفيق وإحاطته بالنعم على الذاكر مع الرضى بحاله بحال الصاحب الملازم لمن (أ) صحبه، فاستعمل فيه "مع" الدّالة على معنى الصاحبة. وقال ابن أبي حمزة (1): معناه: أنا معه بحسب ما قصد من ذكره لي. قال: ثم يحتمل أن يكون الذكر باللسان فقط أو بالقلب فقط أو بهما، أو بامتثال الأمر واجتناب النَّهي. قال: والذي تدل عليه الأخبار أن الذكر على نوعين؛ أحدهما، مقطوع لصاحبه بما تضمنه هذا الخبر، والثاني، على خطر. قال: والأول مستفاد من قوله تعالى: {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ} (2). والثاني من الحديث الذي فيه: "من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر لم يزدد من الله إلَّا بعدا"(3). لكن إن كان في حال المعصية يذكر الله بخوف ووجل ممَّا [هو](ب) فيه، فإنَّه يرجى له. والحديث في البُخاريّ (4) أخرجه عن أبي هريرة بلفظ قال: قال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: "يقول الله عز وجل: أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه إذا ذكرني؛ فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرنى في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم، وإن تقرب إلي بشير تقربت إليه ذراعًا، وإن تقرب إلي ذراعًا تقربت منه باعًا، ومن أتاني يمشي أتيته هرولة".
(أ) في جـ: بمن.
(ب) ساقط من: جـ.
_________
(1)
الفتح 13/ 386.
(2)
الآية 7 من سورة الزلزلة.
(3)
الطّبرانيّ 11/ 54 ح 11025.
(4)
البُخاريّ 13/ 384 ح 7405.
1299 -
وعن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما عمل ابن آدم عملًا أنجى له من عذاب الله من ذكر الله". أخرجه ابن أبي شيبة والطبراني (1) بإسناد حسن.
الحديث فيه دلالة على فضيلة ذكر الله تعالى، وأنه المنجي من المخاوف في الآخرة.
1300 -
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما جلس قوم مجلسًا يذكرون الله إلَّا حفتهم الملائكة وغشيتهم الرحمة وذكرهم الله فيمن عنده". أخرجه مسلم (2).
قوله: "حفتهم الملائكة". أي يدنون منهم ويقيمون حولهم، وقد جاء في حديث البُخاريّ:"فيحفونهم بأجنحتهم"(3). أي يدنون أجنحتهم حول الذاكرين. وهو في معنى حديث مسلم؛ لأنهم إذا أدنوا أجنحتهم حولهم فقد حفوا بهم.
وقوله: "وغشيتهم الرحمة". أي صارت الرحمة محيطة بهم حتَّى صارت لهم كالغشاء المحيط بالمغشي.
والحديث فيه دلالة على فضيلة مجالس الذكر والذاكرين، وفضل الاجتماع على ذلك، وفيه محبة الملائكة لبني آدم واعتناؤهم بهم، كما في
(1) ابن أبي شيبة 10/ 299، والطبراني 20/ 166، 167 ح 352.
(2)
مسلم، كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب فضل الاجتماع على تلاوة القرآن وعلى الذكر 4/ 2074 ح 2700/ 39.
(3)
البُخاريّ 11/ 208، 209 ح 6408.
تمام حديث البُخاريّ، والمراد بالملائكة هنا هم الملائكة الطوافون لالتماس أهل الذكر، كما جاء في رواية البُخاريّ (1):"إن لله ملائكة يطوفون في الطرق يلتمسون أهل الذكر، فإذا وجدوا قومًا يذكرون الله تعالى تنادوا: هلموا إلى حاجتكم". قال: "فيحفونهم بأجنحتهم إلى السماء الدُّنيا" الحديث. والمراد بالذكر في هذا الحديث، هو التسبيح والتكبير والتحميد والتمجيد، وهذا مذكور في تمام حديث البُخاريّ من جواب الملائكة، وفي رواية الإسماعيلي (2) زيادة:"ويذكرونك". وفي حديث أنس عند البزار (3): "يعظمون آلاءك، ويتلون كتابك، ويصلون على نبيك، ويسألونك لآخرتهم ودنياهم". ويؤخذ من هذا أنَّه لا يدخل في مجالس الذكر قراءة الحديث، ومدارسة العلم الشريف ومذاكرته، والاجتماع على صلاة النافلة، ولا يبعد أن يكون لمجالس التسبيح والتكبير ونحوهما خصوصية زائدة، وإن كان الذكر يطلق على المواظبة على العمل بما أوجبه الله أو ندب إليه؛ [كقراءة](أ) الحديث، ومدارسة العلم، والتنفل بالصلاة. ثم الذكر يقع باللسان ويؤجر عليه الناطق، ولا يشترط الاستحضار لمعناه، ولكن يشترط ألا يقصد به غيره، وإن انضاف إلى النطق الذكر بالقلب فهو أكمل، وإن انضاف إلى ذلك استحضار معنى الذكر وما اشتمل عليه من
(أ) في ب، جـ: وكقراءة. والمثبت يقتضيه السياق.
_________
(1)
تقدم تخريجه في الصفحة السابقة حاشية "2".
(2)
الفتح 11/ 212. بلفظ: وهم يذكرونك.
(3)
كشف الأستار 4/ 4، 5 ح 3062.
تعظيم الله تعالى ونفي النقائص عنه، ازداد كمالًا، فإن وقع ذلك في عمل صالح ممَّا فرض من صلاة أو جهاد أو غيرهما ازداد كمالًا، فإن صح التوجه، وأخلص لله تعالى في ذلك، فهو أبلغ الكمال.
وقال الفخر الرازي (1): المراد بذكر اللسان: الألفاظ الدّالة على التسبيح والتحميد والتمجيد، والذكر بالقلب: التفكر في أدلة الذّات والصفات، وفي أدلة التكاليف من الأمر والنهي حتَّى يطلع على أحكامها، وفي أسرار مخلوقات الله تعالى، والذكر بالجوارح؛ هو أن تفسير مستغرقة في الطاعات، ومن ثَمَّ سَمَّى الله الصَّلاة ذكرًا؛ فقال:{فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ} (2). ونقل عن بعض العارفين قال: الذكر على سبعة أنحاء؛ فذكر العينين بالبكاء، وذكر اللسان بالثناء، وذكر الأذنين بالإصغاء، وذكر اليدين بالعطاء، وذكر البدن بالوفاء، وذكر القلب بالخوف والرجاء، وذكر الروح بالتسليم والرضا. وقد وردت أحاديث كثيرة تدل على تفضيل الذكر على سائر الأعمال وعلى الجهاد؛ كما في حديث أبي الدرداء مرفوعًا، أخرجه التِّرمذيُّ وابن ماجه وصححه الحاكم (3):"ألا أخبركم بخير أعمالكم، وأزكاها عند مليككم، وأرفعها في درجاتكم، وخير لكم من إنفاق الذهب والورق، وخير لكم من أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم". قالوا: بلى. قال: "ذكر الله عز وجل".
وقد ورد في فضل الجهاد كذلك أحاديث، وأنه أفضل من الذكر، كما
(1) الفتح 11/ 209.
(2)
الآية 9 من سورة الجمعة.
(3)
التِّرمذيُّ 5/ 428، 429 ح 3377، وابن ماجه 2/ 1245 ح 3790 والحاكم 1/ 496.
في قوله: "إنه كالصائم لا يفطر والقائم لا يفتر"(1). وطريق الجمع، والله أعلم، أن المراد بالذكر الذي هو أفضل الأعمال؛ هو الذكر الكامل الذي يجتمع فيه ذكر اللسان والقلب بالتفكر في المعنى، واستحضار عظمة الله تعالى، وأن الذي يحصل له ذلك يكون أفضل من الذي يقاتل الكفار من غير استحضار لذلك، وأن أفضلية الجهاد إنما هي بالنسبة إلى ذكر اللسان المجرد، فمن ذكر الله سبحانه جامعًا للسان والقلب في حال صلاته، أو صيامه، أو تصدقه، أو جهاده، فهو الذي بلغ الغاية القصوى. وأجاب القاضي أبو بكر بن العربي (2) بأنه: ما من عمل صالح إلَّا والذكر مشترط في تصحيحه، فمن لم يذكر الله عند صدقته أو صيامه فليس عمله كاملًا، فصار الذكر أفضل الأعمال من هذه الحيثية، ويشير إلى هذا حديث (أ)"نية المؤمن خير من عمله"(3). والله أعلم.
1301 -
وعنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما قعد قوم مقعدًا لم يذكروا الله تعالى، ولم يصلوا على النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، إلَّا كان حسرة عليهم يوم القيامة". أخرجه التِّرمذيُّ (4)، وقال: حسن.
الحديث ورد بلفظ: "إلَّا كان عليهم حسرة"(5). وبلفظ: "إلَّا كان
(أ) ساقط من: جـ.
_________
(1)
ابن أبي شيبة 5/ 319 من حديث أبي سعيد.
(2)
الفتح 11/ 210.
(3)
أخرجه الطّبرانيّ 6/ 228 ح 5942 من حديث سهل بن سعد.
(4)
التِّرمذيُّ، كتاب الدعوات، باب في القوم يجلسون ولا يذكرون الله 5/ 430 ح 3380.
(5)
أحمد 2/ 463، وابن حبان 2/ 352، 353 ح 591، 592.
عليهم تِرة" (1). والتِّرة بكسر التاء المنقوطة بنقطين من أعلى وهي بمعنى السيرة، كما في الرّواية الأخرى. وقيل: هي النَّار. وقيل: الذنب. وقال ابن الأثير (2): هي النقص. وقيل: التبعة. والهاء فيه عوض عن الواو المحذوفة مثل "عِدَة"، ويجوز في "ترة" و "حسرة" الرفع على اسمية "كان"، والخبر "عليهم"، ويجوز النصب على خبرية "كان"، واسمها ضمير المجلس. وزاد الترمذي في آخره: "فإن شاء عذبهم، وإن شاء غفر لهم". وفي رواية صححها الحاكم (3) -واعترضه الذَّهبيُّ بأن في سندها ضعفًا- بلفظ:"أيما قوم جلسوا فأطالوا الجلوس ثم تفرقوا قبل أن يذكروا الله عز وجل ويصلوا على نبيه صلى الله عليه وسلم، إلَّا كان عليهم ترة من الله تعالى، فإن شاء عذبهم وإن شاء غفر لهم". وفي أخرى (4): "ما جلس قوم يذكرون (أ) الله عز وجل ثم لم يصلوا على نبيه صلى الله عليه وسلم، إلَّا كان ذلك (ب) المجلس عليهم ترة، ولا قعد قوم لم يذكروا الله تعالى إلَّا كان عليهم ترة". قال الحاكم: صحيح على شرط البُخاريّ. وفي أخرى عند أحمد (5): "ما جلس قوم مجلسًا لم يذكروا الله تعالى إلَّا كان عليهم ترة، وما من رجل مشى طريقًا فلم
(أ) في ب: لم يذكروا، وفي جـ: لم يذكر، والمثبت من مصدر التخريج.
(ب) ساقطة من: جـ.
_________
(1)
وهو لفظ التِّرمذيِّ، وأخرجه بهذا اللفظ أيضًا أبو داود 4/ 264 ح 4856.
(2)
النهاية 1/ 189.
(3)
الحاكم 1/ 496.
(4)
الحاكم 1/ 550.
(5)
أحمد 2/ 432.
يذكر الله تعالى إلا كان عليه ترة، وما من رجل أوى [إلى] (أ) فراشه فلم يذكر الله عز وجل إلَّا كان عليه ترة". وفي أخرى (1):"إلَّا كان عليهم حسرة يوم القيامة وإن دخلوا الجنة؛ للثواب". وفي أخرى بسند صحيح (2): "لا يجلس قوم مجلسًا لا يصلون فيه على النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، إلَّا كان عليهم حسرة وإن دخلوا الجنة؛ لما يرون من الثواب". وجاء بسند صحيح على شرط مسلم (3): "ما اجتمع قوم ثم تفرقوا عن غير ذكر الله عز وجل والصلاة على نبيه صلى الله عليه وسلم، إلَّا قاموا عن أنتن جيفة".
وفي الحديث دلالة على وجوب الذكر والصلاة في المجلس، لا سيما إذا فسرت الترة بالنار أو العذاب، ومع زيادة قوله:"فإن شاء عذبهم". فإن التعذيب إنَّما هو للذنب، واحتمال أن يكون التعذيب بذنب آخر، وأنه مع الصَّلاة على النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم وذكر الله تعالى يغفر لهم الذنوب، ومع عدمها يكون الغفران واقفًا على المشيئة (ب)، والحسرة تكون في الموقف لما فاتهم من ثواب الذكر والصلاة، وإن صاروا إلى الجنة.
وقد ذكر أنَّه تشرع الصَّلاة عليه صلى الله عليه وسلم في أمور مخصوصة، وهي ستة وأربعون؛ الأول: بعد الفراغ من الوضوء والغسل والتيمم. وقد ورد في
(أ) ساقط من: ب، جـ. والمثبت من المسند.
(ب) زاد بعده في جـ: تعبد.
_________
(1)
تقدم في الصفحة السابقة هامش (1).
(2)
البيهقي في الشعب 2/ 215 ح 1571. من حديث أبي سعيد.
(3)
الحاكم 1/ 492.
ذلك أحاديث ضعيفة: "إذا فرغ أحدكم من طهره فليقل: أشهد أن لا إله إلَّا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، ثم ليصل على النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، فإذا قال، فتحت له أبواب الرحمة"(1). وفي رواية: "الجنة"(2). وله طرق وربما رَقي (أ) بها إلى درجة الحسن، ويقاس الغسل والتيمم، وفي رواية أخرى ضعيفة (3):"لا وضوء لمن لا يصلِّي على النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم". أي لا وضوء كامل.
الثَّاني: الصَّلاة في التشهد الأخير -وفي الأوسط عند جماعة من الشَّافعية- وفي قنوت الوتر، وقيل عليه قنوت الفجر بلفظ:"وصل على النَّبيِّ". كذا رواه النَّسائيّ (4)، ووهم من زاد عليه. "محمد وسلم". قال النووي (5): والحديثٌ صحيحٌ أو حسن. واعترض عليه بأن فيه انقطاعًا مع ما فيه من الاختلاف على راويه (ب) وشذوذه. وعن بعض الصّحابة أنَّه كان إذا دخل العشر -أي الأخيرة من رمضان- زاد في قنوت رمضان: اللَّهم صلِّ على محمد كما صليت على إبراهيم، اللَّهم بارك على محمد كما باركت على إبراهيم، إنك حميد مجيد، اللَّهم صلِّ على عبدك ورسولك، والسلام عليه ورحمة الله وبركاته. ونقل صاحب "الأنوار" عن العجلي،
(أ) في ب: ترقى.
(ب) في ب: رواته، وفي جـ: روايه. والاختلاف فيه على موسى بن عقبة، فالمثبت يقتضيه السياق. وينظر التلخيص 1/ 248.
_________
(1)
البيهقي 1/ 44.
(2)
أبو نعيم في أخبار أصبهان 1/ 198.
(3)
الطّبرانيّ 6/ 147، 148 ح 5699. من حديث سهيل بن سعد.
(4)
النَّسائيّ 3/ 248.
(5)
المجموع 3/ 479.
أنَّه يسن لمن قرأ آية في الصَّلاة فيها ذكر النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، أن يصلِّي على النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، ويسن أيضًا للسامع، ورجح النووي أنَّه لا يندب، والأحسن أن يصلي في نفسه، ونص أحمد على أنَّه يندب ذلك في النافلة، وأطلق الحسن البصري ندبه.
الثالث: عقيب الصَّلاة، وقد روي حديث ضعيف (1):"من دعا بهؤلاء الدعوات في دبر كل صلاة مكتوبة، حلت له الشفاعة مني يوم القيامة: اللَّهم أعط محمدًا الوسيلة و [اجعله] (أ) في المصطفين محبته، وفي العالين (ب) درجته، وفي المقربين داره".
الرابع: عقيب إقامتها (2) وعقيب الأذان فتسن عقيبهما، ثم يقول:"اللَّهم رب هذه الدعوة التامة". الحديث. روى مسلم (3): "إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول، ثم صلوا علي، فإنَّه من صَلَّى علي صلاة صَلَّى الله عليه بها عشرًا، ثم سلوا الله تعالى لي الوسيلة، فإنَّها منزلة في الجنة لا تنبغي إلَّا لعبد من عباد الله، وأرجو أن يكون هو أنا، فمن سأل الله تعالى لي الوسيلة حلت له الشفاعة". ومعنى "حلت": وجبت. وقد ورد في رواية
(أ) في ب: اجعل.
(ب) في ب، جـ، وفي مصدر التخريج: العالمين. والمثبت من الترغيب والترهيب 2/ 454. وينظر ضعيف الترغيب 1/ 492 ح 989.
_________
(1)
الطبراني 8/ 283 ح 7926.
(2)
ابن السني ص 53 ح 105.
(3)
مسلم 1/ 288، 289 ح 384.
صحيحة (1)، ومعنى "وجبت": ثبتت. وقد جاء في رواية (2): "من قال حين ينادي المنادي: اللَّهم رب هذه الدعوة التامة، والصلاة القائمة، صلِّ على محمد، وارض عني رضًا لا سخط بعده. استجاب الله دعوته". وفي راوية البُخاريّ (3): "من قال حين يسمع النداء: اللَّهم رب هذه الدعوة التَّامة
…
". إلى آخره، يحتمل أن المراد بعد الأذان، ويحتمل أن يكون حاله، ورواية مسلم مصرحة بأنه يقول بعده.
الحامس: عند القيام لصلاة الليل من النوم؛ صح أنه صلى الله عليه وسلم قال: "يضحك الله سبحانه من رجلين؛ رجل لقي العدو وهو على فرس من أمثل خيل أصحابه، فانهزموا وثبت، فإن قتل استشهد، وإن بقي فذلك الذي يضحك الله تعالى إليه، ورجل قام في جوف الليل لا يعلم به أحد، فتوضأ وأسبغ الوضوء، ثم حمد الله تعالى ومجده وصلى على النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم واستفتح القرآن، فذلك الذي يضحك الله تعالى إليه، يقول: انظروا إلى عبدي قائمًا، لا يراه أحد غيري"(4).
السادس: بعد الفراغ من التهجد؛ أخرج النَّسائيّ وابن ماجه (5) عن عائشة رضي الله عنها قالت: كُنَّا نعد لرسول الله صلى الله عليه وسلم سواكه وطهوره، فيبعثه الله تعالى لما شاء أن يبعثه من الليل، فيستاك ويتوضأ ويصلي تسع
(1) الطّبرانيّ 12/ 85 ح 12554.
(2)
ابن السني في عمل اليوم والليلة ص 49 ح 96.
(3)
البخاري 2/ 94 ح 614.
(4)
النَّسائيّ في الكبرى 6/ 217 ح 10702.
(5)
النَّسائيّ 3/ 268 ح 1719، وابن ماجه 1/ 376 ح 1191. وليس عند ابن ماجه: ويصلي على النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم.
ركعات لا يجلس فيهن إلَّا عند الثامنة، ويحمد الله تعالى ويصلي على نبيه صلى الله عليه وسلم، ويدعو بينهن ولا يسلم، ثم يصلِّي التاسعة ويقعد -وذكر كلمة نحوها- ويحمد الله ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم ويدعو، ثم يسلم تسليمًا يسمعنا، ثم يصلِّي ركعتين وهو قاعد. كذا استدل بالحديث على هذا الأمر وليس فيه الصَّلاة بعد التمام، وإنَّما الصَّلاة في حال التشهد. والله أعلم.
السابع: عند دخول المسجد والخروج منه وعند القعود فيه؛ وقد جاء بسند حسن لكنَّه غير متصل أنَّه صلى الله عليه وسلم كان إذا دخل المسجد صَلَّى على محمد وسلم، ثم قال:"اللَّهم اغفر ذنوبي وافتح لي أبواب فضلك". وإذا خرج صَلَّى على محمد، ثم قال:"اللَّهم اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب فضلك"(1). وقد جاء في رواية ابن حبان وغيره (2) وأصله في مسلم (3) بلفظ: "إذا دخل أحد المسجد فليسلم على النبي صلى الله عليه وسلم، ثم ليقل: اللَّهم افتح لي أبواب رحمتك". مكان "فضلك" في الدخول، وفي (أ) الخروج:"أبواب فضلك". وفي رواية ضعيفة (4): "كان إذا دخل المسجد قال: بسم الله، اللَّهم صلِّ على محمد". وإذا خرح قال: "بسم الله، اللَّهم. صلِّ
(أ) ساقط من: جـ.
_________
(1)
التِّرمذيُّ 2/ 127، 128 ح 314، وابن ماجه 1/ 253، 254 ح 771، وفي الشطر الأول عندهما:"أبواب رحمتك". ولم أقف عليه بلفظ: "أبواب فضلك".
(2)
ابن حبان 5/ 395، 396 ح 2047 بلفظ:"اللَّهم أجرني من الشَّيطان الرجيم" بدل: "اللَّهم افتح لي أبواب فضلك". وأبو داود 1/ 124، 125 ح 465 بلفظ:"اللَّهم إنِّي أسألك من فضل".
(3)
مسلم 1/ 494 ح 713.
(4)
ابن السني في عمل اليوم والليلة ص 45 ح 88. من حديث أنس.
على محمد". وفي أخرى (1): "إذا دخل أحدكم المسجد فليسلم على النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، وليقل: اللَّهم افتح لي أبواب رحمتك. وإذا خرج فليصل على النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم وليقل: اللَّهم اعصمني من الشَّيطان". قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين. ورد عليه بأن فيه علة خفيت عليه، لكنَّه حسن بشواهده.
الثامن: يوم الجمعة (أ). ورد في الصَّلاة عليه يوم الجمعة أحاديث كثيرة، ومن ثم كتب عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى أن انشروا العلم يوم الجمعة؛ فإن غائلة العلم النسيان، وأكثروا الصلاة على النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة. قال الشَّافعي (2) رحمه الله تعالى: أحب كثرة الصَّلاة على النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم في كل حال، وأنا (ب) في يوم الجمعة وليلتها أشد استحبابًا. وقد ورد في حديث:"مائتي مرَّة"، و "ثمانين مرَّة". في رواية، وفي رواية زيادة يقول:"اللَّهم صلِّ على محمد عبدك ورسولك النَّبيِّ الأمي ثمانين مرَّة". وفي أخرى يقول بعد صلاة عصر يوم الجمعة: "اللَّهم صلِّ على محمد النَّبيُّ الأمي وعلى الله وسلم تسليمًا، ثمانين مرَّة"(جـ)، وفي أخرى:"مائة مرَّة"(4). وفي أخرى: "أربعين مرَّة"(5). وفي أخرى: "ألف مرَّة". يقول: "اللَّهم صلِّ
(أ) في جـ: القيامة.
(ب) في جـ: أما.
(جـ) ساقطة من: جـ.
_________
(1)
الحاكم 1/ 207 بلفظ: "اللَّهم أجرني من الشَّيطان الرجيم".
(2)
الأم 1/ 208.
(3)
الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد 13/ 459.
(4)
أبو نعيم في حلية الأولياء 8/ 47، والبيهقيّ شعب الإيمان 3/ 111 ح 3035.
(5)
ابن عساكر كما في مختصر تاريخ دمشق 2/ 413.
على محمد النَّبيِّ الأمي" (1). وفي أخرى (2) في سندها مجهول: "إذا كان يوم الخميس بعث الله ملائكة معهم صحف من فضة وأقلام من ذهب، يكتبون يوم الخميس وليلة الجمعة أكثر النَّاس صلاة على النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم ". وفي أخرى بسند ضعيف:"إن لله ملائكة خلقوا من النور، لا يهبطون إلَّا ليلة الجمعة ويوم الجمعة، بأيديهم أقلام من ذهب -وروي من فضة- وقراطيس من نور لا يكتبون إلَّا الصَّلاة على النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم"(3). وقد روي في الصَّلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في خصوص يوم السبت ويوم الأحد حديث وفيه أن اليهود والنصارى تكثر سبَّه صلى الله عليه وسلم فيهما. وذكر الغزالي (4) حديثًا بلا إسناد في صلاة أربع ركعات ليلة الاثنين يصلِّي على النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم في كل ركعة خمسًا وسبعين مرَّة، مع أشياء أخر، ثم يسأل الله حاجته، كان حقًّا على الله أن يعطه ما سأل". وتسمى صلاة الحاجة. وذكر المديني حديثًا في ليلة الثلاثاء في سنده من اتهم بالكذب، فيه صلاة أربع ركعات بعد العتمة قبل الوتر يقرأ في كل ركعة أشياء مخصوصة، ثم بعد الفراغ يصلِّي على النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم خمسين مرَّة، وذكر لذلك ثوابًا كبيرًا.
التاسع: في الخطب؛ كخطبة العيدين والجمعة والكسوفين والاستسقاء. وهي ركن في الخطبة، فكان السلف يسمون الخطبة بغير الصَّلاة على النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم البتراء.
العاشر: في أثناء تكبيرات العيد؛ لما صح عن ابن مسعود أنَّه علم الوليد
(1) أبو حفص بن شاهين -كما في الترغيب والترهيب للمنذري 2/ 501.
(2)
ابن عساكر 43/ 142.
(3)
أخرجه الديلمي في مسند الفردوس 1/ 227 ح 685.
(4)
الإحياء 1/ 360. وليس فيه ذكر الصَّلاة على النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم.
ابن عقبة حين سأله عن ذلك أن يحمد الله ويصلي على النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم ثم يدعو بين كل تكبيرتين، وصدقه على ذلك حذيفة وأبو موسى (1).
الحادي عشر: في صلاة الجنازة بعد التكبيرة الثَّانية عند الشافعية، وعند الهدوية بعد الثَّانية والثالثة والرابعة، وهىِ ركن عند الشَّافعي. وقد ورد في شرعيتها آثار عن الصّحابة. قيل: ويسن عند إدخال الميت القبر. للحديث الحسن أنَّه صلى الله عليه وسلم كان إذا وضع الميت في قبره قال: "بسم الله وعلى سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم (2) ". ويحتمل أن الصَّلاة هنا لأجل ذكره صلى الله عليه وسلم. وقد روي في رجب بخصوصه شيء ولم يصح. وفي "موضوعات ابن الجوزي"(3) في ذلك أحاديث واهية لا يعتد بها، وكذا في شعبان لم يصح فيه بخصوصه، وإن ذكر ذلك ابن أَبي الضيف من الشَّافعية في جزء له في فضل شعبان، وذكر فيه عن جعفر وأبي اليمان ما لم يعرف له أصل.
الثَّاني عشر: في الحج عقيب التلبية. جاء عن القاسم وسنده ضعيف (4)، وعلى الصفا والمروة صح عن عمر (5)، وجاء عن ابن عمر (6) أيضًا، وعند
(1) فضل الصَّلاة على النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم لإسماعيل بن إسحاق القاضي ص 37 ح 88، والبيهقي 3/ 291، 292.
(2)
أبو داود 3/ 211 ح 3213، والترمذي 3/ 64 ح 1046.
(3)
الموضوعات 2/ 124 - 126.
(4)
فضل الصَّلاة على النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم ص 33 ح 79.
(5)
فضل الصَّلاة على النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم ص 34، 36، 37 ح 81، 87.
(6)
فضل الصَّلاة على النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم ص 36 ح 87. وفيه عن عمر، وفي جلاء الأفهام ص 263 نقلًا عن عن ابن عمر.
استلام الحجر صح عن ابن عمر (1)؛ وفي الطواف، وفي الموقف؛ لحديث أخرجه البيهقي (2):"ما من مسلم يقف عشية بالموقف فيستقبل القبلة بوجهه ثم يقول: لا إله إلَّا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير مائة مرَّة، تم يقرأ: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} مائة مرَّة، ثم يقول: اللَّهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد وعلينا معهم مائة مرَّة، إلَّا قال الله تعالى: يا ملائكتي، ما جزاء عبدي هذا؟ سبحني وهللني وكبرني وعظمني وعرفني وأثنى عليَّ وصلى على نبيي؟ اشهدوا أني قد غفرت له وشفَّعته في نفسه، ولو سألني عبدي هذا لشفعته في أهل الموقف". قال البيهقي (3): هذا غريب، ليس في إسناده من ينسب إلى الوضع. وقال غيره: بل كلهم موثقون إلَّا رجل منهم فإنَّه مجهول، وقد روي نحوه بزيادات. وفي الملتزم؛ ذكره النووي في "الأذكار"(4)، وذكر الشَّافعي وأصحابه (5) أنَّه يسن لمن فرغ عن طواف الوداع أن يقف فيه ويقول: إن البيت بيتك
…
إلى آخره، ثم يصلِّي على النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم. قالوا: لأنَّه أرجى للإجابة.
الثالث عشر: الصَّلاة عليه عند قبره صلى الله عليه وسلم، جاء عن ابن عمر أنه يصلي
(1) الطّبرانيّ في الأوسط 6/ 76 ح 5843.
(2)
فضائل الأوقات ص 375 - 377 ح 196، وشعب الإيمان 3/ 463 ح 4074.
(3)
شعب الإيمان 3/ 463 عقب ح 4074.
(4)
الاُذكار 1/ 439.
(5)
الأم 2/ 221، والمهذب 1/ 232، والمجموع 8/ 238.
عند القبر (1). وعن غيره من الصحابهّ أنَّه يسلم (أ) عليه هناك (2). وذكر جماعة من العلماء أنَّه يسن لمن هو قاصد للزيارة أن يكثر من الصَّلاة عليه في الطريق صلى الله عليه وسلم، وكذا لمن رأى أثرًا من آثاره.
الرابع عشر: عند الذبيحة، ذكره الشافعي (3)، وقال بكراهتها الحنفية ومالك وأحمد، قالوا: لما فيها (ب) من التشبه بالإهلال لغير الله. وهو مدفوع بأن ذلك إنَّما يكون لو ذكر اسم النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم مع اسم الله، وأمَّا ذكر الصَّلاة عليه فلا تشبه. وأمَّا حديث:"موطنان لا حظ لي فيهما؛ عند العطاس والذبح". فهو غير صحيح، بل في سنده من اتهم بالوضع (4).
الخامس عشر: عند عقد البيع؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بحمد الله والصلاة علي فهو أقطع ممحوق من كل بركة". أخرجه الديلمي (5) والحافظ عبد القادر الرهاوي في "الأربعين"(6) عن أبي هريرة، وقال الرهاوي: غريب، تفرد بذكر الصَّلاة فيه إسماعيل بن أبي زياد الشامي، وهو ضعيف جدًّا لا يعتد بروايته ولا بزيادته (7). وقد أخرج أبو الحسين أحمد بن
(أ) في ب: سلم.
(ب) في جـ: فيه.
_________
(1)
فضل الصَّلاة على النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم ص 41 ح 98.
(2)
فضل الصَّلاة على النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم ص 41، 42 ح 99، 100 عن ابن عمر وحده.
(3)
الأم 2/ 239.
(4)
ذكره الطحاوي في التحقيق 2/ 360، وينظر جلاء الأفهام ص 292.
(5)
الديلمي 3/ 297 ح 4760 بدون ذكر: والصلاة عليَّ.
(6)
كما في التلخيص الحبير 3/ 152.
(7)
إسماعيل بن أبي زياد الشامي، واسم أبيه مسلم، قال الدارقطني: يضع الحديث، كذاب، =
محمد بن ميمون في "فضائل علي"(1) عن أبي هريرة: "كان كلام لا يذكر الله فيه ولا يصلَّى علي فهو أقطع أكتع ممحوق من كل بركة".
السادس عشر: عند كتابة الوصيَّة، روي عن [أبي بكرة نفيع أنَّه أمر] (أ) أن يكتب في وصيته: هذا ما أوصى به نفيع، وهو يشهد أن لا إله إلَّا الله وأن محمدًا رسول الله صلى الله عليه وسلم (2). وهو يحتمل أن الصَّلاة لذكر اسمه لا لأجل الوصية.
السابع عشر: في خطبة التزويج، روي عن ابن عباس أنَّه قال في قوله تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ} (3): اثنوا عليه في صلاتكم، وفي مساجدكم، وفي كل موطن، وفي خطبة النساء فلا تنسوه (4).
وفعله (ب) عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه.
الثامن عشر: في طرفي النهار، وعند إرادة النوم، ولمن قلَّ نومه. جاء حدَّثنا في مائة صلاة [حين](جـ) يصلِّي قبل أن يتكلم، وفي المغرب مثل ذلك
(أ) في ب، جـ: أبي بكر الصِّديق أنَّه أمر نفيع. والمثبت من مصدري التخريج.
(ب) زاد بعده في جـ: عن.
(جـ) في ب، جـ: حتَّى. والمثبت من جلاء الأفهام ص 294.
_________
= متروك. الضعفاء والمتروكون للدارقطني ص 282، ينظر ميزان الاعتدال 1/ 231، ولسان الميزان 1/ 406.
(1)
فضائل علي -كما في كنز العمال 3/ 263 ح 6463.
(2)
ابن عساكر 62/ 219.
(3)
الآية 56 من سورة الأحزاب.
(4)
الطّبرانيّ -كما في مجمع الزوائد 10/ 120.
بسند (أ) غريب، وأنها تقضى لفاعل ذلك مائة حاجة (1)، وعند أن يأوي إلى فراشه جاء حديث في بعض رواته مقال: أنَّه "من قرأ: "تبارك الملك" ثم قال: اللَّهم رب الحلال والحرام، ورب البلد الحرام، ورب الركن والمقام، ورب المشعر الحرام، بحق [كل] (ب) آية أنزلتها في شهر رمضان بلغ روح محمد منا تحية وسلامًا. أربع مرات، وكل الله به ملكين حتَّى يأتيا محمدًا صلى الله عليه وسلم فيقولان: إن فلان بن فلان يقرأ عليك السَّلام ورحمة الله. فأقول: على فلان بن فلان مني السَّلام ورحمة الله وبركاته"(2). ووصف بعضهم لمن قلَّ نومه أن يقرأ: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ} الآية.
التاسع عشر: عند إرادة السَّفر، ذكر النووي في "الأذكار" (3) أنَّه يفتتح دعاءه بالتحميد والتسليم على رسول الله صلى الله عليه وسلم. ويدل عليه حديث:"كل أمر ذي بال"(4).
العشرون: عند الركوب على الدابة، أخرجه الطّبرانيّ (5) أنَّه صلى الله عليه وسلم قال: "من قال إذا ركب دابة: باسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض
(أ) في ب: سند.
(ب) ساقطة من ب، جـ. والمثبت من مصدر التخريج.
_________
(1)
جلاء الأفهام ص 294، 295.
(2)
طبقات المحدثين بأصبهان لأبي الشَّيخ 3/ 169، 170.
(3)
الأذكار ص 469، 915.
(4)
تقدم ص 404.
(5)
الطّبرانيّ في الدعاء 2/ 1159 ح 776.
ولا في السماء، سبحان من ليس له سمي، {سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ} (1)، والحمد لله رب العالين، صَلَّى الله على سيدنا محمد، وعليه السَّلام. قالت الدابة: بارك الله عز وجل عليك من مؤمن؛ خففت على ظهري، وأطعت ربك، وأحسنت إلى نفسك، بارك الله في سفرك، وأنجح حاجتك".
الحادي والعشرون: عند الخروج إلى السوق، وحضور دعوة، ونحوها. وقد روي عن ابن مسعود أنَّه كان يثني على الله تعالى، ويصلي على النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، ويدعو إذا حضر ذلك (2).
الثاني والعشرون: عند دخول المنزل، وعند نزول حادث من فقر أو خوف (أ) أو حاجة. وقد ورد أن الصَّلاة عليه تنفي الفقر (3).
الثالث والعشرون: في الرسائل وبعد البسملة، وقد روى عن أبي بكر الصِّديق أنَّه كتب إلى بعض مسألة: بسم الله الرحمن الرحيم، من أبي بكر خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى طُريفة بن حاجر، سلام عليك، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلَّا هو، وأسأله أن يصلِّي على محمد صلى الله عليه وسلم، أما بعد. إلى آخر الكتاب. وهذا يرد قول من قال: إن أول من أحدث ذلك في أول (ب)
(أ) في ب: حرب.
(ب) في جـ: أوائل.
_________
(1)
الآية 13 من سورة الزخرف.
(2)
جلاء الأفهام ص 277.
(3)
جلاء الأفهام ص 290، 293.
الرسائل هارون الرشيد.
الرابع والعشرون: عند الهم والشدائد والكرب ووقوع الطاعون. وقد وردت أحاديث أن الصلاة سبب لكفاية مهمات الدنيا والآخرة (1).
الخامس والعشرون: عند خوف الغرق، وقد ذكر منام لبعض الصالحين عند خشية الغرق، أمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يقول من في السفينة الصلاة ألف مرة: اللهم صلِّ على محمد صلاة تنجينا بها من جميع الآفات والأهوال، وتقضي لنا بها جميع الحاجات، وتطهرنا بها من جميع السيئات، وترفعنا بها عندك أعلى الدرجات، وتبلغنا بها أقصى الغايات في الدنيا وبعد الممات. فقالوها ففرج الله عنهم.
السادس والعشرون: في أول الدعاء ووسطه وآخره، وقد وردت أحاديث (أفي ذلك أ) وأن الدعاء محجوب حتى يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم (2).
السابع والعشرون: عند طنين الأذن، وقد ورد حديث بسند ضعيف:"إذا طنت أذن أحدكم فليصل عليَّ، وليقل: ذكر الله من ذكرني بخير"(3).
الثامن والعشرون: عند خَدَر (4) الرِّجْل، روي أن عمر وابن عمر وابن
(أ - أ) ساقط من: جـ.
_________
(1)
فضل الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ص 7، 8 ح 13.
(2)
الطبراني في الأوسط 1/ 22 ح 721، ومسند الشهاب 2/ 89 ح 944.
(3)
الطبراني 1/ 301 ح 958.
(4)
الخَدَر: استرخاء وفتور يغشى الأعضاء: الرجل واليد والجسد. وينظر اللسان (خ د ر، م ذ ل)، والوسيط (خ د ر).
عباس خَدِرت أرجلهم، فقال رجل آخر: اذكر (أ) أحب الناس إليك. فقال عمر: يا محمد صلى الله عليك. وقال ابن عمر: يا محمد. وقال ابن عباس: محمد صلى الله عليه. فذهب خدرها (1).
التاسع والعشرون: عند العطاس، جاء حديث بسند ضعيف:"من عطس فقال: الحمد على كل حال، ما كان من حال، وصلى الله على محمد وأهل بيته. أخرج الله من منخره الأيسر طائرا يقول: اللهم اغفر لقائلها". وهي معتضدة (ب) برواية أخرى، رفيها: أن الطائر أكبر من الذباب وأضعف من الجراد، يرف (جـ) تحت العرش يقول:"اللهم اغفر لقائلي". وعن ابن عمر أنه كان يقول: الحمد لله والسلام على رسول الله، صلى الله عليه وسلم (2). وقال بعض: لا تسن (د)؛ لخبر روي، وهو:"لا تذكروني في [ثلاثة] (هـ) مواطن؛ عند العطاس، وعند الذبيحة، وعند التعجب"(3). وفي رراية: "عند تسمية
(أ) في جـ: ذكر.
(ب) في جـ: مقتصدة.
(جـ) في جـ: فرف.
(د) في جـ: يسن.
(هـ) في ب، جـ: ثلاث. والمثبت من مصدر التخريج.
_________
(1)
البخاري في الأدب المفرد 2/ 428، 429 عن ابن عمر وحده، وابن السني في عمل اليوم والليلة ص 88، 89 ح 168 - 170، ولم أقف على أثر عمر. قال الألباني: ضعيف. ضعيف الأدب المفرد ص 87.
(2)
الترمذي 5/ 76 ح 2738.
(3)
الديلمي في مسند الفردوس 4/ 205 ح 7613.
الطعام" (1). وهو غير صحيح، وفي سنده من اتهم بالوضع (2). وكذا روي عن ابن عباس: موطنان لا يذكر فيهما رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ عند العطاس وعند الذبيحة. ولا يصح، وقال جماعة: (ألا يصلى على أ) النبي صلى الله عليه وسلم مع الأكل والشرب والجماع والعطاس و [نحوها] (ب). وقد عرفت ما ذكر في العطاس، ويرد عليهم في الباقي بحديث: "كل أمر ذي بال" (3). وأما عند التعجب فكرهها سحنون المالكي، وقال الحليمي من الشافعية: لا يكره، كـ "سبحان الله" عند التعجب. قال: وأما الصلاة عليه عند حصول ما يستقذر أو يضحك (جـ) منه فأخشى على صاحبه الكفر. وقال القونوي: لا يكفر إلا إذا كان ذكره لها لاستقذارها أو لجعلها أضحوكة. وجزم العيني من الحنفية أنها تحرم عند التعجب، وذكر النووي في "الأذكار" (4) أنه لا يؤمر بها أحد عند الغضب؛ لئلا يحمله الغضب على الكفر.
الثلاثون: عند تذكر منسيٍّ أو خوف نسيان، جاء حديث بسند ضعيف:"إذا نسيتم شيئًا فصلوا عليَّ تذكروه (د) إن شاء الله"(5). وله شاهد
(أ - أ) في جـ: لا يصح عن.
(ب) في ب، جـ: نحوهما. والمثبت هو الصواب.
(جـ) في جـ: نضحك.
(د) في ب: تذكرون، وفي جـ: تذكرونه. والمثبت من مصدر التخريج.
_________
(1)
البيهقي 9/ 286.
(2)
ينظر ما تقدم ص 404.
(3)
تقدم ص 404.
(4)
الأذكار ص 851.
(5)
ذكره أبو موسى المديني في كتاب الحفظ والنسيان -كما في جلاء الأفهام ص 294.
أيضًا، حديث ضعيف مرسل وسنده منقطع، عن أبي هريرة قال: من خاف على نفسه النسيان فليذكر الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم.
الحادي والثلاثون: عند استحسان الشيء. ذكره ابن أبي حجلة.
الثاني والثلاثون: عند أكل الفجل، أخرج الديلمي (1):"إذا أكلتم الفجل وأردتم ألا يوجد له ريح فاذكروني عند أول قضمة". ولا يصح مرفوعًا، والأشبه أنه من كلام ابن المسيب.
الثالث والثلاثون: عند نهيق الحمير، أخرج الطبراني وابن السني (2):"لا ينهق الحمار حتى يرى شيطانًا أو يتمثل له شيطان، فإذا كان ذلك فاذكروا الله وصلوا عليَّ". ويسن أيضًا التعوذ.
الرابع والثلاثون: عقيب الذنب ليكفره، وقد ورد أنها كفارة للذنوب (3).
الخامس والثلاثون: عند عروض حاجة، وقد جاء فيه حديث: "من كانت له إلى الله حاجة أو إلى أحد من بني آدم، فليتوضأ وليحسن وضوءه، وليصل ركعتين، ثم يثني على الله سبحانه وتعالى، ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم، ثم ليقل: لا إله إلا الله الحليم الكريم، سبحان الله رب العرش العظيم، والحمد لله رب العالين، أسألك موجبات رحمتك، وعزائم
(1) الديلمي في مسند الفردوس 1/ 338 ح 1074.
(2)
الطبراني -كما في الفتح 6/ 353، وابن السني في عمل اليوم والليلة ص 153، 154 ح 314.
(3)
فضل الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ص 8 ح 14.
مغفرتك، والغنيمة من كل بر، والسلامة من كل ذنب، لا تدع لي (أ) ذنبا إلا غفرته، ولا هما إلا فرجته، ولا حاجة هي لك رضًا إلا قضيتها يا أرحم الراحمين". أخرجه الترمذي وابن ماجه والطبراني وغيرهم (1)، وقال الترمذي: غريب، وفي إسناده مقال، وفائد راويه ضعيف (2). وقال الحاكم (3): حديث فائد مستقيم، إلا أن الشيخين لم يخرجا له، وإنما أخرجت حديثه شاهدًا، إلا أنه يقبل مثله في فضائل الأعمال. وقد جاءت أحاديث وأدعية في صلاة الحاجة، كلها ضعيفة.
السادس والثلاثون: في سائر الأحوال، وقد مر في الحاديث والعشرين أثر ابن مسعود.
السابع والثلاثون: فيمن اتهم بشيء وهو بريء منه، وقد روي فيه أحاديث لم يصح منها شيء، وقد تقدم في الرابع والعشرين ما يدل على ثبوته.
الثامن والثلاثون: عند لقاء الإخوان، جاء بسند ضعيف جدا:"ما من متحابين يستقبل (ب) أحدهما صاحبه فيصافحه فيصلي على النبي صلى الله عليه وسلم، إلا لم يبرحا حتى تغفر لهما ذنوبهما، ما تقدم منها وما تأخر"(4). وفي رواية:
(أ) في ب ونسخة من سنن الترمذي: لنا.
(ب) في جـ: يستقل.
_________
(1)
الترمذي 2/ 344 ح 479، وابن ماجه 1/ 441 ح 1384، والطبراني في الصغير 1/ 123، 124.
(2)
تقدمت ترجمته في 3/ 108.
(3)
المستدرك 1/ 320.
(4)
البخاري في التاريخ الكبير 3/ 252، وأبو يعلى 5/ 334 ح 2960.
"ما من مسلمين"(1).
التاسع والثلاثون: عند تفرق القوم بعد اجتماعهم، وعند القيام من المجلس في كل محل يجتمع فيه لذكر الله تعالى. وفيه الحديث المذكور عن أبي هريرة، الذي هذا المبحث فيه.
الأربعون: عند ختم القرآن، كما دلت عليه الآثار الواردة بأنه من مواطن إجابة الدعاء، فيكون من آكد مواطن الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم (2).
الحادي والأربعون: في الدعاء الوارد لحفظ القرآن الذي علمه النبي صلى الله عليه وسلم عليًّا رضي الله عنه لما شكا تفلت القرآن، وأمره بصلاة أربع ركعات، وبعدها أن يحمد الله تعالى ويحسن الثناء عليه ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم ويحسن وعلى سائر الأنبياء، إلى آخره. أخرجه الترمذي (3)، وقال: إنه غريب. والحاكم (4) وقال: صحيح على شرطهما. وجزم الذهبي في موضع بأنه موضوع، وفي آخر أنه باطل (5)، وابن الجوزى في "الموضوعات" (6). قال السخاوي: وقال المنذري (7): طرق أسانيد هذا الحديث جيدة ومتنه غريب جدًّا. ونحوه قال العماد ابن كثير: في المتن غرابة بل نكارة (8). ثم قال:
(1) الترمذي 5/ 70 ح 2727، وابن ماجه 2/ 1220 ح 3703.
(2)
الطبراني 18/ 259 ح 647.
(3)
الترمذي 5/ 526 - 528 ح 3570.
(4)
المستدرك 1/ 316، 317.
(5)
جزم الذهبي في السير 9/ 217 بأنه موضوع، وقال في تلخيص المستدرك 1/ 317: هذا حديث منكر شاذ. وقال في الميزان 2/ 213: حديث منكر جدا.
(6)
الموضوعات 2/ 138.
(7)
الترغيب والترهيب 2/ 361.
(8)
فضائل القرآن لابن كثير ص 191.
قلت: والحق أنه ليس له علة إلا أنه عن [ابن جريج عن عطاء](أ)، بالعنعنة، أفاده شيخنا، وأخبرني غير واحد أنهم جربوا الدعاء به فوجدوه حقًّا، والعلم عند الله تعالى.
الثاني والأربعون: عند افتتاح كل كلام، كما نص عليه الشافعي (1)، حيث قال: أن يقدم المرء بين يدي خطبته وكل أمر طلبه حمد الله والثناء عليه سبحانه وتعالى والصلاة على رسوله صلى الله عليه وسلم. انتهى. ودليله حديث: "كل أمر ذي بال". إلى آخره.
الثالث والأربعون: عند ذكره صلى الله عليه وسلم؛ لأحاديث وردت في ذلك، منها حديث:"البخيل من ذكرت عنده فلم يصلِّ عليَّ". أخرجه الترمذي والنسائي وابن حبان والحاكم وإسماعيل القاضي (2)، وأطنب في تخريج طرقه وبيان الاختلاف فيه من حديث علي ومن حديث ابنه الحسين، ولا يقصر عن درجة الحسن. وحديث:"رغم أنف رجل ذكرت عنده فلم يصلِّ عليَّ". أخرجه الترمذي (3) من حديث أبي هريرة، صححه الحاكم (4)، وله شاهد من حديث أبي ذر في الطبراني، وآخر عن أنس عند
(أ) في ب، جـ: ابن عطاء عن ابن جريج. والمثبت من مصدر التخريج، وينظر تهذيب الكمال 18/ 338.
_________
(1)
الأم 5/ 38.
(2)
الترمذي 5/ 515، ح 3546. والنسائي في الكبرى 5/ 34 ح 8100، وابن حبان 3/ 189، 190 ح 909. والمستدرك 1/ 549، وفضل الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ص 14 ح 32.
(3)
الترمذي 5/ 514 ح 3545.
(4)
المستدرك 1/ 549.
ابن أبي شيبة، وآخر مرسل عن الحسن عند سعيد بن منصور (1)، وأخرجه ابن حبان (2) من حديث أبي هريرة بلفظ:"من ذكرت عنده فلم يصل عليك فمات فلم يدخل الجنة فأبعده الله". وله شواهد كثيرة. وعند الحاكم (3) من حديث كعب بن عُجْرَة بلفظ: "بعُد من ذكل رت عنده فلم يصل علي". وعند الطبراني (4) من حديث جابر يرفعه: "شقي عبد ذكرت عنده فلم يصل عليَّ". وعند عبد الرزاق (5) من مرسل قتادة: "من الجفاء أن أذكر عند رجل فلا يصلي عليَّ".
وقد استدل بهذه الأحاديث من أوجب الصلاة عليه كلما ذكر، لأن الدعاء بالرغم والإبعاد والشقاء، والوصفَ بالبخل والجفاء يقتضي الوعيد، [والوعيد](أ) على الترك من علامات الوجوب، ومن حيث المعنى [أن](أ) فائدة الأمر بالصلاة عليه مكافأته على إحسانه، وإحسانه مستمر، فيتأكد إذا ذكر، وبقوله تعالى:{لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا} (6). فلو كان إذا ذكر لا يصلى عليه لكان كآحاد الناس.
وأجاب من لم يوجب بأجوبة؛ منها، أنه قول لا يعرف عن أحد من
(أ) ساقط من: ب، جـ. والمثبت من الفتح 11/ 168.
_________
(1)
ينظر فتح الباري 11/ 168.
(2)
ابن حبان 3/ 188 ح 907.
(3)
الحاكم 4/ 153، 154.
(4)
الطبراني في الأوسط 4/ 162.
(5)
عبد الرزاق 2/ 217 ح 3121 من مرسل محمد بن علي.
(6)
الآية 63 من سورة النور.
الصحابة ولا التابعين، فهو قول مخترع، وفي ذلك حرج ومشقة جاءت الشريعة السمحة بخلافه، ولكان الثناء على الله كلما ذكر أحق بالوجوب، ولم يقولوا به. وقد أطلق القدوري أن هذا القول مخالف للإجماع المنعقد قبل قائله؛ لأنه لا يحفظ عن أحد من الصحابة أنه خاطب النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، صلى الله عليك (أ). ولأنه لو كان كذلك لم يتفرغ السامع لعبادة أخرى. وقالوا في جواب الأحاديث بأنها خرجت مخرج المبالغة؛ لتأكيد ذلك وطلبه في حق من اعتاد ترك الصلاة عليه ديدنًا (ب)، ولا دلالة على وجوب تكرر (جـ) ذلك بتكرر ذكره في المجلس الواحد. والقائلون بالوجوب قالوا (5) في خمسة أحوال، جمعها الفقيه صالح اليماني الشافعي رحمه الله تعالى حيث قال:
تجب الصلاة على النبي المصطفى
…
والخلق في وقت الوجوب سيظهر
في العمر واحدة وثان كلما
…
صلى وثالثها إذا ما يذكر
واختاره منا الحليمي الذي
…
قد غاص في التحقيق وهو المكثر
[وكذا](د) الطحاوي الذي مَن نهجُه
…
من منهج النعمان لا يستنكر
وكذلك اللخمي أعني من له
…
من مالك فضل اتباع يشهر
ومن الحنابلة [ابن](هـ) ريطة والذي
…
قالوه عندي راجح مستفخر
(أ) في جـ: عليه وسلم.
(ب) في جـ: وندبا.
(جـ) في جـ: ترك.
(*) إلى هنا انتهت مخطوطة المكتبة العامة بالرباط والمشار إليها بالرمز ب.
(د) في جـ: وكذلك. وأثبتناه ليستقيم وزن البيت.
(هـ) زيادة يستقيم بها البيت.
ولكل مجلسٍ الوجوب الرابع
…
وكذا الدعاء مقدم ومؤخر
هذا الأخير من المذاهب كلها
…
والله أعلم بالصواب وأخبر.
وحكى القاضي عياض (1) عن التجيبي أنه قال: واجب كل مؤمن ذكَره صلى الله عليه وسلم إن ذكر عنده أن يخشع ويخضع ويتوقر ويسكن من حركته، ويأخذ من هيبته وإجلاله بما كان يأخذ به نفسه لو كان بين يديه، ويتأدب بما أدبنا الله تعالى به. قال: وهذه كانت سيرة سلفنا الصالح وأئمتنا الماضين. وكان مالك إذا ذكر النبي صلى الله عليه وسلم تغير لونه وانحنى حتى قيل له في ذلك، فقال: لو رأيتم ما رأيت لما أنكرتم ما ترون (2)، وكان جعفر الصادق إذا ذكر عنده النبي صلى الله عليه وسلم اصفرَّ لونه، وعبد الرحمن بن القاسم إذا ذكر عنده النبي صلى الله عليه وسلم كان نزف منه الدم وجف لسانه في [فمه](أ)، وابن الزبير إذا ذكر عنده النبي صلى الله عليه وسلم يبكي حتى لا يبقى في عينه دمع، وكان الزهريّ إذا ذكر عنده النبي صلى الله عليه وسلم فكأنه ما عرفته ولا عرفك. وكان ابن عمر إذا بآية من آيات وردِه تخنقه العبرة ويسقط ويلزم اليوم واليومين، اللهم أذقنا حلاوة محبته، ولا تسلك بنا غير سبيل سنته.
الرابع والأربعون: عند نشر العلم والوعظ وقراءة الحديث ابتداءً
(أ) في جـ: فهمه. والمثبت من الشفا.
_________
(1)
الشفا 2/ 595.
(2)
بعده في الشفا 2/ 597، 598: ولقد كنت أرى محمد بن المنكدر وكان سيد القراء لا نكاد نسأله عن حديث أبدا إلا يبكي حتى نرحمه، ولقد كنت أرى جعفر بن محمد الصادق
…
إلخ، ثم ذكر مثله عن عبد الرحمن بن القاسم وعامر بن عبد الله بن الزبير -وليس ابن الزبير- والزهري وصفوان بن سليم.
وانتهاءً. قال النووي في "الأذكار"(1): يُستحب لقارئ الحديث وغيره مما في معناه إذا ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يرفع صوته بالصلاة عليه والتسليم، ولا يبالغ في الرفع. وكذا ذكر الخطيب البغدادي (2) وغيره. وذكر العلماء من الشافعية وغيرهم أنه يُستحب رفع الصوت بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم كالتلبية.
الخامس والأربعون: عند الإفتاء كما ذكر في "روضة النووي"(3)، ويندب له أيضًا الاستعاذة والتسمية والحولقة (4)، و {رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي (25) وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي (26) وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي (27) يَفْقَهُوا قَوْلِي} (5)، وإن المفتي يلحق بخطه ما أغلفه (6) السائل آخر السؤال من الدعاء أو الحمد لله أو الصلاة على رسول الله؛ لجريان العادة بذلك وبيدو أيضًا للحاكم قبل الحكم.
السادس والأربعون: عند كتابة اسمه صلى الله عليه وسلم قال ابن الصلاح (7): ينبغي
(1) الأذكار ص 271.
(2)
الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع 2/ 103.
(3)
روضة الطالبين 11/ 113.
(4)
قال النووي: ويقال في التعبير عن قولهم: لا حول ولا قوة إلا بالله: الحوقلة. هكذا قاله الأزهري والأكثرون. وقال الجوهري: الحولقة. فعلى الأول وهو المشهور الحاء والواو من الحول والقاف من القوة واللام من اسم الله تعالى وعلى الثاني الحاء واللام من الحول والقاف من القوة، والأول أولى لئلا يفصل بين الحروف، ومثل الحولقة الحيعلة والبسملة والحمدلة والسبحلة. شرح مسلم 4/ 87.
(5)
الآيات 25 - 28 من سورة طه.
(6)
أغلفه: جعل له غلافا. مختار الصحاح (غ ل ف).
(7)
مقدمة ابن الصلاح ص 105.
أن يحافظ على كتابة الصلاة والتسليم على رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذكره، ولا يسأم من تكريره، فإن ذلك من أكبر الفوائد التي يتعجلها طلبة الحديث وكتبته، ومن أغفل حرم حظًّا عظيمًا، وكذا الثناء على الله سبحانه وتعالى عند ذكر اسمه وكتابته، ولا يقتصر في كتابتها بلفظ "صلم" بدلًا عن إكمالها، ولا لفظ الصلاة من دون السلام، وقد روي في ذلك أحاديث من طرق متعددة لا يصح منها شيء، وروي موقوفًا من كلام جعفر الصادق: من صلى على رسول الله صلى الله عليه وسلم في كتاب، صلَّت عليه الملائكة غدوة ورواحا ما دام اسم رسول الله صلى الله عليه وسلم في الكتاب (1). ورئي لأصحاب الحديث بسبب ذلك منامات صالحة؛ لأحمد بن حنبل ولأبي زرعة وللشافعي رحمهم الله تعالى.
واعلم أن العلماء اختلفوا في معنى صلاة الله تعالى على نبيه؛ فقال أبو العالية (2): هي بمعنى ثنائه عليه عند ملائكته، ومعنى صلاة الملائكة عليه الدعاء له بحصول الثناء والتعظيم.
وعند ابن أبي حاتم عن مقاتل بن حيان قال: فإن صلاة الله تعالى مغفرة، وصلاة الملائكة الاستغفار. وعن ابن عباس (3) أن معنى صلاة الملائكة الدعاء بالبركة. ونقل الترمذي (4) عن سفيان الثوري وغير واحد قالوا: صلاة الرب الرحمة، وصلاة الملائكة الاستغفار. وقال الضحاك بن
(1) ينظر الترغيب والترهيب 1/ 111، وجلاء الأفهام ص 67.
(2)
إسماعيل بن إسحاق القاضي في فضل الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ص 40 ح 95.
(3)
البخاري 8/ 532 معلقا، وابن جرير 19/ 174.
(4)
الترمذي 2/ 356 عقب ح 485.
مزاحم: صلاة الله [رحمته](أ). وفي رواية عنه: مغفرته. وصلاة الملائكة الدعاء. أخرجهما إسماعيل القاضي (1) عنه، وكأنه يريد الدعاء بالمغفرة ونحوه. قال المبرد: الصلاة من الله الرحمة، ومن الملائكة رقة تبعث على استدعاء الرحمة. وتعقب بأن الله سبحانه وتعالى غاير بين الصلاة والرحمة في قوله:{أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ} (2). وكذلك فهم الصحابة المغايرة من قوله تعالى: {صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} (3). حتى تساءلوا عن كيفية الصلاة مع تقدم ذكر الرحمة في تعليم السلام حيث جاء بلفظ: "السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته"(4). وأقرهم النبي صلى الله عليه وسلم، فلو كانت الصلاة بمعنى الرحمة لقال لهم: علمتم ذلك في السلام. وجوز الحليمي (5) أن تكون الصلاة بمعنى السلام عليه، والحديث يرد عليه.
وقول أبي العالية أولى. والمراد من صلاة الملائكة هي طلب زيادة التعظيم والثناء، وقيل: صلاة الله على خلقه تكون خاصة وتكون عامة، وصلاته على أنبيائه هي ما تقدم من الثناء والتعظيم، وصلاته على غيرهم هي الرحمة
(أ) في جـ: رحمة. والمثبت من مصدري التخريج.
_________
(1)
فضل الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ص 40، 41 ح 96، 97. وينظر الفتح 11/ 256.
(2)
الآية 157 من سورة البقرة.
(3)
الآية 56 من سورة الأحزاب.
(4)
مسلم 1/ 301، 302 ح 402/ 55.
(5)
ينظر شعب الإيمان 2/ 220.
التي وسعت كل شيء. ونقل القاضي عياض (1) عن (أأبي بكر أ) القشيري قال: الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم من الله تشريف وزيادة تكرمة، وعلى من دون النبي رحمة. [فمعنى] (ب) قولنا: اللهم صل على محمد. عظم محمدًا، والمراد بالتعظيم؛ [بإعلاء](جـ) ذكره وإظهار دينه، وإبقاء شريعته في الدنيا، وفي الآخرة بإجزال مثوبته وتشفيعه في أمته، والشفاعة العظمى للخلائق أجمعين في المقام المحمود. ومشاركة الآل والأزواج بالعطف؛ يراد في حقهم التعظيم اللائق بهم، وبهذا يظهر وجه اختصاص الصلاة بالأنبياء دون من عداهم، ويتأيد هذا بما أخرجه الطبراني (2) من حديث ابن عباس رفعه:"إذا صليتم عليَّ فصلوا على أنبياء الله؛ فإن الله بعثهم كما بعثني". فجعل العلة البعثة، فتكون مختصة بمن بعث.
وأخرج ابن أبي شيبة (3) عن ابن عباس بسند صحيح قال: ما أعلم الصلاة تنبغي من أحد على أحد إلا على النبي صلى الله عليه وسلم. وحكى القول به عن مالك، وقال: ما تُعبِّدنا به. وجاء نحوه عن عمر بن عبد العزيز. [و](د) عن
(أ- أ) في الفتح ونسخة من الشفا: بكر.
(ب) في جـ: بمعنى. والمثبت من الفتح 11/ 156.
(جـ) في جـ: على. والمثبت من الفتح 11/ 156.
(د) ساقطة من: جـ. والمثبت من الفتح 11/ 170.
_________
(1)
الشفا بتعريف حقوق المصطفى 2/ 626.
(2)
الطبراني -كما في جلاء الأفهام ص 317.
(3)
ابن أبي شيبة 2/ 519.
مالكُ: تكره. وقال عياض (1): عامة أهل العلم على الجواز. وقال سفيان (2): يكره أن يصلي إلا على نبي. قال المصنف رحمه الله تعالى (أ): ووجدت بخط بعض [شيوخي](ب): مذهب مالك: لا تجوز الصلاة إلا على محمد. وهذا غير معروف عن مالك، وإنما قال: أكره الصلاة على غير الأنبياء، وما ينبغي لنا أن نتعدى ما أمرنا به. وخالفه يحيى بن يحيى فقال: لا بأس به. واحتج بأن الصلاة دعاء بالرحمة فلا يمنع إلا بنص أو إجماع.
قال القاضي عياض (3): والذي أميل إليه قول مالكُ وسفيان، وهو قول المحققين من المتكلمين والفقهاء. قالوا: يذكر غير الأنبياء بالرضا والغفران.
والصلاة على غير الأنبياء -يعني استقلالًا- لم تكن من الأمر [المعروف](جـ)، وإنما أحدثت في دولة بني هاشم -يعني العبيديين- وأما الملائكة فلا أعرف فيه حديثًا، وإنما يؤخذ ذلك من الذي قبله حديث ابن عباس؛ لأن الله سماهم رسلًا. وأما المؤمنون فقالت طائفة: لا تجوز استقلالًا وتجوز تبعًا [فيما](د) ورد به النص، كالآل والزوجات ويقاس
(أ) كذا نسب المصنف هذا الكلام إلى الحافظ ابن حجر، وهو خطأ، وإنما هو من كلام القاضي عياض في الشفا 2/ 660 نقله عنه الحافظ في الفتح 11/ 170.
(ب) في جـ: شيوخ: والمثبت من الشفا.
(جـ) في جـ: بالمعروف. والمثبت من الشفا والفتح.
(د) في جـ: مما. والمثبت من الفتح.
_________
(1)
الشفا بتعريف حقوق المصطفى 2/ 659.
(2)
عبد الرزاق 2/ 216 ح 3119.
(3)
الشفا بتعريف حقوق المصطفى 2/ 663، 664.
غيرهم، إلا أنه يقال: إن النبي صلى الله عليه وسلم لمّا علَّمهم الصلاة عليه ذكره الآل والزوجات والذرية ولم يذكر غيرهم، فيكون ذلك خاصًّا ولا يقاس عليه، ويحتمل أن التنصيص لا يمنع القياس. وأما السلام فقال: قولوا: "السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين"(1). فأشار البخاري (2) إلى أنها تجوز الصلاة ولو استقلالا؛ لأنه بوب: هل يصلّى على غير النبي. ثم أورد قوله تعالى: {وَصَلِّ عَلَيْهِمْ} (3). وأورد (1) حديث: "اللهم صل على آل أبي أوفى"(4). وقد جاء مثله عن قيس بن سعد بن عبادة، أن النبي صلى الله عليه وسلم رفع يديه وهو يقول:"اللهم اجعل صلواتك ورحمتك على آل سعد بن عبادة". أخرجه أبو داود والنسائي (5)، وسنده جيد، وفي حديث جابر أن امرأته قالت للنبي صلى الله عليه وسلم: صلّ عليَّ وعلى زوجي. ففعل. أخرجه أحمد مطولًا ومختصرًا وصححه ابن حبان (6). وقوله تعالى: {هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ} (7). وفي صحيح مسلم (8) من حديث أبي هريرة مرفوعًا: "إن الملائكة تقول لروح المؤمن: صلى الله عليك وعلى جسدك".
(أ) زاد بعده في جـ: نخلنهم.
_________
(1)
تقدم تخريجه ص 420 حاشية (4).
(2)
البخاري 11/ 169.
(3)
الآية 103 من سورة التوبة.
(4)
البخاري 11/ 169 ح 6359.
(5)
أبو داود 4/ 348، 349 ح 5185، والنسائي في الكبرى 6/ 89 ح 10157.
(6)
أحمد 3/ 303، 397، 398، وابن حبان 3/ 197 ح 916.
(7)
الآية 43 من سورة الأحزاب.
(8)
مسلم 4/ 2202 ح 2872.
وأجيب بأن ذلك الذي صدر من الله ورسوله لا يلزم منه الإذن؛ لأنه لا يلزم إيهام التسوية في التعظيم الذي كان سببًا للمنع منا. وقال البيهقي (1): يحمل المنع إذا وقع على جهة التعظيم لا إذا كان على وجه الدعاء بالرحمة والبركة. وقال ابن القيم (2): يصلى على غير الأنبياء والملائكة وأزواج النبي صلى الله عليه وسلم وآله وذرّيته وأهل الطاعة على سبيل الإجمال، ويكره في غير الأنبياء لشخص مفرد بحيث صار شعارًا، ولا سيما إذا ترك في حق مثله أو أفضل منه، كما يفعله الرافضة، فلو اتفق وقوع ذلك مفردًا في بعض الأحايين من غير أن يتخذ شعارًا لم يكن به بأس.
واختلف في السلام على غير الأنبياء بعد الاتفاق على مشروعيته في تحية الحي؛ فقيل: يشرع مطلقًا. وقيل: تبعًا. ولا يفرد بواحد لكونه صار شعارا للرافضة، ونقله النووي (3) عن الشيخ أبي محمد الجويني.
1302 -
وعن أبي أيوب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له. عشر مرات، كان كمَن أعتق [أربعة] (أ) أنْفُسٍ من ولد إسماعيل". متفق عليه (4).
الحديث أخرجه مسلم (5) بلفظ: "من قال: لا إله إلا الله وحده لا
(أ) في جـ: أربع. والمثبت من صحيح مسلم.
_________
(1)
شعب الإيمان 2/ 219.
(2)
جلاء الأفهام ص 332.
(3)
الأذكار ص 274.
(4)
البخاري، كتاب الدعوات، باب فضل التهليل 11/ 201 ح 6404، ومسلم، كتاب الذكر والدعاء
…
، باب فضل التهليل والتسبيح والدعاء 4/ 2071، 2072 ح 2693.
(5)
مسلم 4/ 2071 ح 2691.
شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيءٍ قدير. عشر مرات، كان كمَن أعتق [أربعة](أ) أنفُسٍ من ولد إسماعيل".
وفي روايةٍ له (1) عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم[قال] (ب):"من قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيءٍ قدير في يوم مائة مرة، كانت له عدل عشر رقاب، وكتب له مائة حسنة، ومحيت عنه مائة سيئة، وكانت له حرزًا من الشيطان يومه ذلك حتى يمسي، ولم يأت أحد أفضل مما جاء به إلا أحد عمل أكثر من ذلك، ومن قال: سبحان الله وبحمده. في يومه مائة مرة حطت خطاياه ولو كانت مثل زيد البحر".
وأخرج البخاري (2) حديث أبي هريرة: "في [يوم] (جـ) مائة مرة". وأما حديث أبي أيوب فذكر البخاري (2) قال: "من قال عشرا كان كمن أعتق رقبة من ولد إسماعيل". فليس ذلك من المتفق عليه بتمامه. ومثله حديث البراء أخرجه النسائي وصححه ابن حبان والحاكم (3). وأخرج الإمام أحمد والطبراني (4) من طريق سعيد بن إياس الجريري عن أبي أيوب الأنصاري قال: لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة نزل عليَّ فقال لي: "يا أبا أيوب، ألا
(أ) في جـ: أربع والمثبت من صحيح مسلم.
(ب) ساقط من: جـ. والمثبت يقتضيه السياق.
(جـ) ساقط من: جـ. والمثبت من مصدر التخريج.
_________
(1)
مسلم 4/ 2071 ح 2691.
(2)
البخاري 11/ 201 ح 6403.
(3)
النسائي في الكبرى 6/ 36 ح 9953، وابن حبان 3/ 130 ح 850، والحاكم 1/ 501.
(4)
أحمد 5/ 414، 415، والطبراني 4/ 221 ح 4089.
أعلمك؟ ". قلت: بلى. قال: "ما من عبد يقول إذا أصبح: لا إله إلا الله -فذكره- إلا كتب الله له بها عشر حسنات، ومحا عنه عشر سيئات، وإلّا كنّ له عند الله عدل عشر رقاب محررين، وإلّا كان في جُنّة من الشيطان حتى يمسي، ومن قالها حين يمسي إلا كان كذلك".
وروى أحمد (1)، من طريق عبد الله بن يعيش، عن أبي أيوب رفعه:"من قال إذا صلى الصبح: لا إله إلا الله -فذكر بلفظ عشر مرات- كُنّ كعدل أربع رقاب، وكتب له بهن عشر حسنات، ومحي عنه بهن عشر سيئات، ورفع له بهن عشر درجات، وكنّ له حرسًا من الشيطان حتى يمسي، فإذا قالها بعد المغرب فمثل ذلك". وسنده حسن، وأخرجه جعفر في "الذكر" (2) عن أبي أيوب رفعه قال:"من قال حين يصبح". فذكر مثله، لكن زاد:"يحيي ويميت". قال فيه: "بعدل عشر رقاب، وكان له مسلحة من أول نهاره إلى آخره، ولم يعمل يومئذ عملًا يقهرهن، وإن قال مثل ذلك حين يمسي فمثل ذلك". وأخرجه (2) أيضًا من طريق القاسم بن عبد الرحمن عن أبي أيوب بلفظ: "من قال غدوة". فذكر نحوه، وقال في آخره:"وأجاره الله يومه من النار، [ومن قالها عشية] (أ) كان له مثل ذلك". وطريق الجمع بين هذه الروايات في عدد الرقاب مع اتحاد المخرج يقتضي الترجيح بينها، فالأكثر على ذكر أربعة.
(أ) في جـ: وقال عشيته. والمثبت من الفتح.
_________
(1)
أحمد 5/ 415.
(2)
جعفر -كما في الفتح 11/ 205.
وأما حديث أبي هريرة في "العشر" فإنه كقول "مائة مرة". فيكون مقابل كل عشر مرات رقبة من قبيل المضاعفة، وأما ذكر "رقبة" بالإفراد في حديث أبي أيوب فشاذ، والمحفوظ أربعة، وجمع القرطبي في "المفهم"(1) بأن ذلك باختلاف أحوال الذاكرين في استحضارهم لمعاني الألفاظ بالقلوب، وإمحاض التوجه والإخلاص لعلّام الغيوب، فيكون اختلاف ثوابهم بمقدار ذلك وبحسبه، وعلى هذا يتنزل اختلاف مقادير الثواب الوارد في الأحاديث بالنظر إلى عمل واحد، لكنه يستقيم إذا تعددت مخارج الأحاديث، ويحتمل، فيما إذا تعددت، الاختلاف باعتبار الزمان؛ كالتقييد بما بعد صلاة الصبح مثلًا، وعدم التقييد إذا لم يحمل المطلق على المقيد، وظاهر لفظ الحديث أن هذه لفظ الفضيلة تحصل لمن أتى بالذكر في اليوم متواليًا أو مفرقًا، في أوله وفي آخره، لكن الأفضل أن يأتي به متواليًا في أول النهار ليكون حرزًا في جميع نهاره، وكذا في أول الليل ليكون له حرزًا في جميع ليله، وأكمل ما ورد في لفظ هذا التهليل في حديث ابن عمر عن عمر رفعه:"من قال حين يدخل السوق: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت وهو حي لا يموت، بيده الخير، وهو على كل شيء قدير". الحديث أخرجه الترمذي وغيره (2)، وهذا هو لفظ جعفر في "الذكر" كما تقدم، إلا قوله:"وهو حيّ لا يموت".
تنبيه: ظاهر الحديث في التسبيح بتكفيره الخطايا وإن كانت مثل الزبد أنه أفضل من التهليل، فإنه قال في التهليل:"محيت عنه مائة سيئة". وقد
(1) ينظر الفتح 11/ 205.
(2)
الترمذي 5/ 457، 458 ح 3428، وابن ماجه 2/ 752 ح 2235.
يجاب عنه بأنه انضاف في التهليل رفع الدرجات، وكتب الحسنات وعتق الرقاب، والعتق يتضمن تكفير جميع السيئات، فإن من أعتق رقبة أعتق الله بكل عضو منها عضوًا منه من النار، ويدل على أفضلية التهليل الحديث مرفوعًا:"أفضل الذكر لا إله إلا الله". أخرجه الترمذي والنسائي وصححه ابن حبان والحاكم (1) من حديث جابر. و"أفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله"(2). وهو كلمة التوحيد والإخلاص، وهو اسم الله الأعظم، ومعنى التسبيح داخل فيه التنزيه عمّا لا يليق بالله تعالى، وهو داخل في ضمن:"لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له اللك وله الحمد وهو على كل شيء قدير". ولا يعارض هذا حديث أبي ذر: قلت: يا رسول الله، أخبرني بأحب الكلام إلى الله؟ قال:"إن أحب الكلام إلى الله: سبحان الله وبحمده". أخرجه مسلم (3). وفي رواية (4): سئل: أي الكلام أفضل؟ قال: "ما اصطفى الله لملائكته؛ سبحان الله وبحمده". لأن التهليل المذكور قد شمله، والتهليل صريح في التوحيد، في التسبيح متضمن له، فمنطوق "سبحان الله" تنزيه الله تعالى، ومفهومه توحيد، ومنطوق "لا إله إلا الله" توحيد، ومفهومه تنزيه، فتكون "لا إله إلا الله" أفضل؛ لأن التوحيد أصل والتنزيه ينشأ عنه، والأفضلية إنما هي بالنسبة إلى كلام الآدمي، وإلا فالقرآن أفضل الذكر. ولعله يقال: إن لفظ: "لا إله إلا الله"
(1) الترمذي 5/ 431 ح 3383، والنسائي في الكبرى 6/ 208 ح 10667، وابن حبان 3/ 126 ح 846، والحاكم 1/ 503.
(2)
الترمذي 5/ 534 ح 3585.
(3)
مسلم 4/ 2093 ح 2731/ 85.
(4)
مسلم 4/ 2093 ح 2731/ 84.
هي من القرآن. وهي مركب كامل في دلالته على معناه، وإن كانت بعض بابه، فالأفضلية فيها على العموم من غير تخصيص بكلام الآدمي، وقد جاءت الأحاديث في تعظيم فضلها على الإطلاق.
أخرج [الطبري (1)](أ) عن عبد الله بن عمرو قال: إن الرجل إذا قال: لا إله إلا الله. فهي كلمة الإخلاص التي لا يقبل الله عملًا حتى يقولها، وإذا قال: الحمد لله. فهي كلمة الشكر التي لم يشكر الله حتى يقولها. وعن ابن عباس (2): من قال: لا إله إلا الله. فليقل على إثرها: الحمد لله.
وأخرج النسائي (3) بسند صحيح عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم: "قال موسى: يا رب، علِّمني شيئًا أذكرك به. قال: قل: لا إله إلا الله" الحديث. وفيه: "لو أن السماوات السبع والأرضين السبع جعلن في كفة ولا إله إلا الله في كفة لمالت بهن لا إله إلا الله". وذكر [ابن بطال](ب)(4) عن بعض العلماء أن الفضل الوارد في مثل هذه الأعمال الصالحة والأذكار، إنما هو لأهل الفضل في الدين والطهارة من الجرائم العظام، وليس من أصرَّ [على](جـ) شهواته، وانتهك دين الله وحرماته بلاحق بالأفاضل المطهرين في ذلك،
(أ) في جـ: الطبراني. والمثبت من الفتح 11/ 207.
(ب) في جـ: عياض. والمثبت من الفتح 11/ 208.
(جـ) ساقط من: جـ. والمثبت من الفتح 11/ 208.
_________
(1)
الطبري 15/ 93.
(2)
الطبري 24/ 81.
(3)
النسائي في الكبرى 6/ 208، 209 ح 10670.
(4)
شرح صحيح البخاري له 10/ 134.
ويشهد له قوله تعالى: {أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} (1). والله سبحانه أعلم.
1303 -
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من قال: سبحان الله وبحمده. مائة مرة حطت خطاياه، وإن كانت مثل زيد البحر". متفق عليه (2).
قوله: "سبحان الله". أي تنزيه الله عن كل ما [لا](أ) يليق به من كل نقص، فيلزم نفي الشريك ونفي الصاحبة والولد وجميع الرذائل. ويطلق التسبيح ويراد به جميع ألفاظ الذكر، ويطلق ويراد به صلاة النافلة، وسميت صلاة التسبيح لكثرة التسبيح فيها، وسبحان اسم مصدر منصوب على المصدرية بتقدير فعل وهو "سبّحت" محذوف وجوبًا لإضافة المصدر، وهو قائم مقام "تسبيح" مصدر "سبّحت" ولا يستعمل "سبحان" إلا مضافًا، وهو يحتمل أن يكون المضاف إليه موصولًا، أي: سبحت الله. ويجوز أن يكون مضافًا إلى الفاعل، أي: نزه الله سبحانه نفسه. والمشهور الأول وقد جاء غير مضاف في الشعر كقوله (3):
(أ) ساقط من: جـ. والمثبت من الفتح 11/ 206.
_________
(1)
الآية 21 من سورة الجاثية.
(2)
البخاري، كتاب الدعوات، باب فضل التسبيح 11/ 206 ح 6405، ومسلم، كتاب الذكر
…
، باب فضل التهليل 4/ 2071 ح 2791.
(3)
البيت نسبه أبو الفرج الأصفهاني في الأغاني 3/ 121 لورقة بن نوفل، ونسبه الرامهرمزي في أمثال الحديث ص 11، والقرطبي 9/ 42 لزيد بن عمرو بن نفيل، ونسبه البكري في معجم ما استعجم 1/ 391 لأمية بن أبي الصلت.
سبحانه ثم سبحانًا نعوذ به
…
وقبلنا سبّح الجودي والجمد
و"بحمده". معطوف بتقدير متعلقه على فعل "سبحان". أي: أسبح الله وأتلبس بحمده. والباء باء الملابسة.
وقوله: "مثل زيد البحر". مبالغة في كثرتها، أي أن خطاياه تكفر ولو بلغت من الكثرة أي مبلغ. وقد تقدم الجمع بين هذا وبين حديث التهليل قريبًا (1).
1304 -
وعن جويرية بنت الحارث رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لقد قلت بعدك أربع كلمات لو وزنت بالسماوات والأرض لوزنتهن؛ سبحان الله وبحمده عدد خلقه ورضا نفسه، وزنة عرشه ومداد كلماته". أخرجه مسلم (2).
الحديث فيه دلالة على فضل هذه الكلمات، وأن قائلها مدرك فضيلة تكرار القول بالعدد المذكور.
قوله: "عدد خلقه". المراد به المبالغة في الكثرة؛ لأن خلقه بمعنى مخلوقاته، ومخلوقات الله في السماوات والأرضين وما بينهما والجنة والنار.
وقوله: "ورضا نفسه". أي رضاه عمّن رضي عنهم من النبيين والصدّيقين والشهداء والصالحين، وهو لا ينقطع ولا ينقضي.
(1) تقدم ص 427 - 430.
(2)
مسلم، كتاب الذكر والدعاء، باب التسبيح أول النهار وعند النوم 4/ 2090 ح 2726.
وقوله: "وزنة عرشه". أي: وزنة ما لا يعلم قدر وزنه إلا الله تعالى.
وقوله: "ومداد كلماته". بكسر الميم، وهو ما تمد به الدواة كالحبر، والكلمات هي معلومات الله تعالى ومقدوراته. وهي لا تنحصر ولا [تتناهى](أ)، ومدادها هو كل مدة يكتب بها معلوم أو مقدور، وذلك لا ينحصر؛ لتعلقه بغير المنحصر، كما قال تعالى:{قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي} الآية (1). والله أعلم.
1305 -
وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الباقيات الصالحات؛ لا إله إلا الله، وسبحان الله، والله أكبر، والحمد لله، ولا حول ولا قوة إلا بالله". أخرجه النسائي وصححه ابن حبان والحاكم (2).
1306 -
وعن سمرة بن جندب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أحب الكلام إلى الله أربع، لا يضرك بأيهن بدأت، سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله اكبر". أخرجه مسلم (3).
قوله: "الباقيات الصالحات". أي الأعمال الصالحة. أي التي يبقى لصاحبها أثرها أبد الآباد. وقد فسرها النبي صلى الله عليه وسلم بهذا الذكر الشريف، وقد
(أ) في جـ: تنافى. والمثبت من سبل السلام 4/ 426.
_________
(1)
الآية 109 من سورة الكهف.
(2)
النسائي في عمل اليوم والليلة -كما في تحفة الأشراف 3/ 362 ح 4066، وابن حبان كتاب الرقاق، باب الأذكار 3/ 121 ح 840، والحاكم، كتاب الدعاء 1/ 512 بنحوه.
(3)
مسلم، كتاب الآداب، باب كراهة التسمية بالأسماء القبيحة
…
3/ 1685 ح 2137.
جاء في الحديث تفسيرها بما يشمل هذا المذكور وغيره؛ من الصلاة والصيام والحج كما في حديث ابن عباس، أخرجه ابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه (1):"الباقيات الصالحات". قال: هي ذكر الله؛ لا إله إلا الله، والله أكبر، وسبحان الله، والحمد لله، وتبارك الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله، وأستغفر الله، وصلى الله على رسول الله، والصيام، والصلاة، والحج، والصدقة، والعتق، والجهاد، والصلة، وجميع أعمال الحسنات، وهن الباقيات الصالحات التي تبقى لأهلهن في الجنة.
وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم (2)، عن قتادة في قوله تعالى:{وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ} (3). قال: كل شيء من طاعة الله فهو من الباقيات الصالحات.
وأخرج بن أبي حاتم وابن مردويه (2)، [عن قتادة](أ)، أنه سئل عن الباقيات الصالحات، فقال: كل ما أريد به وجه الله.
ولا معارضة بين هذا وبين حديث أبي سعيد؛ فإن الإخبار عن الباقيات الصالحات بهذه الكلمات لا يقتضي الحصر اقتضاءً كليًّا؛ فإن تعريف المبتدأ قد يكون لغير إرادة الحصر، أو بأن ذكرها في حديث أبي سعيد للتَّنبيه على مزيد فضلها حتى كأنها هي المعتبرة وحدها، فتفيد الحصر ادعاءً ومبالغةً لا حقيقة. وقد وردت أحاديث كثيرة مؤيِّدة لحديث أبي سعيد؛ أخرج ابن أبي
(أ) ساقط من: جـ. والمثبت من الدر المنثور.
_________
(1)
ينظر الدر المنثور 9/ 557.
(2)
ينظر الدر المنثور 9/ 561.
(3)
الآية 46 من سورة الكهف.
شيبة وابن المنذر (1) عن ابن عباس في قوله تعالى: {وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ} . سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر.
وأخرج سعيد بن منصور، وأحمد، وأبو يعلى، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن حبان، والحاكم وصححه، وابن مردويه (2) عن أبي سعيد، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"استكثروا من الباقيات الصالحات". قيل: وما [هن](أ) يا رسول الله؟ قال: "التكبير، والتهليل، والتسبيح، والتحميد، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم".
وأخرج سعيد بن منصور، وأحمد، وابن مردويه (3) عن النعمان بن بشير، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"ألا وإن سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر [هن] (أ) الباقيات الصالحات".
وأخرج النسائي، وابن جرير، وابن أبي حاتم، والطبراني في "الصغير"، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي (4) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "خذوا جُنّتكم". قيل: يا رسول الله، أمِن عدوٍّ قد حضر؟ قال: "لا، بل جُنتكم من النار قول: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، فإنهن يأتين يوم القيامة مقدماتٍ معقباتٍ ومُجنِّبات،
(أ) في جـ: هي. والمثبت من مصادر التخريج.
_________
(1)
ينظر الدر المنثور 9/ 552.
(2)
أحمد 3/ 75، وأبو يعلى 2/ 524 ح 1384، وابن جرير في تفسيره 15/ 279، وابن حبان 3/ 121 ح 840، والحاكم 1/ 512.
(3)
أحمد 4/ 268، وينظر الدر المنثور 9/ 552.
(4)
النسائي في الكبرى 6/ 212 ح 10684، والطبراني في الصغير 1/ 145، والحاكم 1/ 541، والبيهقي في الشعب 1/ 425 ح 606.
و [هن](أ) الباقيات الصالحات".
وأخرج الطبراني وابن شاهين في "الترغيب في الذكر"، وابن مردويه (1) عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم [هن] (أ) الباقيات الصالحات، وهن يحططن الخطايا كما تحط الشجرة ورقها، وهن من كنوز الجنة".
وأخرج ابن مردويه (2) عن أنس بن مالك قال: مرَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بشجرة يابسة، فتناول عودًا من أعوادها، فتناثر كل ورقة عليها، فقال:"والذي نفسي بيده إن قائلًا يقول: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر. لتناثر الذنوب عن قائلها كما يتناثر الورق عن هذه الشجرة، قول الله تعالى في كتابه، هي الباقيات الصالحات".
وأخرج أحمد (3) عن أنس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"إن سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلَّا الله، والله أكبر تنفض الخطايا كما تنفض الشجرة ورقها".
وأخرج ابن أبي شيبة والنسائي والبيهقي في "الأسماء والصفات"(4) عن سمرة بن جندب، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ما من [الكلام](ب) شيء أحب
(أ) في جـ: هي. والمثبت من مصادر التخريج.
(ب) في جـ: كلام. والمثبت من مصادر التخريج.
_________
(1)
الطبراني -كما في مجمع الزوائد 10/ 90، وينظر الدر المنثور 9/ 553، 554.
(2)
ابن مردويه -كما في الدر المنثور 9/ 554.
(3)
أحمد 3/ 152.
(4)
ابن أبي شيبة 10/ 442، والنسائي في الكبرى 6/ 211 ح 10681، 10682، والبيهقي 2/ 460 ح 1044، وينظر الدر المنثور 9/ 554، 555.
إلى الله من الحمد لله، وسبحان الله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، [هن](أ) أربع، فلا تكثر عليَّ، لا يضرك بأيهن بدأت".
وأخرج ابن مردويه (1) عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن عجزتم عن الليل أن تكابدوه، والعدو أن تجاهدوه، فلا تعجزوا عن قول: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، فإنهن الباقيات الصالحات".
وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن مردويه (2) عن عائشة، أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال ذات يوم لأصحابه:"خذوا جُنَّتكم". مرتين أو ثلاث مرات. قالوا: من عدو حضر؟ قال: "بل من النار؛ [قولوا] (ب): سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله العليِّ العظيم، فإنهن يجئن يوم القيامة مقدمات [ومجنبات] (جـ) ومعقبات، وهن الباقيات الصالحات".
وأخرج ابن مردويه (3) من طريق الضحاك عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن نَصَّبكم [الليل فلم](د) تقوموه، وعجزتم عن
(أ) في جـ: هي. والمثبت من مصدر التخريج.
(ب) في جـ: قالوا. والمثبت من مصدر التخريج.
(جـ) في ساقطة من: جـ. والمثبت من مصدر التخريج.
(د) في جـ: الله فلا. والمثبت من مصدر التخريج.
_________
(1)
ابن مردويه -كما في الدر المنثور 9/ 555.
(2)
ينظر الدر المنثور 9/ 555، 556.
(3)
ابن مردويه -كما في الدر المنثور 9/ 556.
النهار [فلم](أ) تصوموه، وجبنتم عن العدوّ [فلم](أ) تقاتلوه، فأكثروا [من](ب) سبحان الله، والحمد لله ولا إله إلا الله، والله أكبر، فإنهن الباقيات الصالحات".
وأخرج ابن أبي شيبة (1) عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الذين [يذكرون] (جـ) من جلال الله؛ من تسبيحه، وتحميده، وتكبيره، وتهليله، يتعاطفون حول العرش، لهنَّ دويّ كدويِّ النحل، يُذْكَرون بصاحبهن، أوَ لَا يحب أحدكم ألا يزال عند الرحمن بشيء يذْكر به؟ ".
وأخرج ابن أبي شيبة (2) عن عبد الله بن أبي أوفى قال: أتى رجل النبي صلى الله عليه وسلم يذكر أنه لا يستطيع أن يأخذ من القرآن، وسأله شيئًا يجزئ من القرآن، فقال له:"قل: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله".
وأخرج ابن أبي شيبة (3) عن [موسى](د) بن طلحة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كلمات إذا قالهن العبد وضعهن ملك في جناحه، ثم يعرج بهن، فلا يمرّ على ملأ من اللائكة إلَّا صلَّوا عليه وعلى قائلهن، حتى يوضعن بين
(أ) في جـ: فلا. والمثبت من مصدر التخريج.
(ب) ساقطة من: جـ. والمثبت من مصدر التخريج.
(جـ) في جـ: يذكرن. والمثبت من مصدر التخريج.
(د) في جـ: محمد. والمثبت من مصدر التخريج، وينظر تهذيب الكمال 29/ 82.
_________
(1)
ابن أبي شيبة 10/ 289، 13/ 452.
(2)
ابن أبي شيبة 10/ 291، 13/ 452.
(3)
ابن أبي شيبة 10/ 348.
يدي الرحمن؛ سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، من لا حول ولا قوة إلا بالله (أ)، أبرأه عن السوء". وغير ذلك من الأحاديث.
وقوله في حديث سمرة: "أحب الكلام". تقدم الكلام قريبًا في معنى تفضيل هذه الكلمات.
وقوله: "لا يضرك بأيهن بدأت". يعني أن الترتيب [غير](ب) معتبر، وإنما المعتبر الذكر بها.
1307 -
وعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا عبد الله بن قيس، ألا أدلك على كنز من كنوز الجنة؟ لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم". متفق عليه (1). زاد النسائي (2): "لا ملجأ من الله إلَّا إليه".
قوله: "كنز من كنوز الجنة". أي أن ثوابها مدخر في الجنة نفيس، كما أن الكنز أنفس أموالكم. فتسميتها "كنز" من إطلاق اسم المسبب على السبب، وهو أنها لما كانت سببًا للثواب في الجنة المعبَّر عنه بالكنز أطلق عليها اسمه، واستعمال الكنز في الثواب أيضًا مجاز، وجاء في حديث أبي أيوب
(أ) زاد في مصدر التخريج: وسبحان الله.
(ب) في جـ: على. والمثبت يقتضيه السياق.
_________
(1)
البخاري، كتاب الدعوات، باب الدعاء إذا علا عقبة 11/ 187 ح 6384، ومسلم، كتاب الذكر والدعاء
…
، باب استحباب خفض الصوت بالذكر 4/ 2076 ح 2704.
(2)
النسائي في الكبرى 6/ 97 ح 10190 من حديث أبي هريرة، وينظر الفتح 11/ 500، 501.
الأنصاري تسميتها: "غراس الجنة". وهو أنه مر صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء على إبراهيم عليه السلام فقال له: مُر أمتك فليكثروا من غراس الجنة، فإن تربتها طيبة وأرضها واسع". فقال صلى الله عليه وسلم:"ومن غراس الجنة لا حول ولا قوة إلا بالله العليّ العظيم"(1).
قال العلماء: سبب ذلك أنها كلمة استسلام وتفويض إلى الله تعالى، واعتراف بالإذعان له، وأنه لا مانع غيره، ولا رادَّ لأمرِه، وأن العبد لا يملك شيئًا من الأمر. قال أهل اللغة: الحول عبارة عن الحركة والحيلة. أي لا حركة ولا استطاعة ولا حيلة إلا بمشيئة الله.
وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم في معناها: أي لا حول عن المعاصي إلا بعصمة الله، ولا قوة على طاعة الله إلا بالله. قال عليه الصلاة والسلام:"كذلك أخبرني جبريل عن الله تبارك وتعالى"(2). وروي عن علي رضي الله عنه في معناها: أي أنَّا لا نَملِك مع الله شيئًا، ولا نملك من دونه شيئًا، ولا نملك إلا ما ملَّكَنا مما هو أملك به منا. وقيل: لا حول في دفع شرٍّ، ولا قوة في تحصيل خيرٍ إلا بالله. ويعبر عن هذه الكلمة بالحوقلة والحولقة، وبالأول جزم الأزهري (3)، والثاني الجوهري (4).
ويقال أيضًا: لا حيل ولا قوة. في لغة غريبة حكاها الجوهري وغيره (5).
(1) أحمد 5/ 418.
(2)
البزار 5/ 374 ح 2004 من حديث ابن مسعود.
(3)
ينظر تهذيب اللغة 5/ 370، وشرح مسلم 17/ 27.
(4)
ينظر الصحاح (ح ل ق).
(5)
الصحاح (ح ى ل)، وذكر بها الزمخشري في الفائق 1/ 340 عن الكسائي.
وقوله: "لا ملجأ". مهموز من لجأ، وهو اسم لا. فإن كان مصدرًا ميميًّا، فقوله:"من الله". متعلق به، فيكون من المشبه بالمضاف منصوبا، وإن كان اسم مكان فهو مبني على الفتح، و "منك" متعلق بمحذوف، أي: كائن. صفة لاسم "لا". تقول: لجأت إلى فلان وعنه والتجأت وتلجأت. إذا أسندت إليه واعتضدت به أو عدلت عنه إلى غيره، فـ "لا ملجأ" هنا بمعنى: لا مستند من الله. أي: من قضائه إلا إليه ولا مَعْدِل. والله أعلم.
1308 -
وعن النعمان بن بشير رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن الدعاء هو العبادة". رواه الأربعة (1)، وصححه الترمذي، وله (2) من حديث أنس بلفظ:"الدعاء مخ العبادة". وله (3) من حديث أبي هريرة، رضي الله عنه رفعه:"ليس شيء أكرم على الله من الدعاء". وصححه ابن حبان والحاكم (4).
تقدم الكلام على هذا في أول باب الذكر (5).
وقوله: "مخ العبادة ": أي خالصها؛ لأن مُخَّ الشيء خالصه، وإنما كان مُخها لأمرين؛ أحدهما، أنه امتثال أمر الله، حيث قال:
(1) أبو داود، كتاب الصلاة، باب الدعاء 2/ 77 ح 1479. والترمذي، كتاب الدعوات، باب ما جاء في فضل الدعاء 5/ 426 ح 3372، والنسائي في الكبرى، كتاب التفسير، باب سورة غافر 6/ 450 ح 11464، وابن ماجه، كتاب الدعاء، باب فضل الدعاء 2/ 1258 ح 3828.
(2)
الترمذي، كتاب الدعوات، باب ما جاء في فضل الدعاء 5/ 425 ح 3371.
(3)
الترمذي، كتاب الدعوات، باب ما جاء في فضل الدعاء 5/ 425 ح 3370.
(4)
ابن حبان، كتاب الرقاق، باب الأدعية 3/ 151، 152 ح 870، والحاكم 1/ 490.
(5)
تقدم ص 383 - 386.
{ادعُوني} (1). فهو محض العبادة وخالصها. الثاني، إذا رأى نجاح الأمور من الله قطع أمَله عن سواه، ودعواه لحاجته وحدد، وهذا هو أصل العبادة، ولأن الغرض من العبادة الثواب عليها وهو المطلوب بالدعاء، وهذا عند من لم تَكْمُلْ له المعرفة، ومن كَمُلَت له المعرفة، فالعبادة عنده إنما هي لمجرد التعظيم والامتثال والمحبة. والله سبحانه أعلم.
1309 -
وعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الدعاء بين الأذان والإقامة لا يرد". أخرجه النسائي وصححه ابن حبان (2) وغيره.
الحديث بعينه تقدم في آخر باب الأذان (3).
1310 -
وعن سلمان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن ربكم حيي كريم؛ يستحيي من عبده إذا رفع يديه إليه أن يردهما صفرًا". أخرجه الأربعة إلا النسائي وصححه الحاكم (4).
قوله: "حيي". الحياء انقباض النفس عن القبيح مخافة الذم، وهو
(1) الآية 60 من سورة غافر.
(2)
النسائي في الكبرى، كتاب عمل اليوم والليلة، باب الترغيب في الدعاء بين الأذان والإقامة 6/ 22، 23 ح 9895 - 9897، وابن حبان، كتاب الصلاة، باب الأذان 4/ 593، 594 ح 1696.
(3)
تقدم ح 153.
(4)
أبو داود، كتاب الصلاة، باب الدعاء 2/ 79 ح 1488، والترمذي، كتاب الدعوات 5/ 520 ح 3556، وابن ماجه، كتاب الدعاء، باب رفع اليدين في الدعاء 2/ 1271 ح 3865، والحاكم، كتاب الدعاء والتكبير والتهليل والتسبيح والذكر 1/ 497.
الوسط بين الوقاحة -التي هي الجرأة على القبائح وعدم المبالاة بها- والخجل الذي هو [انحسار](أ) النفس عن الفعل مطلقًا. واشتقاقه من الحياة، فإنه انكسار يعتري القوة الحيوانية فيردها عن أفعالها، فقيل: حيي الرجل. كما قيل: نسي وحشي إذا اعتَلَّت نساه. أي عرق النَّساء، وحشا أي قلبه. وهذا المعنى الحقيقي لا يصح في حق الله تعالى، فهو مجاز مرسل في ترك الرد. أيْ لا يردهما. والعلاقة أن التَّرك لازم للانقباض؛ كاستعمال الرحمة في الإنعام اللازم بمعناها الحقيقي، ويحتمل أن يكون من باب الاستعارة التمثيلية، وهو أنه شبه حاله تعالى في إجابة الدعاء أنه لا يختلف عن ذلك بحالة من يستحي من ردِّ سائله فيعطيه ما مسألة.
وقوله: "صفرًا". أي خالية، وهو بكسر الصاد المهملة وسكون الفاء.
وفي قوله: "إذا رفع يده". دلالة على استحباب رفع اليد في الدعاء، وقد ذهب بعض إلى أن رفع اليد إنما هو مشروع في دعاء الاستسقاء، وتمسك بحديث أنس (1): لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يرفع يديه في شيء من دعائه إلا في الاستسقاء. وهو حديث صحيح، ولكنه يراد بنفي الرفع هو الرفع الذي وقع في الاستسقاء، وهو حتى يُرى بياض إبطيه، لا مطلق الرفع، ففي الاستسقاء الرفع إلى حد الوجه، وفي غيره يكون الرفع إلى حد المنكبين، وقد رُوي في غير الاستسقاء أنه رفع إلى أن رُئي بياض إبطيه، ويجمع بينهما بأن رؤية اليباض في غير الاستسقاء أقل منها في
(أ) في جـ: انحصار. والمثبت هو الصواب.
_________
(1)
البخاري 2/ 517 ح 1031، 3565، 6341، ومسلم 2/ 612 ح 895.
الاستسقاء. قال المنذري (1): وإذا تعذر الجمع، فرواية الإثبات مقدمة على النفي. وقد جاء في الرفع أحاديث كثيرة أفردها المنذري في جزء، وروى الترمذي (2) في حديث عمر رضي الله عنه قال:[كان](أ) النبي صلى الله عليه وسلم إذا رفع يده في الدعاء لم يحطهما حتى يمسح بهما وجهه. وفي "سنن أبي داود"(3) عن ابن عباس نحوه، وفي إسنادهما مقالٌ. وقال الترمذي في الحديث الأول: إنه غريب. وإن قال عبد الحق (4): إن الترمذي قال فيه: إنه صحيح. فليس ذلك في النسخ المعتمدة. وعقد البخاري (5) لها بابًا مفردًا في "الأدب المفرد"، وذكر في قصة قدوم الطفيل بن عمرو [على](ب) النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: إن دوسًا عصت فادعُ الله عليها. فاستقبل القبلة وهو رافع يده. الحديث. وسنده صحيح، وأخرجه مسلم (6).
وحديث عائشة (7) أنها رأت النبي صلى الله عليه وسلم يدعو رافعًا يديه يقول: "اللهم إنما أنا بشر". الحديث، ولمسلم (8) في حديث الكسوف عن عبد الرحمن بن
(أ) في جـ: قال. والمثبت من مصدر التخريج.
(ب) في جـ: عن. والمثبت يقتضيه السياق.
_________
(1)
ينظر الفتح 11/ 142.
(2)
الترمذي 5/ 432، 433 ح 3386.
(3)
أبو داود 2/ 80 ح 1491.
(4)
ينظر نصب الراية 3/ 51.
(5)
البخاري في الأدب المفرد 2/ 68، 69 ح 611.
(6)
مسلم 4/ 1957 ح 2524.
(7)
البخاري في الأدب المفرد 2/ 68 ح 610، وأبو يعلى 8/ 78 ح 4606.
(8)
مسلم 2/ 629 ح 913.
سمرة: فانتهيت إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو رافع يديه يدعو. وفي حديث عائشة (1) في دعائه لأهل البقيع: فرفع يديه ثلاث مرات. ومن حديث أبي هريرة الطويل (2) في فتح مكة: فرفع يديه وجعل يدعو. وغير ذلك من الأحاديث الصحيحة، وأما ما أخرجه مسلم (3) من حديث عمارة بن رويبة، براء مهملة وموحدة مصغرًا، أنه رأى بشر بن مروان يرفع يديه، فأنكر ذلك وقال: لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وما يزيد على هذا. يشير بالسبابة. فقد حكى الطبري (4) عن بعض السلف أنه أخذ بظاهره وقال: السنة أن الداعي يشير بإصبع واحدة. ورده بأنه إنما ورد في الخطيب حال الخطبة، وهو ظاهر في سياق الحديث، فلا معنى للتمسك به في منع رفع اليدين في الدعاء مع ثبوت الأخبار في شرعيتها. قال الطبري: وكره رفع اليدين في الدعاء ابن عمر وجبير بن مطعم، ورأى شريح رجلًا يرفع يديه داعيًا، فقال: من تتناول بهما لا أُمَّ لكَ. وذكر ابن التين عن عبد الله بن عمر بن غانم أنه نقل عن مالك أن رفع اليدين في الدعاء ليس من أمر الفقهاء، قال: وقال في "المدونة"(5): ويختص الرفع بالاستسقاء، ويجعل بطونهما إلى الأرض. وروى الطبري (4) عن ابن عمر، أنه إنما أنكر رفعهما إلى حذو المنكبين، وقال: ليجعلهما حذو صدره. وكذلك أسنده الطبري عن ابن عباس، وأخرج أبو داود والحاكم
(1) مسلم 2/ 670 ح 974.
(2)
مسلم 3/ 1403 ح 1780.
(3)
مسلم 2/ 595 ح 874.
(4)
ينظر الفتح 11/ 143.
(5)
المدونة 1/ 68.
عنه (1) من وجه آخر قال: المسألة أن ترفع يديك حذو منكبيك، والاستسقاء أن تشير بإصبع واحدة، والابتهال أن تمد يديك جميعًا. وأخرج الطبري (2) من وجه آخر عنه قال: يرفع يديه حتى يجاوز بهما رأسه. وأخرج البخاري في "الأدب المفرد"(3) عن ابن عمر من طريق القاسم بن محمد: رأيت ابن عمر يدعو عند القاص، يرفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه، باطنهما مما يليه، وظاهرهما مما يلي وجهه.
واعلم أن الدعاء يتأكد استحبابه عقيب الصلوات، وقد روى الترمذي (4) من حديث أبي أمامة قال: يا رسول الله، أي الدعاء أسمع؟ قال:"جوف الليل، وأدبار الصلوات المكتوبات". وعقد البخاري في "الصحيح": باب الدعاء بعد الصلوات المكتوبات (5).
وزعم بعض العلماء أن الدعاء بعد الصلاة لا يشرع، متمسكًا بالحديث الذي أخرجه مسلم (6) من رواية عبد الله بن الحارث عن عائشة رضي الله عنهما: كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يلبث إلا قدر ما يقول: "اللهم أنت السلام، ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام". وقال ابن القيم في "الهدي النبوي"(7): وأما الدعاء بعد السلام من الصلاة مستقبل القبلة سواء الإمام
(1) أبو داود 2/ 79 ح 1489.
(2)
ينظر تفسير القرطبي 11/ 337، والفتح 11/ 143.
(3)
ينظر الفتح 11/ 143.
(4)
الترمذي 5/ 526 ح 3499.
(5)
الفتح 11/ 132.
(6)
مسلم 1/ 414 ح 591.
(7)
زاد المعاد 1/ 257.
والمنفرد والمأموم، فلم يكن ذلك من هدي النبي صلى الله عليه وسلم أصلًا، ولا روي عنه بإسناد صحيح ولا حسن، وخصص بعضهم ذلك بصلاتي الفجر والعصر، ولم يفعله النبي صلى الله عليه وسلم ولا الخلفاء بعده، ولا أرشد إليه أمته، وإنما هو استحسان رآه من رآه عوضًا من السنة بعدهما. قال: وعامة الأدعية المتعلقة بالصلاة إنما فعلها فيها وأمر بها فيها. قال: وهذا اللائق بحال المصلي، فإنه مقبل على ربه يناجيه، فإذا سَلَّم منها انقطعت المناجاة وانتهى موقفه وقربه، فكيف يترك سؤاله في حال مناجاته والقرب منه وهو مقبل عليه، ثم يسأل إذا انصرف عنه؟! ثم قال: لكن الأذكار الواردة بعد المكتوبة يستحب لمن أتى بها أن يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن يفرغ منها، ويدعو بما شاء ويكون دعاؤه عقب هذه العبادة الثانية، وهي الذكر لا لكونه دبر الصلاة المكتوبة.
ويجاب من حديث مسلم بأن المراد بالنفي المذكور نفي استمراره جالسًا على هيئته قبل السلام إلا مقدار ما يقول ما ذكر، وبينت أنه كان إذا صلى أقبل بوجهه على أصحابه، فيحمل ما ورد من الدعاء بعد الصلاة على أنه كان يقول بعد أن يقبل بوجهه على أصحابه، وهذا ما قاله ابن القيم من النفي مطلقًا؛ بأن ذلك قد ثبت عن معاذ بن جبل، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"يا معاذ، إني والله أحبك، فلا تدع دبر كل صلاة أن تقول: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك". أخرجه أبو داود والنسائي وصححه ابن حبان والحاكم (1). وحديث أبي بكرة في قوله: "اللهم إني أعوذ بك من الكفر والفقر، وعذاب القبر". كان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو بهن دبر كل صلاة، أخرجه
(1) أبو داود 2/ 87 ح 1522، والنسائي 3/ 53، وابن حبان 5/ 364، 365 ح 2020، والحاكم 1/ 273.
أحمد والترمذي والنسائي وصححه الحاكم (1). وحديث زيد بن أرقم: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو بهن في دبر كل صلاة: "اللهم ربنا ورب كل شيء". الحديث أخرجه أبو داود والنسائي (2). وحديث صهيب رفعه: كان يقول إذا انصرف من الصلاة: "اللهم أصلح لي ديني". الحديث. أخرجه النسائي وصححه ابن حبان وغيره (3).
وأما التأويل بأن المراد بهذه دبر الصلوات هو أن يكون بعد التشهد قبل [السلام](أ)، فإنه قد ورد الأمر بالذكر دبر الصلاة، والمراد به بعد التسليم إجماعًا، فكذا هذا حتى يثبت ما يخالفه، وقد فهم بعض الحنابلة من كلام ابن القيم نفي الدعاء بعد الصلاة مطلقًا، وليس كذلك، فإن كلامه إنما هو قبل الأذكار، وأما بعد الأذكار فيدعو، وقد وردت الأحاديث الصحيحة في الأذكار بعد الصلاة في "الصحيحين"، وغيرهما (4): كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا انصرف من الصلاة استغفر ثلاثًا وقال: "اللهم أنت السلام، ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام". قيل للأوزاعي: كيف الاستغفار؟ قال: يقول: أستغفر الله، أستغفر الله. وحديث المغيرة في "الصحيحين" (5): كان إذا فرغ من الصلاة وسلم قال: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله
(أ) في جـ: الكلام. والمثبت يقتضيه السياق.
_________
(1)
أحمد 5/ 36، والترمذي 5/ 494 ح 3503، والنسائي 3/ 73، والحاكم 1/ 252.
(2)
أبو داود 2/ 84 ح 1508، والنسائي 6/ 30، والبزار 6/ 22 ح 2092، والطبراني 8/ 33 ح 7298.
(3)
النسائي 3/ 73، وابن حبان 5/ 373 ح 2026.
(4)
مسلم 1/ 414 ح 591.
(5)
البخاري 2/ 325 ح 844، ومسلم 1/ 414، 415 ح 593، وأبو داود 2/ 85 ح 1513، والترمذي 2/ 97 ح 300، والنسائي 3/ 68، وابن ماجه 1/ 300 ح 928.
ولا حول ولا قوة إلا بالله، اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد". وعن عبد الله بن الزبير (1) أنه كان يقول دبر كل صلاة حين يسلم:"لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، ولا حول ولا قوة إلا بالله، ولا نعبد إلا إياه، له النعمة، وله الفضل، وله الثناء الحسن، لا إله إلا الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون". قال ابن الزبير: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يهلل بهن دبر كل صلاة. وحديث الفقراء في "الصحيحين"(2) قال: "تسبحون، وتحمدون، وتكبرون خلف كل صلاة ثلاثًا وثلاثين". وحديث كعب بن عجرة (3)، قال:"معقبات لا يخيب قائلهن أو فاعلهن دبر كل صلاة مكتوبة؛ ثلاث وثلاثون تسبيحة، وثلاث وثلاثون تحميدة، وأربع و [ثلاثون] (أ) تكبيرة". وفي "صحيح مسلم"(4) عن أبي هريرة مثل ذلك، لكن تمام المائة:"لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير". وجاء من حديث ابن [عمرو](ب): "يسبح الله دبر كل صلاة عشرًا، ويكبر عشرًا، ويحمد عشرًا، فذلك خمسون ومائة باللسان وألف وخمسمائة في الميزان، ويكبر إذا أخذ مضجعه أربعًا وثلاثين ويحمد ثلاثا وثلائين، ويسبح ثلاثا وثلائين، فذلك مائة
(أ) في جـ: عشرون. والمثبت من مصدر التخريج.
(ب) في جـ: عمر. والمثبت من مصدر التخريج.
_________
(1)
مسلم 1/ 415، 416 ح 594.
(2)
البخاري 2/ 235 ح 843، ومسلم 1/ 416، 417 ح 595.
(3)
مسلم 1/ 418 ح 596.
(4)
مسلم 1/ 418 ح 597.
باللسان وألف [في الميزان](أ). أخرجه أبو داود (1).
وقد جاءت أحاديث في قراءة آية الكرسي عقيب كل صلاة، والآيتين من "آل عمران ":{شَهِدَ الله} (2). و: {قُلِ اللهُمَّ مالكَ المُلْكِ} (3). وجاء في قراءة المعوذتين دبر كل صلاة وقراءة "الفاتحة"؛ قال ابن بطال (4): في هذه الأحاديث الحض على الذكر بعد الصلاة في أدبارها، وأن ذلك يوازي إنفاق المال في طاعة الله تعالى؛ كما في حديث الفقراء. وسئل الأوزاعي عن الذكر بعد الصلاة أفضل أم تلاوة القرآن؟ قال: لا شيء يعدل القرآن، ولكن هدي السلف الذكر.
ومنها أن الذكر المذكور يلي الصلاة المكتوبة، ولا يؤخر إلى أن تصلى الراتبة؛ للتصريح في هذه الأذكار بأنها دبر الصلاة.
وحديث راتبة المغرب أنها ترفع مع المكتوبة (5) لا يعارض حديث الذكر؛ فإنه صلى الله عليه وسلم كان يصليها في البيت، فالفاصلة بينها وبين الصلاة لا يضر. والله أعلم.
1311 -
وعن عمر رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا
(أ) في جـ: ميزان. والمثبت من مصدر التخريج.
_________
(1)
أبو داود 4/ 318 ح 5065.
(2)
الآية 18 من سورة آل عمران.
(3)
الآية 26 من سورة آل عمران.
(4)
شرح صحيح البخاري له 10/ 94.
(5)
البيهقي في الشعب 3/ 122 ح 3068. وضعفه المناوي في فيض القدير 4/ 307.
مد يده في الدعاء لم يردَّهما حتى يمسح بهما وجهه. أخرجه الترمذي (1)، وله شواهد؛ منها من حديث ابن عباس عند أبي داود (2)، ومجموعها يقتضي أنه حديث حسن.
فيه دلالة على شرعية مسح الوجه باليدين، وكأن المناسبة -والله سبحانه أعلم- أنه لما كان الله سبحانه لا يردهما صفرا، فكأن الرحمة أصابتهما، فناسب إفاضة ذلك على الوجه الذي هو أشرف الأعضاء وأحقها بالتكريم.
1312 -
وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن أولى الناس بي يوم القيامة أكثرهم عليَّ صلاة". أخرجه الترمذي وصححه ابن حبان (3).
الحديث فيه دلالة على أفضلية إكثار الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، وأن المكثر هو الأحقُّ بالشفاعة يوم القيامة.
والمراد بـ "أولى بي" أي: شفاعتي. والله أعلم.
1313 -
وعن شداد بن أوس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "سيد الاستغفار أن يقول العبد: اللهم أنت ربي، لا إله إلا
(1) الترمذي، كتاب الدعوات، باب ما جاء في رفع الأيدي عند الدعاء 5/ 432، 433 ح 3386.
(2)
أبو داود، كتاب الصلاة، باب الدعاء 2/ 78، 79 ح 1485.
(3)
الترمذي، كتاب الصلاة، باب ما جاء في فضل الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم 2/ 354 ح 484، وابن حبان، كتاب الرقائق، باب الأدعية 3/ 192 ح 911.
أنت خلقتني، وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء لك بنعمتك عليّ، وأبوء بذنبي، فأغفر لي، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت". أخرجه البخاري (1).
تمام الحديث قال: "ومن قالها من النهار موقنًا بها، فمات من يومه قبل أن يمسي، فهو من أهل الجنة، ومن قالها من الليل وهو موقن بها، فمات قبل أن يصبح فهو من أهل الجنة".
هو أبو يعلى شداد بن أوس بن ثابت النجّاري الأنصاري، وهو ابن أخي حسان بن ثابت، يقال: إنه شهد بدرًا. ولا يصح. ونزل بيت المقدس، وعداده من أهل الشام، وروى عنه ابنه يعلى، ومحمود بن الربيع، وضمرة بن حبيب. مات بالشام سنة ثمان وخمسين وهو ابن خمس وسبعين. وقيل: مات سنة إحدى وأربعين. وقيل: سنة أربع وستين. قال عبادة بن الصامت وأبو الدرداء: كان شداد ممن أوتي العلم والحلم. واختلف في صحبة أبيه. وليس له في البخاري إلا هذا الحديث (2).
قوله: "سيد الاستغفار". قال الطيبي (3): لما كان هذا الدعاء جامعًا لمعاني التوبة كلها، استعير له اسم السيد، وهو في الأصل الرئيس الذي يُقصَد إليه في الحوائج، ويُرجَع إليه في الأمور. وجاء في رواية الترمذي (4):"ألا أدلك على سيد الاستغفار؟ ". وفي حديث جابر
(1) البخاري، كتاب الدعوات، باب أفضل الاستغفار ...... 11/ 97، 98 ح 6306.
(2)
ينظر الاستيعاب 2/ 694، وأسد الغابة 2/ 507، والإصابة 3/ 319.
(3)
الفتح 11/ 99.
(4)
الترمذي 5/ 436 ح 3393.
عند النسائي (1): "تعلموا سيد الاستغفار؟ ".
وقوله: "لا إله إلا أنت خلقتني". وقع هكذا في معظم الروايات، ووقع في نسخة تُعتمَد بتكرير "أنت" فيقول:"لا إله إلا أنت، أنت خلقتني". ووقع عند الطبراني (2) من حديث أبي أمامة زيادة: "من قال حين يصبح: اللهم لك الحمد، لا إله إلا أنت". وباقيه نحو حديث شداد، وزاد فيه:"آمنت لك مخلصًا لك ديني".
وقوله: "وأنا عبدك". جملة مؤكدة لقوله: "أنت ربي". ويحتمل أن يكون "عبدك" بمعنى عابدك، فلا يكون تأكيدًا، ويؤيده عطف قوله:"وأنا على عهدك". وسقطت الواو في رواية النسائي. قال الخطابي (3): يعني: أنا على ما عاهدتك عليه وواعدتك من الإيمان بك، وإخلاص الطاعة لك، ما استطعت [من ذلك، ويحتمل أن يريد: أنا مقيم على ما عهدت إلي من أمرك](أ) ومتمسك به، ومتنجز وعدك في [المثوبة](ب) والأجر.
وقوله: "ما استطعت". اعتراف بالعجز والقصور عن كُنْه الواجب من حقه تعالى. وقال ابن بطال (4): يريد بالعهد هو الذي أخذه الله على عباده حيث أخرجهم أمثال الذر وأشهدهم على أنفسهم: {أَلَسْتُ
(أ) ساقط من: جـ. والمثبت من الفتح.
(ب) في جـ: التوبة. والمثبت من الفتح.
_________
(1)
النسائي في الكبرى 6/ 121 ح 10301.
(2)
الطبراني 8/ 263 ح 7879.
(3)
الفتح 11/ 99.
(4)
شرح صحيح البخاري لابن بطال 10/ 75، 76.
بِربكم} (1). فأقروا له بالربوبية، وأذعنوا له بالوحدانية، وبالوعد ما قال على لسان نبيه؛ أن من مات لا يشرك بالله شيئًا وأدَّى ما افترض عليه أن يدخله الجنة.
واستدرك المصنف (2) على قوله: وأدى ما افترض عليه. أنه زيادة ليست بشرط في هذا المقام؛ لأنه جعل العهد الميثاق المأخوذ وهو على التوحيد خاصة، فالوعد هو إدخال الجنة من مات على ذلك. قال (3): وقوله: "ما استطعت". إعلام لأمته أن أحدًا لا يقدر على الإتيان بجميع ما يجب عليه لله تعالى، ولا الوفاء بكمال الطاعة والشكر على النعم، فرفقَ الله بعباده ولم يُكلفهم إلّا وسعهم.
وقوله: "أبوء لك بنعمتك عليّ". سقط لفظ "لك" من رواية النسائي. و"أبوء": بالموحدة والهمز ممدود، ومعناه: أعترف. وأصله البوء. ومعناه اللزوم، ومنه: بوأه الله منزلًا. أي أسكنه. فكأنه ألزمه به.
وقوله: "وأبوء لك بذنبي". أي أعترف أيضًا، وقيل معناه: أحمله برغمي لا أستطيع صرفه عني. والمراد بالذنب هو وقوع الذنب مطلقًا، [لا أنه](أ) الذنب الذي وقع بسبب التقصير في الشكر.
وقوله: "فأغفر لي؛ إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت". يؤخذ منه أن من اعترف بذنبه غفر له. وهذا الاستغفار فيه من بديع المعاني، وحسن
(أ) في جـ: لأنه. والمثبت من الفتح 11/ 100.
_________
(1)
الآية 172 من سورة الأعراف.
(2)
الفتح 11/ 100.
(3)
أي ابن بطال، شرح صحيح البخاري له 10/ 76.
الألفاظ، ما يحق له أن يسمى سيد الاستغفار؛ ففيه الإقرار لله وحده بالإلهية والعبودية، والاعتراف بأنه الخالق، والإقرار بالعهد الذي أخذه عليه، والرجاء بما وعد به، والاستعاذة من شر ما جنى العبد على نفسه، وإضافة النعماء إلى موجدها، وإضافة الذنب إلى نفسه، ورغبته في المغفرة، واعترافه بأنه لا يقدر أحد على ذلك إلا هو، وفي كل ذلك الإشارة إلى الجمع بين الشريعة والحقيقة، فإن تكاليف الشريعة لا تحصل إلا إذا كان في ذلك عون من الله تعالى، وهذا القدر الذي يكنى عنه بالحقيقة، فلو اتفق أن [العبد](أ) خالف، وقامت الحجة ببيان المخالفة، لم يبق إلا أحد الأمرين، إمّا العقوبة بمقتضي العدل، وإما العفو بمقتضى الفضل، ولكن من شرط الاستغفار حسن النية والتوجُّه والأدب؛ فلو أن أحدًا حصَّل الشروط واستغفر بغير هذا اللفظ الوارد، أو استغفر أحد بهذا اللفظ الوارد، لكن أخلَّ بالشروط؛ هل يتساويان؟ فالظاهر ألا يكون سيد الاستغفار إلا إذا جمع الشروط المذكورة، وإن كان فضل الله أوسع، فعلى العبد التوجه بقدر استطاعته.
والاستغفار استفعال من الغفران، وأصله الغفر، وهو إلباس الشيء ما يصونه عما يُدنِّسه، ويُدَنَّس كلُّ شيء بحَسَبه، والغفران من الله للعبد أن يصونه عن العذاب.
ويُندَب تقديم الاستغفار والتوبة على الدعاء؛ لأن الإجابة تشرع إلى من لم يكن مُتلبسًا بذنب، فإذا قدَّم التوبة والاستغفار قبل الدعاء، كان أمْكَن لإجابته، ولا يختصّ بوقت، وقد أخرج البخاري (1) أنه قال صلى الله عليه وسلم:"والله إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة". رواه أبو هريرة.
(أ) في جـ: العقد. والمثبت من الفتح 11/ 100.
_________
(1)
البخاري 11/ 101 ح 6307.
وفي رواية أنس (1): "إني لأستغفر الله في اليوم سبعين مرة". وهو يحتمل أنه يريد العدد المعين، وأن يريد المبالغة والأكثر، وقد جاء في طريق أخرى من حديث أبي هريرة (2):"إني لأستغفر الله في اليوم مائة مرة". وأخرج النسائي (3) عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جمع الناس فقال: "يأيها الناس، توبوا إلى الله؛ فإني أتوب إليه في اليوم مائة مرة". وله من حديث الأغر المزني رفعه مثله (4)، وهو عنده وعند مسلم (5):"إنه ليغان على قلبي، وإني لأستغفر الله كل يوم مائة مرة". وقد استشكل وقوع الاستغفار من النبي صلى الله عليه وسلم وهو معصوم من تلبُّسه بالمعصية، وأُجيب عن ذلك بأجوبةٍ؛ منها قول ابن الجوزي (6): إن الهفوات البشرية لا يسلم منها أحد، والأنبياء وإن عصموا من الكبائر فلم يعصَموا من الصغائر. ومنها قول ابن بطال (7): إن الأنبياء وإن كانوا أشدَّ الناس اجتهادًا في العبادة؛ لما أعطاهم الله من المعرفة، فهم دائبون في شكره، معترفون له بالتقصير. انتهى. يعني أن الاستغفار من التقصير في أداء الحق الذي يجب له تعالى.
ويحتمل أن يكون لاشتغاله بأمر نفسه؛ من أكل، وشراب، ونوم،
(1) الأحاديث المختارة 7/ 53 ح 2454.
(2)
ابن ماجه 2/ 1254 ح 3815، والنسائي في الكبرى 6/ 115 ح 10272.
(3)
النسائي في الكبرى 6/ 114 ح 10265.
(4)
النسائي في الكبرى 6/ 114 ح 10279، 10280.
(5)
مسلم 4/ 2075 ح 2702، والنسائي في الكبرى 6/ 116 ح 10276.
(6)
الفتح 11/ 101. وعقّب الحافظ: كذا قال، وهو مفرع على اختلاف المختار، والراجح عصمتهم من الصغائر أيضًا.
(7)
شرح صحيح البخاري لابن بطال 10/ 77.
وجماع، وإراحة النفس، ومخاطبة الناس والنظر في مصالحهم، ومداراة الناس وتأليفهم، فيعدّ ذلك ذنبًا بالنظر إلى المقام العَلِيِّ، وهو حضوره في حظيرة القدس. ومنها أن استغفاره تشريع لأمته، أو من ذنوب الأمة كالشفاعة لهم.
وقال الغزالي رحمه الله تعالى في "الإحياء"(1): كان صلى الله عليه وسلم دائم الترقي، فإذا ارتقى إلى حال رأى ما قبلها دونها، فاستغفر من الحالة السابقة. وقال السهروردي (2): لما كان روح النبي صلى الله عليه وسلم وقلبه متحركين في العروج، وكانت خطى النفس تقصر عن مداهما في العروج، فاقتضت الحكمة إبطاء حركة القلب؛ لئلا تنقطع علاقة النفس عنه [فيبقى العباد](أ) محرومين، وكان صلى الله عليه وسلم يفزع إلى الاستغفار ليقيد الروح بحركة النفس. انتهى بمعناه.
وأما حديث الغين فاختلفوا في تفسيره؛ فقال القاضي عياض (3): المراد بالغين فترات عن الذكر الذي شأنه أن يُدام عليه، فإذا فتر عنه لأمرٍ ما، عدّ ذلك ذنبًا فاستغفر له. وقيل: هو شيء يعتري القلب مما يقع من حديث النفس. وقيل: هو السكينة التي تغشى قلبه، والاستغفار لإظهار العبودية لله والشكر لما أولاه. وقيل: هي حالة [خشية](ب) وإعظام، والاستغفار
(أ- أ) في جـ: فسعى العنا. والمثبت من الفتح 11/ 102.
(ب) في جـ: حسنة. والمثبت من الفتح 11/ 101.
_________
(1)
الإحياء 2/ 2213.
(2)
الفتح 11/ 102.
(3)
الفتح 11/ 101.
شكرها. ومن ثم قال المحاسبي (1): خوف المقربين خوف إجلال وإعظام. وقال السهروردي (2): لا يعتقد أن الغين في نفسه نقص، بل هو كمال أو تتمة كمال. ثم (أ) مثَّل ذلك بجفن العين يُسبِل دمعها، ليدفع القذى عن العين مثلًا؛ فإنه يمنع العين من الرؤية، فهو من هذه الحيثية نقص، وفي الحقيقة هو كمال. هذا محصل كلامه، قال: فهكذا بصيرة النبي صلى الله عليه وسلم متعرضة للأغْيرة الثائرة من أنفاس الأغيار، فدعت الحاجة إلى [الستر](ب) على حدقة بصيرته؛ صيانةً لها ووقايةً عن ذلك. انتهى. والله سبحانه أعلم.
وذكر السبكي في "الطبقات"(3) في ترجمة الرافعي في حديث الغين، وأنه أنكره أبو نصر السراج صاحب كتاب "اللُّمَع" في التصوف، ورد عليه بأن الحديث صحيح، وروي عن شعبة أنه قال: سألت الأصمعي عن الحديث فقال: لو غان عن غير قلب النبي صلى الله عليه وسلم لفَسَّرتُه، وأما قلب النبي صلى الله عليه وسلم فلا أدري. فكان شعبة [يتعجَّب](جـ) منه.
وعن الجنيد (4): لولا أنه حال النبي صلى الله عليه وسلم لتكلمت فيه، ولا يتكلم على حاله (د) إلا من كان مشرفًا عليها، وجلَّتْ حاله أن يشرف على [نهايتها](هـ)
(أ) زاد في جـ: و. وحذفناها ليستقيم الكلام. وينظر الفتح 11/ 101.
(ب) في جـ: السير. والمثبت من الفتح 11/ 101.
(جـ) في جـ: معجب. والمثبت من الطبقات.
(د) في طبقات الشافعية: حال.
(هـ) في جـ: نيتها. والمثبت من الطبقات.
_________
(1)
رسالة المسترشدين ص 177.
(2)
الفتح 11/ 101.
(3)
طبقات الشافعية الكبرى 8/ 289.
(4)
طبقات الشافعية الكبرى 8/ 290.
أحدٌ من الخلق، وتمنّى الصديق رضي الله عنه مع علوّ رتبته أن يشرف عليها، فعنه: ليتني شهدتُ ما استغفر منه رسول الله صلى الله عليه وسلم. وعن أبي سعيد الخراز (1): شيء لا يجده إلا الأنبياء وأكابر الأولياء؛ لصفاء الأسرار، وهو كالغيم الرقيق الذي لا يدوم. وذكر الوجه الذي ذكره الغزالي في الاستغفار، قال السبكي (2): وهذا ما كان يستحسِنُه والدي رحمه الله تعالى ويقرره. انتهى مختصرًا منه بعض الوجوه التي قد تقدمت.
1314 -
وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يدع هؤلاء الكلمات حين يمسي وحين يصبح: "اللهم أسألك العافية في ديني ودنياي وأهلي ومالي، اللهم استر عوراتي، وآمن روعاتي، واحفظني من بين يديَّ ومن خلفي، وعن يميني وعن شمالي ومن فوقي، وأعوذ بعظمتك أن أُغتال من تحتي". أخرجه النسائي وابن ماجه، وصححه الحاكم (3).
قوله: "العافية في ديني". فالمراد بها السلامة من كل ما ينقص الدين، وكذلك الدنيا، وأما عافية الأهل فبالسلامة من عوارض البدن، والمال كذلك السلامة مما ينقصه ويعوقه، وهو مجاز فيما عدا البدن.
وقوله: "اللهم استر عوراتي". جمع عورة، وهو كل ما يُستحيا منه
(1) طبقات الشافعية الكبرى 8/ 290.
(2)
طبقات الشافعية الكبرى 8/ 291. والكلام فيه من بقية نقل السبكي عن الرافعي، وعلى هذا فقوله: والدي. هو والد الرافعي وليس والد السبكي. وينظر طبقات الشافعية الكبرى 6/ 131 - 133.
(3)
النسائي في الكبرى، كتاب عمل اليوم والليلة، باب ما يقول إذا أمسى 6/ 145، 146 ح 10401، وابن ماجه، كتاب الدعاء، باب ما يدعو به الرجل إذا أصبح وإذا أمسى 2/ 1273، 1274 ح 3871، والحاكم، كتاب الدعاء 1/ 517، 518.
إذا ظهر.
وقوله: "وآمن روعاتي". جمع روعة، وهي الفزع.
وقوله: "واحفظني" إلى آخره. المراد الحفظ من جميع الجهات.
واستعاذ من الاغتيال من تحت؛ لأن الاغتيال أخذ الشيء [خفية](أ)، والعذاب من تحت هو ما يخسف في الأرض؛ كما خسف بقارون، أو بالغرق؛ كما كان في فرعون وقومِ نوح.
1315 -
وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "اللهم إني أعوذ بك من زوال نعمتك، وتحوُّل عافيتك، وفجأة نقمتك، وجميع سخطك". أخرجه مسلم (1).
قوله: "وفجأة". هي بفتح الفاء وإسكان الجيم، مقصور، وفيها لغة بضم الفاء وفتح الجيم والمد، وهي البغتة.
وهذا الحديث أخرجه مسلم عن أبي زرعة [الرازي](ب) أحد حفاظ الإسلام وأكثرهم حفظًا، [و](جـ) لم يرو عنه مسلم في "صحيحه" غير هذا الحديث، وهو من أقران مسلم، توفى بعد مسلم بثلاث سنين سنة أربع وستين ومائتين.
(أ) في جـ: حقيقة. والمثبت من سبل السلام 4/ 433.
(ب) في جـ: الراوي. والمثبت من شرح مسلم 17/ 54، وينظر تهذيب الكمال 19/ 89.
(جـ) في جـ: أو. والمثبت من شرح مسلم 17/ 54.
_________
(1)
مسلم، كتاب الرقاق، باب أكثر أهل الجنة الفقراء 4/ 2097 ح 2739.
1316 -
وعن عبد الله بن [عمرو](أ) رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "اللهم إني أعوذ بك من غلبة الدَّين، وغلبة العدو، وشماتة الأعداء". رواه النسائي وصححه الحاكم (1).
قوله: "غلبة الدَّين". المراد به ما ثقل قضاؤه على المدين، وأما [ما](ب) يغلب في ظنه أنه يتمكن من قضائه فلا يُستعاذ منه؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم استدان وتكرر منه الاستدانة، ومات ودرعه مرهونة في آصُع من شعير عند يهودي (2). واستدان عمر وهو خليفة، وقال لما طُعن: انظروا ما عليَّ من الدين. فحسبوه فوجدوه ثمانين ألفًا (3). ومات الزبير وعليه دين كبير، وغيرهم من الصحابة، وكذلك السلف؛ كطاوس وابن سيرين والشافعي وغيرهم. وقد روى عبد الله بن جعفر مرفوعًا (4):"إن الله تعالى مع المدين حتى يقضي دينه، ما لم يكن فيما يكره الله تعالى". وكان عبد الله بن جعفر يقول لحارثة: اذهب فخذ لي بدَيْن؛ فإني أكره أن أبيت ليلةً إلا والله معي، بعد ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم.
(أ) في جـ: عمر. والمثبت من مصدري التخريج، وينظر تحفة الأشراف 6/ 354.
(ب) زيادة يستقيم بها السياق.
_________
(1)
النسائي، كتاب الاستعاذة، باب الاستعاذة من غلبة الدين 8/ 265، والحاكم، كتاب الدعاء 1/ 531.
(2)
البخاري 8/ 151 ح 4467 من حديث عائشة.
(3)
البخاري 7/ 59 ، 60 ح 3700 وعنده: ستة وثمانين ألفًا أو نحوه.
(4)
ابن ماجه 2/ 805 ح 2409، والبزار 6/ 202 ح 2243.
وقد أخرج البيهقي في "شعب الإيمان"(1) عن القاسم مولى معاوية أنه بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من تداين بدين وهو يريد أن يقضيه، وحريص على أن يؤديه، فمات ولم يقض دينه، فإن الله تعالى قادر على أن يُرضي غريمه بما شاء من عنده، ويغفر للمتوفى، ومن تداين وهو لا يريد أن يقضيه، فمات على ذلك ولم يقض دينه، يقال له: أظننت أنّا لا نوفي فلانًا حقه منك؟ فيؤخذ من حسناته فيجعل زيادة في حسنات رب الدين، وإن لم يكن له حسنات أُخذ من سيئات رب الدين فتُجعل في سيئات الظالم".
فتكون الاستعاذة من الدين الذي لا يقدر المدين على قضائه، وإذا علم من يريد الاستدانة من حاله أنه لا يتمكن من قضاء الدين حرم الاستدانة عليه، وهو الذي ورد عنه صلى الله عليه وسلم:"من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدى الله عنه، ومن أخذها يريد إتلافها أتلفه الله". أخرجه البخاري، وقد تقدم (2).
فمن علم من حاله أنه لا يتمكن من القضاء فقد أراد إتلافها، وقد قالت عائشة للنبي صلى الله عليه وسلم: ما أكثر ما تستعيذ من المغرم والمأثم! -والمغرم هو الدين، والمأثم الإثم- قال صلى الله عليه وسلم:"إن الرجل إذا غرم حدث فكذب، ووعد فأخلف"(3).
فالمستدين متعرض لهذا الأمر العظيم؛ فإنه قد يسأله صاحب الدين وهو لا يتمكن من القضاء في الحال، فيكون منه الوعد الذي لا يفي فيه بما وعد، فالاستعاذة من الدين سدّ للذريعة من الوقوع في هذا المحذور، وقد عوفي
(1) الشعب 4/ 405 ح 5561.
(2)
تقدم ح 690.
(3)
البخاري 2/ 317 ح 832، ومسلم 1/ 412 ح 589.
النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك، وأعاذه الله تعالى منه، وهذا تعليم لأمته وتحذير من الدخول فيما يؤدي إلى الإثم، ويقال: ما دخل هم الدين قلب أحد إلا ذهب من عقله ما لا يعود إليه أبدًا. أو أنه استعاذ بربه من وقوع ذلك بأمته، ويؤيده أنه قد جاء في الرواية لفظ:"تعوذوا"(1). في غير هذا الحديث،
ولا يعارض الاستعاذة أن المقضي واقع، لاحتمال أن يكون ما يقضى قد يقضى مشروطًا بألا يدعو، فإذا دعا كشف عنه، وفي ذلك إظهار العبد فاقته لربه وتضرعه.
وقوله: "وغلبة العدو". المراد به الغلبة بالباطل؛ لأن العدو في الحقيقة إنما هو المعادي لأمر باطل، إما لأمر ديني، وإما لأمر دنيوي؛ كغصب الظالم لحق غيره مع عدم القدرة على الانتصار منه، أو غير ذلك.
وقوله: "وشماتة الأعداء". هي فرح العدو بضر ينزل بعدوه، يقال: شمت به بكسر الميم، يشمت بفتحها، فهو شامت، وأشمته غيره، والتعوذ في الحقيقة إنما هو من وقوع سبب الشماتة، وهو نزول المضار وتغيّر الأحوال، وقال ابن بطال (2): شماتة الأعداء ما ينْكأ القلب ويبلغ من النفس أشد مبلغ. نعوذ بالله من كل بلاء، ونسأله العافية من كل نازلة وطارقة.
1317 -
وعن بريدة رضي الله عنه قال: سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلًا يقول: اللهم إنّي أسألك بأني أشهد أنك أنت الله لا إله إلا أنت، الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد. فقال: "لقد
(1) البخاري 11/ 513 ح 6616. وينظر الفتح 11/ 148.
(2)
الفتح 11/ 149.
سأل الله باسمه الذي إذا سئل به أعطى، وإذا دعي به أجاب". أخرجه الأربعة، وصححه ابن حبان (1).
وفي رواية لأبي داود (2): "لقد سألت الله تعالى بالاسم الأعظم". قال المنذري (3): قال شيخنا الحافظ أبو الحسن المقدسي: هذا -يعني الإسناد الذي ساقه أبو داود- لا مطعن فيه، ولا أعلم أنه روي في هذا الباب حديث أجود إسنادًا منه. قال: وهو يدل على بطلان مذهب من ذهب إلى نفي القول بأن لله تعالى اسمًا هو الاسم الأعظم. انتهى.
وهذا الدعاء الجليل متضمن لمعان لطيفة من التوحيد والثناء، فقوله:"أنك أنت الله". إثبات للذات، وقوله:"لا إله إلا أنت". نفي للشريك وكل ما سواه، وقوله:"الأحد". صفة كمال؛ لأن الأحد الحقيقي ما يكون منزه الذات عن (أ) التركيب والتعدد وما يستلزم أحدهما، كالجسمية والتحيز والمشاركة في الحقيقة وخواصها؛ كوجوب الوجود والقدرة الذاتية
(أ) بعده في جـ: الحا. ولعله سبق قلم.
_________
(1)
أبو داود، كتاب الصلاة، باب الدعاء 2/ 80 ح 1493، وابن ماجه، كتاب الدعاء، باب اسم الله الأعظم 2/ 1267، 1268 ح 3857، والترمذي، كتاب الدعوات، باب جامع الدعوات عن النبي صلى الله عليه وسلم 5/ 481 ح 3475، والنسائي في الكبرى، كتاب الدعوات، باب الله الواحد الأحد الصمد 4/ 394، 395 ح 7666، وابن حبان، كتاب الرقائق، باب ذكر الشيء الذي إذا دعا المرء ربه جل وعلا أجابه 3/ 173 ح 891.
(2)
أبو داود 2/ 80 ح 1494.
(3)
الترغيب والترهيب 2/ 485، وينظر عون المعبود 1/ 554.
والحكمة المقتضية للألوهية.
و"الصمد" هو السيد الذي يُصمد إليه في الحوائج ويُقصد، والمتصف به على الإطلاق، هو الذي يستغني عن غيره مطلقًا وكل ما عداه يحتاج إليه، قال الغزالي (1): ومن [جعَله](أ) الله مقصد عباده في أمر دينهم ودنياهم، وأجرى على يده حوائج خلقه، فهو حظُّه من هذا الاسم.
وقوله: "الذي لم يلد". [لأنه](ب) لم يجانس ولم يفتقر إلى ما يعينه أو يخلف عنه؛ لامتناع الحاجة و [الفناء](جـ) عليه. وإنما نفى عنه الولادة في الماضي لأنه في سورة "الإخلاص" للرد على من قال: الملائكة بنات الله. وقول من قال: المسيح وعزير ابن الله. وجاء في هذا الدعاء على وفق ما في السورة الكريمة، ولانتفاء الولادة في الماضي والحال والمستقبل، أو ليجانس قوله:{وَلَمْ يُولَدْ} . وهو إنما يكون في الماضي.
وقوله: {وَلَمْ يُولَدْ} . لأنه لا يفتقر إلى شيء ولم يسبقه عدم.
وقوله: {وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ} . أي: لم يكن أحد يكافئه -أي يماثله- من صاحبة ولا غيرها، ولفظ "أحد" اسم "يكن" و"كفوًا" الخبر،
(أ) في جـ: جعل. والمثبت من المقصد الأسنى.
(ب) في جـ: لأن. والمثبت يقتضيه السياق.
(جـ) في جـ: الثناء. والمثبت يقتضيه السياق.
_________
(1)
المقصد الأسنى ص 134.
و"له" متعلق بـ {كُفُوًا} ؛ لبيان من [نُفيت](أ) عنه المكافأة، وإنما قدم الخبر على الاسم لأن المقصود نفي المكافأة، فكان تقديمها أولى، وقدم الظرف للاهتمام بذكر من [نُفيت] (ب) عنه المكافأة. نقل صاحب "الانتصاف" (1) عن سيبويه (2) أنه سمع بعض جفاة العرب يقول: ولم يكن أحد كفوًا له. وجرى على ما هو الأصل في الكلام؛ وخفي عن طبعه لطف المعنى الذي لأجله اقتضى تقدم الظرف والخبر.
واعلم أن العلماء اختلفوا في أنه هل يوصف شيء من الأسماء بأنه الاسم الأعظم أو لا؟ فذهب قوم (3) إلى إنكاره؛ كأبي جعفر الطبري وأبي الحسن الأشعري وأبي حاتم ابن حبان والقاضي أبي بكر الباقلاني، فقالوا: لا يجوز تفضيل بعض الأسماء على بعض. ونسب بعضهم ذلك إلى مالك، وأخذه عن قول مالك أنه يكره أن تعاد سورة أو تُردَّد دون غيرها من السور؛ لئلا يُظَن أن بعض القرآن أفضل من بعض، [فيؤذن] (جـ) باعتقاد نقصان المفضول عن الأفضل. وحملوا ما ورد من ذلك على أن المراد بالأعظم: العظيم، وأن أسماء الله تعالى كلها عظيمة. وعبارة أبي جعفر الطبري (3): اختلفت الآثار
(أ) في جـ: "ثبتت". والمثبت يقتضيه السياق.
(ب) في جـ: يثبت. والمثبت يقتضيه السياق.
(جـ) في جـ: فيودب. والمثبت من الفتح 11/ 224.
_________
(1)
الانتصاف (مطبوع مع الكشاف) 4/ 299.
(2)
الكتاب 1/ 56، ونص كلامه: وأهل الجفاء من العرب يقولون: {وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ} .
(3)
الفتح 11/ 224.
في تعيين [الاسم](أ) الأعظم، والذي عندي أن الأقوال كلها صحيحة؛ إذ لم يرد في خبر منها تعيين أنه الاسم الأعظم ولا شيء أعظم منه. فكأنه يقول: كل اسم من أسمائه تعالى يجوز وصفه بكونه أعظم، فيرجع إلى معنى: عظيم. وقال ابن حبان (1): الأعظمية الواردة في الأخبار إنما يراد بها مزيد الثواب للداعي بذلك، كما أطلق ذلك في القرآن والمراد به مزيد ثواب القارئ.
و [قيل](ب): المراد بالاسم الأعظم كل اسم من أسماء الله تعالى دعا العبد به ربه مستغرقًا، بحيث لا يكون في فكره حالتئذٍ غير الله، فإن من تأتى له ذلك استجيب له. ونُقل معنى هذا عن جعفر الصادق والجنيد وغيرهما.
وقال آخرون: إن الاسم الأعظم معين. واختلفوا في ذلك؛ قال المصنف رحمه الله (1): جملة ما وقفت عليه من ذلك أربعة عشر قولًا؛
الأول: أنه لفظ "هو". نقله الفخر الرازي عن بعض أهل الكشف، واحتج له بأن من أراد أن يعبر عن كلامِ معظَّمٍ بحضرته لا يقول له: أنت قلت كذا. وإنما يقول: هو. تأدبًا معه.
الثاني: لفظ "الله". لأنه اسم لم يطلق على غيره، ولأنه الأصل في الأسماء الحسنى، ومن ثم أضيفت إليه.
(أ) في جـ: اسم. والمثبت من الفتح.
(ب) سقط من: جـ. وأثبتناها من الفتح.
_________
(1)
الفتح 11/ 224.
الثالث: "الله الرحمن الرحيم". ولعل سنده ما أخرجه ابن ماجه (1) عن عائشة أنها سألت النبي صلى الله عليه وسلم أن يعلِّمها الاسم الأعظم فلم يفعل، فصلّت ودعت: اللهم إني أدعوك الله، وأدعوك الرحمن، وأدعوك الرحيم، وأدعوك بأسمائك الحسنى كلها، ما علمتُ منها وما لم أعلم. الحديث.
وفيه أنه صلى الله عليه وسلم قال لها: "إنه لفي الأسماء التي دعوت بها". قلت: وسنده ضعيف، وفي الاستدلال به نظر لا يخفى، وجه النظر أنها جمعت الأسماء كلها، فلم تتعين في الثلاثة الأسماء.
الرابع: "الرحمن الرحيم الحي القيوم". لما أخرج الترمذي من حديث أسماء بنت يزيد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "اسم الله الأعظم في هاتين الايتين؛ {[و] (أ) وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إلا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ} (2)، وفاتحة سورة "آل عمران": {اللَّهُ لَا إِلَهَ إلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ}. أخرجه أصحاب "السنن" إلا النسائي (3)، وحسنه الترمذي وفي نسخة صحيحة: وفيه نظر؛ لأنه من رواية شهر بن حوشب (4).
الخامس: "الْحَيُّ الْقَيُّومُ". أخرج ابن ماجه من حديث أبي أمامة (5): "الاسم الأعظم في ثلاث سور؛ سورة "البقرة"، و "آل عمران"، و "طه"".
(أ) في جـ: إنما.
_________
(1)
ابن ماجه 2/ 1268 ح 3859.
(2)
الآية 163 من سورة البقرة.
(3)
الترمذي 5/ 483 ح 3478، وابن ماجه 2/ 1267 ح 3855، وأبو داود 2/ 81 ح 1496.
(4)
تقدمت ترجمته في 1/ 159.
(5)
ابن ماجه 2/ 1267 ح 3856.
قال القاسم عن أبي أمامة (1): التمسته فيها فعرفت أنه الحي القيوم. وقواه الفخر الرازي (2)، واحتج بأنهما يدلان من صفات العظمة بالربوبية ما لا يدل على ذلك غيرهما كدلالتهما، وذلك لأن معنى الحي هو الفعال الدرَّاك، فمن لا فعل له ولا إدراك فهو ميت، والحي الكامل هو الذي يندرج جميع المدركات تحت إدراكه حتى لا يشذ عن [علمه](أ) مدرك وهو الله تعالى، فكل شيء سواه فحياته بقدر إدراكه. والقيوم قال مجاهد (3) وأبو عبيدة (4): هو القائم على كل شيء؛ أي [يدبر](ب) أمر خلقه ويقوم به كل موجود، حتى لا يتصور وجود شيء ولا دوام وجوده إلا به. قال ابن عباس: هو الذي لا يزول. وفيه لغات؛ قيِّم، وقيّام.
قال الغزالي (5): وحظّ العبد منه بقدر استغنائه عما سوى الله تعالى، فكل من قام بنفسه في أموره ولم يفتقر إلى مخلوق فهو قائم بالله تعالى.
السادس: "الحنّان المنّان بديع السماوات والأرض ذو الجلال والإكرام". أخرجه أبو يعلى (6) من طريق السّريّ بن يحيى عن رجل من طيّئ
(أ) في جـ: عمله. والمثبت يقتضيه السياق.
(ب) في جـ: يدبر. وينظر الفتح 13/ 430.
_________
(1)
الحاكم 1/ 505.
(2)
ينظر التفسير الكبير 1/ 115 وقد ضعف هذا القول، ورجح الثاني، وهو أن الأسم الأعظم هو "الله" فقال: وهذا هو الأقرب عندي؛ لأنا سنقيم الدلالة على أن هذا الاسم يجري مجرى الاسم العلم في حقه سبحانه، وإذا كان كذلك كان دالا على ذاته المخصوصة.
(3)
تفسير مجاهد ص 248.
(4)
مجاز القرآن 1/ 78.
(5)
المقصد الأسنى ص 132.
(6)
أبو يعلى -كما في المطالب العالية 8/ 199 ح 3651.
وأثنى عليه، قال: كنت أسأل الله تعالى أن يريني الاسم الأعظم فرأيته مكتوبًا في الكوكب في السماء.
السابع: "ذو الجلال والإكرام". أخرج الترمذي (1) من حديث معاذ بن جبل قال: سمع النبي صلى الله عليه وسلم رجلًا يقول: يا ذا الجلال والإكرام. فقال: "قد استجيب لك فسل". واحتج له الفخر (2) بأنه يشمل جميع الصفات المعتبرة في الإلهية؛ لأن في الجلال إشارة إلى جميع السلوب، وفي الإكرام إشارة إلى جميع الصفات (أ).
الثامن: "الله لا إله إلا هو الأحد الصمد، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد". أخرجه أبو داود (3)، وهو المذكور في الأصل.
التاسع: "رب، رب". أخرجه الحاكم (4) من حديث أبي الدرداء وابن عباس [بلفظ: اسم الله الأكبر، رب رب. وأخرج ابن أبي الدنيا (5) عن عائشة]: (ب): إذا قال [العبد](جـ): يا رب، يا رب. قال الله تعالى: لبيّك عبدي، سل تعط". ورواه مرفوعًا.
العاشر: دعوة ذي النون. أخرج النسائي والحاكم (5) عن فضالة بن عبيد
(أ) كذا في جـ، وفي التفسير الكبير: الصفات الإضافية. وفي الفتح 11/ 225: الإضافات.
(ب) ساقط من: جـ، والمثبت من الفتح 11/ 225.
(جـ) ساقط من: جـ.
_________
(1)
الترمذي 5/ 505 ح 3527.
(2)
التفسير الكبير 1/ 115.
(3)
هو حديث الباب، وتقدم ص 462، 463.
(4)
الحاكم 1/ 505.
(5)
النسائي في الكبرى 6/ 168 ح 10492، والحاكم 1/ 505.
رفعه: "دعوة ذي النون في بطن الحوت: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، لم يدع بها رجل مسلم قط إلا استجاب الله له".
الحادي عشر: نقل الفخر الرازي (1) عن زين العابدين أنه سأل الله تعالى أن يعلمه الاسم الأعظم، فرأى في المنام: هو الله الله الله لا إله إلا هو رب العرش العظيم.
الثاني عشر: هو مخفي في الأسماء الحسنى. ويؤيده حديث عائشة المتقدم، لما دعت ببعض الأسماء وبالأسماء الحسنى، فقال لها صلى الله عليه وسلم:"إنه لفي الأسماء التي دعوت بها".
الثالث عشر: كلمة التوحيد. نقله عياض.
الرابع عشر: ما روي عن ابن عباس مرفوعًا (2) أنه قوله تعالى: {قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ} إلى آخر الآية (3). وفي سنده جسر بن فرقد (4). انتهى مع زيادة ألحقتها.
1318 -
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أصبح يقول: "اللهم بك أصبحنا وبك أمسينا، وبك نحيا وبك نموت، وإليك النشور". وفي المساء قال مثل ذلك، إلا أنه قال:"وإليك المصير". أخرجه الأربعة (5).
(1) فتح الباري 11/ 225.
(2)
الطبراني في الكبير 12/ 171، 172 ح 12792.
(3)
سورة آل عمران الآية 26.
(4)
ينظر الكامل لابن عدي 2/ 590 - 592.
(5)
أبو داود، كتاب الأدب، باب ما يقول إذا أصبح 4/ 319 ح 5068، والترمذي، كتاب الدعوات، باب ما جاء في الدعاء 5/ 435 ح 3391، والنسائي في الكبرى، كتاب عمل اليوم والليلة، باب ثواب من قال حين يصبح وحين يمسي
…
6/ 5 ح 9836، 10399، وابن ماجه، كتاب الدعاء، باب ما يدعو به الرجل إذا أصبح 2/ 1272 ح 3868.
[قوله](أ): "بك أصبحنا". أي: بقوتك وإيجادك أصبحنا ، أي دخلنا في وقت الصباح، والصباح من طلوع الفجر، والمساء من غروب الشمس.
وقولة: "وإليك النشور". يقال: نشر الميت، ينشر نشورا. إذا عاش بعد الموت، وأنشره الله أحياه. وناسب في الصباح؛ لأنه يكون فيه القيام من النوم، والنوم يشبه بالموت، والقيام منه بالحياة. وناسب في المساء:"وإليه المصير"؛ لأنه ينام فيه، والنوم يشبه بالموت، والميت يقال في حقه: إنه صار إلى الله تعالى. أي إلى دار جزائه من ثواب وعقاب.
1319 -
وعن أنس رضي الله عنه قال: كان أكثر دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار". متفق عليه (1). رواه البخاري بلفظ الآية، وفي رواية أخرى (2) له بلفظ:"اللهم [ربنا] (ب) آتنا في الدنيا حسنة". بزيادة "اللهم". وجاء في رواية مسلم قال: سأل قتادة أنسًا: أي دعوة كان يدعو بها النبي صلى الله عليه وسلم أكثر؟ قال: "اللهم آتنا في الدنيا حسنة" إلخ. وأورده مسلم في رواية أخرى من دون زيادة: "اللهم"(3).
وأخرج ابن أبي حاتم (4) من طريق أبي نعيم، ثنا عبد السلام أبو طالوت: كنت عند أنس فقال له ثابت: إن إخوانك يسألونك أن تدعو لهم. فقال:
(أ) في جـ: قولك. والمثبت يقتضيه السياق.
(ب) ساقطة من جـ. والمثبت من مصدر التخريج.
_________
(1)
البخاري، كتاب الدعوات، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم ربنا آتنا في الدنيا حسنة 11/ 191 ح 6389، ومسلم، كتاب الذكر والدعاء
…
، باب فضل الدعاء 4/ 2070 ح 2690/ 26.
(2)
البخاري 8/ 187 ح 4522.
(3)
مسلم 4/ 2071 ح 2690/ 27.
(4)
تفسير ابن أبي حاتم 2/ 614 ح 3290.
اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار. وذكر القصة وفيها: إذا آتاكم الله ذلك فقد آتاكم الخير كله. قال القاضي عياض (1): إنما كان يكثر الدعاء بهذه الآية؛ لجمعها معاني الدعاء كله من أمر الدنيا والآخرة. قال: والحسنة عندهم ها هنا النعمة، [فسأل نعيم](أ) الدنيا والآخرة والوقاية من العذاب. نسأل الله تعالى أن يمنّ علينا بذلك.
وقد جاءت عن السلف عبارات مختلفة؛ فقال الحسن: الحسنة العلم والعبادة في الدنيا، وفي الآخرة الجنة. أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح (2)، وعنه بسند ضعيف (3): الرزق الطب والعلم النافع، وفي الآخرة الجنة. وتفسير الحسنة في الآخرة بالجنة، نقله ابن أبي حاتم (4) أيضًا عن السدّي ومجاهد وإسماعيل بن أبي خالد ومقاتل بن حيان. وعن ابن الزبير (5): يعملون في دنياهم وآخرتهم. وعن قتادة (6): هي العافية في الدنيا والآخرة. وعن محمد بن كعب القرظي (7): الزوجة الصالحة من الحسنات. ونحوه عن يزيد بن [أبي](جـ) مالك. وأخرج ابن المنذر (8) من طريق سفيان الثوري قال:
(أ) في جـ: قال نعم. والمثبت من مصدر التخريج.
(ب) ساقطة من جـ. والمثبت من مصدر التخريج.
(جـ) ساقط من: جـ، وتفسير ابن أبي حاتم، والمثبت من الفتح 11/ 192 ، ينظر تهذيب الكمال 32/ 189.
_________
(1)
الفتح 11/ 192.
(2)
تفسير ابن أبي حاتم 2/ 358، 359، 5/ 1576 ح 1879، 1884، 9037.
(3)
ابن أبي شيبة 13/ 529، وتفسير الطبري 3/ 400، وتفسير ابن أبي حاتم 2/ 358، 5/ 1577 ح 1880، 9038.
(4)
تفسير ابن أبي حاتم 2/ 359 عقب ح 1884.
(5)
تفسير ابن أبي حاتم 2/ 357 ح 1877.
(6)
تفسير ابن أبي حاتم 2/ 358 ح 1881.
(7)
تفسير ابن أبي حاتم 2/ 358 ح 1882.
(8)
ابن المنذر -كما في الفتح 11/ 192.
[الحسنة في الدنيا الرزق الطيب والعلم، وفي الآخرة الجنة. ومن طريق سالم بن عبد الله بن عمر قال](أ): الحسنة في الدنيا المنى. ومن طريق السدّي (1) قال: المال. ونقل الثعلبي عن السدي ومقاتل: حسنة الدنيا الرزق الحلال الواسع والعمل الصالح، وحسنة الآخرة المغفرة والثواب. وعن عطية: حسنة الدنيا العلم والعمل به، وحسنة الآخرة تيسير الحساب ودخول الجنة. وبسنده عن عوف قال: من آتاه الله الإسلام والقرآن والأهل والمال والولد فقد آتاه الله في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة. وأخرج ابن المنذر (2) عن سالم بن عبد الله بن عمر قال: حسنة الدنيا الثناء. ونقل الثعلبي عن سلف الصوفية أقوالًا أخرى متغايرة اللفظ متوافقة المعنى حاصلها السلامة في الدنيا والآخرة. واقتصر في "الكشاف"(3) على ما رواه الثعلبي [عن](أ) علي أنها في الدنيا المرأة الصالحة، وفي الآخرة الحوراء، {وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ}: المرأة السوء. وقال الشيخ عماد الدين بن كثير (4): الحسنة في الدنيا تشمل كل مطلوب دنيوي؛ من عافية، ودار رحبة، وزوجة حسنة، وولد بار، ورزق واسع، وعلم نافع، وعمل صالح، ومركب هنىّ، وثناء جميل، إلى غير ذلك مما تشمله عباراتهم فإنها كلها مندرجة في الحسنة في الدنيا، وأما الحسنة في الآخرة، فأعلاها دخول الجنة وتوابعه من الأمن [من الفزع الأكبر
(أ) ساقط من: جـ. والمثبت من الفتح.
_________
(1)
ينظر في هذه الأقوال الفتح 11/ 192.
(2)
ابن المنذر -كما في الفتح 11/ 192.
(3)
الكشاف 1/ 350.
(4)
تفسير ابن كثير 1/ 355، 356.
في العرصات وتيسير الحساب وغير ذلك من أمور الآخرة] (أ)، وأما الوقاية من عذاب النار فهو يقتضي تيسير أسبابه في الدنيا؛ من اجتناب المحارم، وترك الشبهات. قلت (1): أو العفو محضًا. ومراده بقوله: وتوابعه. ما يلتحق به في الذكر لا ما [يَتْبَعُه](ب) حقيقة. والله سبحانه أعلم.
1320 -
وعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "اللهم اغفر لي خطيئتي وجهلي، وإسرافي في أمري، وما أنت أعلم به مني، اللهم اغفر لي جدي وهزلي، وخطئي وعمدي، وكل ذلك عندي، اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت، وما أنت أعلم به مني؛ أنت المقدم وأنت المؤخر وأنت على كل شيء قدير". متفق عليه (2).
قوله: "اغفر لي خطيئتي". الخطيئة الذنب، يقال: خطئ يخطأ، ويجوز تسهيل الهمزة بقلبها ياء فيقال: خطيّة. بالتشديد.
وقوله: "وجهلي". الجهل ضد العلم.
وقوله: "وإسرافي في أمري". الإسراف مجاوزة الحد في كل شيء، و"في أمري". متعلق بـ "إسرافي"، ويحتمل أن يتعلق بجميع ما تقدم.
وقوله: "جدي وهزلي". كذا في مسلم بلفظ "جدي" وفي البخاري: "جهلي وهزلي". والذي في مسلم أنسب؛ لأن الجد بكسر الجيم ضد الهزل.
(أ) ساقط من: جـ، والمثبت من تفسير ابن كثير والفتح 11/ 192.
(ب) في جـ: ينفعه. والمثبت من الفتح.
_________
(1)
هذا قول المصنف في الفتح 11/ 192.
(2)
البخاري، كتاب الدعوات، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم:"اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت". 11/ 196 ح 3698، 3699، ومسلم، كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب التعوذ من شر ما عمل ومن شر ما لم يعمل 4/ 2087 ح 2719.
وقوله: "وخطئي وعمدي". وقع في رواية الكشميهني (1) في طريق إسرائيل بإفراد: "خطئي". وكذا ذكره البخاري في "الأدب المفرد"(2) بالطريق التي في "الصحيح"، وهو المناسب لذكر العمد؛ لأن المراد به المصدر، فيكون الخطأ كذلك مصدرا مفردا، وجمهور رواة البخاري رووه بصيغة:"خطاياي". جمع خطيئة، وعطفه على ما تقدم من عطف العام على الخاص؛ فإن الخطيئة تكون عن خطأ هزل وعن جدٍّ. وتكرير هذه المعطوفات لتعديد الأنواع التي تقع من الإنسان، والاعتراف بها، وإظهار أن النفس غير مبرأة من العيوب إلا من رحم علّام الغيوب.
وقوله: "وكل ذلك عندي". أي: موجود أو ممكن.
وقوله: "ما قدمت". أي: ما مضى من الذنوب. "وما أخرت". أي: ما يكون في المستقبل. وهذا شامل لجميع ما يتصف به الإنسان.
وقوله: "أنت المقدم". أي: تقدم من تشاء من خلقك، فيتصف بصفات الكمال، ويتحقق بحقائق العبودية بتوفيقك. "وأنت المؤخر". أي: تؤخر بخذلانك وتبعيدك من تشاء، فيصير في حضيض الصفات وأرذلها.
وقوله: "وأنت على كل شيء قدير". وقع في رواية عليٍّ (3) رضي الله عنه: "لا إله إلا أنت". بدل قوله: "وأنت على كل شيء قدير".
قال الطبري (1) بعد أن ذكر استشكال صدور هذا الدعاء من النبي صلى الله عليه وسلم
(1) الفتح 11/ 198.
(2)
الأدب المفرد 2/ 140 ح 689.
(3)
أحمد 1/ 94، 95، ومسلم 1/ 534 ح 771.
مع قوله: {لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ} (1). ما حاصله أنه صلى الله عليه وسلم امتثل ما أمر الله به من تسبيحه وسؤاله المغفرة في قوله تعالى: {فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ} (2). قال: وزعم قوم أن استغفاره عما يقع منه بطريق السهو والغفلة، أو بطريق الاجتهاد مما لا يصادف [ما](أ) في نفس الأمر. وتعقب بأنه لو كان كذلك للزم منه أن الأنبياء يؤاخذون بمثل ذلك، فيكونون (ب) أشدّ حالًا من أممهم. وأجيب بالتزامه. قال المحاسبي (3): الملائكة والأنبياء أشد خوفا ممن دونهم، وخوفهم خوف إجلال وإعظام، واستغفارهم من التقصير لا من الذنب المحقق. وقال عياض: يحتمل أن يكون قوله: "اغفر لي خطيئتي". وقوله: "اغفر لي ما قدمت وما أخرت". على سبيل التواضع والاستكانة والخضوع والشكر لربّه لما علم أنه قد غفر له. وقيل: على ما مضى من قبل النبوة. وقال قوم: على الصغيرة، ووقوعها منهم جائز. وقيل: هذا مثل قوله: {لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ} . أي من ذنب أبيك آدم، {وَمَا تَأَخَّرَ}. من ذنوب أمتك. وقال القرطبي (4): وقوع الخطيئة من الأنبياء جائز، يعني غير محال؛ [لأنهم](أ) مكلفون، فيخافون وقوع ذلك، ويتعوذون منه.
وقوله في أول الحديث: كان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو بهذا الدعاء. قال
(أ) ساقطة من: جـ. والمثبت من مصدر التخريج.
(ب) في جـ: فيكون. والمثبت من مصدر التخريج.
(جـ) في جـ: لأنه. والمثبت من مصدر التخريج.
_________
(1)
الآية 2 من سورة الفتح.
(2)
الآية 3 من سورة النصر.
(3)
رسالة المسترشدين ص 177.
(4)
الفتح 11/ 198.
المصنف رحمه الله تعالى (1): لم أر في شيء من طرقه محل الدعاء بذلك، وقد وقع معظم آخره في حديث ابن عباس (2)، أنه صلى الله عليه وسلم كان [يقوله](أ) في صلاة الليل، وتقدم بيانه. ووقع في حديث عليّ عند مسلم أنه كان [يقوله] (أ) في آخر الصلاة. واختلفت الرواية؛ هل كان يقوله قبل السلام أو بعده؛ ففي رواية لمسلم (3): ثم يكون من آخر ما يقول بين التشهد والسلام: "اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما أسررت وما أسرفت، وما أعلنت، وما أنت أعلم به مني؛ أنت المقدم وأنت المؤخر لا إله إلا أنت". وفي رواية له (4): وإذا سلم قال: "اللهم اغفر لي ما قدمت". إلى آخره. ويجمع بينهما على إرادة السلام في الرواية الثانية؛ لأن مخرج الطريقين واحد. وأورده ابن حبان في "صحيحه"(5) بلفظ: كان إذا فرغ من الصلاة وسلم. وهذا ظاهر في أنه بعد السلام، ويحتمل أنه كان يقول ذلك قبل السلام وبعده. وقد وقع في حديث ابن عباس نحو ذلك كما بينته في شرحه. انتهى.
1321 -
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "اللهم أصلح لي ديني الذي هو عصمة أمري، وأصلح لي دنياي التي فيها معاشي، وأصلح لي آخرتي التي إليها معادي، واجعل الحياة زيادة لي في كل خير، واجعل الموت راحة لي من كل شر". أخرجه مسلم (6).
(أ) في جـ: يقول. والمثبت من الفتح 11/ 198.
_________
(1)
الفتح 11/ 197، 198.
(2)
البخاري 3/ 3 ح 1120، ومسلم 1/ 532 ح 199/ 769.
(3)
مسلم 1/ 536 ح 771/ 201.
(4)
مسلم 1/ 536 ح 202/ 771.
(5)
ابن حبان 5/ 372 ح 2025.
(6)
مسلم، كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب التعوذ من شر ما عمل ومن شر ما لم =
تضمن هذا الحديث الدعاء بخير الدنيا والآخرة، وفيه دلالة على أنه يجوز الدعاء بالموت إذا خاف على نفسه الفتنة، وظاهره: ولو كانت الفتنة في الدنيا بوقوع المضار، ولكنه معارض بحديث:"لا يتمنَّيَن أحدكم الموت لضر نزل به"(1). ويحمل هذا على أن المراد بالشر ما كان من الشرور المتعلقة بالدين. والله أعلم.
1322 -
وعن أنس رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "اللهم انفعني بما علمتني، وعلمني ما ينفعني، وارزقني علما ينفعني". رواه النسائي والحاكم (2)، وللترمذي (3) من حديث أبي هريرة نحوه، وقال في آخره:"وزدني علما، الحمد لله على كل حال، وأعوذ بالله من حال أهل النار". وإسناده حسن.
في الحديث دلالة على أن العلم الذي يطلبه الإنسان ويسأل الله تعالى أن يعلمه إياه إنما هو ما كان نافعا، والنفع الحقيقي ما كان يتعلق بأمر المعاد، وما لم يكن بهذه المثابة فليس مطلوبا من الله تعالى ولا ينبغي الاشتغال به.
1323 -
وعن عائشة رضي الله عنها، أن النبي صلى الله عليه وسلم علمها هذا الدعاء: "اللهم إني أسألك من الحير كله عاجله وآجله، ما علمت منه وما لم أعلم، وأعوذ بك من الشر كله عاجله وأجله، ما علمت منه وما لم أعلم، اللهم إني أسألك من خير ما سألك عبدك ونبيك، وأعوذ بك من
= يعمل 4/ 2087 ح 2720.
(1)
البخاري 11/ 15 ح 6351، ومسلم 4/ 2064 ح 2680 من حديث أنس.
(2)
النسائي في الكبرى، كتاب الاستعاذة، باب الاستعاذة من علم لا ينفع 4/ 444 ح 7868، والحاكم، كتاب الدعاء 1/ 510.
(3)
الترمذي، كتاب الدعوات، باب في العفو والعافية 5/ 540 ح 3599.
شر ما عاذ به عبدك ونبيك، اللهم إني أسألك الجنة وما قرب إليها من قول أو عمل، وأعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول أو عمل، وأسألك أن تجعل كل قضاء قضيته لي خيرا". أخرجه ابن ماجه، وصححه ابن حبان والحاكم (1).
الحديث تضمن الدعاء بخير الدنيا والآخرة، والاستعاذة من شر الدنيا والآخرة، وتكرير ما يؤدي هذا المعنى إظهارا للتخضع والتخشع واللجء إلى الله سبحانه، والامتثال بما أمر به سبحانه وتعالى من إخلاص الدعاء له والتذلل بين يديه، وإطالة الكلام مع الأحباب.
1324 -
وأخرج الشيخان (2) عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كلمتان حبيبتان إلى الرحمن، خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم".
قوله: "كلمتان". الكلمة مراد بها الكلام، [فإنها](أ) قد تستعمل في معنى الكلام، كقولهم: قال كلمة الشهادة. وهي خبر للمبتدأ وهو قوله: "سبحان الله". وصح الابتداء به، وإن كان جملة؛ لأنه في معنى هذا اللفظ، وقدم الخبر لتشويق السامع إلى المبتدأ باعتبار ما ذكره بعده من الأوصاف.
(أ) في جـ: فإنه. والمثبت يقتضيه السياق.
_________
(1)
ابن ماجه، كتاب الدعاء، باب الجوامع من الدعاء 2/ 1264 ح 3846، وابن حبان، كتاب الرقائق، باب الأدعية 3/ 150 ح 869، والحاكم، كتاب الدعاء 1/ 521، 522.
(2)
البخاري، كتاب الدعوات، باب فضل التسبيح 11/ 206 ح 6406، ومسلم، كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب فضل التهليل والتسبيح والدعاء 4/ 2072 ح 2694.
وقوله: "حبيبتان". أي محبوبتان. والمعنى: محبوب قائلهما (1).
ومحبة الله للعبد تقدم حقيقتها في كتاب الزهد قريبا.
وقوله: "إلى الرحمن". خص الرحمن بالذكر؛ لأن المقصود بيان سعة رحمة الله تعالى على عباده؛ حيث يجازي على العمل القليل بالثواب الجزيل.
وقوله: "خفيفتان". تثنية خفيفة، فعيلة بمعنى فاعلة.
وقوله: "ثقيلتان". قال الكرماني (2): إن قيل: فعيل بمعنى مفعول يستوي فيه المذكر والمؤنث، ولا سيما إذا كان موصوفه مذكورا، فما وجه التأنيث في:"ثقيلتان"؟ ثم أجاب بأن ترك التأنيث جائز لا واجب، وأيضًا ذاك إنما هو في المفرد لا المثنى، أو أنه أنث لمزاوجة "خفيفتين"، أو لأنها بمعنى الفاعل، أو أن التاء [للنقل](أ)، وهو أنه نقل اللفظ من الوصفية إلى الاسمية، والجواب الأحسن أنها بمعنى الفاعل فلا يرد السؤال، ولا يظهر وجه كونها بمعنى المفعول [إذ](ب) الفعل لازم، ووصف الكلمتين بالخفة والثقل لبيان قلة العمل وكثرة الثواب، وفي هذه الألفاظ الثلاثة سجع مستعذب، وليس من السجع المنهي عنه؛ لأن المنهي عنه ما كان متكلفا أو متضمنا لباطل، وأما ما جاء عفوا من غير قصد إليه فلا محذور فيه، قال الطيبي (3): الخفة مستعارة للسهولة، شبه سهولة جريانها على اللسان بما
(أ) في جـ: للثقل. والمثبت كما في شرح الكرماني.
(ب) في جـ: إذا. والمثبت يقتضيه السياق.
_________
(1)
ينظر ما تقدم ص 73 حاشية (2).
(2)
شرح الكرماني 22/ 185.
(3)
الفتح 13/ 540 ، 541.
خف على الحامل من بعض الأمتعة فلا يتعبه، كالشيء الثقيل، وفيه إشارة إلى أن سائر التكاليف صعبة شاقة على النفس ثقيلة، وهذه سهلة عليها، مع أنها تثقل في الميزان كثقل الشاق من التكاليف، وقد سئل بعض السلف عن سبب ثقل الحسنة، وخفة السيئة فقال: لأن الحسنة حضرت مرارتها وغابت حلاوتها فثقلت، فلا يحملنك ثقلها على تركها، والسيئة حضرت حلاوتها وغابت مرارتها فلذلك خفت، فلا تحملنك خفتها على ارتكابها.
والحديث فيه دلالة على ثبوت الميزان، وأنه ميزان له لسان وكفتان، ويميل بالأعمال، وقد تظاهرت الأدلة من الكتاب والسنة على ثبوته، والحمل على الحقيقة هو المتبادر من اللفظ عند الإطلاق، والحمل على المجاز إنما هو يكون عند تعذر حمل اللفظ على معناه الحقيقي، وقد ذهب إلى ذلك أهل السنة قاطبة، [وأنكره](أ) الجمهور من المعتزلة، وقال المصنف رحمه الله تعالى حكاية عن أبي إسحاق الزجاج (1): أنكرت المعتزلة الميزان وقالوا: هو عبارة عن العدل. [فخالفوا](ب) الكتاب والسنة؛ لأنه أخبر تعالى أنه يضع الموازين لوزن الأعمال؛ ليرى العباد أعمالهم ممثلة ليكونوا على أنفسهم شاهدين. وقال ابن فورك (1): أنكرت المعتزلة الميزان بناء منهم على أن الأعراض يستحيل وزنها؛ إذ لا تقوم بأنفسها قال: وقد روى بعض المتكلمين عن ابن عباس أن الله تعالى يقلب الأعراض أجساما فيزنها. انتهى.
(أ) ساقطة من: جـ. والمثبت يقتضيه السياق.
(ب) في جـ: في القول. والمثبت من الفتح 13/ 538.
_________
(1)
الفتح 13/ 538.
ونسب في "شرح القلائد" للنجري (1) الخلاف إلى مجاهد من التابعين وإلى الإمام الهادي يحيى بن الحسين، وأن الميزان مجاز عن إقامة الحساب على السواء للأعمال صغيرها وكبيرها بالعدل والنصفة من غير أن يظلم عباده مثقال ذرة. قالوا: لأنه لا فائدة فيه؛ لعلم الخلق ضروريا يوم القيامة بعدل الله وحكمته ومقادير ما يستحقونه من الثواب والعقاب. انتهى. وقد أخرج [الطبري](أ)(2) الرواية عن مجاهد. ثم اختلفوا في الميزان، هل هو ميزان واحد أو لكل إنسان ميزان، أو لكل عمل ميزان؟ وقوله تعالى:{وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ} (3). بلفظ الجمع يدل [على](ب) التعدد، فذهب البعض إلى أن الجمع على حقيقته، ويكون التعدد على أحد الوجهين. وذهب البعض إلى أنه ميزان واحد، والجمع إنما هو باعتبار تعدد الأعمال الموزونة أو الأشخاص، ويؤيد تعدد الأعمال قوله تعالى:{فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ} . {وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ} (4). ويحتمل أن يكون الجمع
(أ) في جـ: الطبراني.
(ب) ساقطة من: جـ. والمثبت يقتضيه السياق.
_________
(1)
هو عبد الله بن محمد بن أبي القاسم بن علي بن ثامر بن فضل بن محمد العبسي العكي المعروف بالنجري، عالم شهير، مفسر، مشارك في أَغلب العلوم، يقال: إنه أول من أدخل كتاب مغني اللبيب لابن هشام إلى اليمن. توفي في ذي القعدة سنة 877 هـ. أعلام المؤلفين الزيدية ص 616.
(2)
تفسير الطبري 8/ 122.
(3)
الآية 47 من سورة الأنبياء.
(4)
الآيتان 8، 9 من سورة الأعراف، والآيتان 102، 103 من سورة المؤمنون.
للتفخيم، وأنه ميزان واحد. وقد أخرج أبو القاسم اللالكائي في "السنة" (1) عن [سلمان] (أ) قال: يوضع الميزان وله كفتان، لو وضع في إحداهما السماوات والأرض ومن فيهن لوسعته.
واختلف العلماء في الموزون؛ فذهب أبو علي الجُبّائي، واختاره الطيبي، إلى أن الموزون هي الصحف. قالوا: لأن الأعمال أعراض فلا توصف بثقل ولا خفة، ولحديث البطاقة. وقال أبو هاشم: الموزون نور؛ أمارة للخير، أو ظلمة؛ أمارة للشر. وأورد عليه أن النور والظلمة أجزاء خفيفة لا ثقل فيها. وأجيب عنه بأن الله تعالى لا بد أن يخلق فيها ثقلا بقدر الثواب والعقاب. وذهب البعض إلى أن الموزون هو الشخص. وذهب أهل السنة إلى أن الأعمال هي الموزونة، وأنها تجسّد أو تجعل في أجسام فتصير أعمال الطائعين في صورة حسنة، وأعمال المسيئين في صورة قبيحة، ثم توزن. وقد أخرج أبو داود والترمذي وصححه ابن حبان (2) عن أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:" [ما] (ب) يوضع في الميزان يوم القيامة أثقل من خلق حسن". وفي حديث جابر مرفوعًا: "توضع الموازين يوم القيامة، فتوزن الحسنات والسيئات، فمن رجحت حسناته على سيئاته مثقال حبة دخل الجنة، ومن رجحت سيئاته على حسناته مثقال حبة دخل النار". قيل: فمن
(أ) في جـ: سليمان. والمثبت من مصدر التخريج، وينظر الفتح 13/ 539.
(ب) ساقطة من جـ. والمثبت من مصادر التخريج. وينظر الفتح 13/ 539.
_________
(1)
شرح أصول الاعتقاد 2/ 1173 ح 2208.
(2)
أبو داود 4/ 253 ح 4799، والترمذي 4/ 319 ح 2003، وابن حبان 12/ 506 ح 5693.
استوت حسناته [وسيئاته؟ قال: "أولئك](أ) أصحاب الأعراف". أخرجه خيثمة في "فوائده" (1)، وعند ابن المبارك في "الزهد" (2) عن ابن مسعود نحوه [موقوفًا](ب)، وظاهر الأحاديث أن أعمال بني آدم توزن، وأن ذلك عام [لجميعهم] (جـ). وقال بعضهم: إنه يخص منه المؤمن الذي لا سيئة له، وله حسنات كثيرة زائدة على محض الإيمان، فيدخل الجنة بغير حساب كما في حديث السبعين الألف، وعكّاشة (3) الذي سأل أن يلحق بهم وغيرهم ممن شاء الله أن يلحق بهم، وهم الذي يمرون على الصراط كالبرق وكالريح وكأجاويد الخيل، ويخص أيضًا الكافر الذي لا ذنب له غير الكفر ولم يعمل حسنة، فإنه يقع في النار من غير حساب ولا ميزان.
ونقل القرطبي (4) عن بعض العلماء أنه قال: الكافر مطلقا لا ثواب له ولا حسنة توضع في ميزانه؛ لقوله تعالى: {فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا} (5). ولحديث أبي هريرة في "الصحيح"[في](أ) الكافر: "لا يزن عند الله جناح بعوضة"(6). وقد تعقب بأن هذا مجاز عن حقارة القدر.
(أ) في جـ: فأولئك. والمثبت من الفتح 13/ 539.
(ب) في جـ: مرفوعًا. والمثبت من الفتح 13/ 539.
(جـ) ساقطة من: جـ. والمثبت من الفتح 13/ 538.
_________
(1)
كما في الفتح 13/ 539.
(2)
ابن المبارك في الزهد ح 411 - زيادات نعيم.
(3)
البخاري 11/ 406 ح 6542، ومسلم 1/ 197، ح 216.
(4)
الفتح 11/ 538.
(5)
الآية 105 من سورة الكهف.
(6)
البخاري 8/ 426، ح 4729، ومسلم، 4/ 2147، ح 2785.
ولا يلزم منه عدم الوزن.
والصحيح أن الكافر يُوزن عمله، إلا أنه على وجهين؛ أحدهما، أن كفره يوضع في كفة ولا يجد حسنة يضعها في الأخرى؛ لبطلان الحسنات مع الكفر، فتطيش التي لا شيء فيها. قال القرطبي: وهذا ظاهر قوله تعالى: {وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ} (1). فإنه وصف الميزان بالخفة.
والثاني، أنه قد يقع منه العتق والبر والصلة وسائر أنواع الخير المالية، مما لو فعلها المسلم لكانت له حسنات، فمن كانت له جمعت ووضعت، غير أن الكفر إذا قابلها رجح بها، ويحتمل أن هذه الأعمال توازن ما يقع منه من الأعمال؛ كظلم غيره وأخذ المال وقطع الطريق، فإن ساوتها عذب بالكفر، وإن زادت عذب بما [كان](أ) زائدا على كفره، وإن زادت أعمال الخير منه طاح عقاب سائر المعاصي وبقي عقاب الكفر كما جاء في قصة أبي طالب:"إنه لفي ضحضاح من نار"(2).
وقوله: "سبحان الله". تقدم الكلام في إعرابه ومعناه قريبا.
وقوله: "وبحمده". قيل: الواو للحال بتقدير المتعلق، أي: وأتلبس
(أ) في جـ: زاد. والمثبت من سبل السلام 4/ 441.
_________
(1)
الآية 103 من سورة المؤمنون.
(2)
الضحضاح في الأصل: ما رقَّ من الماء على وجه الأرض ما يبلغ الكعبين، فاستعاره للنار. النهاية 3/ 75.
والحديث عند أحمد 3/ 9، والبخاري 11/ 417 ح 6564، ومسلم 1/ 195 ح 210.
بحمده. أي بحمدي له من أجل توفيقه. وقيل: عاطفة على العامل في "سبحان". أي أسبح وألتبس بحمده. ويحتمل أن تقدر: وأُثَنِّي بحمده. فتكون متعلقة بـ: أثني، وتكون جملة مستقلة. وقال الخطابي (1) في حديث:"سبحانك اللهم وبحمدك"(2). إن المعنى: وبقوتك التي هي نعمة، فوجب عليّ حمدك. أي: لا بحولي وقوتي. فأقام المسبب، وهو الحمد، مقام سببه، وهو النعمة التي أوجبت الحمد.
قال الكرماني (3): صفات الله تعالى وجودية، كالعلم والقدرة، وهي صفات الإكرام، وعدمية؛ كلا شريك له ولا مثل، وهي صفات الجلال، فالتسبيح إشارة إلى صفات الجلال، والتحميد إشارة إلى صفات الإكرام، وترك التقييد مشعر بالتعميم، والمعنى: أنزهه عن جميع [النقائص](أ) وأحمده بجميع الكمالات. قال: والنظم الطبيعي يقتضي تقديم التخلية، فقدم التسبيح الدال على التخلي على التحميد الدال على التحلي، بالحاء المهملة، وذكر اسم الله تعالى؛ لأنه الاسم الدال على الذات المقدسة الجامع لجميع الصفات والأسماء الحسنى، ووصفه بالعظيم لأنه الشامل لسلب ما لا يليق به؛ [إذ](ب) العظمة الكاملة مستلزمة لعدم النظير والمثل ونحو ذلك، وكذا العلم بجميع المعلومات، والقدرة على جميع المقدورات ونحو ذلك، وذكر
(أ) في جـ: النقائض. والمثبت من شرح الكرماني.
(ب) في جـ: إذا. والمثبت من شرح الكرماني.
_________
(1)
الفتح 13/ 541.
(2)
أبو داود 1/ 232 ح 877.
(3)
شرح الكرماني 22/ 185، 186.
التسبيح ملتبسا بالحمد ليعلم ثبوت الكمال له نفيا وإثباتا، وكُرِّر تأكيدا، ولأن الاعتناء بشأن التنزيه أكثر من جهة كثرة المخالفين، ولهذا جاء في القرآن بعبارات مختلفة؛ نحو:"سبحان". و: "سبِّح". بلفظ الأمر، و:"سبَّح". بلفظ الماضي [و: يسبح. بلفظ](أ) المضارع، ولأن التنزيهات تدرك بالعقل بخلاف الكمالات فإنه يقصر عن إدراك حقائقها، كما قال بعض المحققين: الحقائق الإلهية لا تعرف إلا بطريق السلب كما في العلم؛ لا يدرك منه إلا أنه ليس بجاهل، فأما معرفة حقيقة [علمه](ب) فلا سبيل إليه. انتهى.
وجاء في هذا الحديث الترغيب في الكلمتين الشريفتين على أسلوب [عظيم](جـ)، وهو أن حب الربّ سابق، وذكر العبد وخفة الذكر على لسانه تال، ثم بيان ما فيهما من الثواب العظيم النافع يوم القيامة.
ودل الحديث على أنه ينبغي إدامة هذا الذكر لعظم نفعه وخفة عمله، وقد تقدم فضل سبحان الله [وبحمده](د) مائة مرة وحدها، فإذا أضيف إليها هذه الكلمة الأخرى ازداد تحصيل الثواب وحصل به امتثال قوله تعالى:{وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ} (1). وفي "صحيح مسلم"(2) عن أبي ذر: قلت: يا رسول الله، بأبي أنت وأمي، أيُّ الكلام أحبُّ إلى الله؟ قال: "ما
(أ) ساقط من: جـ. والمثبت من الفتح 13/ 541.
(ب) في جـ: عمله. والمثبت من الفتح 13/ 542.
(جـ) في جـ: غريب. والمثبت من الفتح 13/ 542.
(د) ساقط من جـ. والمثبت من الفتح 13/ 542.
_________
(1)
الآية 39 من سورة ق، والآية 48 من سورة الطور.
(2)
مسلم، 4/ 2093 ح 2731.