الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
باب البر والصلة
1219 -
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من أحب أن يبسط [له] (أ) في رزقه وأن ينسأ له في أثره فليصل رحمه". أخرجه البخاري (1).
قوله: "من أحب". لفظ البخاري: "من سره أن يبسط له في رزقه".
أي يوسع له (ب).
وقوله: "وأن ينسأ له (جـ) ". بضم الياء وسكون النون بعدها مهملة ثم همزة، أي يؤخر.
وقوله: "في أثره". أي أجله، وسمى الأجل أثرًا لأنه ينقطع الأثر في الأرض بانقطاع العمر. قال زهير (2):
والمرء ما عاش ممدود له أمل
…
لا ينقضي العمر حتى ينتهي الأثر
قال ابن التين (3): ظاهر الحديث يعارض قوله تعالى: {فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا
(أ) في ب، جـ: عليه. والمثبت من بلوغ المرام ومصدر التخريج.
(ب) زاد في جـ: في رزقه.
(جـ) ساقطة من: جـ.
_________
(1)
البخاري، كتاب الأدب، باب من بسط له في الرزق بصلة الرحم 10/ 415 ح 5985.
(2)
البيت لكعب بن زهير، ديوانه ص 229.
(3)
الفتح الباري 10/ 416.
يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ} (1). والجمع بينهما من وجهين؛
أحدهما: أن الزيادة كناية عن البركة في العمر بسبب التوفيق إلى الطاعة وعمارة وقته بما ينفعه في الآخرة وصيانته عن تضييعه في غير ذلك، ومثل هذا ما جاء أن النبي صلى الله عليه وسلم تقاصر أعمار أمته بالنسبة إلى أعمار من مضى من الأم فأعطاه الله ليلة القدر (2)، وحاصله أن صلة الرحم تكون سببا للتوفيق للطاعة والصيانة عن المعصية، فيبقى بعده الذكر الجميل، فكأنه لم يمت، ومن جملة ما يحصل له من التوفيق العلم الذي ينتفع به من بعده، والصدقة الجارية عليه، والخلف الصالح.
وثانيهما: أن الزيادة على حقيقتها وذلك بالنسبة إلى علم الملك الموكل بالعمر والذي في الآية بالنسبة إلى علم الله تعالى؛ كأن يقال للملك مثلًا: إن عمر فلان -مثلًا- ماثة إن وصل رحمه، وإن قطعها ستين. وقد سبق في علم الله تعالى أنه يصل أو يقطع، فالذي في علم الله تعالى لا يتقدم ولا يتأخر، والذي في علم الملك هو الذي يمكن فيه الزيادة والنقص، وإليه الإشارة بقوله تعالى:{يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ} (3). فالمحو والإثبات بالنسبة إلى ما في علم الملك، وما في أم الكتاب وهو الذي في علم الله تعالى لا محو فيه البتة، ويقال له: القضاء
(أ) زاد بعده في ب: عنه.
_________
(1)
الآية 34 من سورة الأعراف.
(2)
الموطأ 1/ 321، وفضائل الأوقات للبيهقي ص 208، 209 ح 78.
(3)
الآية 39 من سورة الرعد.
المبرم. ويقال للأول: القضاء المعلق. والوجه الأول أليق، فإن الأثر ما يتبع الشيء فإذا أخر حسن أن يحمل على الذكر الحسن بعد فقد المذكور، ورجحه الطيبي (1)، وأشار إليه في "الفائق" (2) قال: يجوز أن يكون المعنى أن الله يُبقِي ذكر واصل الرحم في الدنيا طويلا، فلا يضمحل سريعا كما يضمحل ذكر قاطع الرحم. ولما أنشد أبو تمام (3) قوله في بعض المراثي:
توفيت الآمال بعد محمد
…
وأصبح في شغل عن السفر السفر
قال له أبو دلف: لم يمت من قيل فيه هذا الشعر. ومن هذه المادة قول إبراهيم الخليل عليه السلام: {وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ (84)} (4). وأخرج الطبراني في "الصغير"(5) بسند ضعيف عن أبي الدرداء قال: ذكر عند رسول الله صلى الله عليه وسلم من وصل رحمه أنسئ له في أجله فقال: "إنه ليس زيادة في عمره؛ قال الله تعالى: {فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ (34)} (6). ولكن الرجل يكون له الذرية الصالحة يدعون له من بعده". وله في "الكبير"(7) من حديث أبي مشجعة الجهني يرفعه: "إن الله لا
(أ) بعده في ب: عنه.
_________
(1)
الفتح 10/ 416.
(2)
الفائق 1/ 23.
(3)
ديوانه 4/ 80.
(4)
الآية 84 من سورة الشعراء.
(5)
الطبراني في الأوسط 1/ 15 ح 34. ولم نجده عليه في الصغير.
(6)
الآية 34 من سورة الأعراف.
(7)
الطبراني -كما في الفتح 10/ 416.
يؤخر نفسا إذا جاء أجلها وإنما هو زيادة العمر؛ ذرية صالحة". وجزم ابن فورك (1) بأن المراد بزيادة العمر نفى الآفات عن صاحب البر في فهمه وعقله، وقال غيره في أعم من ذلك وفي وجود البركة في رزقه وعلمه، ونحو ذلك، وجاء في الباب عند الترمذي (2) عن أبي هريرة: إن صلة الرحم محبة في الأهل مثراة في المال منسأة في الأثر. وعند أحمد (3) بسند رجاله ثقات عن عائشة مرفوعًا: "صلة الرحم وحسن الجوار وحسن الخلق يعمران الديار ويزيدان في الأعمار". وأخرج عبد الله بن أحمد (4) في زوائد "المسند" من حديث علي نحو حديث الباب، وقال فيه: "ويندفع عنه ميتة السوء". ولأبي يعلى (5) من حديث أنس رفعه: "إن الصدقة وصلة الرحم يزيد الله بهما في العمر ويدفع بهما ميتة السوء". فجمع الأثرين (أ) وسنده ضعيف، وأخرج البخاري في "الأدب المفرد" (6) من حديث ابن عمر بلفظ: "من اتقى ربه ووصل رحمه ينسأ له في عمره وثرى ماله وأحبه أهله".
1220 -
وعن جبير بن مطعم رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
(أ) في جـ: الأمرين.
_________
(1)
الفتح 10/ 416.
(2)
الترمذي 4/ 309 ح 1979.
(3)
أحمد 6/ 159.
(4)
عبد الله بن أحمد في الزوائد 1/ 143.
(5)
أبو يعلى 7/ 139 ح 1349.
(6)
الأدب المفرد 1/ 140 ح 58.
"لا يدخل الجنة قاطع". (أيعني قاطع أ) رحم. متفق عليه (1).
الحديث أخرجه البخاري ومسلم من رواية مالك عن الزهري بحذف "رحم"، وأخرجه البخاري في "الأدب المفرد"(2) بزيادة لفظ "رحم"، ومسلم جعل ذلك تفسيرا من ابن عيينة عن الزهري، قال: قال سفيان: يعني قاطع رحم (3). وأخرج إسماعيل القاضي في "الأحكام"(4) من طريق الأعمش، عن عطية، عن أبي سعيد، ومن طريق أخرى عن أبي موسى رفعه:"لا يدخل الجنة مدمن خمر ولا مصدق بسحر ولا قاطع رحم". أخرجه ابن حبان والحاكم (5)، ولأبي داود (6) من حديث أبي بكرة رفعه:"ما من ذنب أجدر أن يعجل الله لصاحبه العقوبة في الدنيا مع ما ادخر (ب) له في الآخرة من قطعة الرحم". وللبخاري في "الأدب المفرد"(7) من حديحث أبي هريرة رفعه: "إن أعمال أمتي تعرض عشية [كل](جـ) خميس ليلة الجمعة فلا يقبل عمل
(أ- أ) ساقطة من: جـ.
(ب) في ب: ادخره.
(جـ) ساقطة من: ب، جـ. والمثبت من مصدر التخريج.
_________
(1)
البخاري، كتاب الأدب، باب إثم قاطع الرحم 10/ 415 ح 5984، ومسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب صلة الرحم وتحريم قطعها 4/ 1981 ح 19/ 2556.
(2)
الأدب المفرد 1/ 145 ح 64.
(3)
مسلم 4/ 1981 ح 2556/ 18.
(4)
الأحكام -كما في الفتح 10/ 415.
(5)
ابن حبان 12/ 165، 166 ح 5346، والحاكم 4/ 146.
(6)
أبو داود 4/ 277 ح 4902.
(7)
الأدب المفرد 1/ 142 ح 61.
قاطع رحم". وللطبراني (1) من حديث ابن مسعود: "إن أبواب السماء مغلقة دون قاطع الرحم". وللبخاري في "الأدب المفرد" (2) من حديث ابن أبي أوفى رفعه: "إن الرحمة لا تنزل على قوم فيهم قاطع رحم". قال الطيبي (3): يحتمل أن يراد بالقوم الذين يساعدونه على قطيعة الرحم ولا ينكرون عليه، ويحتمل أن يراد بالرحمة المطر وأنه يحتبس عن الناس عموما بشؤم التقاطع.
وقد دل الحديث أن قطع الرحم من الكبائر وأن ذلك من معاظم الذنوب، قال القاضي عياض (4): ولا خلاف أن قطع الرحم معصية وأن صلتها واجبة، ولكن اختلفوا في حد الرحم التي يجب صلتها؛ فقيل هي الرحم التي يحرم النكاح بينهما بحيث لو كان أحدهما ذكرا حرم على الآخر، فعلى هذا لا يدخل أولاد الأعمام ولا أولاد الأخوال. واحتج هذا القائل بتحريم الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها في النكاح لا يؤدي إليه من التقاطع، وقيل: هو من كان يتصل بميراث، ويدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم:"ثم أدناك أدناك"(5). انتهى. وقيل: من كان بينه وبين الآخر نسب سواء كان يرثه أو لا. قال القاضي عياض (4). وصلة الرحم درجات بعضها أرفع من بعض، وأدناها ترك المهاجرة وصلتها بالكلام ولو بالسلام، ويختلف ذلك باختلاف القدرة والحاجة فمنها واجب ومنها مستحب، ولو وصل بعض
(1) الطبراني 9/ 173، 174 ح 8793.
(2)
الأدب المفرد 1/ 144 ح 63.
(3)
كما في الفتح 10/ 415.
(4)
شرح مسلم 16/ 113.
(5)
مسلم 4/ 1974 ح 2548/ 2.
الصلة ولم يصل غايتها لم يسمّ قاطعا، ولو قصر عما يقدر عليه وينبغي له لم يسمّ واصلا. انتهى. وقال القرطبي (1): الرحم التي توصل عامة وخاصة؛ فالعامة رحم الدين وتجب صلتها بالتوادد والتناصح والعدل والإنصاف والقيام بالحقوق الواجبة والمستحبة، والرحم الخاصة تزيد بالنفقة على القريب وتفقد حاله والتغافل عن زلته. وقال ابن أبي جمرة (أ) (1): تكون صلة الرحم بالمال وبالعون على الحاجة ودفع الضرر وطلاقة الوجه والدعاء. والمعنى الجامع إيصال ما أمكن من الخير ودفع ما أمكن من الشر بحسب الطاقة، وهذا في حق المؤمنين، وأما الكفار والفساق فتجب المقاطعة لهم إذا (ب) لم تنفع الموعظة، واختلف العلماء أيضًا بما تحصل القطيعة للرحم، فقال أبو زرعة الولي بن العراقي: تكون بالإساءة إلى الرحم. وقال غيره: تكون بترك الإحسان؛ لأن الأحاديث آمرة بالصلة ناهية عن القطيعة ولا واسطة بينهما، والصلة أيضًا نوع من الإحسان كما فسرها بذلك غير واحد، والقطيعة ضدها وهي ترك الإحسان. انتهى. واختار شيخ الإسلام أحمد بن حجر الهيتمي في كتابه "الزواجر" أن قطعة الرحم تكون بقطع ما ألفه القريب منه من الصلة والإحسان لغير عذر شرعي، وسواء كان المألوف مالا أو مكاتبة أو مراسلة أو زيارة أو غير ذلك، فقطع ذلك كله يعد فعله كبيرة إذا كان لغير عذر، والعذر في المال يكون إما لفقده أو لاحتياجه إليه أو لتقديم غير القريب
(أ) في جـ: حمزة.
(ب) في جـ: إذ.
_________
(1)
الفتح 10/ 418.
عليه لحاجته أو لأنه أصلح، وأما عذر الزيارة فيكون بالأعذار التي يسقط معها وجوب حضور الجمعة؛ لأن كلا منهما فرض عين، وأما عذر المكاتبة والمراسلة فهو ألا يجد من يثق به في أداء ما يرسله به. انتهى كلامه. وهو كلام حسن إلا أنه ينبغي أن يقال: يقطع ما ألفه القريب مما قد عوده، أو يعوده أمثاله لمثل ذلك القريب، وإلا لزم أن يكون معذورا بترك الإحسان من أصله ويلزم منه ألا يحسن قريب إلى قريبه أصلا وهو المتبادر عرفا من القطع، وإذا كان أحد الرحمين قد وصل أحدهما صاحبه فكافأه على ذلك فهو واصل، وأما قوله صلى الله عليه وسلم:"ليس الواصل بالمكافئ ولكن الواصل الذي إذا قطعت رحمه وصلها"(1). فقال ابن العربي (2) في "شرح الترمذي": المراد به الكامل في الصلة. وقوله: "قطعت" ضبط في بعض الروايات بضم أوله وكسر ثانيه مبني للمجهول وفي أكثرها بفتحتين، وقال الطيبي (3): معناه ليست حقيقة الوصل ومن يعتد بصلته من يكافئ صاحبه بمثل فعله، ولكنه من يتفضل على صاحبه. وقال المصنف رحمه الله تعالى (4): لا يلزم من نفي الوصل ثبوت القطع فهم ثلاث درجات؛ مواصل، ومكافئ، وقاطع؛ فالمواصل هو الذي يتفضل ولا يُتفضل عليه، والمكافئ الذي لا يزيد في الإعطاء على ما يأخذ، والقاطع الذي لا يتفضل عليه ولا يتفضل. وأقول: بالأولى مَن يُتفضل عليه ولا يتفضل إنه قاطع، ثم قال المصنف رحمه الله تعالى: وكما تقع المكافأة بالصلة من الجانبين كذلك تقع بالمقاطعة من
(1) البخاري 10/ 423 ح 5991.
(2)
عارضة الأحوذي 8/ 101.
(3)
الفتح 10/ 423.
(4)
الفتح 10/ 424.
الجانبين فمن بدأ حينئذٍ فهو القاطع، فإن جوزي سمي من جازاه مكافئا.
فائدة: الرحم من أسماء المعاني، وهي قرابة ونسب (أ) لجمعه (ب) رحم والده، ويتصل بعضه ببعض فسمى ذلك الاتصال رحما، وقد أخرج البخاري (1) مرفوعًا:"الرحم شجنة -بكسر الشين المعجمة وسكون الجيم بعدها نون وجاء بضم أوله وفتحه- من الرحمن". أي أخذ اسمها من اسمه، وجاء في حديث عبد الرحمن بن عوف أخرجه في السنن (2) مرفوعًا:"أنا الرحمن خلقت الرحم وشققت لها من اسمى". ومعنى اشتقاقها من اسم الرحمن أنها أثر من آثار الرحمة، فلها مسكة بالرحمن، فالقاطع لها منقطع من رحمة الله تعالى، وقوله صلى الله عليه وسلم:"قامت الرحم فقالت: هذا مقام العائذ بك من القطيعة. قال: نعم، أما ترضين أن أصل من وصلك وأقطع من قطعك؟ قالت: بلى. قال: فذلك لك". أخرجه مسلم (3)، وفي رواية أخرى (4):"الرحم متعلقة بالعرش تقول: من وصلني وصله الله، ومن قطعني قطعه الله". قال ابن أبي جمرة: الوصل من الله كناية عن عظم إحسانه، وإنما خاطب الناس بما يفهمون، ولما كان أعظم ما يعطيه المحبوب لمحبه الوصال وهو القرب وإسعافه بما يريد ومساعدته على ما يرضيه، وكأن
(أ) في جـ: سبب.
(ب) في جـ: بجمعه.
_________
(1)
البخاري 10/ 417 ح 5988.
(2)
أبو داود 2/ 136 ح 1694، والترمذي 4/ 278 ح 1907.
(3)
مسلم 4/ 1980، 1981 ح 2554.
(4)
مسلم 4/ 1981 ح 2555.
حقيقة ذلك مستحيلة في حق الله تعالى، عرف أن ذلك كناية عن عظم إحسانه لعبده. قال: وكذا القطع كناية عن حرمان الإحسان. قال القرطبي (1): وسواء قلنا: إن القول المنسوب إلى الرحم على سبيل المجاز أو الحقيقة أو أنه على جهة التقدير والتمثيل كأن يكون المعنى لو كانت الرحم ممن يعقل ويتكلم لقالت كذا، كما في قوله تعالى:{لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا} الآية. وفي آخرها: {وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} (2). فمقصود هذا الكلام الإخبار بتأكيد صلة الرحم وأنه تعالى أنزلها منزلة من استجار به فأجاره فأدخله في حمايته، وإذا كان كذلك فجار الله غير مخذول.
1221 -
وعن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"إن الله حرم عليكم عقوق الأمهات ووأد البنات ومنعا وهات، وكره لكم قيل وقال وكثرة السؤال وإضاعة المال". متفق عليه (3).
قوله: "عقوق الأمهات". وهو جمع "أمهة"، وأمهة لغة في الأم قيل: هما أصلان، أو أن الهاء زائدة والأصل (أ)"أم" عند غير المبرد؛ لأن المبرد لا يعد الهاء من حروف الزيادة، ولا تطلق "أمهة" إلا على من يعقل
(أ) في ب: لأصل.
_________
(1)
الفتح 10/ 418.
(2)
الآية 21 من سورة الحشر.
(3)
البخاري، كتاب الأدب، باب عقوق الوالدين من الكبائر 10/ 405 ح 5975، ومسلم، كتاب الأقضية، باب النهي عن كثرة المسائل من غير حاجة 3/ 1341 ح 12/ 593.
بخلاف "أم" فإنها تعم، وخص النبي صلى الله عليه وسلم الأم بالذكر هنا وإن كان الأب مثلها إظهارًا لعظم موقع عقوقها، وضابط العقوق المحرم هو أن يحصل من الولد للأبوين أو لأحدهما إيذاء ليس بالهين عرفا، فيخرج من هذا ما إذا حصل من الأبوين أمر أو نهي فخالفهما بما لا يعد في العرف مخالفته عقوقا، فلا يكون ذلك عقوقا، وكذلك لو كان على الأبوين مثلًا دين للولد أو حق شرعي فرافعه إلى الحاكم فلا يكون ذلك عقوقا، كما وقع من بعض أولاد الصحابة شكاية الأب إلى النبي صلى الله عليه وسلم في اجتياحه لماله، فلم يعد النبي صلى الله عليه وسلم شكايته عقوقا (1). فعلى هذا العقوق أن يؤذي الولد أحد أبويه بما لو فعله مع غير أبويه كان محرما من جملة الصغائر، فيكون ذلك في حق الأبوين كبيرة أو مخالفة الأمر أو النهي فيما يدخل فيه الخوف على الولد من فوات نفسه أو عضو من أعضائه في غير الجهاد الواجب عليه، أو مخالفتهما في سفر يشق عليهما وليس بفرض على الولد، أو في غيبة طويلة فيما ليس لطلب علم نافع ولا كسب أو فيه وقيعة في العرض، [أو](أ) ترك تعطم الوالدين، فإنه لو قدم عليه أحدهما ولم يقم إليه أو قطب (2) في (ب) وجهه، فإن هذا وإن لم يكن في حق الغير معصية فهو عقوق في حق الأبوين، وقد ذكر معنى هذا التحقيق البُلقيني في "فتاويه" وهذا خلاصته مع تصحيح في بعض أطرافه.
(أ) في ب، جـ: إلا. والمثبت من سبل السلام 4/ 325.
(ب) ساقطة من: جـ.
_________
(1)
ابن حبان 2/ 142 ح 410.
(2)
القطوب: تزوى ما بين العينين عند العبوس، يقال: رأيته غضبان قاطبا. التاج (ق ط ب).
وقوله: "ووأد البنات". الوأد بسكون الهمزة هو دفن البنت وهي حية، وكان أهل الجاهلية يفعلون ذلك كراهة لهنَّ، ويقال: أول من فعل ذلك قيس بن عاصم التميمي، وكان بعض أعدائه أغار عليه فأسر بنته فاتخذها لنفسه، ثم حصل بينهم صلح فخير ابنته فاختارت زوجها، فآلى قيس على نفسه ألَّا يولد له بنت إلا دفنها حية، فتبعه العرب على ذلك، وكان من العرب من يقتل أولاده مطلقا خشية الإملاق أو لعدم النفقة، وكان صعصعة أول من فدى الموءودة، وذلك أنه كان يعمد إلى من يريد أن يفعل ذلك فيفتدي الولد منه بمال وإلى ذلك أشار الفرزدق (1) بقوله:
وجدي الذي منع الوائدا
…
ت وأحيا الوئيد فلم يوأْد (أ)
وقد بقي كل من قيس وصعصعة إلى أن أدركا الإسلام ولهما صحبة، وإنما خص البنات بالذكر؛ لأنه الغالب من فعلهم، وكان الوأد على طريقين عندهم؛ أحدهما أن يأمر امرأته إذا اقترب وضعها أن تطلق بجانب حفرة، فإن وضعت ذكرا أبقته، وإن وضعت أنثى طرحتها في الحفرة، وهذا في حق من يقتل البنت، ومنهم من كان إذا صارت البنت سداسية قال لأمها: طيبيها وزينيها لأزور بها أقاربها. ثم يبعد بها في الصحراء حتى يأتي البئر فيقول لها: انظري في البئر. فيدفعها من خلفها ويطمها.
وقوله: "ومنعا وهات". المنع بسكون النون مصدر منع يمنع، وقد جاء
(أ) في جـ: يوده.
_________
(1)
البيت في ديوانه ص 203. وفيه: منا. بدلًا من: جدي.
في بعض ألفاظ البخاري (1) عن بعض رواته، "ومنع" بغير تنوين، ولعله لمناسبة لفظ:"هات" والمراد به منع ما أمر بإعطائه
وقوله: "وهات". فعل أمر مجزوم بحذف الياء وهو مكسور التاء المثناة من فوق، وهو من الإيتاء، قال الخليل (2): أصله آت فقلبت الهمزة هاء. والمراد به طلب ما لا يستحق أخذه، ويحتمل أن يكون معناهما هو أن يمنع بره وإحسانه مَن يسترفده (3)، ثم يطلب من الناس برهم فيبخل بما في يده ويسأل الناس تكثرا.
وقوله: "وكره لكم قيل وقال". وقع في أكثر الروايات بغير تنوين، وهو حكاية للفظ الفعل، والمراد به نقل الكلام الذي يسمعه إلى غيره فيقول: قيل: كذا وكذا. بغير ذكر القائل، وقال فلان: كذا وكذا. وإنما كره ذلك لما فيه من الاشتغال بما لا يعني المتكلم، ولكونه قد يتضمن النميمة والغيبة والكذب، لا سيما مع الإكثار من ذلك، فقلما يخلو عنه، ويجوز الإعراب فيهما وإجراؤهما مجرى الأسماء بالنقل إلى الأسماء، وإن كان النقل من الفعل إلى اسم الجنس قليلًا، ولكن ورد فيه شطر صالح كما قيل في "الدُّئل"، وقد جاء في رواية الكشميهني (4) للبخاري:"قيلًا وقالًا" بالنصب، قال الجوهري (5): قيل وقال اسمان. يقال: كثير القيل والقال.
(1) البخاري 5/ 68 ح 2408.
(2)
العين 8/ 146.
(3)
الرَّفد: العطاء والصلة. التاج (ر ف د).
(4)
الفتح 10/ 407.
(5)
الصحاح (ق ول).
قال ابن دقيق العيد (1): لو كانا اسمين لم يكن لعطف أحدهما على الآخر فائدة؛ لأنهما بمعنى القول. وقال المحب الطبري (1): في قيل وقال ثلاثة أوجه:
أحدهما: أنهما مصدران للقول، تقول: قلت قولًا وقيلًا وقالًا. والمراد في الحديث الإشارة إلى كراهة كثرة الكلام لأنها تئول إلى الخطأ، وإنما كرره للزجر عنه.
ثانيها: إرادة حكاية أقاويل الناس والبحث عنها ليخبر عنها فيقول: قال فلان: كذا. وقيل له: كذا. والنهي عنه إما للزجر عن الاستكثار منه، وإما لما يكرهه المحكي عنه.
ثالثها: إن ذلك في حكاية الاختلاف في أمور الدين كقوله: قال فلان: كذا. وقال فلان: كذا. ومحل كراهة ذلك أن يكثر منه بحيث لا يؤمن من الزلل، وهو في حق من ينقل بغير تثبت تقليدًا لمن سمعه (أ) ولا يحتاط له، ويؤيد هذا الحديث الصحيح:"كفى بالمرء إثمًا أن يحدث بكل ما سمع" أخرجه مسلم (2).
وقوله: "وكثرة السؤال". وهو إما المسألة في المال أو السؤال عن المشكلات والمعضلات أو مجموع ذلك وهو الأولى، وقد تقدم في الزكاة تحريم مسألة المال (3)، وقد ثبت النهي عن الأغلوطات. أخرجه أبو داود (4) من
(أ) في جـ: يسمعه.
_________
(1)
الفتح 10/ 407.
(2)
مسلم 1/ 10 ح 5. بلفظ: "كفى بالمرء كذبا".
(3)
تقدم في 4/ 381 - 383.
(4)
أبو داود 3/ 320 ح 3656.
حديث معاوية وثبت عن جمعٍ من السلف كراهة تكلف المسائل التي يستحيل وقوعها عادة، أو يندر جدًّا لما في ذلك من التنطع والقول بالظن الذي لا يخلو صاحبه عن الخطأ (أ)، وكذلك النهي عن المسائل التي ما قد نزل فيها شيء من الوحي في زمان نزول الوحي، كما قال الله تعالى:{لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ} (1). وذلك خاص بزمان نزول الوحي والبقاء على الإباحة الأصلية، كما أشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى ذلك بقوله (2):"أعظم الناس جرمًا عند الله من سأل عن شيء لم يُحرم، فحرم من أجل مسألته". وأشار بقوله: "كثرة السؤال". إلى أن بعض المسألة لا بد منها، وذلك فيما التبس على المكلف من أمر الدين؛ وسأل ليتبين له حقيقة ما قد وقع في زمان الوحي وفي غيره فيما هو أعم من ذلك، وكذلك سؤال المال للضرورة، وقد تقدم تفصيل ذلك في الزكاة، وتأوله بعض العلماء بأن المراد كثرة السؤال عن أخبار الناس وأحداث الزمان، أو كثرة سؤال إنسان معين عن تفاصيل حاله وكان مما يكرهه المسئول.
وقوله: "وإضاعة المال". المتبادر من الإضاعة ما لم تكن لغرض ديني ولا دنيوي، وقيل: هو الإسراف في الإنفاق. وقيده بعضهم بالإنفاق في الحرام، ورجح المصنف (3) رحمه الله تعالى أنه ما أنفق في غير وجهه المأذون
(أ) في ب: الخطاء.
_________
(1)
الآية 101 من سورة المائدة.
(2)
البخاري 13/ 264 ح 7289، ومسلم 4/ 1831 ح 2358/ 132.
(3)
الفتح 10/ 408.
فيه شرعا سواء كانت دينية أو دنيوية؛ لأن الله تعالى جعل المال قيامًا لمصالح العباد، وفي التبذير تفوت تلك المصالح إما في حق صاحب المال أو في حق غيره، قال: والحاصل في كثرة الإنفاق ثلاثة وجوه؛ الأول: الإنفاق في الوجوه المذمومة شرعًا، ولا شك في تحريمه. والثاني: الإنفاق في الوجوه المحمودة شرعًا، ولا شك في كونه مطلوبًا ما لم يفوِّت حقا آخر أهم من ذلك المنفق فيه. والثالث: الإنفاق في المباحات وهو ينقسم إلى قسمين؛ أحدهما: أن يكون على وجه يليق بحال المنفق وبقدر ماله، فهذا ليس بإضاعة ولا إسراف. والثاني: أن يكون فيما لا يليق به عرفًا؛ فإن كان لدفع مفسدة إما حاضرة أو متوقعة فذلك ليس بإسراف، وإن لم يكن لذلك فالجمهور على أنه إسراف.
قال ابن دقيق العيد (1): ظاهر القرآن أنه إسراف. وصرح بذلك القاضي حسين (2) فقال في كتاب "قسم الصدقات": هو حرام. وتبعه الغزالي وجزم به الرافعي في الكلام على الغارم وصحح في باب الحجر من "الشرح" وفي "المحرر" أنه ليس بتبذير، وتبعه النووي، وقد تقدم في كتاب الزكاة البحث في جواز التصدق بجميع المال، وأن ذلك يجوز لمن عرف من نفسه الصبر على المضايقة (3).
وقال الباجي من المالكية: إنه يحرم استيعاب جميع المال بالصدقة. قال: ويكره كثرة إنفاقه في مصالح الدنيا ولا بأس به إذا وقع نادرا لحادث
(1) ينظر شرح عمدة الأحكام 2/ 91.
(2)
الفتح 10/ 408.
(3)
تقدم 4/ 371، 372.
يحدث؛ كضيف أو عيد أو وليمة والاتفاق على كراهة الإنفاق في البناء الزائد على قدر الحاجة، ولا سيما إن أضاف إلى ذلك المبالغة في الزخرفة، وكذلك احتمال الغبن الفاحش في المبايعات بغير سبب، وأما إضاعة المال في المعصية فلا يختص (أ) بارتكاب الفواحش، بل يدخل فيها سوء عدم القيام على الرقيق والبهائم حتى يهلكوا، ودفع مال من لم يؤنس منه الرشد إليه، وقسمة ما لا ينتفع بجزئه كالجوهرة النفيسة. انتهى كلام الباجي. وقال السبكي في "الحلبيات" (1): وأما إنفاق المال في الملاذ المباحة فهو موضع اختلاف، فظاهر قوله تعالى:{وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا} (2). إن الزائد الذي لا يليق بحال المنفق إسراف، ومن بذل مالًا كثيرا في عرض يسير تافه عده العقلاء مضيعًا. انتهى.
الحديث فيه دلالة على تحريم المحرمات الثلاث؛ فأما العقوق والوأد فلا كلام في التحريم وأن ذلك من الكبائر، وأما المنع وهات فهو محرم على بعض الوجوه التي مرت، فيحمل الحديث على ذلك وكراهة الثلاث تحتمل كراهة التحريم، وهي محمولة على الوجوه المحرمة المذكورة في تفسيرها، ويحتمل كراهة التنزيه، ويحمل أيضًا على بعض الوجوه التي لا تقتضي التحريم.
(أ) في جـ: تخصص.
_________
(1)
الفتح 10/ 409.
(2)
الآية 67 من سورة الفرقان.
وفي رواية لأبي داود بلفظ: نهى. والنهى كذلك يحتمل التحريم والإرشاد، وإن كان حقيقته (أ) التحريم، والله أعلم.
1222 -
وعن عبد الله بن [عمرو](ب) رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"رضا الله في رضا الوالدين، وسخط الله في سخط الوالدين". أخرجه الترمذي وصححه ابن حبان والحاكم (1).
صححه الحاكم وقال: على شرط مسلم. ورجح الترمذي وقفه.
الحديث فيه دلالة على أنه يجب على الولد الوقوف على حال الذي يرضاه الوالدان ولا يسخطهما؛ ففي ذلك سخط الله سبحانه وتعالى، فيقدم رضاهما على فعل ما يجب عليه إذا كان من فروض الكفاية، كما ثبت في حديث ابن عمرو (2) في الرجل الذي جاء يستأذن النبي صلى الله عليه وسلم للجهاد فقال له النبي صلى الله عليه وسلم:"أحَيٌّ والداك؟ ". قال: نعم. قال: "ففيهما فجاهد". وفي رواية (3): "ارجع إليهما ففيهما المجاهدة". وفي رواية (4): جئت أبايعك على الهجرة وتركت أبواي يبكيان. فقال: "ارجع إليهما فأضحكهما كما أبكيتهما". وفي إسناده عطاء بن السائب (5) من رواية سفيان عنه، وأخرج أبو داود (6) عن أبي سعيد
(أ) في جـ: حقيقة.
(ب) في الأصل، جـ: عمر. والمثبت من بلوغ المرام، ومصادر التخريج.
_________
(1)
الترمذي، كتاب البر والصلة، باب ما جاء من الفضل في رضا الوالدين 4/ 274 ح 1899، وابن حبان 2/ 172 ح 429، والحاكم، كتاب البر والصلة 4/ 151، 152.
(2)
ابن حبان 2/ 164، 165 ح 421.
(3)
ابن حبان 2/ 164 ح 420.
(4)
ابن حبان 2/ 163 ح 419.
(5)
تقدمت ترجمته في 3/ 41.
(6)
أبو داود 3/ 17 ح 2530.
الخدري، أن رجلًا هاجر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من اليمن فقال: يا رسول الله، إني قد هاجرت. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"هل لك أحدٌ باليمن؟ ". فقال: أبواي. فقال: "أذنا لك؟ ". قال: لا. قال: "فارجع فاستأذنهما، فإن أذنا لك فجاهد، وإلا فبرهما". وفي إسناده دَرّاج أبو السمح [المصرى](أ) ابن سمعان (1)، ضعفه أبو حاتم وغيره، ووثقة يحيى، وفي هذا أحاديث كثيرة، وقد ذهب إلى ظاهر الحديث الأمير الحسين ذكره في "الشفا" وفي "مهذب الشافعي"، وأنه يتعين ترك الجهاد إذا لم يرض الأبوان، وكذلك غيره من الواجبات، ولعله يستثنى من ذلك فرض العين؛ مثل الصلاة الواجبة وغير ذلك فإنه يقدم فعل ذلك وإن لم يرض به الأبوان بالإجماع، وهو الواجب الذي لا يؤدي إلى تلف الولد، وذهب الأكثر إلى أنه يجوز فعل الواجبات، وإن كان فرض كفاية، والمندوبات والخروج لذلك وإن كره الوالدن ما لم يتضررا مضرة بدن بسبب فقد الولد، وتحمل الأحاديث على المبالغة في رعاية حق الوالدين، وأنه يتبع رضاهما فيما لم يكن في ذلك سخط الله تعالى، كما قال تعالى:{وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا} (2). وإذا تعارض حق الأم وحق الأب فظاهر قوله تعالى: {حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا} (3) الآية. أن لها مزيد
(أ) في ب، جـ: البصري عبد الله. والمثبت من مصادر ترجمته.
_________
(1)
دراج بن سمعان، أبو السمح، قيل: اسمه عبد الرحمن، ودراج لقب، السهمي مولاهم، المصري، القاضي، صدوق، في حديثه عن أبي الهيثم ضعف. التقريب ص 201، وينظر تهذيب الكمال 8/ 477.
(2)
الآية 15 من سورة لقمان.
(3)
الآية 14 من سورة لقمان.
اختصاص بالبر، وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم لما قال له رجل: مَن أحق الناس بحسن صحابتي؟ فقال: "أمك". ثلاث مرات ثم قال: "أبوك". أخرجه البخاري (1) بتقديم رضا الأم على رضا الأب، قال ابن بطال (2): مقتضاه أن يكون للأم ثلاثة أمثال ما للأب. قال: وكأن ذلك لصعوبة الحمل ثم الوضع ثم الرضاع ثم تشارك الأب في التربية. وقال القرطبي: المراد أن الأم تستحق على الولد الحظ الأوفر من البر، وقد يقدم ذلك على حق الأب عند المزاحمة، وقال عياض: ذهب الجمهور إلى أن الأم تفضل على الأب في البر. وقيل: هما سواء. ونقله بعضهم عن مالك، ونقل الحارث المحاسبي الإجماع على تفضيل الأم في البر، وذكر ابن بطال (3) عن مالك لمن سأله وقال: طلبني أبي ومنعتني أمي: قال: أطع أباك ولا تعص أمك. وهذا يدل على أنه يرى أنهما سواء، وقال الليث في مثل هذا: أطع أمك فإن لها ثلثي البر. وهذا منه موافق للرواية التي ذكرت فيها الأم مرتين والأب في الثالثة، وقد وقع هذا في رواية لمسلم (4)، وأخرج البخاري في "الأدب المفرد" وأحمد وابن ماجه وصححه الحاكم (5) من حديث المقدام بن معد يكرب مرفوعًا:"إن الله يوصيكم بأمهاتكم ثم يوصيكم بأمهاتكم ثم يوصيكم بآبائكم ثم يوصيكم بالأقرب فالأقرب".
(1) البخاري 10/ 401 ح 5971.
(2)
شرح البخاري 9/ 189.
(3)
شرح البخاري 9/ 190.
(4)
مسلم 4/ 1974 ح 2548.
(5)
الأدب المفرد 1/ 141 ح 60، وأحمد 4/ 132، وابن ماجه 2/ 1206 ح 3661، والحاكم 4/ 151.
وأخرج الحاكم (1) من حديث أبي رمثة -بكسر الراء المهملة وسكون الميم وبعدها مثلثة- انتهيت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسمعته يقول: "أمك وأباك ثم أختك وأخاك ثم أدناك أدناك". وأصل الحديث عند أصحاب السنن (أ) الثلاثة وأحمد وابن حبان (2)، وظاهره التسوية بين الأب والأم، والمراد بالأدنى: الأقرب إلى البار (ب). قال القاضي عياض: تردد بعض العلماء في الجد والأخ والأكثر على تقديم الجد، وجزم به الشافعية وقالوا: يقدم الجد ثم الأخ ويقدم من أدلى بسببين على من أدلى بسبب واحد، ثم القرابة من ذوي الرحم، ويقدم منهم المحارم على من ليس بمحرم، ثم العصبات، ثم المصاهرة، ثم الولاء، ثم الجار. وأشار ابن بطال إلى أن الترتيب حيث لا يمكن البر دفعةً واحدة، وجاء في حق المرأة تقديم (جـ) الزوج، وهو ما أخرجه أحمد (3) والنسائي وصححه الحاكم (4) من حديث عائشة رضي الله عنها: سألت النبي صلى الله عليه وسلم: أيُّ الناس أعظم حقا على المرأة؟ قال: "زوجها". قلت: فعلى الرجل؟ قال: "أمّه". ولعل مثل هذا مخصوص بما إذا حصل التضرر
(أ) في ب: السير.
(ب) في ب: المبارة.
(جـ) في جـ: تقدم.
_________
(1)
الحاكم 4/ 150، 151.
(2)
أبو داود 4/ 336 ح 5136، والترمذي 4/ 309 ح 1897 من حديث معاوية بن حيدة، وابن ماجه 2/ 1207 ح 3658 من حديث أبي هريرة، وأحمد 2/ 226 من حديث أبي رمثة، وابن حبان 8/ 330 ح 4341 من حديث طارق المحاربي.
(3)
أحمد -كما في الفتح 10/ 402. ولم أجده في المسند.
(4)
النسائي في الكبرى 5/ 363 ح 9148، والحاكم 4/ 175.
مع الوالدين فإنه يقدم حقهما على حق الزوج جمعًا بين الأحاديث.
1223 -
وعن أنس رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"والذي نفسي بيده لا يؤمن عبد حتى يحب لجاره أو لأخيه ما يحب لنفسه". متفق عليه (1).
الحديث فيه دلالة على رعاية حق الأخ والجار، وقد وقع في مسلم بالشك، وكذا هو في "مسند عبد بن حميد"(2) على الشك، وهو في البخاري وغيره "لأخيه" من غير شك. قال العلماء: معناه لا يؤمن الإيمان التام، وإلا فأصل الإيمان يحصل لمن لم يكن بهذه الصفة، والمراد: يحب لأخيه من الطاعات والأشياء المباحة، ويدل عليه ما جاء في رواية النسائي في هذا الحديث:"حتى يحب لأخيه من الخير (أ) ما يحب لنفسه".
قال ابن الصلاح: وهذا قد يعد من الصعب الممتنع وليس كذلك؛ إذ معناه لا يكمل إيمان أحدكم حتى يحب لأخيه في الإسلام ما يحب لنفسه من الخير، والقيام بذلك يحصل بأن يحب له حصول مثل ذلك من جهة لا يزاحمه فيها بحيث لا تنقص النعمة على أخيه شيئًا من النعمة عليه، وذلك يسهل على القلب السليم وإنما يعسر على القلب الدّغِل (3) عافانا الله وإخواننا
(أ) في جـ: الخيرات.
_________
(1)
البخاري، كتاب الإيمان، باب من الإيمان أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه 1/ 56 ح 13، ومسلم، كتاب الإيمان، باب الدليل على أن من خصال الإيمان أن يحب لأخيه المسلم ما يحب لنفسه من الخير 1/ 67 ح 45.
(2)
عبد بن حميد 3/ 89 ح 1173.
(3)
أدغل في الأمر: إذا أدخل فيه ما يخالفه ويفسده. التاج (د غ ل).
أجمعين. انتهى.
وهذا على رواية "الأخ"، وأما على رواية "لجاره" فظاهر الجار أعم من أن يكون مسلما، أو كافرًا، أو فاسقا، أو صديقًا، أو عدوًّا، أو قريبًا، أو أجنبيًّا، والأقرب دارًا، أو الأبعد، فمن اجتمعت فيه الصفات المقتضية لمحبة الخير له، فهو في أعلى المراتب ومن كان فيه أكثرها فهو لاحق به وهلم جرّا إلى الخصلة الواحدة، فيعطي كل ذي حق حقه بحسب حاله، وقد روي عن عبد الله بن عمر أنه ذبح شاة فأهدى منها لجاره اليهودي. أخرجه البخاري في "الأدب المفرد" والترمذي (1) وحسنه، وقد أخرج الطبراني (2) من حديث جابر:"الجيران ثلاثة؛ جار له حقٌّ وهو المشرك، له حق الجوار، وجارٌ له حقان وهو المسلم، له حق الجوار وحق الإسلام، وجارٌ له ثلاثة حقوق؛ مسلمٌ له رحم جار، له حق الإسلام والرحم والجوار". قال القرطبي: الجار قد تطلق ويراد به الداخل في الجوار، ويراد به المجاور في الدار وهو الأغلب. انتهى. ولعله المراد هنا؛ فإذا كان جارًا أخًا أحب له ما يحب لنفسه، وإن كان كافرًا أحبَّ له الدخول في الإيمان أولًا مع ما يحب لنفسه من المنافع بشرط الإيمان، قال الشيخ أبو محمد بن أبي جمرة: حفظ حق الجار من كمال الإيمان والإضرار به من الكبائر؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذ جاره"(3). قال: ويفترق الحال في ذلك بالنسبة إلى
(1) البخاري 1/ 221 ح 128، والترمذي 4/ 294 ح 1943.
(2)
لم نجده عند الطبراني، وهو عند البزار في مسنده 2/ 380 ح 1896، وعزاه الهيثمي له في مجمع الزوائد، 8/ 164.
(3)
البخاري 10/ 445 ح 6018.
الجار الصالح وغيره، والذي يشمل الجميع إرادة الخير وموعظته بالحسنى والدعاء له بالهداية وترك الإضرار له، إلا في الموضع الذي يحل له الإضرار بالقول والفعل، والذي يخص (أ) الصالح هو جميع ما تقدم وغير الصالح كفه عن الأذى وأمره بالحسنى على حسب مراتب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والكافر يعرض الإسلام عليه والترغيب فيه برفق، والفاسق يعظه بما يناسبه بالرفق ويستر عليه الله، وينهاه بالرفق، فإن نفع وإلا هجره قاصدًا لتأديبه على ذلك مع إعلامه بالسبب ليكف. ويقدم عند التعارض من كان أقرب إليه بابًا، كما في حديث عائشة قلت: يا رسول الله، إن لي جارين فإلى أيهما أهدي؟ قال:"إلى أقربهما بابًا". أخرجه البخاري (1).
والحكمة فيه أن الأقرب يرى ما يدخل بيت جاره من هدية وغيرها، فيتشوق لها بخلاف الأبعد، وأن الأقرب أسرع إجابة لما يقع لجاره من المهمات، ولا سيما في أوقات الغفلة، واختلف في حدّ الجوار فجاء عن علي رضي الله عنه: من سمع النداء فهو جار. وقيل: من صلى معك صلاة الصبح في المسجد فهو جار. وعن عائشة: حدّ الجوار أربعون دارًا من كل جانب (2). وعن الأوزاعي مثله (3)، وأخرج البخاري في "الأدب المفرد"(4) عن الحسن مثله، وأخرج ابن وهب، عن يونس، عن ابن شهاب: أربعون
(أ) في جـ: خص.
_________
(1)
البخاري 10/ 447 ح 6020.
(2)
سنن البيهقي 6/ 276.
(3)
التلخيص الحبير 3/ 93، ونصب الراية 4/ 414.
(4)
الأدب المفرد 1/ 199 ح 109.
دارًا عن يمينه وعن يساره ومن خلفه ومن بين يديه (1). وهذا يحتمل أنه كالأول، وأن يريد التوزيع فيكون من كل جانب عشرة.
1224 -
وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم أيُّ الذنب أعظم؟ قال: "أن تجعل لله ندا وهو خلقك". قلت: ثمّ أيٌّ؟ قال: "أن تقتل ولدك خشية أن يأكل معك". قلت: ثم أيٌّ؟ قال: "أن تُزاني حليلة جارك". متفق عليه (2).
قوله: "أي الذنب أعظم". تقدم الكلام في الذنوب وأن منها ما هو أعظم من غيره.
وقوله: "ندًّا" الند: الضد والشبه، وفلان ندّ فلان ونديده: أي مثله.
كذا رواه شمر عن الأخفش.
وقوله: "مخافة أن يأكل معك". وفي لفظ مسلم: "أن يطعم معك". وهو في معنى يأكل، وهو معنى قوله تعالى:{وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ} (3). أي فقر.
وقوله: "أن تزاني". أي تزني بها برضاها، وهذا يتضمن الزنى وإفسادها على زوجها واستمالة قلبها إلى الزانى، وذلك أفحش، وهو مع
(1) المراسيل ص 257 ح 350، وسنن البيهقي 6/ 276.
(2)
البخاري، كتاب التفسير، باب قوله تعالى {فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} 8/ 163 ح 4477، ومسلم، كتاب الإيمان، باب كون الشرك أقبح الذنوب وبيان أعظمها بعده 1/ 90 ح 86/ 141.
(3)
الآية 31 من سورة الإسراء.
امرأة الجار أقبح وأعظم جرما؛ لأن الجار يتوقع من جاره الذبَّ عنه وعن حريمه ويأمن بوائقه ويطمئن إليه، وقد أمرنا بإكرامه والإحسان إليه، فإذا قابل هذا كله بالزنى بامرأته وإفسادها عليه مع تمكنه منها على وجه لا يتمكن غيره منه، كان في غاية من القبح، والحليلة بالحاء المهملة وهي الزوجة سميت بذلك لكونها تحل له، وقيل: لكونها تحل معه.
والحديث فيه دلالة على أن الشرك أعظم المعاصي وهو ظاهر لا خفاء به، وأن القتل بغير حق يليه، وقد نصَّ على هذا الشافعي في كتاب الشهادات في "مختصر المزني"(1) أن القتل بعد الشرك، وبنى عليه أصحابه. وسائر الكبائر يختلف أمرها باختلاف الأحوال والمفاسد المرتبة عليها، وعلى هذا يحمل ما جاء في شيء منها:"أكبر الكبائر" والمراد: من أكبر الكبائر. كما تقدم الكلام على ذلك.
1225 -
وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"من الكبائر شتم الرجل والديه". قيل: وهل يسب الرجل والديه؟! قال: "نعم؛ يسب أبا الرجل فيسب أباه، ويسب أمه فيسب أمه". متفق عليه (2).
قوله: "شتم الرجل والديه". المراد به التسبب إلى شتم الوالدين، فهو من باب المجاز المرسل استعمال المسبب في السبب، وقد بين ذلك النبي صلى الله عليه وسلم
(1) مختصر المزني ص 310.
(2)
البخاري، كتاب الأدب، باب لا يسب الرجل والديه 10/ 403 ح 5973، ومسلم، كتاب الإيمان، باب بيان الكبائر وأكبرها 1/ 92 ح 90/ 146.
بقوله: "نعم؛ يسب أبا الرجل" إلى آخره.
والحديث فيه دلالة على رعاية حق الوالدين وأنه يجب الترك لما قد يؤدي إلى سبهما، فإن المسبوب أبوه قد يجازي بذلك وقد لا يفعله، قال ابن بطال (1): هذا الحديث أصل في سد الذرائع، ويؤخذ منه أن من آل فعله إلى محرم حرم عليه الفعل وإن لم يقصد إلى المحرم. وقد دل عليه قوله تعالى:{وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ} (2) الآية. واستنبط منه الماوردي (3) تحريم بيع الثوب الحرير إلى من يتحقق منه لبسه، والغلام الأمرد إلى من يتحقى منه فعل الفاحشة، والعصير ممن يتخذه خمرا، ويدل على أنه يعمل بالغالب؛ لأن الذي يسب أبا الرجل قد لا يجازيه بالسب لكن الغالب هو المجازاة. ويستفاد من الحديث جواز مراجعة الطالب لشيخه فيما يقوله مما أشكل عليه.
1226 -
وعن أبي أيوب رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال؛ يلتقيان فيعرض هذا ويعرض هذا، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام". متفق عليه (4).
الحديث فيه دلالة على أنه يحرم على المسلم هجران المسلم، فإن نفي الحل دال على التحريم.
(1) شرح البخاري 9/ 192.
(2)
الآية 108 من سورة الأنعام.
(3)
الفتح 10/ 404.
(4)
البخاري، كتاب الأدب، باب الهجرة وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يحل لرجل أن يهجر أخاه فوق ثلاث 10/ 492 ح 6077، ومسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب تحريم الهجر فوق ثلاث بلا عذر شرعي 4/ 1984 ح 2560/ 25.
وقوله: "فوق ثلاثة أيام (أ) " مفهومه أن الهجرة في الثلاثة الأيام رخصة، قال العلماء: وإنما عُفي عنها في الثلاثة الأيام؛ لأن الآدمي مجبول على الغضب وسوء الخلق ونحو ذلك، فعفي عن الهجرة في الثلاثة الأيام؛ ليذهب ذلك العارض تخفيفًا على الإنسان ورفعًا للإصر، ولأنه في اليوم الأول يسكن غضبه، وفي الثاني يراجع نفسه، وفي الثالث يعتذر، وما زاد على ذلك قطع لحقوق الأخوة. وقيل: إن الحديث لا يقضي بإباحة الهجرة في الثلاثة الأيام، وهو مبني على عدم القول بالمفهوم.
وقوله: "يلتقيان" إلى آخره. تحقيق لمعنى الهجرة المنهي عنها، وهو على الغالب من حال المتهاجرين عند اللقاء.
وقوله: "وخيرهما الذي يبدأ بالسلام". فيه دلالة على أن الهجرة تزول برد السلام. وقد ذهب إلى هذا الجمهور؛ ومنهم الشافعي ومالك، ويستدل له بما رواه الطبراني (1) من طريق زيد بن وهب عن ابن مسعود في أثناء حديث موقوف، وفيه: ورجوعه أن يأتي ويسلم عليه. وقال أحمد وابن القاسم المالكي: إن كان يؤذيه ترك الكلام لم يكف رد السلام، بل لا بد من الرجوع إلى الحال الذي كان بينهما، وأحسن من هذا أنه ينظر إلى حال المهجور، فإن كان خطابه بما زاد على السلام عند اللقاء مما تطيب به نفسه ويزول عنه غل الهجر كان من تمام الوصل، وتركه هجر، وإن كان لا
(أ) كذا في ب، جـ، وقد تقدم في المتن: ثلاث ليال.
_________
(1)
الطبراني 9/ 205 ح 8904.
يحتاج إلى ذلك كفى السلام. وقال ابن عبد البر (1): أجمعوا على أنه يجوز الهجر فوق ثلاث لمن كانت مكالمته تجلب نقصا على المخاطِب له في دينه، أو مضرة تحصل عليه في نفسه أو دنياه، فرب هجر جميل خير من مخاطبة مؤذية، انتهى. وكذلك هجر من صدر عنه ما يلام عليه شرعا وكان في هجره صلاح له فإنه يحسن، بل قد يجب، كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بهجر الثلاثة المخلفين؛ وهم كعب بن مالك وهلال بن أمية ومرارة بن الربيع (2)، كما أفهم قوله تعالى:{ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ} (3). وبوب البخاري لقصتهم في الصحيح، وقد جرى بين السلف من الهجران فوق الثلاث، كما وقع من أبي ذر (4) وابن مسعود (5) وعمار (6) في حق بعض الصحابة، وهو مذكور في تراجمهم، واستمروا على ذلك حتى ماتوا، وقطع عثمان رضي الله عنه رزق ابن مسعود من بيت المال، وبعد موته عول الزبير على عثمان في إجرائه لأولاده وقد كان وصيًّا عليهم (7). وفي صحيح البخاري (8) أن عائشة رضي الله عنها نذرت أن لا تكلم عبد الله بن الزبير لما هم بالحجر عليها، لما رأى من إنفاقها حتى كانت لا تدع شيئًا مما جاءها من رزق الله،
(1) التمهيد 6/ 127.
(2)
البخاري 8/ 113 ح 4418، ومسلم 4/ 2120 ح 2769.
(3)
الآية 118 من سورة التوبة.
(4)
ينظر طبقات ابن سعد 4/ 226، 227.
(5)
سيأتي في الصفحة التالية.
(6)
ينظر تاريخ المدينة لابن شبة 3/ 1124.
(7)
ابن سعد في الطبقات 3/ 161.
(8)
البخاري 10/ 491 ح 6073 - 6075.
فقال: أما والله، لتنتهين عائشة عن بيع رباعها أو لأحجرن عليها. فرأت أن ذلك نوع عقوق منه؛ لأنه لم يكن عندها أحد في منزلته (أ) وهي خالته أخت أمه، فرأت مجازاته ترك مكالمته. وهجر ابن مسعود من ضحك في جنازة (1)، وحُذَيفة من شد الخيط للحمى، وهجر عمر من سأل عن معنى:{وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا} . و {وَالْمُرْسَلَاتِ} (2). وهجرت عائشة حفصة، وعبد الرحمن هجر عثمان إلى أن مات، وطاوس هجر وهبًا إلى أن مات، وكان الثوري يتعلم من ابن أبي ليلى ثم هجره ومات ابن أبي ليلى ولم يشهد جنازته (3)، وقد روي عن أحمد بن حنبل أنه هجر أولاده وعمه وابن عمه لما أخذوا جائزة السلطان، حتى قال الذهبي في "الميزان" (4): لا يقبل جرح الأقران بعضهم على بعض سيما السلف، وحدهم رأس ثلاثمائة من الهجرة. ونقول: إن الأمر مستمر إلى وقتنا، بل في وقتنا من هذا العجب العجاب الذي نسأل الله تعالى السلامة منه، وأن يشرح صدورنا بالتسليم والإغضاء عن العيوب، ويطهر الصدر من الغل والحوب بمنه وإفضاله، ويحمل ما وقع من المذكورين وغيرهم من الأفاضل بأن الهجر لمصلحة دينية، وقد يكون مصيبًا من وقع منه في نظره، وقد يكون مخطئًا، والعصمة مرتفعة في حق الجميع، والعفو من الله تعالى مرجو للمقصر والمطيع، وقد
(أ) في جـ: منزلة.
_________
(1)
أحمد في الزهد ص 161.
(2)
البزار 1/ 423 ح 299.
(3)
ينظر فيض القدير 6/ 234.
(4)
ميزان الاعتدال 1/ 111.
ذكر الخطابي (1) أن هجر الوالد لولده والزوج لزوجته ونحو ذلك لا يتضيق بالثلاث، واستدل بأن النبي صلى الله عليه وسلم هجر نساءه شهرا (2)، وكذلك ما صدر من. كثير من السلف في استجازتهم ترك مكالمة بعضهم بعضًا مع علمهم بالنهي عن المهاجرة، انتهى.
ولا يخفى أن ها هنا مقامين أعلى وأدنى، فالأعلى اجتناب الإعراض جملة وهو يكون ببذل السلام والكلام والموادة بكل طريق، والأدنى بالاقتصار على السلام دون غيره، والوعيد الشديد إنما وقع لمن يترك الأدنى، وأما الأعلى فمن تركه من الأجانب لا يلحقه اللوم، بخلاف الأقارب فإنه يدخل في قطيعة الرحم، وإلى هذا أشار ابن الزبير في قوله في هجر عائشة له: فإنها لا يحل لها قطيعتي. أي إن كانت هجرتنى عقوبة على ذنبي فليكن لذلك أمد، وإلا فتأبيد ذلك يفضي إلى قطيعة الرحم.
1227 -
وعن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كل معروف صدقة". أخرجه البخاري (3).
قوله: "كل معروف صدقة". المعروف ضد المنكر، والإخبار عنه بأنه صدقة من التشبيه البليغ بحذف أداة التشبيه، والمقصود المبالغة بأن له حكم الصدقة في الثواب، وأنه لا يحتقر الفاعل شيئًا من المعروف ولا يبخل به، وقد جعل النبي صلى الله عليه وسلم كل تسبيحة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، والأمر
(1) معالم السنن 4/ 122.
(2)
أحمد 1/ 235.
(3)
البخاري، كتاب الأدب، باب كل معروف صدقة 10/ 447 ح 6021.
بالمعروف صدقة، والنهي عن المنكر صدقة، وقال:"في بضع أحدكم صدقة"(1). والإمساك عن الشر صدقة (2)، وغير ذلك من الأعمال الصالحة، والصدقة هي ما يعطه المتصدق للتقرب إلى الله تعالى، فتشمل الصدقة النافلة والواجبة.
1228 -
وعن أبي ذر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تحقرن من المعروف شيئًا ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق".
1229 -
وعنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا طبخت مرقة فأكثر ماءها وتعاهد جيرانك". أخرجهما مسلم (3).
قوله: "بوجه طلق". يجوز في "طلق" إسكان اللام وكسرها، ويقال: طليق. بزيادة الياء، ومعناه بوجه سهل منبسط.
وفي الحديث دلالة على فعل المعروف وما تيسر منه وإن قلَّ، حتى طلاقة الوجه عند اللقاء.
وقوله: "إذا طبخت مرقة". الحديث فيه دلالة على التوصية بحق الجار والإحسان إليه وبيان عظيم حقه.
1230 -
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ نفس عن مسلم كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب
(1) مسلم 2/ 697 ح 1006.
(2)
مسلم 2/ 699 ح 1008.
(3)
مسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب الوصية بالجار والإحسان إليه، وباب استحباب طلاقة الوجه عند اللقاء 4/ 2025، 2026 ح 2624، 2626.
يوم القيامة، ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن يستر مسلما ستره الله في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه". أخرجه مسلم (1).
قوله: "من نَفَّس عن مسلم". لفظ مسلم (2): "من فرّج" عوض "نفس". فيه دلالة على فضيلة إعانة المسلم، وتفريج الكربة يكون إما بإعطائه من ماله صدقة أو قرضه، أو بجاهه، ويدخل فيه ما كان يحصل به التفريج ولو بالإشارة والرأي والدلالة على المقصد الذي يقصد.
وقوله: "ومَنْ يَسّر على معسرٍ". لم يكن هذا في مسلم (3)، وقد أخرجه غيره من أهل السنن (4)، والتيسير على المعسر هو إنظاره في دينه أو إبراؤه من الدين.
وقوله: "ومن يستر (أ) مسلما". فيه دلالة على أنه ينبغي من المسلم أن يستر ما اطلع عليه من زلات المسلم، وقد ورد التجاوز عن ذوي الهيئات عثراتهم إلا الحدود (5)، وكذلك من لم يعرف منه معاودة المعاصي والفساد،
(أ) في ب: ستر.
_________
(1)
مسلم، كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب فضل الاجتماع على تلاوة القرآن وعلى الذكر 4/ 2074 ح 2699.
(2)
عند مسلم في كتاب البر والصلة والآداب، باب تحريم الظلم، من حديث ابن عمر 4/ 1996 ح 2580، وتقدم اللفظ الآخر في حديث الباب.
(3)
هذا اللفظ موجود في مسلم 4/ 2074 ح 2699.
(4)
أبو داود 4/ 288 ح 4946، وابن ماجه 1/ 82 ح 225.
(5)
أبو داود 4/ 131 ح 4375.
كما جاء في حق ماعز: "هلَّا سترت عليه بردائك يا هَزَّال"(1). وأما المعروف بالفساد والتمادي عليه فلا يستحب الستر عليه، بل ترفع قصته إلى من له الولاية إذا لم يخف من ذلك مفسدة؛ لأن الستر عليه يطمعه في الإيذاء والفساد وانتهاك الحرم وجسارة غيره على مثل فعله، هذا كله في ستر معصية وقعت وانقضت، أما معصية تراه وهو متلبس بفعلها فالواجب المبادرة بإنكارها والمنع منها على من قدر على ذلك، ولا يحل تأخيرها، فإن عجز لزمه رفعها إلى ولي الأمر إذا لم يترتب على ذلك مفسدة، وأما جرح الرواة والشهود والأمناء على الأوقاف والصدقات والأيتام ونحوهم فيجب جرحهم عند الخاصة، ولا يحل الستر عليهم إذا رئي منهم ما يقدح في أهليتهم، وليس هذا من الغيبة المحرمة بل من النصيحة الواجبة، وهذا مجمع عليه؛ قال العلماء: والقسم الأول الذي يستر فيه هو مندوب، فلو رفعه إلى السلطان ونحوه لم يأثم بالإجماع، لكن هذا خلاف الأولى، وقد يكون في بعض صوره ما هو مكروه.
وقوله: "واللَّهُ في عون العبد" إلى آخره. لفظ مسلم (2): "من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته". والمراد منه أن الله سبحانه وتعالى يعين المذكور في قضاء حوائجه ويلطف به فيها جزاء وفاقا بجنس ما فعله من إعانة أخيه.
1231 -
عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
(1) أحمد 5/ 217، وأبو داود 4/ 144 ح 4420.
(2)
اللفظ الأول عند مسلم 4/ 2074 ح 2699.
"مَنْ دَلَّ على خير فله مثل أجر فاعله". أخرجه مسلم (1).
الحديث فيه دلالة على فضيلة الدلالة على الخير، وأن ثواب الدلالة كثواب الفعل، ومثله قوله صلى الله عليه وسلم:"مَنْ سنَّ في الإسلام سنة حسنة فعمل بها بعده، كتب له مثل أجر من عمل بها ولا ينقص من أجورهم شيء، ومن سنَّ في الإسلام سنة سيئةً فعمل بها بعده، كتب عليه مثل وزر من عمل بها ولا ينقص من أوزارهم شيء"(2).
1232 -
وعن ابن عمر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من استعاذكم بالله فأعيذوه، ومن سألكم بالله فأعطوه، ومن أتى إليكم معروفًا فكافئوه، فإن لم تجدوا فادعوا له". أخرجه البيهقي (3).
الحديث (أ) أخرجه أبو داود والنسائي وابن حبان في "صحيحه" والحاكم (4) وصححه، وفيه زيادة:"ومن استجار بالله فأجيروه، ومن أتى إليكم معروفا فكافئوه، فإن لم تجدوا فادعوا له حتى تعلموا أنكم قد كافأتموه". وفي رواية (5): "فإن عجزتم عن مجازاته فادعوا له حتى تعلموا أن
(أ) زاد في ب، جـ: و.
_________
(1)
مسلم، كتاب الإمارة، باب فضل إعانة الغازي في سبيل الله بمركوب وغيره 3/ 1506 ح 1893.
(2)
مسلم 2/ 704، 705 ح 1017/ 69.
(3)
البيهقي 4/ 199.
(4)
أبو داود 4/ 331 ح 5109، والنسائي 5/ 82، وابن حبان 8/ 199 ح 3408، والحاكم 2/ 64.
(5)
الطبراني في الأوسط 1/ 13 ح 29.
قد شكرتم فإن الله يحب الشاكرين". والترمذي (1) وقال: حسن غريب: "من أعطي عطاء فوجد فليجز به، فإن لم يجد فليثنِ؛ فإن من أثنى فقد شكر ومن كتم فقد كفره، ومن تحلى بباطل فهو كلابس ثوبي زور". وفي رواية جيدة لأبي داود (2):"من أبلي -أي أنعم عليه إذ الإبلاء الإنعام- فذكره فقد شكره، وإن كتمه فقد كفره".
وقوله: "استعاذكم بالله". أي: طلب الخلاص من العمل الذي يطلب منه؛ لأن الاستعاذة بمعنى الالتجاء، فإذا طلب الالتجاء إلى الله تعالى بخلاصه. "فأعيذوه". أي: خلصوه من ذلك.
وقوله: "ومن سألكم بالله فأعطوه". فيه دلالة على أنه يجب الإعطاء لمن سأل بالله تعالى، وقد جاءت الأحاديث بلعن السائل بوجه الله ولعن المسئول إذا لم يعطه؛ أخرج الطبراني (3) بسند رجاله رجال الصحيح إلا شيخه وهو ثقة على كلام فيه، عن أبي موسى الأشعري أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"ملعون من سأل بوجه الله، وملعون من سئل بوجه الله ثم منع سائله ما لم يسأل هُجْرا". بضم الهاء وسكون الجيم، أي أمرًا قبيحا لا يليق، ويحتمل أنه أراد ما لم يسأل سؤالا قبيحا، أي بكلام قبيح. وغير ذلك من الأحاديث، إلا أن العلماء حملوا هذا على الكراهة، إلا أنه يمكن حمل الحديث على منع المضطر، ويكون ذكره هنا أن منعه مع سؤاله بالله تعالى
(1) الترمذي 4/ 332 ح 2034.
(2)
أبو داود 4/ 257 ح 4814.
(3)
الطبراني في الدعاء 3/ 1743 ح 2112، وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد 3/ 103 وعزاه للطبراني في الكبير.
أقبح وأفظع، ويحمل لعن السائل على ما إذا ألح المسألة حتى أضجر المسئول. وقد أفهم كلام الحليمي في "المنهاج"(1) أن منع السائل قد ينتهي إلى أن يكون كبيرة، حيث قال: منع الزكاة كبيرة، ورد السائل صغيرة، فإن أجمع على منعه، أو ضمّ مع المنع الانتهار والإغلاظ، كان كبيرة. قال: وهكذا إن رأى محتاجٌ طعام رجلٍ موسعٍ عليه وتاقت إليه نفسه وسأله منه فردّه فذاك كبيرة. انتهى كلامه. واعترض الأذرعي الطرف الأخير وقال: إن رد السائل صغيرة. وحمله الجلال البلقيني على المضطر، وحمل الطرف الأول في منع سائل الزكاة بأن الفقير منحصر في ذلك البلد.
وقوله: "ومن أتى إليكم معروفًا" إلى آخره. يدل على وجوب المكافأة للمحسن، وهو من باب شكر المنعم، فتجب المكافأة أو الشكر للمنعم بالاعتراف له بحق النعمة ولو بالدعاء والذكر باللسان، والله سبحانه أعلم.
(1) الحليمي -كما في شعب الإيمان 1/ 268.