المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌«فصل» وأفضل الخلق بعد الأنبياء، وأكملهم علمًا، ودينًا، واعتصامًا بحبل الله، - قاعدة عظيمة في الفرق بين عبادات أهل الإسلام والإيمان وعبادات أهل الشرك والنفاق

[ابن تيمية]

الفصل: ‌ ‌«فصل» وأفضل الخلق بعد الأنبياء، وأكملهم علمًا، ودينًا، واعتصامًا بحبل الله،

«فصل»

وأفضل الخلق بعد الأنبياء، وأكملهم علمًا، ودينًا، واعتصامًا بحبل الله، واتباعًا لدين الإسلام الذي بعث الله به رسله، هم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.

فإن أمة محمد صلى الله عليه وسلم خير الأمم، وهم خير أمة محمد صلى الله عليه وسلم، كما ثبت في الصحاح من غير وجه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:«خَيْرُ الْقُرُونِ الْقَرْنُ الَّذِي بُعِثْتُ فِيهِمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ» .

وقد أخبر سبحانه أنه رضي عن السابقين الأولين، ورضي عن الذين اتبعوهم إذا اتبعوهم بإحسان.

فقال تعالى: {وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ /7ب/ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [التوبة: 100] .

وهؤلاء السابقون هم الذين بايعوا تحت الشجرة، وهم الذين أنفقوا من [قبل](1) ، وقاتلوا قبل الفتح، والفتح هو الحديبية، كما قال تعالى: {لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ

(1) في الأصل: (بعد) ، والتصويب من المحقق.

ص: 30

الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى} [الحديد: 10] .

وقد ثبت في صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لَا يَدْخُلُ النَّارَ أَحَدٌ بَايَعَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ» . وفي الصحيحين عن جابر قال: قَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ: «أَنْتُمْ خَيْرُ أَهْلِ الأَرْضِ» وَكُنَّا أَلْفًا وَأَرْبَعَمِائَةٍ، وَلَوْ كُنْتُ أُبْصِرُ الْيَوْمَ لَأَرَيْتُكُمْ مَكَانَ الشَّجَرَةِ. وقد وعد الله هؤلاء ومن تبعهم بالحسنى.

وكانت طريقة أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم أنهم يعبدون الله وحده بما أمرهم به نبيهم؛ فالحلال عندهم ما حلله، والحرام ما حرمه، والدين ما شرعه، يصلون الصلوات الخمس كما أمر الله في مواقيتها جماعة في المساجد، ويصومون شهر رمضان، ويحجون البيت العتيق، ويؤدون الزكاة، ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ويجاهدون في سبيل الله، ويعبدون الله بسائر ما أمرهم به نبيهم، ولا يعبدون إلا الله، ولا يدعون غير الله، لا /8أ/ مما في السماء ولا مما في الأرض، لا (1) الملائكة، ولا الكواكب، ولا الأنبياء، ولا تماثيلهم، بل قد علموا أن هذا كله من الشرك الذي حرمه الله ورسوله.

ولا يدعون مخلوقًا، لا ملكًا، ولا جنيًّا، ولا بشرًا، لا نبيًا ولا غير نبي، لا عند قبره، ولا في مغيبه، لا (2) يستعينون إلا بالله، ولا يستنصرون إلا بالله، ولا يتوكلون إلا على الله، ولا يدعون مخلوقًا غائبًا، ولا ميتًا، ولا يستغيثون به، ولا يشكون إليه، ولا يطلبون منه مغفرة، ولا هدى، ولا نصرًا، بل يطلبون هذا كله

(1) غيرت في المطبوع إلى: (ولا) .

(2)

غيرت في المطبوع إلى: (ولا) .

ص: 31

من الله.

ولا يفعلون كما يفعل النصارى فيستشفعون بالملائكة، أو الموتى من الأنبياء والصالحين، عند قبورهم أو غير قبورهم، ولا يقول أحد منهم: يا جبريل، يا ميكائيل، اشفع لي إلى الله، ولا يقول: يا إبراهيم، يا موسى، يا عيسى، اشفع لي إلى الله، كما يفعل النصارى، بل قد علموا أن الغائب لا يطلب منه شيء، والميت لا يُطلب منه شيء، وأن الملائكة لا يفعلون إلا ما أمرهم به ربهم، ولا يشفعون إلا لمن ارتضى، وكذلك الأنبياء والصالحين، ولكن يطلب من أحدهم في حياته الدعاء والشفاعة، كما كان الصحابة يطلبون من النبي صلى الله عليه وسلم ذلك، وكما يطلب الخلق منه الشفاعة يوم القيامة، صلى الله عليه وسلم تسليمًا.

ص: 32