الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
نصائح عامة
(نصائح عامة في التذكير بنعم الله لتشكر، والتحذير من أساب النقم لتحذر)
(4533- نصيحة شاملة)
من محمد بن إبراهيم إلى من يبلغه كتابي هذا من إخواني المسلمين، وفقهم الله تعالى وهداهم الصراط المستقيم. آمين.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد:
فالموجب لهذه النصيحة تذكيركم ما أنعم الله به عليكم من النعم الدينية والدنيوية، وما يقع من كثير من الناس من التقصير في شكرها وارتكاب ما حرم الله جهلاً أو تهاوناً وقلة مبالاة، وقد قال الله تعالى:{وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُم بِأَيَّامِ اللَّهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (1) } . ولا يخفى أن من واجبات الإسلام التناصح في الله ببذل النصيحة وقبولها وامتثال ما أمر الله به، واجتناب ما نهى الله عنه، والله تعالى قد أمر بطاعته وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم، ورتب على طاعته وطاعة رسوله صمن الخير والثواب العاجل والآجل وجعل ثواب من أطاعه الجنة، كما أنه رتب على معصيته ومعصية رسوله من الشر والخسران العاجل والآجل وتوعد من عصاه بالنار، قال تعالى:{تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ. وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَاراً خَالِداً فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ} (2) . فلهذا كان من أهم ما يقع به التناصح طاعة الله وتقواه، وتحقيق التوحيد بأنواعه، وتحكيم الشرعية السمحاء، والمحافظة على الصلوات الخمس مع الجماعة في المساجد، كما أن من أعظم ما ينهى عنه الشرك باله بأنواعه: كدعاء الأموات، والتعلق بالقبور والنذر لغير الله، والذبح لغير الله- كمن يذبح للجن أو الزار أو القبور.
وغير ذلك من أنواع الشرك الأكبر، وكذلك "الشرك الأصغر" كقول الرجل: ما شاء الله وشئت، وأنا عند الله وعندك، وأطلب من الله ومنك، ومنه الحلف بغير الله كالحلف بالأمانة أو الحلف بالكعبة أو الحلف برأس المخلوق أو الحلف بالطلاق والحرام، ونحو ذلك مما هو جار على كثر من ألسنة بعض
السفهاء، وفي الحديث:"من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك" وفي الحديث الآخر: "من حلف بالأمانة فليس منا".
ومن ذلك التحزب في الخصومات والتعصب للقريب والصديق واتباع الهوى ولوى أفضى ذلك إلى الكذب وارتكاب المحرمات فقد روى البخاري: "أبغض الرجال إلى الله ألد الخصم". أي كثير الخصومة، وفي الحديث الآخر:"من جادل في خصومة بغير علم لم يزل في سخط الله حتى ينزع" وأخر الشيخان عن عبد الله بن عمرو، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"أربع من كن فيه كان منافقاً خالصاً ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها إذا حدث كذب وإذا خاصم فجر وإذا عاهد غدر".
ومن ذلك الجرأة على الأيمان الفاجرة، ففي الحديث:"من اقتطع مال امرئ مسلم بيمنه لقي الله وهو عليه غضبان". قيل: يا رسول الله وإن كان شيئاً يسيراً، قال:"وإن كان قضيباً من اراك".
ومن ذلك كتمان الشهادة لمراعاة بعض الناس أو لمقاصد وأغراض، قال الله تعالى:{وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ} . وأخرج الطبراني أنه صلى الله عليه وسلم قال: "من كتم شهادة إذا دعي إليها كان كمن شهد بالزور".
ومن ذلك شهادة الزور، فعن أبي بكر قال:"كنا جلوساً عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "ألا أنبؤكم بأكبر الكبائر ثلاثاً - الإشراك بالله وعقوق الوالدين. وكان متكئاً فجلس فقال: ألا وقول الزور ألا وشهادة الزور فما زال يكررها حتى قلنا ليته سكت".
ومن ذلك عقوق الوالدين، وقطيعة الأرحام، قال تعالى:{فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحاكم أولئك الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم} . والله تعالى قد أوصى بالوالدين إحساناً، وأوجب برهما.
وقرن حقهما بحقه، قال تعالى:{واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً وبالوالدين إحسانا وبذي القربى واليتامى والمساكين والجار ذي القربى والجار الجنب والصاحب الجنب وابن السبيل وما ملكت أيمانكم إن الله لا يحب من كان مختالاً فخوراً} . فهذه الآية تسمى آية الحقوق العشرة، لأنها جمعت عشرة حقوق أولها حق الله تعالى، وحق الوالدين مقرون بحقه تعالى لعظمه، وكذلك
حق ذي القربى يلي حق الوالدين، وفي الحديث:"من أحب أن ينسأ له في أجله ويبسط له في رزقه فليصل رحمه". ومن ذلك حرمان بعض الورثة من ميراثهم الذي فرضه الله لهم، خصوصاً النساء والضعيف، كما يفعل في بعض البلدن جنوبي المملكة، وفي الحديث:"من قطع ميراثاً فرضه الله قطع الله ميراثه من الجنة". رواه ابن ماجه. ومن ذلك الجور في الوصية والوقوف وحرمان بعض الورثة من ريعه، فإن هذا تحيل لا يحل ولا يجوز، وفي حديث أبي هريرة مرفوعاً "إن الرجل ليعمل أو المرأة بطاعة الله سبعين سنة ثم يحضرهما الموت فيضاران في الوصية فتجب لهما النار، ثم قرأ أبو هريرة:{من بعد وصية يوصى بها أو دين غير مضار} . ومن ذلك التلاعب بالزكاة والمحاباة فيها وعدم صرفها في مصارفها الشرعية، والله سبحانه وتعالى قد بين مستحقيها بقوله:{إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم} .
فصدرها الله سبحانه وتعالى بحرف (إنما) المفيدة للحصر، وبين أن أهلها ثمانية أصناف، فلا يحل صرفها إلى أحد غيرهم مهما كان، ومن ذلك إطلاق اللسان في السب والشتم الغيبة والنميمة ولعن المعين من آدمي أو حيوان أو غير ذلك؛ وآفات اللسان كثيرة يتعين على المسلم أن يتفطن لها ويحذرها، وكذلك ما يتعلق بالقلب: من الكبر، والحسد، والغش، والخيانة، والخديعة، وغير ذلك؛ وفي حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه:"وهل يكب الناس في النار على وجوههم أو قال على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم".
نسأل الله تعالى أن يهدينا وإياكم صراطه المستقيم، وأن ينصر دينه ويعلي كلمته، ويذل أعدائه. إنه جواد كريم، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم أجمعين.
(ص/ف 641 في 28/4/1382هـ)
(4534- نصيحة عامة)
من محمد بن إبراهيم إلى ن يراه من المسلمين، نفعني الله وإياهم بالنصائح، وجنبنا جميعاً أسباب الخزي والفضائح. آمين.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد:
فقد قال تعالى: {وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين} . وقال تعالى: {وذكر بأيام الله} . وأخبر تعالى أنه أخذ الميثاق على أهل العلم بتبيين ما لديهم
للناس، ونهاهم عن كتمانه، فقال تعالى:{وإذا أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه} . وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "الدين النصيحة، قلنا: لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم". وأهم ما يقع به التناصح والتذكير معرفة ما بعث الله به نبيه محمد صلى الله عليه وسلم من تحقيق التوحيد بأنواعه، علما، وعملاً، وحالاً، ومحبة، ودعوة إليه، ومعرفة ما يضاده من الشرك بأنواعه، أو يضاد كماله الواجب، أو ينقصه من الذنوب والمعاصي كبائرها وصغائرها واجتنابها والنهي عنها، وكذلك تحقيق متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم وتحكيم شريعته، واتباع سنته التي لا يزيغ عنها إلا هالك، ثم أمر الصلاة وإقامتها بشروطها وأركانها وواجباتها وسننها، وإقامتها جماعة في المساجد، وكذلك ما يشترط لها من الطهارة بأنواعها وإزالة النجاسات وما يتعلق بذلك. ثم أمر الزكاة، والصيام، وحج بيت الله الحرام، ثم بقية شعب الإيمان وشعائر الإسلام، على حسب مراتبها، ففي الحديث:"الإيمان بضع وستون أو بضع وسبعون شعبة فأعلاها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق والحياء شعبة من الإيمان".
ومن ذلك بر الوالدين، والإحسان إليهما بكل ما يعد إحساناً، سواء الأقوال، أو الأفعال، أو بالأموال، فإن الله عظم ذلك وقرن حقه بحقهما في مثل قوله تعالى:{واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً وبالوالدين إحساناً} . وبعض الناس والعياذ بالله يستهين بحقوق والديه، حتى ربما انتهى به إلى العقوق عكس الإحسان الذي أمر الله به، وهذا من كبائر الذنوب أجارنا الله وإياكم منها، ومن ذلك صلة الأرحام والأقارب، والآيات والأحاديث والآثار في ذلك كثيرة معروفة مثل قوله صلى الله عليه وسلم:"من أحب أن ينسأ له في أجله ويبسط له في رزقه فليصل رحمه" وفي الحديث: "أن الله تعالى قال للرحم: من وصلك وصلته ومن قطعك قطعته". ومن ذلك إكرام الجار وأداء حقوقه، وقد جعل النبي صلى الله عليه وسلم إكرام الجار من الإيمان، فقال:"من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره". ومن ذلك مناصحة أصحاب الذنوب والمعاصي، وتحذيرهم منها، وتنبيههم على شؤم عواقبها، والإنكار عليهم، والأخذ على أيديهم من كل من له قدرة واستطاعة على حسب حاله - ففي الحديث: "من رأى منكم منكراً فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك
أضعف الإيمان". والمناصحة والتذكير من الأمور اللازمة التي لا تختص بأحد دون غيره، وإن كانت تختلف باختلاف الأحوال والأشخاص؛ فيجب على ولاة الأمور وخواص المسلمين وطلبة العلم أكثر مما يجب على من دونهم.
ومما ينبغي التفطن له ما ابتلى به كثير من الناس من الإسراف في المباحات والانغماس في الترف وإعطاء النفس جميع ما تميل إليه من حظوظها وشهواتها وملاذها، وهذا وإن كان أصله من جنس المباحات فقد يحتف به من الأحوال ما يجعله من الممنوعات، وقد نعى الله على قوم مثل ذلك بقوله تعالى:{أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها} . وعن فضالة بن عبيد قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينها نا عن كثير من الأرفاه ويأمرنا بالاحتفاء أحياناً" رواه أبو دود، وورد في الأثر: تمعددوا، واخشوشنوا، ومن ذلك ما ابتلي به بعض الناس من حلق لحاهم والقص منها، وهذا من تزيين الشيطان، ومن التشبه الممنوع، وفي الحديث:"اعفوا اللحى" وفي لفظ: "وفروا اللحى وحفوا الشوارب ولا تشبهوا بالمجوس". ومثله ما أغرى به بعض الشباب وغيرهم من حلق بعض الرأس أو قصه وترك باقيه، كالذي يسمونه (التواليت) وهذا مع ما فيه من التشبه المذموم فهو من القزع المنهي عنه؛ فقد روى أبو داود، عن ابن عمر "أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن القزع، وقال: احلقه كله أو دعه كله".
وكذلك الإسبال في الثياب، والتبختر في المشية، وفي المسند عن ابن عمر يرفعه:"من تعاظم في نفسه واختال في مشيته لقي الله وهو عليه غضبان" وفي حديث آخر: "لا ينظر الله إلى من جر إزاره خيلاء"، وورد أيضاً:"ما أسفل من الكعبين فهو في النار". ومن ذلك تبرج النساء وخروجهن بالزينة والحلي والطيب ونحو لك، وهذا من المنكرات الظاهرة التي لا يحل السكوت عليها قال تعالى:{وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها} . وفي الحديث: أيما امرأة استعطرت فمرت على قوم ليجدوا ريحتها فهي زانية".
ومن ذلك ما روجه دعاة الباطل من نشر هذه "المجلات" التي في التصاوير الخلاعية، والمقالات الردية، المخالفة لما عليه المسلمون، وهذا يفتح باب الشر على من أولع به من الشباب وغيرهم، فإذا انضم إلى ذلك انكبابهم على سماع الإذاعات الخليعة وآلات الملاهي فلا تسأل عن ما ينتجه من المفاسد
التي من أهونها تضييع الأوقات وإنفاق الأموال بالباطل وغير ذلك.
ومما يجب التنبيه له صيانة اللسان عن الكذب والغيبة والنميمة وقول الزور، وكذلك مسائل القذف ولاشتم والسباب ونحوها، وهذا وياللأسف موجود بين كثير من النسا، وبسبب التهاون في إنكاره شاع وكثر وقل من تنبه له، ويلحق بهذا إطلاق الألسن في الأقوال الساقطة والتي لا حقيقة لا، لنهيه صلى الله عليه وسلم:"عن قيل وقال وكثرة السؤال وإضاعة المال".
ومن ذلك الغش في المعاملات والتدليس وتعاطي العقود المحرمة مثل عقود الجهالة والغرر ونحوها، وكذلك العقود الربوية على اختلاف أنواعها؛ ففي الحديث:"الربا نيف وسبعون حوباً أيسرها مثل أن ينكح الرجل أمه وإن من أربى الربا استطالة المرء في عرض أخيه المسلم".
ومن ذلك التهاون في الأيمان وكثرة الحلف، لا سيما إن كان لتنفيق السلع، فقد خرج مسلم والأربعة، عن أبي ذر رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"ثلاثة لا ينظر الله إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم" قال فقرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث مرات. قلت: خابوا وخسروا من هم يا رسول الله؟ قال: المسبل والمنان والمنفق سلعته بالحلف الكاذب".
ومن ذلك شرب المسكرات والمخدرات كالخمر والحشيش والأفيون والتنباك ونحوها، وفي صحيح مسلم من حديث جابر؛ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كل ما أسكر حرام وإن على الله عقداً لمن شرب المسكر أن يسقيه من طينة الخبال. قالي: وما طينة الخبال؟ قال: عرق أهل النار، أو قال: عصارة أهل النار" وروى أبو داود: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن كل مسكر ومفتر".
ومن ذلك ملاحظة الشباب وحفظهم وتربيتهم التربية الشرعية الدينية، وتهذيب أخلاقهم، عن رديء الكلام ومخالطة الأشرار، قال الله تعالى:{يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم ناراً} وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "والذي نفسي بيده، لتأمرون بالمعروف ولتنهون ن المنكر ولتأخذن على يد السفيه ولتأطرنه على الحق أطرا أو ليضربن الله بقلوب بعضكم على بعض ثم يلعنكم كما لعنهم". وقال صلى الله عليه وسلم: "كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته". فأولياء الشباب مسئولون عنهم، ولا يحل لهم إهمالهم، بل يجب عليهم صيانتهم والاعتناء بهم،
وتعليمهم العلوم الشرعية، وتجنيبهم جميع الأمور المضرة لأديانهم وعقولهم وأخلاقهم ومعارفهم.
ومما يجب على العموم تقوى الله ومراقبته بإدامة ذكره وشكره، والإنابة إليه، والاستغفار لما يقع من العبد من غفلة وتقصير، وفي الحديث:"كل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابون".
نسأل الله أن ينصر دينه، ويعلي كلمته، ويذك أعداءه، وأن يختم بالصالحات أعمالنا، ويجعلها خالصة لوجهه الكريم، وأن يجعلنا وإياكم من أهل البشرى الذين قال الله فيهم:{فَبِشِّرْ عِبَادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الأَلْبَابِ} . وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
(طبعت في مطابع الرياض ووزعت على أئمة المساجد)
(4535- نصيحة عامة)
من محمد بن إبراهيم إلى من يراه من المسلمين، بصرني الله وإياكم في الدين، وفقهني فيما بعث به محمداً صلى الله عليه وسلم سيد المرسلين. وبعد:
فالحامل على هذا تذكيركم نعم ربكم لتشكروه، وتحذيركم أسباب نقمه لتتقوه، وقياماً بما أوجب الله علينا من النصيحة، وقد قال تعالى:{وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين} . وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "الدين النصيحة. قالها ثلاثاً. قلنا لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم". فجعل الدين محصوراً في النصيحة، لأنها تتضمن أصوله وفروعه وقواعده المهمة، فيدخل في النصيحة لله الإيمان بالله، ومحبته وخشيته، والخضوع له، وتعظيم أمره، وتنزيهه عما لا يليق بجلاله وعظمته من تعطيل وإلحاد وشرك وتكذيب، لأن النصيحة لله خلوص الباطن والسر من الغش والريب والغل والحقد والتكذيب وكل ما يضاد كمال الإيمان ويعارضه، وكذلك النصيحة لكتابه تتضمن العمل بمحكمه والإيمان بمتشابهه وتحليل حلاله وتحريم حرامه والاعتبار بأمثاله والوقوف عند عجائبه ورد مسائل النزاع إليه وترك الإلحاد في ألفاظه ومعانيه. والنصح لرسوله يقتضي الإيمان به وتصديقه ومحبته وتوقيره وتعزيره ومتابعته والانقياد لحكمه والتسليم لأمره وتقديمه على كل ما عارضه
وخالفه من هوى أو بدعة أو قول. والنصح لأئمة المسلمين أمرهم بطاعة الله ورسوله، وطاعتهم في المعروف، ومعاونتهم على القيام بأمر الله، وترك مشاقتهم ومنازعتهم. والنصح لعامة المسلمين هو تعليمهم وإرشادهم لما فيه صلاحهم وفلاحهم، والرفق بهن، وكفهم عما فيه هلاكهم وشقاؤهم وذهاب دينهم ودنياهم من معصية الله ورسوله ومخالفة أمره ومشابهة الجاهلين فيما كانوا عليه من التفرق والاختلاف وترك الحقوق الإسلامية.
وأعظم نعمة أذكركم بها ما من الله به على المسلمين من نعمة الإسلام فإنه ما طرق العالم ولا يطرقه نعمة هي أعظم وأكبر من هذه النعمة التي من بها جل شأنه على عباده بواسطة من اصطفاهم من رسله بتبليغ رسالاته وأداء هذه الأمانة إلى أن اختارهم من برياته، وأوصيكم ونفسي بتقوى الله عز وجل التي هي حقيقة شكر هذه النعمة، فإنها جماع الدين، وقد وصى الله تعالى بها عباده في غير موضع من كتابه قال تعالى:{أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ - إلى قوله - وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ} . وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً} . وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} . إلى غير ذلك من الآيات وجعل جزاء المتقين توفيقهم للفرقان بين الحق والباطل، وتكفير السيئات، ومغفرة الخطيئات، قال تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ} . ولا نجاة لأحد من النار بعد ووردها إلا بالتقوى، قال تعالى:{وَإِن مِّنكُمْ إِلَاّ وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْماً مَّقْضِياًّ ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِياًّ} . وهي وصية الله تعالى لعباده أولهم وآخرهم، قال تعالى:{وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ} .
ووصية الرسول صلى الله عليه وسلم لأمته عموماً وخصوصاً، كما قال صلى الله عليه وسلم لما طلب منه الصحابة رضي الله عنهم الوصية:"أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة". وقال لمعاذ بن جبل رضي الله عنه حين بعثه إلى اليمن وأبي ذر رضي الله عنه حين طلب منه الوصية: "اتق الله حينما كنت".
وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَاّ وَأَنتُم
مُّسْلِمُونَ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} .
قال ابن مسعود: تقوى الله حق تقاته أن يطاع فلا يعطى، ويذكر فلا ينسى، ويشكر فلا يكفر، وقال طلق بن حبيب في تفسيرها: أن تعمل بطاعة الله، على نور من الله، ترجو ثواب الله، وأ، تترك معصية الله، على نور من الله، تخشى عقاب الله، وللسف في تفسر (التقوى) عبارات متقاربة المعنى، وحقيقتها جعل العباد بينهم وبين غضب الله وعقابه وقاية تقيهم ذلك بفعل الطاعات وترك المعاصي، وأعظم خصال التقوى وآكدها وأصلها ورأسها إفراد الله تعالى بالعبادة، وإفراد رسوله صلى الله عليه وسلم بالمتابعة، فلا يدعى مع الله أحد من الخلق كائناً من كان، ولا يتبع في الدين غير الرسول صلى الله عليه وسلم، ولا يحكم غير ما جاء به صلى الله عليه وسلم، ولا يرد عند التنازع إلا إليه، وهذا هو مضمون شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فيفرد الرب سبحانه وتعالى بجميع أنواع العبادة من غاية الحب وإكمال الذل له جل شأنه، وخشيته، ومخافته، ورجاؤه، والتوكل عليه، والرهبة والرغبة والإنابة إليه، والخشوع له، إلى غير ذلك من أنواع العبادة الواجب صرفها له وحده لا شريك له دون كل من سواه من الأنبياء والملائكة والصالحين وغيرهم، ويفرد الرسول صلى الله عليه وسلم بالمتابعة والتحكيم عند التنازع، فمن دعا غير الله من الأنبياء والأولياء والصالحين فما شهد أن لا إله إلا الله شاء أم أبى، ومن أطاع غير الرسول صلى الله عليه وسلم وتبعه في خلاف ما جاء به الرسول عالماً وحكّم القوانين الوضعية أو حكم بها فما شهد أن محمداً رسول الله شاء أو أبى، بل إما أن يكون كافراً أو تاركاً لواجب شهادة أن محمداً رسول الله، ويتبع هذين الأصلين العظيمين فعل بقية فرائض الدين وواجباته التي أوجبها تعالى في كتابه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم مما هو داخل في واجب التقوى، ومن أهم خصال التقوى الصلاة، والجهاد في سبيل الله، والجهاد على مراتب عديدة من أشهرها وآكدها الأمر بالمعروف والنهي
عن المنكر، ولا قوام للعباد والبلاد بدونهما. "والمعروف" اسم عام يتناول التوحيد فما دونه من الطاعات، وكذا "المنكر" يشمل الشرك فما دونه من البدع والمعاصي.
ومن أعظم الجرائم تعاطي المسكرات من الخمور وغيرها. ومن المنكرات
جميع أنواع الميسر وهو القمار بجميع أنواعه، ومن أنواعه اللعب بالورق المسمى "الزنجفة" سواء كان اللعب به على عوض أو لا. قال تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الخَمْرُ وَالمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ العَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ} . والأحاديث في تغليظ تحريم الخمر والميسر ووجوب الحد في الخمر وشدة الوعيد فيه معلومة.
ومن أعظم المعاصي استعمال "الملاهي" من الفتح على السينما وغيرها، ولا سيما ما يشتمل على المناظر والمسامع المحرمة، فإنها تشتمل من الصد عن ذكر الله وعن الصلاة والإغواء بالفواحش وغير ذلك ما يعرفه أرباب البصائر.
ومن أكبر المنكرات إكباب الجهال والشباب على مطالعة كتب الزيغ والإلحاد والزندقة والصحف المشتملة على ذلك وعلى الصور الخليعة، فما أحرى من أدمن النظر فيها من الشباب ونحوهم أن يصبح أسيراً للشيطان، إن لم يقتله بالكلية ويسلبه جميع الإيمان.
ومن المنكرات التشبه بالكفار، ولا فرق بين الأمور الدينية والعادية كالزي ونحوه، وروى أبو داود بسند جيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"من تشبه بقوم فهو منهم" ويدخل فيه حلق اللحى، لما روى البخاري ومسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"خالفوا المشركين أحفوا الشوارب وأعفوا اللحى".
ومن أعظم المنكرات تصوير ذوات الأرواح واتخاذها واستعمالها، ولا فرق بين المجسد وما في الأوراق مما أخذ بالآلة وغيره ذكر معناه النووي رحمه الله في شرح صحيح مسلم، وذكر أنه مذهب الأئمة الأربعة، والأحاديث في الوعيد على ذلك والتغليظ فيه معلومة، وأغلظ أنواعه صور المعظمين على وجه التعظيم والتبجيل، وهذا أحد الذريعتين المغلظتين إلى الوقوع في الشرك الأكبر، وهما فتنة القبور وفتنة التماثيل المشار إليها في قوله صلى الله عليه وسلم:"أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح أو العبد الصالح بنوا على قبره مسجداً وصوروا فيه تلك الصور أولئك شرار الخلق عند الله".
ومن أعظم المنكرات وأشدها ضرراً فشو "الأغاني" من الراديوات، واستيلاؤها على ألسنة كثير، وشغف قلوبهم بها، فاستبدل كثير من الناس عمارة بيوتهم بأنواع الأذكار وتلاوة القرآن آناء الليل وآناء النهار بأغاني أم كلثوم
وفلان وفلان، من مشاهير المغنيين الفجار (بئس للظالمين بدلاً) فيالله ما أخسر صفقة أصحاب هذا الاستبدال، وما أسوأ وأقبح هذا التحول والنتقال.
ومن أكبر الكبائر وأعظم المنكرات بل هو من جملة المكفرات ترك الصلاة، فإنها قرينة التوحيد في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وهي آخر ما يفقد من الدين، كما قال صلى الله عليه وسلم:"أول ما تفقدون من دينكم الأمانة وآخر ما تفقدون من دينكم الصلاة". قال الإمام أحمد رحمه الله: كل شيء ذهب آخره لم يبق منه شيء، وهي عمود الدين كما تقدم في حديث معاذ، وهي أول مايحاسب عنه العبد يوم القيامة، كما قال صلى الله عليه وسلم:"أو ما يحاسب عنه العبد من عمله الصلاة". وتركها تهاوناً وكسلا مبيح للدم بعد أن يدعى تاركها إلى فعلها ويستتاب ثلاثاً، فإن تاب ورجع إلى فعلها، فذاك، وإلا تحتم قتله حداً عند قوم، وردة عند آخرين، وهو الراجح، وهو قول جمهور السلف من الصحابة والتابعين، بل قد نقل إسحاق بن راهويه رحمه الله الإجماع على أنه كافر، ومن الأدلة على كفره ما تقدم، وحديث:"بين العبد وبين الكفر أو الشرك ترك الصلاة". وحديث: "العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر". وقال عبد الله ابن شقيق: كا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يرون شيئاً من الأعمال تركه كفر إلا الصلاة. وقال ابن مسعود في تفسير قوله تعالى: {فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات} . قال: هم الذين يؤخرونها عن وقتها ولو تركوها لكانوا كفاراً.
وهاهنا منكر فوق ما يخطر بالبال ويدور في الخيال، وأعظم ما قدمناه من جميع المنكرات، وهو منكر عدم تغيير المنكرات، وعدم الغيرة لمحارم فاطر الأرض والسموات، والتماوت في ذلك، والتسويف فيه، والاغترار بهذه الزهرة الذاوية عن قرب، مع القدرة على التغيير، ولهذا اشتد في ذلك الوعيد وغلظ فيه التهديد، قال الله تعالى:{لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ} .
وروى الترمذي عن حذيفة، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عذاباً من
عنده، ثم لتدعنه فلا يستجاب لكم". وروى ابن ماجه والترمذي وصححه، عن أبي بكر الصديق قال: يا أيها الناس إنكم تقرأون هذه الآية: "يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم} . فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن الناس إذا رأوا منكراً فلم يغيروه أوشك أن يعمهم الله بعقابه". ولأحمد: إنكم تقرأون هذه الآية وتضعونها في غير موضعها، فذكره. وروى الترمذي وأبو داود، عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لما وقعت بنو إسرائيل في المعاصي نهتهم علماؤهم فلم ينتهوا فجالسوهم في مجالسهم وآكلوهم وشاربوهم فضرب الله قلوب بعضهم ببعض، ولعنهم على لسان داود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون". قال: "فجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان متكئاً فقال: لا والذي نفسي بيده حتى تأطروهم أطراً". وفي رواية أبي داود قال: "كلا والله لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر ولتأخذون على يد الظالم ولتأطرونه على الحق أطراً أو ليضربن الله بقلوب بعضكم على بعض ثم يلعنكم كم لعنهم".
فيا أمراء المسلمين ويا حماة الدين ويا علماء شرع رب العالمين، ويا كافة إخواننا المسمين الله الله أن تستلب نعمتكم عياناً وأنتم تقدرون على ثبوتها فيكم، ألا وهي نعمة التوحيد، وتحكيم شريعة المحمدية، وحفظ المحارم والأولاد والعز والشرف، واعصموا بالله جميعاً في إقامة الحق والقضاء على جميع المنكرات، والأخذ على أيدي السفهاء والعصاة، من قبل أن يحل بكم ما حل بمن قبلكم من سالف الأمم:"سنة اله قد خلت من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلاً " فعلى العلماء إقامة الحجة وإيضاح المحجة، وأخذ ما جاء به نبيهم محمد صلى الله عليه وسلم بالقوة، وأن يقوموا بواجب التعليم أعني تعليم العلوم الشرعية، المبعوث بها صفوة الخلق وخيرة البرية، علوم العقائد، والتوحيد بنوعيه، والعبادات، وعلوم الإيمان باليوم الآخر، وعلوم الحلال والحرام.
هذا والله هو العلم، وما سواه من أنواع العلوم المباحة في ذاتها إن لم يكن معيناً ومؤيداً لهذا العلم وموصلاً إلى إجتناء ثمراته، وخادماً له في كافة حالاته، فإن الجهل به خير من العلم، وعلى ولاة المسلمين تجريد صوارم العزمات، ومتابعة صواعق التغليظ والتهديدات، والضرب على أيدي العصاة بيد من حديد،
ليرجعوا إلى نجاتهم وحياتهم، وأن يؤكدوا على العلماء فرداً فرداً غاية التأكيد أن يقوموا بواجبهم ويساعدوهم، ويشدوا أعضادهم بالتنفيذ، وليعلم أن طريق إزالة المنكرات من أبين شيء لسالكيه، وأسهل مطلوب لراغبيه، إن صدقنا الموقف: أيا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين} . وصلى الله على محمد. (18/3/1378هـ) .
(هذه النصيحة قدمه الأخ حسن بن محمد الخطيب)
(4536- نصيحة عامة)
من محمد بن إبراهيم بن عبد اللطيف آل الشيخ.
إلى ما تبلغه هذه النصيحة من المسلمين، سلك الله بي وبهم صراطه المستقيم، ووفقني وإياهم للتمسك بشرائع الدين القويم، وجنبني وإياهم جميع الأسباب والوسائل المفضية بسالكها إلى سبيل الجحيم. آمين.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد:
فالموجب لهذا هو تذكيركم والنصيحة لكم، امتثالاً لقول الله تعالى:{وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين} . وقوله صلى الله عليه وسلم: {الدين النصيحة ثلاثاً، قلنا لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم ". فأذكركم بما منّ الله به عليكم من التوحيد ومعرفة دين الإسلام والاهتداء بهديه والاستضاءة بنوره، مع ما انضم إلى ذلك مما أنعم الله به من هذه الولاية الدينية العامة التي ساعد الأمن فيها وانتشر، وجرت ونفذت فيها أحكام الشريعة الإسلامية على الكبير والصغير والحر والعبد، فلله ربنا مريد الحمد والثناء، فاشكروا عباد الله هذه النعمة، واغتبطوا بها، وارعها حق رعايتها، واقدروها حق قدرها، وتحدثوا بها كثيراً، وتواصوا فيما بينكم بالتمسك بما يحفظها، والتحذير من ارتكاب أسباب زوالها وقرارها، فإن النعم إذا شكرت درت وتزايدت وقرت، وإذا كفرت تناقصت وانمحقت وفرت، قال الله تبارك وتعالى: {وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد} . وأنصحكم وأوصيكم بتقوى الله تبارك وتعالى فإنها هي وصية الله للأولين والآخرين، قال الله تعالى:{وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ وَإِن تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ غَنِياًّ حَمِيداً} .
وحقيقة التقوى أن يجعل العبد بينه وبين غضب الله وعقابه وقاية
تقيه ذلك بفعل الطاعات وترك المعاصي، فيجب على الولاة تقوى الله وخشيته فيما ولاهم الله عليه من أمر دين المسلمين ودنياهم، كم يجب على العلماء تقوى الله وخشيته فيما علمهم الله من العلم وآتاهم، والعمل بما منّ الله عليهم من ذلك وحباهم، وكما يجب على جميع من ولي أمراً من أمور المسلمين تقوى الله وخشيته فيما ولي عليه، والنصح في ذلك والأمانة، ويجب عليهم وعلى سائر المسلمين تقوى الله وخشيته في جميع ما خلقوا له وتعبدوا به وعلقت أمانته في أعناقهم منفعل الطاعات، وترك المعاصي والمنكرات.
فأوجب الواجبات إخلاص العمل لله وحده، وتجريد المتابعة للرسول صلى الله عليه وسلم، وأنكر المنكرات الشرك بالله، والابتداع في الدين بشرع ما لم يأذن به الله، ومن أهم فرائض الدين الصلاة وهي أعظم أركان الإسلام بعد الشهادتين، وهي عمود الدين، كما في الحديث:"رأس هذا الأمر الإسلام وعموه الصلاة". وتركها ولو تهاوناً وكسلاً كفر ناقل عن الملة، ومبيح للدم والمال، كما في الحديث:"بين العبد وبين الكفر ترك الصلاة". وفيه أيضاً: "العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر". وفيه أيضاً: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها".
ومما يجب للصلاة أداؤها في جماعة، وقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه هم بالانطلاق برجال معهم حزم من حطب إلى قوم لا يشهدون الصلاة في جماعة فيحرق عليهم بيوتهم بالنار، وفي رواية:"لولا ما فيها من النساء والذرية أحرقتها عليهم".
ومن أهم واجبات الدين أيضاً أداء الزكاة، وهي آكد أركان الإسلام بعد الشهادتين والصلاة، وهي حق المال ويقاتل مانعها للحديث المتقدم، وقال الخليفة الراشد أبو بكر الصديق رضي الله عنه: لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة. ويلتزم فيها الإخلاص، وأن لا تعطى إلا مستحقها شرعاً، والأفضل أن يخص بصدقته أقاربه الذين لا تلزمه مؤنتهم، أما إعطاء الزكاة لمن لا يستحقها أو لأقاربه الذين تلزمه مؤنتهم فإنه لا تبرأ به ذمته، ولا يجزيه في تأديتها، وتدفع زكاة الأموال الظاهرة إلى الساعي، وتبرأ بذلك الذمة، وعلى الولاة في ذلك تقوى الله بأن يصرفوا ما جبوه من ذلك مصارفه الشرعية.
ومن واجبات الدين صيام شهر رمضان، وهو أحد أركان الإسلام الخمسة، قال الله تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} . وفي الحديث: "من أفطر يوماً من رمضان من غير عذر لم يجزه صيام الدهر وإن صامه ". وقد ورد في حديث أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يبشر أصحابه عند قدوم رمضان فيقول:"قد جاءك شهر رمضان شهر مبارك كتب الله عليكم صيامه تفتح فيه أبواب السماء وتغلق فيه أبواب جهنم، وتغل فيه الشياطين، فيه ليلة خير من ألف شهر من حُرم خيرها فقد حرم". وينبغي للصائم أن يلزم في صيامه جانب الأدب والوقار، وأن يكون لسانه رطباً من ذكر الله وتلاوة كتابه العزيزي، وعليه أن يحفظ لسانه ونفسه من كل ما يفسد عليه صيامه من الغيبة والبهت والنميمة وجميع أنواع المعاصي والفجور، ففي الحديث عنه صلى الله عليه وسلم:"من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه". وروى الإمام أحمد عن عبيد مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أن امرأتين صامتا، وأن رجلاً قال: يا رسول الله إن هاهنا امرأتين قد صامتا، وإنهما قد كادتا أن تموتا من العطش فأعرض عنه، أو سكت، ثم عاد وأراه قال فجاءتا، قال: فجيء بقدح أو عس فقال لإحداهما: قيئ فقاءت قيحاً ودماً وصديداً ولحماً حتى ملأت نصف القدح. ثم قال للأخرى: قيئ، فقاءت من قيح وصديد ولحم عبيط حتى ملأت القدح، ثم قال: إن هاتين صامتا على ما أحل الله لهما وأفطرتا على ما حرم الله عليهما، جلست إحداهما إلى الأخرى فجعلتا تأكلان لحوم الناس".
ومن واجبات الدين على المستطيع وأحد أركان الإسلام حج بيت الله الحرام، قال الله تعالى:{ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً ومن كفر فإن الله غني عن العالمين} . وقال أبو هريرة رضي الله عنه: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "يا أيها الناس إن الله قد فرض عليكم الحج فحجوا". الحديث. وعلى الحاج أن يجتنب في حجه الرفث والفسوق والمراء، وأن لا يقصد بحجه رياء، ولا سمعة، وأن يطيب نفقته في الحج، وأن لا تكون من كسب حرام، فبذلك يتم بر حجه، ويتحقق له الثواب الجزيل وهو الجنة،
كما في الحديث: "الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة".
وها هنا أمر ينبي التفطن له وهو أن كثيراً ممن يحج لا يهتم من هذه الفريضة، فلا يتعلم أحكامها، ولا يسأل أهل العلم عن ذلك، وقد قال تعالى:{فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون} . ولهذا يقع من كثير من هؤلاء الإخلال ببعض الواجبات، وفعل بعض المحظورات مما قد يفسد حجه من أصله أو ينقصه التنقيص الذي يأثم به.
ومن واجبات الدين تناصح المسلمين وتذاكر بعضهم مع بعض في القيام بفعل ما أمر الله به ورسوله، واجتناب ما نهى الله عنه ورسوله.
ومن أوجب الواجبات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على الوجه الشرعي، وإقامة الحدود والتعازير على النهج المرعي، قال الله تعالى:"كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله} . وقال صلى الله عليه وسلم: "لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر ولتأخذون على يد السفيه ولتأطرنه على الحق أطراً أو ليضربن الله قلوب بعضكم ببعض ثم يلعنكم كما لعن من قبلكم". قال الله تعالى: {لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ تَرَى كَثِيراً مِّنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ أَن سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي العَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوَهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيراً مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ} فإن القيام بما فرض الله على العباد من فعل الطاعات وترك المعاصي والفساد، صلاح للبلاد والعباد، واستجلاب للبركات، ودفع للنقمات، وسبب إجابة الدعوات، قال الله تعالى:{وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ القُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَكِن كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} . وقال تعالى: {وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِم مِّن رَّبِّهِمْ لأَكَلُوا مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم} الآية.
وبالجملة فكل فساد ونقص في العلوم والأعمال والعقول والسياسة والمعايش وغير ذلك فسببه المعاصي، قال الله تعالى:{ظَهَرَ الفَسَادُ فِي البَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} . وقال تعالى: {وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ} .
ومن الواجب أيضاً رد المظالم إلى أربابها أو تحللهم منها، فإن حقوق العباد أمرها عظيم، وهي مبنية على المشاحة والمضايقة، وهي الديوان الذي لا يترك الله منه شيئاً في الآخرة، ومن فرائض الدين أيضاً اجتناب المحرمات، ومن الزنا واللواط وشرب المسكرات، والربا في المعاملات، والعقود المحرمة، والغش، والخيانة في الأمانات، والتطفيف في المكيال والميزان، واستعمال آلات الملاهي، ومخالطة الرجال بالنساء، وخلوة الرجل بالمرأة الأجنبية، والسرقة، وعقوق الوالدين، وقطيعة الأرحام، وأكل أموال الناس بالباطل، وأكل مال اليتيم، والكذب، والخديعة للمسلم، والتهاجر، والتباغض، والتدابر، والبهت، والغيبة للمسلم، والشحناء، والسخرية بالمسلمين، وإسبال الثياب والكبر، والحسد، وغير ذلك من المحرمات، ومنها أيضاً الاستهزاء بشيء من أمور الدين، بل ذلك من الكفريات.
ومن المحرمات أيضاً التشبه بالكفار في أعمالهم وزيهم من لباس وغيره، قال صلى الله عليه وسلم:"ومن تشبه بقوم فهو منهم".
ومن أعظم الفروض وأهم ما يهتم به اعتناء المسلمين بنشئهم، وأن يوجهوهم التوجيه الديني النافع لهم في دنياهم وأخراهم، وأن يأخذوهم بالتزام أصولهم الدينية التي هي التمسك بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، واعتقاد ما اعتقده السلف الصالح مما نالوا به العز والكرامة، وحازوا به شرف الدنيا والآخرة، وأن يغلقوا عنهم جميع الأبواب العائدة بفساد عقائدهم وأخلاقهم، قال الله تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدادٌ لَاّ يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} .
هذا وأسأل الله عز شانه أن ينصر دينه، ويعلي كلمته، وأن يوفق إمام المسلمين، وأن يأخذ بنواصينا جميعاً، وأن يتولانا بلطفه، ويشملنا بعفوه، إنه على كل شيء قدير، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
14/9/1373هـ
(وهي موجودة أيضاً في الدرر السنية ص143) .
(4537- نصيحة عامة)
من محمد بن إبراهيم إلى من يراه من المسلمين وفقني الله وإياكم لقبول النصائح وجنبنا جميعاً موجبات المخازي والفضائح آمين.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد:
فإن الله تبارك وتعالى قد أوجب النصيحة والبيان، وحرم الغش والكتمان، قال الله تعالى:{وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناًّ قَلِيلاً فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ} . وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "الدين النصيحة" إلى آخره. وقد أمر الله بالتذكير، وأخبر أن الذكرى تنقع المؤمنين، قال تعالى:{وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ المُؤْمِنِينَ} . وقال تعالى: {وَذَكِّرْهُم بِأَيَّامِ اللَّهِ} . وهذا يشمل التذكير بالنصوص القرآنية، وصحاح الأحاديث النبوية، المشتملة على الأمر بطاعته سبحانه وتعالى، وطاعة رسله، والتحذير من معصيته ومعصية رسله، وبيان ما في امتثال أوامره وترك زواجره من حصول الخيرات، وحلول البركات، واندفاع النقمات، وما في معصيته تعالى ومخالفة أمره من محق البركات، في العلوم والأعمال والأعمار والمكاسب وجميع التصرفات، ويشمل أيضاً التذكير بأيام الله تعالى في خلقه وما أحل بمن عصوا رسله من المثلات، وسائر ألوان الأخذ والعقوبات، مما يكون من أعظم واعظ لمن في قلبه أدنى حياة، إذا عرف ذلك فإن المعاصي هي أسباب كل نقص وشر وفساد في الأديان والبلاد والعباد، كما قال تعالى:{وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ} .
فما أهبط الأبوين من الجنة دار اللذة والنعيم والبهجة والسرور إلى دار الآلام والأحزان والمصائب إلا معصيتهما بأكلهما لقمة من الشجرة التي نهيا عن الأكل منها، وما أخرج إبليس من ملكوت السماء وطرده ولعنه ومسخ ظاهره وباطنه وجعلت صورته أقبح صورة وأشنعها وباطنه أقبح من صورته وأشنع غير معصيته بامتناعه من سجدة واحدة أمر أن يسجدها، وما الذي أغرق أهل الأرض كلهم حتى علا الماء فوق رءوس الجبال، وما الذي سلط الريح العقيم على قوم عاد حتى ألقتهم موتى على وجه الأرض كأنهم أعجاز نخل خاوية، وما الذين رفع قرى اللوطية حتى سمعت الملائكة نباح كلابهم ثم قبلها عليهم واتبعوا بحجارة من سجيل، وما الذي أرسل على قوم شعيب سحاب العذاب كالظلل فلما صار
فوق رؤوسهم أمطر عليهم ناراً تلظى، وما الذي أغرق فرعون وقومه في البحر، ثم نقلت أرواحهم إلى نار جهنم، فأبدانهم للغرق، وأرواحهم للنار، والحرق إلا المعاصي، فإنها هي التي دمرت عليهم وأصارتهم إلى أسوأ عاقبة في الدنيا والآخرة، ومن ثمرات المعاصي حرمان العلم وحرمان الرزق كما في المسند:"إن العبد ليحرم الرزق بالذنب يصيبه".
ومنها وحشة يجدها العبد بينه وبين الله وبينه وبين الناس لا سيما أهل الخير منهم، وتعسير أموره فلا يتوجه لأمر إلا وجده مغلقاً أو متعسراً عليه، ومنها حرمان الطاعة، ومنها ظلمة القلب، وجبنه، ووهنه، ووهن البدن، وتقصير العمر، ومحق بركته، فإن البر كما يزيد في العمر فإن الفجور ينقصه، ومنها انسلاخ القلب من استقباحها فتصير له عادة، والمعصية سبب لهوان العبد على ربه وسقوطه من عينه، وتورث الذل ولابد، وتفسد العقل، وإذا تكاثرت طبع على قلب صاحبها، وتدخل العبد تحت لعنة الله، وتحدث في الأرض أنواعاً من الفساد في المياه والهواء والزرع والثمار والمساكن والاشجار، قال الله تعالى:{ظَهَرَ الفَسَادُ فِي البَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} . قال مجاهد: إذا ولي الظالم سعى بالظلم والفساد فيحبس بذلك القطر فيهلك الحرث والنسل، والله لا يحب الفساد، وقال ابن زيد:(ظهر الفساد في البر والبحر) قال: الذنوب. ولا منافاة بين القولين، فإن الآية تشمل هذا وهذا، وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: كنت عاشر عشرة رهط من المهاجرين عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأقبل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بوجهه، فقال: "يا معشر المهاجرين خمس خصال أعوذ بالله أن تدركوهن: ما ظهرت الفاحشة في قوم حتى أعلنوا بها إلا ابتلوا بالطواعين والأوجاع التي لم تكن في أسلافهم الذي مضوا، ولا نقص قوم المكيال إلا ابتلوا بالسنين وشدة المؤنة وجور السلطان.
وما منع قوم زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء، ولولا البهائم لم يمطروا، ولا خفر قوم العهد إلا سلط الله عليهم عدواً من غيرهم فأخذوا بعض ما في أيديهم، وما لم تعمل أئمتهم بما أنزل الله في كتابه إلا جعل الله بأسهم بينهم" وعن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما طفف قوم كيلاً ولا بخسوا ميزاناً إلا منعهم الله عز وجل القطر، وما ظهر في
قوم الزنا إلا ظهر فيهم الموت، وما ظهر في قوم الربا إلا سلط الله عليهم الجنون، ولا ظهر في قوم القتل بعضهم بعضاً إلا سلط الله عليهم عدوهم ولا ظهر في قوم عمل قوم لوط إلا ظهر فيهم الخسف، وما ترك قوم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلا لم ترفع أعمالهم ولم يسمع دعاؤهم".
ولا شيء يستجلب به الرزق بل وكل خير ويستدفع به كل سوء غير التوبة إليه سبحانه بالرجوع عما يكرهه من المعاصي إلى ما يحبه من الطاعة، بأن يحقق العباد توحيدهم، ويباعدوا جميع ما ينافيه أو ينقصه أو يقدح فيه، ويحافظوا على فرائض دينهم من إقامة الصلوات الخمس في جماعة وأداء الزكاة وغير ذلك من أركان الإسلام وفرائضه العظام كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وغير ذلك، ويجتنبوا محارمه من أنواع الفواحش وأجناس المنكرات، والمخدرات، والمفترات، والربا في المعاملات، والخيانة في الأمانات، واستعمال أنواع الملهيات، الصادة عن ذكر الله وعن الصلاة، وكافة المحرمات، فعلى المسلمين عموماً وخصوصاً التوبة إلى ربهم، والتآمر بالمعروف والتناهي عن المنكر فيما بينهم، وتعاون بعضهم مع بعض فيما يصلح دينهم الذي به صلاح معاشهم، والفوز في معادهم.
هذا وأسأل الله تعالى أن ينصر دينه، ويعلي كلمته، ويحفظ إمام المسلمين من كل نواحيه، ويزيده من التوفيق لمحاب الله ومراضيه، ويقمع به كل فساد، ويصلح بمساعيه البلاد والعباد، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
حرر 0/3/1376هـ
(هذه الفتوى ما وزع على أئمة المساجد - ومنهم ناصر الخطيب)
(4538- نصيحة عامة)
من محمد بن إبراهيم إلى من تبلغه هذه النصيحة من المسلمين- رزقني الله وإياكم الفقه في الدين، ومزيد التمسك بما بعث به سيد المرسلين، ومنّ علي وعليهم باقتفاء آثار الصدر الأول من سلفنا الصالحين المصلحين، آمين.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد:
فإن من أعظم فرائض الدين التذكير بآيات الله وأيامه في خلقه،
والتحدث بنعمه، والتحذير من أسباب نقمه، لما في ذلك من أسباب حصول الخير الكثير، والسلامة من حلول العقوبات والتغيير، قال تعالى:{وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ المُؤْمِنِينَ} . وقال تعالى: {فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ} . وقال تعالى: {وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ} . وقال تعالى: {وَذَكِّرْهُم بِأَيَّامِ اللَّهِ} .
وأعظم نعمة أنعم الله بها على عباده بعثه عبده ورسوله محمداً صلى الله عليه وسلم بالهدى ودين الحق، وهما العلم النافع والعمل الصالح، وأصل ذلك وأساسه عبادة الله وحده لا شريك له وترك عبادة ما سواه، فأشرقت ببعثته قلوب من استجابوا له بعد ظلامها، وخشعت ولانت بعد قسوتها، ونالوا بذلك من القوة بعد الضعف، والعز بعد الذل، والعلم بعد الجهل، ما فتحوا به البلاد وقلوب العباد، وعلت بذلك كلمة الله، وصارت كلمة الكفر إلى السفال والفشل والإذلال، وعزل سلطان الجاهلية والإشراك، فلله الحمد على ذلك.
إلا أن إبليس - أعاذنا الله منه - لشدة عداوته لبني الإنسان، وعظيم تغلغله بالكفر والطغيان، ومزيد جده في الصدف عن طاعة الرحمن، وإن كان قد صدر منه ما صدر من اليأس لم يدع الجد في إطفاء هذا النور، والتنفير من الحق والترغيب في أنواع الكفر والإلحاد والفجور، والدعوة إلى البدع والإكثار من الأز إلى المعاصر والشرور، وبث الشبه والشهوات، وألوان المغريات، على أيدي حزبه ومن استجابوا من شياطين الإنس، ومن أنواع الخدع بزينة الدنيا وزخارفها الفتانة وضروب الشهوات، وشتى أسباب الصد عن ذكر الله وعن الصلاة، من أجناس الملاهي وصنوف المسكرات، حتى ثقل على القلوب سماع القرآن وحصل التهاون بوعيده، وعدم الاهتمام بزواجره وتهديده، لا سيما بعد ما تصرمت أيام القرون المفضلة، فإنه قد اشتد الخطب، وانفتح باب الشر على مصراعيه، ولم يزل في مزيد، وإن كان ربنا تبارك وتعالى قد منّ ببقاء أصل هذا النور وتأييد هذا الحق بما أجراه على أيدي علماء الصدق ورثة الرسل من تجديد هذا الدين وإقامة حجج الله على عباده، ومع ذلك فالأمر على ما وصفته من تأثير مساعي إبليس وجنوده على الأكثر حتى اشتدت الكربة، وصار الدين في غاية الغربة، ولا سيما أزماننا هذه التي صار فيها عند الأكثر المعروف منكراً، والمنكر معروفاً، والسنة بدعة، والبدعة سنة،
ربي على ذلك الصغير، وهرم عليه الكبير، وطفى طوفان المادة، وأخفى غبار الشبهات والشهوات وضوح الجادة، وفشا الجهل، وتكلم في الأمور الدينية من ليس لها بأهل، حتى صرح من صرح من جهلتهم فيما يكتبونه وينشرونه بمزيد الحث والتحريض على ما هو من أعظم ما يهدم الإسلام، وينسى أصوله العظام، وأصبحت القلوب إن لم تمت في غاية من أنواع الأمراض مرض الجهل ومرض الشهوة ومرض الشبهة، حتى استولت عليها القسوة والظلمة، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
فيالها من أمراض ما أصعبها مع الإعراض عن الأدوية المحمدية، وما أسهلها وما أخفها وما أسرع برأها متى عولجت بالدواء الذي بعث به طبيب القلوب الأكبر صلى الله عليه وسلم، وقد سمى النبي صلى الله عليه وسلم الجهل مرضاً لما ينشأ عنه من عمى القلوب الذي هو المرض - أيّ مرض - وفيما بعث به صلى من الكتاب والسنة لهذه الأمراض أنجع دواء وأنفع شفاء، قال تعالى:{يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ} . وقال تعالى: {وَنُنَزِّلُ مِنَ القُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَاّ خَسَاراً} .
فهلم إخواني نداوي هذه الأمراض بأدوية كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم بتدبر أوامرهما ونواهيهما ووعدهما ووعيدهما وزواجرهما، ومذاكرة بعضنا مع بعض، وقيامنا لله مثنى وفرادى لنتذكر ونتفكر ونتناصح ونتآمر بالمعروف ونتناهى عن المنكر، ونحب في الله ونبغض في الله، ونوالي في الله ونعادي في الله، ونتعاون على البر والتقوى، ونبحث في أدوية تلك الأمراض التي تحصيلها من أسهل شيء عندما تحصل القلوب على الصدق في طلب هذا الدواء، والإقبال على الله في التماس السلامة من تلك الأدواء، قال تعالى:{قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُم بِوَاحِدَةٍ أَن تَقُومُوا لله مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا} .
هلم إخواني نشخص سائر أمراض قلوبنا ونشخص أدويتها، ونجاهد نفوسنا على معالجتها من تلك الأمراض المهلكة، ويحض بعضنا بعضاً، ويحذر كل منا نفسه وأخاه من وبيل أخذ الله وشديد عقابه الدنيوي والأخروي، ومن الإقامة على أسباب تغيير ما منّ الله به من التوحيد، وتحكيم الوحي المحمدي والعز والتأييد، والأمن والصحة والهدوء، {إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءاً فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ} .
وفي الأثر: "أن الله أوحى إلى نبي من أنبياء بني إسرائيل أن قل لقومك إنه ليس من أهل قرية ولا أهل بيت يكونون على طاعة الله فيتحولون منها إلى معصية الله إلا حول الله عنهم ما يحبون إلى ما يكرهون".
إخواني: إن ربنا تبارك وتعالى لم يغير على قوم نوح بإهلاكهم بالطوفان وسائر من أوقع بهم عقابه وأحل بهم سطوته إلا بعد أن غيروا بمعصيتهم رسله وفسقهم عن طاعته فاستوجبوا التدمير: {وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا القَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ القُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيراً بَصِيراً} .
هلم إخواني لإمساك بعضنا بيد بعض وتنشيط بعضنا لبعض إلى اليقظة والانتباه من هذه الرقدة التي طالما انتهز عدونا فيها الفرصة.
هلم إخواني للتوبة النصوح إلى ربنا ورجعونا مما يسخطه إلى ما يرضيه قولاً وفعلاً، ومعاملة لبعضنا مع بعض بإخلاص وصدق، قال تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ} . {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحاً عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} .
وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.
(طبعت في مطابع الرياض - ووزعت في المساجد)