المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌خبر مخيريق قال ابن إسحق: وَكَانَ حَبْرًا عَالِمًا غَنِيًّا كَثِيرَ الأَمْوَالِ - عيون الأثر - جـ ١

[ابن سيد الناس]

فهرس الكتاب

- ‌[المجلد الاول]

- ‌ترجمة المؤلف 671 هـ- 734 ه

- ‌اسمه ونسبه:

- ‌ولادته:

- ‌علومه وسيرته:

- ‌حياته:

- ‌مصنفاته:

- ‌تقديم

- ‌[مقدمة المؤلف]

- ‌ذكر الكلام في محمد بن إسحاق والطعن عليه

- ‌ذكر الأجوبة عما رمي به

- ‌ذكر نسب سيدنا ونبينا رسول الله صلى الله عليه وسلم

- ‌ذكر تزويج عبد الله بن عبد المطلب

- ‌ذكر حمل آمنة بِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم

- ‌ذكر وَفَاةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ

- ‌ذكر مَوْلِدِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم

- ‌ذكر تسميته محمدا وأحمد صلى الله عليه وسلم

- ‌ذكر الخبر عن رضاعة صلى الله عليه وسلم وما يتصل بذلك من شق الصدر

- ‌ذكر الخبر عن وفاة أمه آمنة بنت وهب وحضانة أم أيمن له وكفالة عبد المطلب إياه

- ‌ذكر وفاة عبد المطلب وكفالة أبي طالب رسول الله صلى الله عليه وسلم

- ‌ذكره سفره صلى الله عليه وسلم مع عمه أبي طالب إلى الشام وخبره مع بحيرى الراهب وذكر نبذة من حفظ الله تعالى لرسوله عليه السلام قبل النبوة

- ‌ذكر رعيته صلى الله عليه وسلم الْغَنَمَ

- ‌شهوده صلى الله عليه وسلم يوم الفجار ثم حلف الْفُضُولِ

- ‌ذكر سفره عليه السلام إلى الشام مرة ثانية وتزويجه خديجة عليها السلام بعد ذلك

- ‌ذكر بنيان قريش الكعبة شرفها الله تعالى

- ‌ذِكْرُ مَا حُفِظَ مِنَ الأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ وَالْكُهَّانِ وعبدة الأصنام من أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم سوى ما تقدم

- ‌خبر سلمان الفارسي رضي الله عنه

- ‌خَبَرُ قِسِّ بْنِ سَاعِدَةَ الإِيَادِيِّ

- ‌خبر سواد بن قارب وكان يتكهن في الجاهلية وكان شاعرا ثم أسلم

- ‌خَبَرُ مَازِنِ بْنِ الْغضُوبَةِ

- ‌ذكر المبعث

- ‌متى وجبت له صلى الله عليه وسلم النبوة

- ‌كم كانت سِنُّهُ صلى الله عليه وسلم حِينَ بُعِثَ

- ‌خبر بَعْثُهُ عليه السلام إِلَى الأَسْوَدِ وَالأَحْمَرِ

- ‌ذكر فوائد تتعلق بهذه الأخبار

- ‌ذكر صلاته عليه السلام أول البعثة

- ‌ذكر أَوَّلُ النَّاسِ إِيمَانًا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ صلى الله عليه وسلم

- ‌ذكر دُعَاءُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قومه وغيرهم إلى الإسلام

- ‌ذكر مَا لَقَى رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم من أذى قومه وصبره وما منّ الله به من حمايته له

- ‌ذكر انْشِقَاقُ الْقَمَرِ

- ‌ذكر الهجرة إلى أرض الحبشة

- ‌ذكر إِسْلامُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رضي الله عنه

- ‌ذكر الخبر عن دخول بني هاشم وبني المطلب ابني عبد مناف في الشعب وما لقوا من سائر قريش في ذلك

- ‌ذكر خبر أهل نجران

- ‌ذكر وَفَاةُ خَدِيجَةَ وَأَبِي طَالِبٍ

- ‌ذكر خروج النبي صلى الله عليه وسلم إلى الطَّائِفِ

- ‌ذكر إِسْلامُ الْجِنِّ

- ‌خبر الطُّفَيْلِ بْنِ عَمْرٍو الدَّوْسِيِّ

- ‌ذكر الحديث عن مسرى رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعراجه وَفَرْضُ الصَّلاةِ

- ‌حديث الْمِعْرَاجُ

- ‌ذكر عرض رسول الله صلى الله عليه وسلم نَفْسَهُ عَلَى قَبَائِلِ الْعَرَبِ

- ‌بَدْءُ إِسْلامِ الأَنْصَارِ وَذِكْرُ الْعَقَبَةِ الأُولَى

- ‌ذكر الْعَقَبَةُ الثَّانِيَةُ

- ‌ذكر إِسْلَامُ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ وَأُسَيْدُ بْنُ حَضِيرٍ على يدي مصعب بن عمير

- ‌ذكر البراء بن معرور وصلاته إلى القبلة وذكر العقبة الثالثة

- ‌وهذه تسمية من شهد العقبة

- ‌(ذكر فوائد تتعلق بخبر هَذِهِ الْعَقَبَةِ)

- ‌ذكر الهجرة إلى المدينة

- ‌ذكر يوم الزحمة

- ‌ذكر فوائد تتعلق بهذه الأَخْبَارِ

- ‌أَحَادِيثُ الْهِجْرَةِ وَتَوْدِيعُ رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مَكَّةَ

- ‌حَدِيثُ الْغَارِ

- ‌حَدِيثُ الْهِجْرَةِ وَخَبَرُ سراقة بن مالك بن جعشم

- ‌حَدِيثُ أُمِّ مَعْبَدٍ

- ‌ذكر فوائد تتعلق بهذه الأَخْبَارِ

- ‌ذكر دخوله عليه السلام الْمَدِينَةَ

- ‌بِنَاءِ الْمَسْجِدِ

- ‌ذكر الموادعة بين المسلمين واليهود

- ‌شرح ما فيه مِنَ الْغَرِيبِ

- ‌ذكر المواخاة

- ‌بَدْءُ الأَذَانِ

- ‌إِسْلامُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ

- ‌خبر مخيريق

- ‌خبر عبد الله بن أبي بن سَلُول وَأَبِي عَامِرٍ الْفَاسِقِ وَكَانَ يُقَالُ لَهُ الراهب

- ‌جماع أبواب مغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعوثه وسراياه

- ‌ذكر الخبر عن عَدَدُ مَغَازِي رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وبعوثه

- ‌غَزْوَةُ وَدَّانَ

- ‌بَعْثُ حَمْزَةَ وَعُبَيْدَةَ بْنِ الحرث

- ‌سرية سعد بن أبي وقاص إِلَى الْخَرَّازِ

- ‌غزوة بواط [1]

- ‌غزوة العشيرة

- ‌غَزْوَةُ بَدْرٍ الأولى

- ‌سرية عبد الله بن جحش

- ‌تحويل القبلة

- ‌ذكر فرض صيام شهر رمضان وزكاة الْفِطْرِ وَسُنَّةُ الأُضْحِيَةِ

- ‌ذكر المنبر وحنين الجذع

- ‌غَزْوَةُ بَدْرٍ الْكُبْرَى

- ‌ذكر الخبر عن مهلك أبي لهب

- ‌ذكر فوائد تتعلق بهذه الأخبار

- ‌تسمية من شهد بدرا من المسلمين

- ‌شُهَدَاءُ بَدْرٍ

- ‌عدد قَتْلَى الْمُشْرِكِينَ

- ‌مشاهير قتلى بدر

- ‌أَسْرَى بَدْرٍ

- ‌ذِكْرُ مَنْ أَسْلَمَ مِنْ أَسْرَى بدر بعد ذلك

- ‌فَضْلُ مَنْ شَهِدَ بَدْرًا

- ‌ما قيل من الشعر في بدر

- ‌فَصْلٌ

- ‌سَرِيَّةُ عُمَيْرِ بْنِ عَدِيٍّ

- ‌سَرِيَّةُ سَالِمِ بْنِ عُمَيْرٍ

- ‌غزوة بني سليم

- ‌غَزْوَةُ بَنِي قَيْنُقَاعٍ

- ‌غزوة السويق

- ‌غَزْوَةُ قَرْقَرَة الْكدر

- ‌سَرِيَّةُ كَعْبِ بْنِ الأَشْرَفِ

- ‌خَبَرُ محيصَةَ بْنِ مَسْعُودٍ مَعَ ابْنِ سُنَيْنَةَ

- ‌ذكر فوائد تتعلق بهذا الخبر

- ‌غزوة غطفان بناحية نجد

- ‌غَزْوَةُ بُحْرَانَ

- ‌سرية زيد بن حارثة إلى القردة اسم ماء

الفصل: ‌ ‌خبر مخيريق قال ابن إسحق: وَكَانَ حَبْرًا عَالِمًا غَنِيًّا كَثِيرَ الأَمْوَالِ

‌خبر مخيريق

قال ابن إسحق: وَكَانَ حَبْرًا عَالِمًا غَنِيًّا كَثِيرَ الأَمْوَالِ مِنَ النَّخْلِ، وَكَانَ يَعْرِفُ رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِصِفَتِهِ، وَمَا يَجِدُ فِي عِلْمِهِ، وَغَلَبَ عَلَيْهِ إِلْفُ دِينِهِ، فَلَمْ يَزَلْ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ يَوْمُ السَّبْتِ، قَالَ: وَاللَّهِ يَا مَعْشَرَ يَهُودَ: إِنَّكُمْ لَتَعْلَمُونَ أَنَّ نَصْرَ مُحَمَّدٍ عَلَيْكُمْ لَحَقٌّ، قَالُوا: إِنَّ الْيَوْمَ يَوْمُ السَّبْتِ، قَالَ: لا سَبْتَ لَكُمْ، ثُمَّ أَخَذَ سِلاحَهُ فَخَرَجَ حَتَّى أَتَى رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَأَصْحَابَهُ بِأُحُدٍ، وَعَهِدَ إِلَى مَنْ وَرَاءَهُ مِنْ قَوْمِهِ إِنْ قُتِلْتُ هَذَا الْيَوْمَ فَأَمْوَالِي إِلَى مُحَمَّدٍ يَصْنَعُ فِيهَا مَا أَرَاهُ اللَّهُ، فَلَمَّا اقْتَتَلَ النَّاسُ قَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ،

فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِيمَا بَلَغَنِي يَقُولُ: «مُخَيْرِيقٌ خَيْرُ يَهُودَ»

وَقَبَضَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَمْوَالَهُ، فَعَامَّةُ صَدَقَاتِ رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِالْمَدِينَةِ مِنْهَا.

وَقَالَ الْوَاقِدِيُّ: كَانَ مُخَيْرِيقٌ أَحَدَ بَنِي النَّضِيرِ حَبْرًا عَالِمًا، فَآمَنَ بِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَجَعَلَ مَالَهُ لَهُ وَهُوَ سَبْعَةُ حَوَائِطَ. فَجَعَلَهَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم صَدَقَةً، وَهِيَ: الْمِيثَبُ، وَالضّيافَةُ، وَالدّلالُ، وَحسنى، وَبَرْقَةُ، وَالأَعْوَافُ، وَمَشْرَبَةُ أُمِّ إِبْرَاهِيمَ ابْنِ رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَهِيَ مَارِيَةُ الْقِبْطِيَّةُ. وذكر ابن إسحق عن عبد الله بن أبو بَكْرٍ قَالَ: حُدِّثْتُ عَنْ صَفِيَّةَ ابْنَةِ حُيَيٍّ أَنَّهَا قَالَتْ: كُنْتُ أَحَبَّ وَلَدِ أَبِي إِلَيْهِ وَإِلَى عَمِّي أَبِي يَاسِرٍ، فَلَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم الْمَدِينَةَ غَدَوْا عَلَيْهِ، ثُمَّ جَاءَا مِنَ الْعَشِيِّ، فَسَمِعْتُ عَمِّي يَقُولُ لأَبِي:

أَهُوَ هُوَ، قَالَ: نَعَمْ وَاللَّهِ، قَالَ: أَتَعْرِفُهُ وَتُثْبِتُهُ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَمَا فِي نَفْسِكَ مِنْهُ؟

قَالَ: عَدَاوَتُهُ وَاللَّهِ مَا بقيت.

وذكر ابن إسحق من المنافقين: روى بن الحرث، والحرث بْنُ سُوَيْدٍ، وَجُلاسُ بْنُ سُوَيْدٍ وَكَانَ مِمَّنْ تَخَلَّفَ عَنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ، وَقَالَ: لَئِنْ كَانَ هَذَا الرَّجُلُ صَادِقًا لَنَحْنُ شَرٌّ مِنَ الْحُمُرِ، فَرَفَعَ ذَلِكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عُمَيْرُ بْنُ سَعْدٍ وَكَانَ فِي

ص: 240

حِجْرِ جُلاسٍ خَلَفٍ عَلَى أُمِّهِ، فَقَالَ لَهُ عُمَيْرٌ: وَاللَّهِ يَا جُلاسُ إِنَّكَ لأَحَبُّ النَّاسِ إِلَيَّ وَأَحْسَنُهُمْ عِنْدِي يَدًا، وَلَقَدْ قُلْتَ مَقَالَةً، لَئِنْ رَفَعْتُهَا عَنْكَ لأَفْضَحَنَّكَ عَنْهَا، وَلَئِنْ صَمَتُّ عنها ليهلكن ديني، لإحداهما أَيْسَرُ عَلَيَّ مِنَ الأُخْرَى، ثُمَّ مَشَى إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَذَكَرَ لَهُ مَا قَالَ جُلاسٌ، فَحَلَفَ جُلاسٌ بِاللَّهِ لِرَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لَقَدْ كَذَبَ عَلَيَّ عُمَيْرٌ وَمَا قُلْتُ مَا قَالَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قالُوا وَلَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ إِلَى قَوْلِهِ: وَما لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ [1] فَزَعَمُوا أَنَّهُ تَابَ فَحَسُنَتْ تَوْبَتُهُ. وَزَادَ ابْنُ سَعْدٍ فِي هَذَا الْخَبَرِ: فَقَالَ: (يَعْنِي جُلاسًا) :

قَدْ قُلْتُهُ، وَقَدْ عَرَضَ اللَّهُ عَلَيَّ التَّوْبَةَ، فَأَنَا أَتُوبُ، فَقَبِلَ ذَلِكَ مِنْهُ، وَكَانَ لَهُ قَتِيلٌ فِي الإِسْلامِ، فَوَدَاهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فأعطاه دينه فَاسْتَغْنَى بِذَلِكَ. قَالَ: وَكَانَ قَدْ هَمَّ أَنْ يَلْحَقَ بِالْمُشْرِكِينَ،

قَالَ: وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لِلْغُلامِ: «وَفَتْ أُذُنُكَ» .

وَقَال الْوَاقِدِيُّ:

وَلَمْ يَنْزِعِ الْجُلاسُ عَنْ خَيْرٍ كَانَ يَصْنَعُهُ إِلَى عُمَيْرٍ، فَكَانَ ذَلِكَ مِمَّا عُرِفَتْ بِهِ تَوْبَتُهُ، وَأَخُوهُ الْحَارِثُ هُوَ الَّذِي قَتَلَ المجذر بن ذياد الْبَلَوِيَّ يَوْمَ أُحُدٍ بِأَبِيهِ سُوَيْدِ بْنِ الصَّامِتِ، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ بِقَتْلِ الْحَارِثِ إِنْ ظَفَرَ بِهِ فَفَاتَهُ، فَكَانَ بِمَكَّةَ، ثُمَّ بَعَثَ إِلَى أَخِيهِ الْجُلاسِ يَطْلُبُ التَّوْبَةَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ فِيمَا بَلَغَنِي عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ:

كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْماً كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ [2] إِلَى آخِرِ الْقِصَّةِ.

وَقَالَ الْوَاقِدِيُّ: إِنَّ الْحَارِثَ أَتَى مُسْلِمًا بَعْدَ الْفَتْحِ، وَكَانَ قَدِ ارْتَدَّ وَلَحِقَ بِالْمُشْرِكِينَ، فَقَتَلَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِالْمُجَذّرِ، وَمِنْ بَنِي ضُبَيْعَةَ بْنِ زَيْدٍ بجاد بن عثمان، ونبتل بن الحرث، وَهُوَ الَّذِي قَالَ: إِنَّمَا مُحَمَّدٌ أُذُنٌ مَنْ حَدَّثَهُ شَيْئًا صَدَّقَهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ: وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ [3] وَأَبُو حَبِيبَةَ بْنُ الأَزْعَرِ، وَكَانَ مِمَّنْ بَنَى مَسْجِدَ الضِّرَارِ، وَثَعْلَبَةُ بْنُ حَاطِبٍ، وَمُعَتِّبُ بْنُ قُشَيْرٍ، وَهُمَا اللَّذَانِ عَاهَدَا اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ [4] إِلَى آخِرِ الْقِصَّةِ، وَمُعَتِّبٌ الَّذِي قَالَ يَوْمَ أُحُدٍ: لَوْ كانَ لَنا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ما قُتِلْنا هاهُنا [5] وَهُوَ الَّذِي قَالَ يَوْمَ الأَحْزَابِ: كَانَ مُحَمَّدٌ يعدنا أن نأكل

[ (1) ] سورة النور: الآية 74.

[ (2) ] سورة آل عمران: الآية 86.

[ (3) ] سورة التوبة: الآية 61.

[ (4) ] سورة التوبة: الآية 75.

[ (5) ] سورة آل عمران: الآية 154.

ص: 241

كُنُوزَ كِسْرَى وَقَيْصَرَ، وَأَحَدُنَا لا يَأْمَنُ أَنْ يَذْهَبَ إِلَى الْغَائِطِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: وَإِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً [1] . وَأَنْكَرَ ابْنُ هِشَامٍ دُخُولَ ثَعْلَبَةَ وَمُعَتِّبٍ فِي الْمُنَافِقِينَ وَعَبَّادُ بْنُ حُنَيْفٍ أَخُو سَهْلٍ وَعُثْمَانَ وجارية بن عامر وابناه مُجَمّعٌ وَزَيْدٌ. وَقِيلَ: لا يَصِحُّ عَنْ مُجَمِّعٍ النِّفَاقُ. وَذَكَرَ آخَرِينَ، وَمِنْ بَنِي أُمَيَّةَ بْنِ زَيْدٍ وَدِيعَةُ بْنُ ثَابِتٍ وَهُوَ الَّذِي كَانَ يقول: إِنَّما كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ [2] وَمِنْ بَنِي عَبْدٍ خِدَامُ بْنُ خَالِدٍ، وَهُوَ الَّذِي أَخْرَجَ مَسْجِدَ الضِّرَارِ مِنْ دَارِهِ، وَبِشْرٌ وَرَافِعُ بْنُ زَيْدٍ. وَمِنْ بَنِي النَّبِيتِ عُمَرُ بن مالك بن الأوس مربع بن قَيْظِيٍّ، وَأَخُوهُ أَوْسٌ، وَأَوْسٌ الَّذِي قَالَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ: إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ فَأْذَنْ لَنَا فَلْنَرْجِعْ إِلَيْهَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ: يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ وَما هِيَ بِعَوْرَةٍ [3] الآية. وَمِنْ بَنِي ظَفَرٍ حَاطِبُ بْنُ أُمَيَّةَ، وَبَشِيرُ بن أبير، والحرث بن عمرو بن حارثة. وعند ابن إسحق: بشير: وهو أبو طعمة، سارق الدرعين الذين أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ: وَلا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أَنْفُسَهُمْ

[4]

وَقُزْمَانُ حَلِيفٌ لَهُمْ، وَهُوَ الْمَقْتُولُ يَوْمَ أُحُدٍ بَعْدَ أَنْ أَبْلَى فِي الْمُشْرِكِينَ قَتَلَ نَفْسَهُ بَعْدَ أَنْ أَخْبَرَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ. وَلَمْ يَكُنْ فِي بَنِي عَبْدِ الأَشْهَلِ مُنَافِقٌ وَلا مُنَافِقَة إِلَّا أَنَّ الضَّحَّاكَ بْنَ ثَابِتٍ اتُّهِمَ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ وَلَمْ يَصِحَّ. وَمِنَ الْخَزْرَجِ مِنْ بَنِي النَّجَّارِ:

رَافِعُ بْنُ وَدِيعَةَ وَزَيْدُ بْنُ عَمْرٍو وَعُمَرُ بْنُ قَيْسٍ، وَقَيْسُ بْنُ عَمْرِو بْنِ سَهْلٍ. وَمِنْ بَنِي جُشَمَ بْنِ الْخَزْرَجِ الْجدُّ بْنُ قَيْسٍ، وَهُوَ الَّذِي يَقُولُ: يَا مُحَمَّدُ ائْذَنْ لِي وَلا تُفْتِنِي. وَمِنْ بَنِي عَوْفِ بْنِ الْخَزْرَجِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أبي بن سَلُولٍ وَكَانَ رَأْسَ الْمُنَافِقِينَ وَهُوَ الَّذِي قَالَ:

لَئِنْ رَجَعْنا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ [5] فِي غَزْوَةِ بَنِي الْمُصْطَلِقِ، وَفِيهِ نَزَلَتْ سُورَةُ الْمُنَافِقِينَ بِأَسْرِهَا.

قَالَ أَبُو عُمَرَ: وَزَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ هُوَ الَّذِي رَفَعَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ عَبْد اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ قَوْلَهُ: لَئِنْ رَجَعْنا إِلَى الْمَدِينَةِ، فَأَكْذَبَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ وَحَلَفَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَصْدِيقَ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، فَتَبَادَرَ أَبُو بكر وعمرو إِلَى زَيْدٍ لِيُبَشِّرَاهُ، فَسَبَقَ أَبُو بَكْرٍ، فَأَقْسَمَ

[ (1) ] سورة الأحزاب: الآية 12.

[ (2) ] سورة التوبة: الآية 65.

[ (3) ] سورة الأحزاب: الآية 13.

[ (4) ] سورة النساء: الآية 107.

[ (5) ] سورة المنافقون: الآية 8.

ص: 242

عمرو أَنْ لا يُبَادِرَهُ بَعْدَهَا إِلَى شَيْءٍ، وَجَاءَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فَأَخَذَ بِأُذُنِ زَيْدٍ وَقَالَ:«وَفَتْ أُذُنَكَ يَا غُلامُ» . وَوَدِيعَةُ وَسُوَيْدٌ وَدَاعِسٌ مِنْ رَهْطِ ابْنِ سَلُولٍ وَهُمْ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ الَّذِينَ كَانُوا يَدُسُّونَ إلى بني النَّضِيرِ حِينَ حَاصَرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنِ اثْبُتُوا، فَوَاللَّهِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمُ

الْقِصَّةَ. وَكَانَ النِّفَاقَ فِي الشُّيُوخِ، وَلَمْ يَكُنْ فِي الشَّبَابِ إِلَّا فِي وَاحِدٍ وهو قيس بن عمرو بن سهل.

رجع إلى ابن إسحق: فَكَانَ مِمَّنْ تَعَوَّذَ بِالإِسْلامِ وَأَظْهَرَهُ وَهُوَ مُنَافِقٌ مِنْ أَحْبَارِ يَهُودَ مِنْ بَنِي قَيْنُقَاعٍ سَعْدُ بْنُ حُنَيْفٍ، وَزَيْدُ بْنُ اللَّصِيتِ، وَنُعْمَانُ بْنُ أَوْفَى بْنِ عَمْرٍو، وَعُثْمَانُ بْنُ أَوْفَى، وَزَيْدُ بْنُ اللَّصِيتِ هُوَ الَّذِي قَالَ حِينَ ضَلَّتْ ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم:

يَزْعُمُ مُحَمَّدٌ أَنَّهُ يَأْتِيهِ خَبَرُ السَّمَاءِ وَهُوَ لا يدري أين ناقة،

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وَجَاءَهُ الْخَبَرُ بِمَا قَالَ عَدُوُّ اللَّهِ: «إِنَّ قَائِلا قَالَ: يَزْعُمُ مُحَمَّدٌ أَنَّهُ يَأْتِيهِ خَبَرُ السَّمَاءِ وَلا يَدْرِي أَيْنَ نَاقَتُهُ، وَإِنِّي وَاللَّهِ مَا أَعْلَمُ إِلَّا مَا عَلَّمَنِي رَبِّي، وَقَدْ دَلَّنِي اللَّهُ عَلَيْهَا، وَهِيَ فِي هَذَا الشِّعْبِ قَدْ حَبَسَهَا شَجَرَةٌ بِزِمَامِهَا»

فَذَهَبَ رِجَالٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَوَجَدُوهَا حَيْثُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كَمَا وَصَفَ.

وَرَافِعُ بْنُ حُرَيْمِلَةَ وَهُوَ الَّذِي قَالَ لَهُ رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حِينَ مَاتَ «قَدْ مَاتَ الْيَوْمَ عَظِيمٌ مِنْ عُظَمَاءِ الْمُنَافِقِينَ»

وَرِفَاعَةُ بْنُ زَيْدِ بْنِ التَّابُوتِ، وَهُوَ الَّذِي اشْتَدَّتِ الرِّيحُ يَوْمَ مَوْتِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ قَافِلٌ مِنْ غَزْوَةِ بَنِي الْمُصْطَلِقِ «إِنَّهَا هَبَّتْ لِمَوْتِ عَظِيمٍ مِنَ عُظَمَاءِ الْكُفَّارِ»

وَسلسلَةُ بْنُ برهامٍ وَكِنَانَةُ بْنُ صُورِيَا، وَكَانَ هَؤُلاءِ يَحْضُرُونَ الْمَسْجِدَ فَيَسْخَرُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَأَمَرَ صلى الله عليه وسلم بِإِخْرَاجِهِمْ مِنْهُ، فَأُخْرِجُوا، فَفِيهِمْ نَزَلَ صَدْرُ سُورَةِ الْبَقَرَةِ إلى المائة منها.

قال ابن إسحق: وكتب رسول الله صلى الله عليه وسلم إِلَى يَهُودِ خَيْبَرَ فِيمَا حَدَّثَنِي مَوْلًى لآلِ زيد بن ثابت عن عكرمة أو سعيد بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مِنْ مُحَمَّد رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم صَاحِبِ مُوسَى وَأَخِيهِ وَالْمُصَدِّقُ لِمَا جَاءَ بِهِ مُوسَى، أَلَا إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ قَالَ لَكُمْ يَا مَعْشَرَ يَهُودَ أَهْلَ التَّوْرَاةِ، وَإِنَّكُمْ تَجِدُونَ ذَلِكَ فِي كِتَابِكُمْ:

مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ تَراهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْواناً سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْراةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوى عَلى سُوقِهِ

ص: 243

يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً [1] وَإِنِّي أَنْشُدُكُمْ بِاللَّهِ، وَأَنْشُدُكُمْ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْكُمْ، وَأَنْشُدُكُمْ بِالَّذِي أَطْعَمَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ مِنْ أَسْبَاطِكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى، وَأَنْشُدُكُمْ بِالَّذِي أَيْبَسَ الْبَحْرَ لآبَائِكُمْ حَتَّى أَنْجَاهُمْ مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمِلِه، إِلَّا أَخْبَرْتُمُونَا: هَلْ تَجِدُونَ فِيمَا أُنْزِلَ عَلَيْكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِمُحَمَّدٍ، وَإِنْ كُنْتُمْ لا تَجِدُونَ ذَلِكَ فِي كِتَابِكُمْ فَلا كُرْهٌ عَلَيْكُمْ، قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ، فَأَدْعُوكُمْ إِلَى اللَّهِ وَإِلَى نَبِيِّهِ» .

وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما أَنَّ يَهُودَ كَانُوا يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ بِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَبْلَ مَبْعَثِهِ، فَلَمَّا بَعَثَهُ اللَّهُ مِنَ الْعَرَبِ كَفَرُوا بِهِ، وَجَحَدُوا مَا كَانُوا يَقُولُونَ فِيهِ. فَقَالَ لَهُمْ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ وَبِشْرُ بْنُ الْبَرَاءِ: يَا مَعْشَرَ يَهُودَ اتَّقُوا اللَّهَ وَأَسْلِمُوا، فَقَدْ كُنْتُمْ تَسْتَفْتِحُونَ عَلَيْنَا بِمُحَمَّدٍ وَنَحْنُ أَهْلُ شِرْكٍ، وَتُخْبِرُونَنَا أَنَّهُ مَبْعُوثٌ، وَتَصِفُونَهُ لَنَا بِصِفَتِهِ، فَقَالَ سَلامُ بْنُ مِشْكَمٍ أَحَدُ بَنِي النَّضِيرِ: مَا جَاءَنَا بِشَيْءٍ نَعْرِفُهُ، مَا هُوَ بِالَّذِي كُنَّا نَذْكُرُهُ لَكُمْ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِي ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِمْ: وَلَمَّا جاءَهُمْ كِتابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ وَكانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكافِرِينَ [2] .

قال ابن إسحق: وَقَالَ مَالِكُ بْنُ الضَّيْفِ حِينَ بُعِثَ رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَذَكَرَ لَهُمْ مَا أَخَذَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ لَهُ مِنَ الْمِيثَاقِ، وَمَا عَهِدَ اللَّهُ إِلَيْهِمْ فِيهِ: وَاللَّهِ مَا عُهِدَ إِلَيْنَا فِي مُحَمَّدٍ عَهْدٌ، وَمَا أُخِذَ لَهُ عَلَيْنَا مِيثَاقٌ فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ: أَوَكُلَّما عاهَدُوا عَهْداً نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يُؤْمِنُونَ [3] وقال ابن صلوبا القطيوني لرسول الله صلى الله عليه وسلم: يا مُحَمَّدُ مَا جِئْتَنَا بِشَيْءٍ نَعْرِفُهُ، وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ فَنَتَّبِعُكَ بِهَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِي ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَلَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ آياتٍ بَيِّناتٍ وَما يَكْفُرُ بِها إِلَّا الْفاسِقُونَ [4] وَقَالَ رَافِعُ بْنُ حُرَيْمِلَةَ وَوَهْبُ بْنُ زَيْدٍ لرسول الله صلى الله عليه وسلم: يا مُحَمَّدُ ائْتِنَا بِكِتَابٍ تنزله مِنَ السَّمَاءِ نَقْرَؤُهُ، وَفَجِّرْ لَنَا أَنْهَارًا نَتَّبِعُكَ وَنُصَدِّقُكَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ في ذلك: أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْئَلُوا

[ (1) ] سورة الفتح: الآية 29.

[ (2) ] سورة البقرة: الآية 89.

[ (3) ] سورة البقرة: الآية 100.

[ (4) ] سورة البقرة: الآية 99.

ص: 244

رَسُولَكُمْ كَما سُئِلَ مُوسى مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمانِ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ [1] وَكَانَ حُيَيُّ بْنُ أَخْطَبَ وَأَبُو يَاسِرِ بْنُ أخطب من أشد يهود للعرب حسدا، إذا خَصَّهُمُ اللَّهُ بِرَسُولِهِ، صلى الله عليه وسلم، فَكَانَا جَاهِدَيْنِ فِي رَدِّ النَّاسِ عَنِ الإِسْلامِ بِمَا اسْتَطَاعَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمَا: وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ [2] الآية. وَلَمَّا قَدِمَ أَهْلُ نَجْرَانَ مِنَ النَّصَارَى عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَتَتَّهِمُ أَحْبَارَ يَهُودَ، فَتَنَازَعُوا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ رَافِعُ بْنُ حُرَيْمِلَةَ: ما أنتم على شيء، وكفر بعيسى والإنجيل، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ نَجْرَانَ مِنَ النَّصَارَى لِلْيَهُودِ: مَا أَنْتُمْ عَلَى شَيْءٍ، وَجَحَدَ نُبُوَّةَ مُوسَى، وَكَفَرَ بِالتَّوْرَاةِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: وَقالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصارى عَلى شَيْءٍ وَقالَتِ النَّصارى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلى شَيْءٍ [3] الآيَةَ. وَقَالَ رَافِعُ بْنُ حُرَيْمِلَةَ: يَا مُحَمَّدُ إِنْ كُنْتَ رَسُولا مِنَ اللَّهِ كَمَا تَقُولُ فَقُلْ لِلَّهِ فَلْيُكَلِّمْنَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: وَقالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ لَوْلا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينا آيَةٌ [4] وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صُورِيَا الأَعْوَرُ: مَا الْهُدَى إِلَّا مَا نَحْنُ عَلَيْهِ، فَاتَّبِعْنَا يَا مُحَمَّدُ تَهْتَدِ. وَقَالَتِ النَّصَارَى مِثْلَ ذَلِكَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: وَقالُوا كُونُوا هُوداً أَوْ نَصارى تَهْتَدُوا [5] الآيَةَ. وَسَأَلَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ وَسَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ وَخَارِجَةُ بْنُ زَيْدٍ نَفَرًا مِنْ أَحْبَارِ يَهُودَ عَنْ بَعْضِ مَا فِي التَّوْرَاةِ فَكَتَمُوهُمْ إِيَّاهُ فَأَنْزَلَ اللَّهُ: إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَالْهُدى [6] الآيَةَ. وَدَعَا عليه السلام الْيَهُودَ إِلَى الإِسْلامِ، فَقَالَ لَهُ رَافِعٌ وَمَالِكُ بْنُ عَوْفٍ: بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا [7]

وَلَمَّا أَصَابَ اللَّهُ قُرَيْشًا يَوْمَ بَدْرٍ جَمَعَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَهُودَ فِي سُوقِ بَنِي قَيْنُقَاعَ حِينَ قَدِمَ الْمَدِينَةَ، فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ يَهُودَ:

«أَسْلِمُوا قَبْلَ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِمِثْلِ مَا أَصَابَ بِهِ قُرَيْشًا» ،

قالوا له: يا محمد لا يغرنك

[ (1) ] سورة البقرة: الآية 108.

[ (2) ] سورة البقرة: الآية 109.

[ (3) ] سورة البقرة: الآية 113.

[ (4) ] سورة البقرة: الآية 118.

[ (5) ] سورة البقرة: الآية 135.

[ (6) ] سورة البقرة: الآية 159.

[ (7) ] سورة البقرة: الآية 170.

ص: 245

مِنْ نَفْسِكَ أَنَّكَ قَتَلْتَ نَفَرًا مِنْ قُرَيْشٍ كَانُوا أَغْمَارًا لا يَعْرِفُونَ الْقِتَالَ، إِنَّكَ وَاللَّهِ لَوْ قَاتَلْتَنَا لَعَرَفْتَ أَنَّا نَحْنُ النَّاسُ، وَإِنَّكَ لَمْ تَلْقَ مِثْلَنَا، وَأَنْزَلَ اللَّهُ: قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهادُ [1] الآيَةَ وَالَّتِي بَعْدَهَا.

وَدَخَلَ رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بَيْتَ الْمَدَارِسِ] [2] عَلَى جَمَاعَتِهِمْ مِنْ يَهُودَ فَدَعَاهُمْ إِلَى اللَّهِ فَقَالَ لَهُ النُّعْمَانُ بْنُ عَمْرٍو وَالْحَارِثُ بْنُ زَيْدٍ وَعَلَى: أَيِّ دِينٍ أَنْتَ يَا مُحَمَّدُ، قَالَ: عَلَى مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَدِينِهِ، قَالا: فَإِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ يَهُودِيًّا، فَقَالَ لَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:«فَهَلُمَّ إِلَى التَّوْرَاةِ، فَهِيَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ» فَأَبَيَا عَلَيْهِ،

فَأَنْزَلَ اللَّهُ: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يُدْعَوْنَ إِلى كِتابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ [3] الآيَةَ وَالَّتِي تَلِيهَا. وَقَالَ أَحْبَارُ يَهُودَ: مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ إِلَّا يَهُودِيًّا، وَقَالَتْ نَصَارَى نَجْرَانَ، ما كان إلا نصرانيا، فأنزل الله: يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْراهِيمَ الآيات إلى وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ [4] وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَيْفٍ وَعَدِيُّ بْنُ زيد والحرث بْنُ عَوْفٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: تَعَالَوْا نُؤْمِنُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ غُدْوَةً وَنَكْفُرُ بِهِ عَشِيَّةً حَتَّى نَلْبَسُ عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَصْنَعُونَ كَمَا نَصْنَعُ، فَيَرْجِعُونَ عَنْ دِينِهِمْ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْباطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ إلى قوله: وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ [5]

وَقَالَ أَبُو نَافِعٍ الْقُرَظِيُّ حِينَ اجْتَمَعَتِ الأَحْبَارُ مِنْ يَهُودَ وَالنَّصَارَى مِنْ أَهْلِ نَجْرَانَ عِنْدَ رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَدَعَاهُمْ إِلَى الإِسْلامِ: أَتُرِيدُ مِنَّا يَا مُحَمَّدُ أَنْ نعبدك كما تبعد النَّصَارَى عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ؟ وَقَالَ رَجُلٌ مِنْ نَصَارَى نَجْرَانَ مِثْلَهُ؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:

«مَعَاذَ اللَّهُ أَنْ يُعْبَدَ غَيْرُ اللَّهِ»

فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: مَا كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِباداً لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ [6] الآيَةَ. ثُمَّ ذَكَرَ مَا أَخَذَ عَلَيْهِمْ مِنَ الْمِيثَاقِ بِتَصْدِيقِهِ فَقَالَ: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ

[ (1) ] سورة آل عمران: الآية 12.

[ (2) ] وردت في الأصل: بيت المدارس، وهي تصحيف. وبيت المدارس هو كنيسة اليهود، والجمع مداريس، مثل مفاتيح ومفاتيح.

[ (3) ] سورة آل عمران: الآية 23.

[ (4) ] سورة آل عمران: الآيات 65- 68.

[ (5) ] سورة آل عمران: الآيات 71- 73.

[ (6) ] سورة آل عمران: الآية 79.

ص: 246

وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ [1] إلى آخر القصة.

وَمَرَّ شَاسُ بْنُ قَيْسٍ وَكَانَ شَيْخًا قَدْ عسا [2] ، عظم الْكُفْرِ شَدِيدَ الطَّعْنِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، شَدِيدَ الْحَسَدِ لَهُمْ، عَلَى نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مِنَ الأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ يَتَحَدَّثُونَ، فَغَاظَهُ مَا رَأَى مِنْ أُلْفَتِهِمْ وَجَمَاعَتِهِمْ بَعْدَ مَا كَانَ بَيْنَهُمْ مِنَ الْعَدَاوَةِ، فَقَالَ: قَدِ اجْتَمَعَ مَلَأُ بَنِي قَيْلَةَ بِهَذِهِ الْبِلادِ، لا والله ما لنا مَعَهُمْ إِذَا اجْتَمَعُوا مِنْ قَرَارٍ، فَأَمَرَ فَتًى شَابًّا مِنْ يَهُودَ كَانَ مَعَهُمْ فَقَالَ: اعْمِدْ إليهم فاجلس معهم، ثم اذكر يوم بعاث وَمَا كَانَ فِيهِ، وَأَنْشَدَهُمْ بَعْضَ مَا كَانُوا يَتَقَاوَلُونَ فِيهِ مِنَ الأَشْعَارِ، فَفَعَلَ، فَتَكَلَّمَ الْقَوْمُ عِنْدَ ذَلِكَ وَتَنَازَعُوا، حَتَّى تَوَاثَبَ رَجُلانِ عَلَى الرَّكْبِ: أَوْسُ بْنُ قَيْظِيٍّ مِنَ الأَوْسِ، وَجُبَارُ بْنُ صَخْرٍ مِنَ الْخَزْرَجِ فَتَقَاوَلا، ثُمَّ قَالَ أَحَدُهُمَا: لِصَاحِبِهِ إِنْ شِئْتُمْ رَدَدْتُهَا الآنَ جَذَعَةً، وغضب الفريقان جميعا وقالوا: قد فعلنا، مودعكم الظَّاهِرَةُ- وَالظَّاهِرَةُ الْحَرَّةُ- السِّلاحَ، السِّلاحَ، فَخَرَجُوا،

وَبَلَغَ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ فِيمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ مِنْ أَصْحَابِهِ حَتَّى جَاءَهُمْ فَقَالَ:«يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ: اللَّهَ اللَّهَ، أَبِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ وَأَنَا بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ، بَعْدَ أَنْ هَدَاكُمُ اللَّهُ إِلَى الإِسْلامِ، وَأَكْرَمَكُمْ بِهِ وَقَطَعَ بِهِ عَنْكُمْ أَمْرَ الْجَاهِلِيَّةِ، وَاسْتَنْقَذَكُمْ مِنَ الْكُفْرِ، وَأَلَّفَ بِهِ بَيْنَكُمْ» ؟ فَعَرَفَ الْقَوْمُ أَنَّهَا نَزْغَةٌ مِنَ الشَّيْطَانِ وَكَيْدٌ مِنْ عَدُوِّهِمْ، فَبَكَوْا، وَعَانَقَ الرِّجَالُ مِنَ الأَوْسِ الرَّجَالَ مِنَ الْخَزْرَجِ، ثُمَّ انْصَرَفُوا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم،

فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِي شَاسِ بن قيس: قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَها عِوَجاً [3] الآية. وفي أوس وجبار:

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقاً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ كافِرِينَ إلى قوله: أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ [4] وَكَانَ رِجَالٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يُوَاصِلُونَ رِجَالا مِنْ يَهُودَ لِمَا كَانَ بَيْنَهُمْ مِنَ الْجِوَارِ، فَأَنْزَلَ الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبالًا إلى عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ [5] وَدَخَلَ أَبُو بَكْرٍ بَيْتَ الْمِدْرَاسِ، فَقَالَ لِفنحاصَ: اتَّقِ اللَّهَ وَأَسْلِمْ، وَاللَّهِ إِنَّكَ لَتَعْلَمُ أَنَّ

[ (1) ] سورة آل عمران: الآية 81.

[ (2) ] أي كبر وتقدم في العمر.

[ (3) ] سورة آل عمران: الآية 99.

[ (4) ] سورة آل عمران: الآيات 100- 105.

[ (5) ] سورة آل عمران: الآيات 118- 119.

ص: 247

مُحَمَّدًا لَرَسُولُ اللَّهِ، فَقَالَ: وَاللَّهِ يَا أَبَا بَكْرٍ مَا بِنَا إِلَى اللَّهِ مِنْ فَقْرٍ، وَإِنَّهُ إِلَيْنَا لَفَقِيرٌ، فَغَضِبَ أَبُو بَكْرٍ وَضَرَبَ وَجْهَ فنحاصَ ضَرْبًا شَدِيدًا وَقَالَ: لَوْلا الْعَهْدُ الَّذِي بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ لَضَرَبْتُ عُنُقَكَ، فَشَكَاهُ فنحاصُ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فَذَكَرَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ مَا كَانَ مِنْهُ، فَأَنْكَرَ قَوْلَهُ ذَلِكَ فَأَنْزَل اللَّهُ تَعَالَى: لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِياءُ [1] الآيَةَ. وَأَنْزَلَ فِي أَبِي بَكْرٍ: وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيراً [2] الآيَةَ. وَكَانَ كَرْدَمُ بْنُ قَيْسٍ وَأُسَامَةُ بْنُ حَبِيبٍ فِي نَفَرٍ مِنْ يَهُودَ يَأْتُونَ رِجَالا مِنَ الأَنْصَارِ يَتَنَصَّحُونَ لَهُمْ، فَيَقُولُونَ لَهُمْ: لا تُنْفِقُوا أَمْوَالَكُمْ، فَإِنَّا نَخْشَى عَلَيْكُمُ الْفَقْرَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ: الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ- أَيِ التَّوْرَاةَ الَّتِي فِيهَا تَصْدِيقُ مَا جَاءَ به محمد- وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً [3] وكان رافعة بْنُ زَيْدِ بْنِ التَّابُوتِ مِنْ عُظَمَاءِ يَهُودَ، إِذَا كَلَّمَ رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لَوَى لِسَانَهُ وَقَالَ: أَرْعِنَا سَمْعَكَ يَا مُحَمَّدُ حَتَّى نَفْهَمَكَ، ثُمَّ طَعَنَ فِي الإِسْلامِ وَعَابَهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ إِلَى وَلكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا [4] وَكَلَّمَ رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم رُؤَسَاءً مِنْ أَحْبَارِ يَهُودَ، مِنْهُمْ: عَبْدَ اللَّهِ بْنَ صُورِيَا الأَعْوَرَ، وَكَعْبَ بْنَ أَسَدٍ،

فَقَالَ لَهُمْ: «يَا مَعْشَرَ يَهُودَ اتَّقُوا اللَّهَ وَأَسْلِمُوا، فَوَاللَّهِ إِنَّكُمْ لَتَعْلَمُونَ أَنَّ الَّذِي جِئْتُكُمْ بِهِ لَحَقٌّ»

قَالُوا: مَا نَعْرِفُ ذَلِكَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: يا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ آمِنُوا بِما نَزَّلْنا مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّها عَلى أَدْبارِها أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَما لَعَنَّا أَصْحابَ السَّبْتِ وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا [5] وقال سكين بن عفي بْنِ زَيْدٍ: يَا مُحَمَّدُ: مَا نَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ بَعْدَ مُوسَى: فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: إِنَّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ كَما أَوْحَيْنا إِلى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ إلى قوله وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً [6]

وَدَخَلَتْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم جماعة منهم،

[ (1) ] سورة آل عمران: الآية 181.

[ (2) ] سورة آل عمران: الآية 186.

[ (3) ] سورة النساء: الآية 37.

[ (4) ] سورة المائدة: الآية 41.

[ (5) ] سورة المائدة: الآيات 49- 50.

[ (6) ] سورة البقرة: الآية 136.

ص: 248

فَقَالَ لَهُمْ: أَمَا وَاللَّهِ إِنَّكُمْ لَتَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ: قَالُوا: مَا نَعْلَمُهُ وَمَا نَشْهَدُ عَلَيْهِ،

فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: لكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِما أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً وأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم نُعْمَانُ بْنُ أضا، وَبَحَرِيُّ بْنُ عَمْرٍو، وَشَاسُ بْنُ عَدِيٍّ، فَكَلَّمُوهُ وَكَلَّمَهُمْ، وَدَعَاهُمْ إِلَى اللَّهِ وَحَذَّرَهُمْ نِقْمَتَهُ، فَقَالُوا: مَا تَخَوَّفْنَا يَا مُحَمَّدُ، نَحْنَ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ، كَقَوْلِ النَّصَارَى، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِمْ: وَقالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصارى نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ الآيَةَ. وَدَعَاهُمْ إِلَى الإِسْلامِ مَرَّةً وَحَذَّرَهُمْ عُقُوبَةَ اللَّهِ فَأَبَوْا عَلَيْهِ، فَقَالَ لَهُمْ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ وَسَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ وَعُقْبَةُ بْنُ وَهْبٍ: يَا مَعْشَرَ يَهُودَ: اتَّقُوا اللَّهَ، فَوَاللَّهِ إِنَّكُمْ لَتَعْلَمُونَ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ، وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَذْكُرُونَهُ لَنَا قَبْلَ مَبْعَثِهِ وَتَصِفُونَهُ بِصِفَتِهِ، فَقَالَ رَافِعُ بْنُ حُرَيْمِلَةَ وَوَهْبُ بْنُ يَهُوذَا: مَا قُلْنَا لَكُمْ هَذَا، وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ بَعْدَ مُوسَى، وَمَا أَرْسَلَ بَشِيرًا وَلا نَذِيرًا بعده، فأنزل الله، وذلك في قولهما:

يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا مَا جاءَنا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ فَقَدْ جاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ [1] الآيَةَ. وَاجْتَمَعَ أَحْبَارُهُمْ فِي بَيْتِ الْمِدْرَاسِ فَأَتَوْا بِرَجُلٍ وَامْرَأَةٍ زَنَيَا بَعْدَ إِحْصَانِهِمَا فَقَالُوا: حَكِّمُوا فِيهِمَا مُحَمَّدًا، فَإِنْ حَكَمَ فِيهِمَا بِحُكْمِكِمْ مِنَ التَّجْبِيَةِ (وَهُوَ الْجَلْدُ بِحَبْلٍ مِنْ لِيفٍ يُطْلَى بِقَارٍ) ثُمَّ نُسَوِّدُ وُجُوهَهُمَا، ثُمَّ يُحْمَلانِ عَلَى حمارين، وجوههما مِنْ قِبَلِ أَدْبَارِ الْحِمَارَيْنِ، فَإِنَّمَا هُوَ مَلَكٌ، فَإِنْ حَكَمَ فِيهِمَا بِالرَّجْمِ فَهُوَ نَبِيٌّ فَاحْذَرُوهُ عَلَى مَا فِي أَيْدِيكُمْ أَنْ يُسْلِبَكُمُوهُ، فَفَعَلُوا،

فَمَشَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حَتَّى أَتَى بَيْتَ الْمِدْرَاسِ فَقَالَ لَهُمْ: «أَخْرِجُوا إِلَيَّ عُلَمَاءَكُمْ» ، فَأَخْرَجُوا لَهُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ صُورِيَا، فَخَلَّا بِهِ يُنَاشِدُهُ:«هَلْ تَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ حَكَمَ فِيمَنْ زَنَى بَعْدَ إِحْصَانِهِ بِالرَّجْمِ فِي التَّوْرَاةِ» ؟ قَالَ: اللَّهُمَّ نَعَمْ، أَمَا وَاللَّهِ يَا أَبَا الْقَاسِمِ إِنَّهُمْ لَيَعْرِفُونَ أَنَّكَ نَبِيٌّ مُرْسَلٌ، وَلَكِنَّهُمْ يَحْسُدُونَكَ،

قَالَ: فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَأَمَرَ بِهِمَا فَرُجِمَا عِنْدَ بَابِ مَسْجِدِهِ، ثُمَّ جَحَدَ ابْنُ صُورِيَا بَعْدَ ذَلِكَ نُبُوَّةَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله: يا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قالُوا آمَنَّا بِأَفْواهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ [2] الآيَةَ. وَفِي بَعْضِ طُرُقِ هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ حبرا منهم جلس يتلوا التَّوْرَاةَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى آيَةِ الرَّجْمِ، فضرب

[ (1) ] سورة المائدة: الآية 19.

[ (2) ] سورة المائدة: الآية 41.

ص: 249

عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ يَدَهُ وَقَالَ: هَذِهِ آيَةُ الرَّجْمِ أَبَى أَنْ يَتْلُوَهَا عَلَيْكَ. الْحَدِيثَ. وَقَالَ كَعْبُ بْنُ أَسَدٍ وَابْنُ صَلُوبَا وَابْنُ صُورِيَا وَشَاسُ بْنُ قَيْسٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: اذْهَبُوا بِنَا إِلَى مُحَمَّدٍ لَعَلَّنَا نَفْتِنُهُ عَنْ دِينِهِ، فَإِنَّمَا هُوَ بَشَرٌ، فَأَتَوْهُ فَقَالُوا: قَدْ عَرَفْتَ أَنَّا أَحْبَارُ يَهُودَ وَأَشْرَافُهُمْ، وَإِنَّا إِنِ اتَّبَعْنَاكَ اتَّبَعَكَ يَهُودُ وَلَمْ يُخَالِفُونَا، وَإِنَّ بَيْنَنَا وَبَيْنَ بَعْضِ قَوْمِنَا خُصُومَةً فَنُحَاكِمُهُمْ إِلَيْكَ فَتَقْضِي لَنَا عَلَيْهِمْ، وَنُؤْمِنُ بِكَ وَنُصَدِّقُكَ، فَأَبَى ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ إِلَى قَوْلِهِ:

وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ [1] وأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم جَمَاعَةً مِنْهُمْ فَسَأَلُوهُ عَمَّنْ يُؤْمِنُ بِهِ مِنَ الرُّسُلِ فَقَالَ: نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَما أُنْزِلَ إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَما أُوتِيَ مُوسى وَعِيسى وَما أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ [2] فَلَمَّا ذُكِرَ عِيسَى جَحَدُوا نُبُوَّتَهُ وَقَالُوا: لا نُؤْمِنُ بِعِيسَى، وَلا نؤمن بمن آمن به، فأنزل الله: يا أَهْلَ الْكِتابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فاسِقُونَ [3]

وأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم رَافِعُ بْنُ حَارِثَةَ وَسَلامُ بْنُ مِشْكَمٍ وَمَالِكُ بْنُ الصَّيْفِ وَرَافِعُ بْنُ حُرَيْمِلَةَ فَقَالُوا: يَا مُحَمَّدُ: أَلَسْتَ تَزْعُمُ أَنَّكَ عَلَى مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَدِينِهِ، وَتُؤْمِنُ بِمَا عِنْدَنَا مِنَ التَّوْرَاةِ، وَتَشْهَدُ أَنَّهَا مِنَ اللَّهِ حَقٌّ؟ قَالَ:«بَلَى، وَلَكِنَّكُمْ أَحْدَثْتُمْ وَجَحَدْتُمْ مَا فِيهَا مِمَّا أُخِذَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْمِيثَاقِ، وَكَتَمْتُمْ مِنْهَا مَا أُمِرْتُمْ أَنْ تُبَيِّنُوهُ لِلنَّاسِ، فَبَرِئْتُ مِنْ إِحْدَاثِكُمْ» قَالُوا: فَإِنَّا نَأْخُذُ بِمَا فِي أَيْدِينَا، فَإِنَّا عَلَى الْهُدَى وَالْحَقِّ، وَلا نُؤْمِنُ بِكَ وَلا نَتَّبِعُكَ،

فَأَنْزَلَ الله تعالى: قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ [4] الآيَةَ. وَكَانَ رِفَاعَةُ بْنُ زَيْدِ بْنِ التَّابُوتِ وسويد بن الحارث قد أظهر الإِسْلامَ وَنَافَقَا، فَكَانَ رِجَالٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يُوَادُونَهُمَا، فأنزل الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُواً وَلَعِباً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِياءَ إِلَى قَوْلِهِ: وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما كانُوا يَكْتُمُونَ

[ (1) ] سورة المائدة: الآيات 49- 50.

[ (2) ] سورة البقرة: الآية 136.

[ (3) ] سورة المائدة: الآية 59.

[ (4) ] سورة المائدة: الآية 68.

ص: 250

[1]

. وقال جبل بن أبي قيشير وَشمويلُ بْنُ زَيْدٍ: يَا مُحَمَّدُ مَتَى السَّاعَةُ إن كنت نبيا؟

فأنزل الله: يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي [2] الآيَةَ.

وَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم سَلامُ بْنُ مِشْكَمٍ وَنُعْمَانُ بْنُ أَوْفَى وَمَحْمُودُ بْنُ دِحْيَةَ فِي نَفَرٍ مِنْهُمْ فَقَالُوا لَهُ: كَيْفَ نَتَّبِعُكَ وَقَدْ تَرَكْتَ قِبْلَتَنَا، وَأَنْتَ لا تَزْعُمُ أَنَّ عُزَيْرًا ابْنُ اللَّهِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ:

وَقالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقالَتِ النَّصارى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْواهِهِمْ [3] الآيَةَ.

وَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مَحْمُودُ بْنُ سيحَانَ، وَعُزَيْرُ بْنُ أَبِي عُزَيْرٍ فِي جَمَاعَةٍ مِنْهُمْ، فَقَالُوا: إِنَّا لا نَرَى مَا جِئْتَ بِهِ مُتَّسِقًا كَمَا تَتَّسِقُ التوراة، أما يعلمكم هَذَا إِنْسٌ وَلا جِنٌّ؟ فَقَالَ لَهُمْ:«أَمَا وَاللَّهِ إِنَّكُمْ لَتَعْلَمُونَ أَنَّهُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ تَجِدُونَ ذَلِكَ مَكْتُوبًا عِنْدَكُمْ فِي التَّوْرَاةِ»

قَالُوا: فَإِنَّ اللَّهَ يَصْنَعُ لِرَسُولِهِ إِذَا بَعَثَهُ مَا يَشَاءُ، فَأَنْزَلَ عَلَيْنَا كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ نَقْرَؤُهُ وَنَعْرِفُهُ، وَإِلَّا جِئْنَاكَ بِمِثْلِ مَا تَأْتِي بِهِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً [4] وَقَالَ قَوْمٌ مِنْهُمْ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ حِينَ أَسْلَمَ: مَا تَكُونُ النُّبُوَّةُ فِي الْعَرَبِ، ولكن صاحبك ملك متقول، ثُمَّ جَاءُوا فَسَأَلُوهُ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ، فَقَصَّ عَلَيْهِمْ مَا جَاءَهُ مِنَ اللَّهِ فِيهِ مِمَّا كَانَ قَصَّ عَلَى قُرَيْشٍ، وَهُمْ كَانُوا مِمَّنْ أَمَرَ قُرَيْشًا أَنْ يَسْأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حِينَ بَعَثُوا إِلَيْهِمُ النَّضْرَ بْنَ الْحَارِثِ وَعُقْبَةَ بْنَ أَبِي مُعَيْطٍ، وَأَتَى رَهْطٌ مِنْهُمْ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالُوا: يَا مُحَمَّدُ: هَذَا اللَّهُ خَلَقَ الْخَلْقَ فَمَنْ خَلَقَهُ؟ فَغَضِبَ حَتَّى امْتُقِعَ [5] لَوْنُهُ ثُمَّ سَاوَرَهُمْ غَضَبًا لِرَبِّهِ، فَجَاءَهُ جِبْرِيلُ فَسَكَّنَهُ وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [6] السُّورَةَ، فَلَمَّا تَلاهَا عَلَيْهِمْ قَالُوا: فَصِفْ لَنَا كَيْفَ خَلْقُهُ، وَكَيْفَ ذِرَاعُهُ، وَكَيْفَ عَضُدُهُ، فَغَضِبَ أَشَدَّ مِنْ غَضَبِهِ الأَوَّلِ، فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى بِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ [7] الآية. وكان الذين حزبوا

[ (1) ] سورة المائدة: الآية 57.

[ (2) ] سورة الأعراف: الآية 187.

[ (3) ] سورة البقرة: الآية 113.

[ (4) ] سورة الإسراء: الآية 88.

[ (5) ] أي تغير وجهه.

[ (6) ] سورة الإخلاص: الآية 1.

[ (7) ] سورة الأنعام: الآية 91.

ص: 251

الأحزاب من قريش غطفان وبني قريظة: حي بْنُ أَخْطَبَ، وَسَلامُ بْنُ أَبِي الْحَقِيقِ أَبُو رَافِعٍ، وَالرَّبِيعُ بْنُ الرَّبِيعِ بْنِ أَبِي الْحَقِيقِ، وَأَبُو عَمَّارٍ، وَوَحْوَحُ بْنُ عَامِرٍ، وَهَوْذَةُ بْنُ قَيْسٍ، فَأَمَّا وَحْوَحٌ وَأَبُو عَمَّارٍ وَهَوْذَةُ فَمِنْ بَنِي وَائِلَةَ، وَسَائِرُهُمْ مِنْ بَنِي النَّضِيرِ، فَلَمَّا قَدِمُوا عَلَى قُرَيْشٍ قَالُوا: هَؤُلاءِ أَحْبَارُ يَهُودَ وَأَهْلُ الْعِلْمِ بِالْكِتَابِ الأَوَّلِ، فَاسْأَلُوهُمْ أَدِينُكُمْ خَيْرٌ أَمْ دِينُ مُحَمَّدٍ، فَسَأَلُوهُمْ فَقَالُوا: بَلْ دِينُكُمْ خَيْرٌ مِنْ دِينِهِ، وَأَنْتُمْ أَهْدَى مِنْهُ وَمَنِ اتَّبَعَهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هؤُلاءِ أَهْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا إلى قوله مُلْكاً عَظِيماً [1] .

قال ابن إسحق: وقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وَفْدُ نَصَارَى نَجْرَانَ سِتُّونَ رَاكِبًا، فِيهِمْ أَرْبَعَةَ عَشَرَ رَجُلا مِنْ أَشْرَافِهِمْ، فِي الأَرْبَعَةَ عشر منهم ثلاثة نفر إليهم يئول أَمْرُهُمْ: الْعَاقِبُ أَمِيرُ الْقَوْمِ وَذُو رَأْيِهِمْ وَاسْمُهُ: عبد المسيح، والسيد ثمالهم وصاحب رحلهم وَاسْمُهُ: الأَيْهَمُ، وَأَبُو حَارِثَةَ بْنُ عَلْقَمَةَ أَخُو بكر بن وائل أسقفهم وَحَبْرُهُمْ وَإِمَامُهُمْ، فَكَانَ أَبُو حَارِثَةَ قَدْ شَرُفَ فِيهِمْ، وَدَرَسَ كُتُبَهُمْ حَتَّى حَسُنَ عِلْمُهُ فِي دِينِهِمْ، فَكَانَتْ مُلُوكُ الرُّومِ مِنْ أَهْلِ النَّصْرَانِيَّةِ قَدْ شَرَّفُوهُ وَمَوَّلُوهُ وَأَخْدَمُوهُ وَبَنَوْا لَهُ الْكَنَائِسَ، فَبَسَطُوا عَلَيْهِ الْكَرَامَاتِ لِمَا يَبْلُغُهُمْ عَنْهُ مِنْ عِلْمِهِ وَاجْتِهَادِهِ فِي دِينِهِمْ، فَلَمَّا وُجِّهُوا إِلَى رسول الله صلى الله عليه وسلم من نَجْرَانَ، جَلَسَ أَبُو حَارِثَةَ عَلَى بَغْلَةٍ لَهُ مُوَجِّهًا إِلَى جَنْبِهِ أَخٌ لَهُ يُقَالُ لَهُ: كوزُ بْنُ عَلْقَمَةَ، فَعَثَرَتْ بَغْلَةُ أَبِي حَارِثَةَ، فَقَالَ كوز: تَعِسَ الأَبْعَدُ، يُرِيدُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ لَهُ أَبُو حَارِثَةَ: بَلْ أَنْتَ تَعِسْتَ، قَالَ: وَلِمَ يَا أَخِي؟ قَالَ: بَلَى وَاللَّهِ، إِنَّهُ لَلنَّبِيُّ الَّذِي كُنَّا نَنْتَظِرُ، فَقَالَ لَهُ كوزٌ: فَمَا يَمْنَعُكَ مِنْهُ وَأَنْتَ تَعْلَمُ هَذَا؟ قَالَ: مَا صَنَعَ بِنَا هَؤُلاءِ الْقَوْمُ، شَرَّفُونَا وَمَوَّلُونَا وَأَكْرَمُونَا، وَقَدْ أَبَوْا إِلَّا خِلافَهُ، فَلَوْ فَعَلْتَ نَزَعُوا مِنَّا كُلَّ مَا تَرَى، فَأَضْمَرَ عَلَيْهَا مِنْهُ أَخُوهُ كوزُ بْنُ عَلْقَمَةَ، حَتَّى أَسْلَمَ بَعْدَ ذَلِكَ، فهو كان يحدث عنه هذا الحديث فيما بلغني، وَدَخَلُوا عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم مَسْجِدَهُ حِينَ صَلَّى الْعَصْرَ عَلَيْهِمْ ثِيَابُ الْحِبَرَاتِ [2] ، جبب وأردية في جمال رجال بني الحرث بن كعب،

فقال: يقول

[ (1) ] سورة النساء: الآيات 51- 54.

[ (2) ] الحبرة: ثوب من قطن أو كتان مخطط كان يصنع باليمن.

ص: 252

بَعْضُ مَنْ رَآهُمْ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم يَوْمَئِذٍ: مَا رَأَيْنَا بَعْدَهُمْ وفدا مثلهم، وقد حانت صلاتهم، فقاموا في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم يُصَلُّونَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:«دَعُوهُمْ فَصَلَّوْا إِلَى الْمَشْرِقِ»

وَكَانَ تسمية الأربعة عشر: السيد، والعاقب، وأبو الحارثة، وأوس، والحرث، وَزَيْدٌ، وَقَيْسٌ، وَيَزِيدُ، وَنُبَيْهٌ، وَخُوَيْلِدٌ، وَعَمْرٌو، وَخَالِدٌ، وَعَبْدُ اللَّهِ، وَيُحَنّسُ، فَكَلَّمَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مِنْهُمْ أَبُو حَارِثَةَ وَالْعَاقِبُ وَالأَيْهَمُ، وَهُمْ مِنَ النَّصْرَانِيَّةِ عَلَى دِينَ الْمَلِكِ، مَع اخْتِلافٍ فِي أَمْرِهِمْ يَقُولُون: هُوَ اللَّهُ، وَيَقُولُونَ: هُوَ وَلَدُ اللَّهِ، وَيَقُولُونَ: هُوَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ، وَكَذَلِكَ قَوْلُ النَّصْرَانِيَّةِ، فَهُمْ يَحْتَجُّونَ فِي قولهم: هو الله، بأنه كان يحي الْمَوْتَى، وَيُبْرِئُ الأَسْقَامَ، وَيُخْبِرُ بِالْغُيُوبِ، وَيَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَيَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَائِرًا، وَذَلِكَ كُلُّهُ بِأَمْرِ اللَّهِ تبارك وتعالى، وَلِيَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ، وَيَحْتَجُّونَ فِي قَوْلِهِمْ بِأَنَّهُ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ، بِقَوْلِ اللَّهِ: فَعَلْنَا وَأَمَرْنَا وَخَلَقْنَا وَقَضَيْنَا، فَيَقُولُونَ: لَوْ كَانَ وَاحِدًا مَا قَالَ إِلَّا فَعَلْتُ وَأَمَرْتُ وَقَضَيْتُ وَخَلَقْتُ، وَلَكِنَّهُ هُوَ عِيسَى وَمَرْيَمُ، فَفِي كُلِّ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِمْ نَزَلَ الْقُرْآنُ،

فَلَمَّا كَلَّمَهُ الْحَبْرَانِ قَالَ لَهُمَا رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «أَسْلِمَا» قَالا: قد أَسْلَمْنَا، قَالَ:«إِنَّكُمَا لَمْ تُسْلِمَا فَأَسْلَمَا» قالا: بلى قد أسلمنا قبلك، قال: وكذبتما يَمْنَعُكُمَا مِنَ الإِسْلامِ دُعَاؤُكَمَا لِلَّهِ وَلَدًا، وَعِبَادَتُكُمَا الصَّلِيبَ، وَأَكْلُكُمَا الْخِنْزِيرَ» قَالا: فَمَنْ أَبُوهُ يَا مُحَمَّدُ؟ فَصَمَتُ فَلَمْ يُجِبْهُمَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ صَدْرَ سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ إِلَى بِضْعٍ وَثَمَانِينَ آيَةً،

فَلَمَّا أَتَى رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم الْخَبَرَ مِنَ اللَّهِ عَنْهُ وَالْفَصْلَ مِنَ الْقَضَاءِ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ، وَأَمَرَ بِمَا أُمِرَ مِنْ مُلاعَنَتِهِمْ إِنْ رَدُّوا ذَلِكَ عَلَيْهِ دَعَاهُمْ إِلَى ذَلِكَ، فَقَالُوا: يَا أَبَا الْقَاسِمِ دَعْنَا نَنْظُرُ فِي أَمْرِنَا ثُمَّ نَأْتِكَ بِمَا تُرِيدُ أَنْ تَفْعَلَ فِيمَا دَعَوْتَنَا إِلَيْهِ، فَانْصَرَفُوا عَنْهُ، ثُمَّ خَلَوْا بِالْعَاقِبِ وَكَانَ ذَا رَأْيِهِمْ فَقَالُوا: يَا عبد المسيح: ما ترى؟

فقالوا: وَاللَّهِ يَا مَعْشَرَ النَّصَارَى لَقَدْ عَرَفْتُمْ أَنَّ مُحَمَّدًا لَنَبِيٌّ مُرْسَلٌ، وَلَقَدْ جَاءَكُمْ مِنْ خَبَرِ صَاحِبِكُمْ، وَلَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا لاعَنَ قَوْمٌ نَبِيًّا قط فبقى كبيرهم، ولا نبت صَغِيرهُمْ، وَإِنَّهُ لَلاسْتِئْصَالُ مِنْكُمْ إِنْ فَعَلْتُمْ، فَإِنْ كُنْتُمْ قَدْ أَبَيْتُمْ إِلَّا إِلْفَ دِينِكُمْ وَالإِقَامَةَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الْقَوْلِ فِي صَاحِبِكُمْ فَوَادَعُوا الرَّجُلَ ثُمَّ انْصَرِفُوا إِلَى بِلادِكُمْ،

فَأَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالُوا: يَا أَبَا الْقَاسِمِ قَدْ رَأَيْنَا أَنْ لا نُلاعِنَكَ، وَأَنْ نَتْرُكَكَ عَلَى دِينِكَ وَنَرْجِعَ عَلَى دِينِنَا، وَلَكِنِ ابْعَثْ مَعَنَا رَجُلا مِنْ أَصْحَابِكَ تَرْضَاهُ لَنَا يَحْكُمُ بَيْنَنَا فِي أَشْيَاءَ اخْتَلَفْنَا فِيهَا مِنْ أَمْوَالِنَا، فَإِنَّكُمْ عِنْدَنَا رِضًى، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ائْتُونِي الْعَشِيَّةَ أَبْعَثُ مَعَكُمُ

ص: 253

الْقَوِيَّ الأَمِينَ» فَكَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رضي الله عنه يَقُولُ: مَا أَحْبَبْتُ الإِمَارَةَ قَطُّ حبي إياها يومئذ رجاء أن يكون صَاحِبَهَا، فَرُحْتُ إِلَى الظُّهْرِ مُهَجِّرًا، فَلَمَّا صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم الظُّهْرَ سَلَّمَ ثُمَّ نَظَرَ عَنْ يَمِينِهِ وَيَسَارِهِ، فَجَعَلْتُ أَتَطَاوَلَ لِيَرَانِي، فَلَمْ يَزَلْ يَلْتَمِسُ بِبَصَرِهِ حَتَّى رَأَى أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرَّاحِ، فَدَعَاهُ فَقَالَ:«اخْرُجْ مَعَهُمْ فَاقْضِ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ»

قَالَ عُمَرُ: فَذَهَبَ بِهَا أَبُو عُبَيْدَةَ رضي الله عنه.

ص: 254