المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌باب صفة الغسل - كفاية النبيه في شرح التنبيه - جـ ١

[ابن الرفعة]

الفصل: ‌باب صفة الغسل

‌باب صفة الغسل

ومن أراد الغسل - أي: الواجب - نوى الغسل من الجنابة: أي إن كان جنباً، أو

ص: 489

الحيض، أي: إن كان حيضاً، وكذا الغسل من النفاس، إن اتصف به؛ [لأنه] الذي عليه.

ولو حملنا "أو" في كلام الشيخ على التخيير، لكان له وجه؛ لأنه حكى وجهاً فيما

إذا كان عليه حدث الحيض، فنوى رفع حدث الجنابة،

أو بالعكس - أنه يجزئه؛ كما

لو نوى المتيمم استباحة الصلاة من الجنابة، وكان حدثه حدثاً أصغر؛ فإنه يجزئه.

والصحيح: أنه لا يجزئ، لأنه نوى غير ما عليه، والحدث الأكبر والأصغر بالنسبة

إلى التيمم على حد واحد؛ لأنه لا يختلف الواجب فيه بسببهما.

وعليه يتعين حمل كلام الشيخ على ما ذكرناه.

قال: أو نوى الغسل؛ لاستباحة ما لا يستباح إلا بالغسل لتضمن نيته رفع ما عليه،

ويندرج في ذلك: ما إذا نوت المرأة التي انقطع حيضها أو نفاسها استباحة الوطء.

وفي "النهاية" وجه عن رواية أبي علي: أن غسلها لا يصح بهذه النية؛ فإنها نوت ما

يوجب الغسل. والأصح: الأول.

وفي "التهذيب": أنها تستفيد بهذا الغيل حل الوطء.

وهل يباح لها الصلاة به؟ فيه وجهان: أصحهما: لا.

وقد أفهم كلام الشيخ أن النية على نحو آخر سوى ما ذكره لا تجزئ.

ولا شك في أن من نوى الغسل المفروض، أو فريضة الغسل، أجزأه، وكذا لو

نوى رفع الحدث عن جميع البدن؛ صحت نيته.

ولو نوى رفع الحدث الأصغر: فإن تعمد، لم يصح غسله، في أصح الوجهين.

ص: 490

وإن غلط، وظن أن الأصغر حدثه، لم يرتفع الحدث عن غير أعضاء الوضوء.

وفي ارتفاعه عن المغسول من أعضاء الوضوء وجهان: أصحهما الارتفاع. وعلى هذا:

وفي ارتفاعه عن الرأس وجهان؛ لأن واجبها في الوضوء المسح، وفي الغسل الغسل،

والمسح لا يقوم مقام الغسل.

قلت: وليت شعرى، القائل بارتفاعه: هل يقول بارتفاعه عن جملة الرأس، أو عن

القدر المجزئ في الوضوء؟ والظاهر: الثاني، وإن صح فأي موضع هو؟

ولو نوى رفع الحدث مطلقاً، هل يجزئ؟

قال الإمام: الوجه الذي لا يتجه غيره: الإجزاء؛ لأن الحدث عبارة عن المنع من

الصلاة، وهذا ما حكاه الماوردي، في باب النية في الوضوء.

وغيرهما حكى فيه الوجهين، وصحح فيه الإجزاء.

وهذا إذا لم يكن عليه غير الأكبر، فلو كان عليه معه حدث أصغر، قال في

"الحاوي": إن قلنا: إن الأكبر يسقط الأصغر إذا اجتمعا، أجزأته نية رفع الحدث؛ وإلا

فلا تجزئه عن واحد منهما.

ولو نوى الشخص استباحة ما يستحب له الغسل: كالأذان، والمرور في

المسجد - ففي ارتفاع حدثه وجهان، والوجه الثالث المذكور في الوضوء جار هنا.

قال: ويتوضأ كما يتوضأ للصلاة؛ لما روي عن عائشة قالت: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم

إذا اغتسل من الجنابة توضأ وضوءه للصلاة، ثم يخلل بيديه شعره، حتى إذا ظن أنه

قد روى بشرته [أفاض عليه الماء]، ثلاث مرات، ثم غسل سائر جسده". أخرجه

البخاري ومسلم.

ص: 491

وهذا من الشيخ يقتضي أنه يأتي بالوضوء كاملاً؛ كما هو ظاهر الخبر، وبه صرح

الماوردي.

لكن قد جاء في البخاري، عن ميمونة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قال: "توضأ رسول الله صلى الله عليه وسلم

وضوءه للصلاة، غير رجليه، وغسل رجه وما أصابه من الأذى، ثم أفاض الماء عليه،

ثم نحى رجليه فغسلهما". وذلك صريح في تأخير غسل الرجلين.

ولا جرم قال الإمام، ومن تبعه: إن في استحباب تقديم [غسل الرجلين]

وتأخيرهما - قولين، ونسب القول المرافق لرواية ميمونة إلى "الإملاء".

والبندنيجي قال: إنه ظاهر نصه في "الويطي". وهو الأصح في "الكافي".

قال الروياني، في "تلخيصه": إن ظاهر نصه في الجديد مقابله. وصححه، وكذا

الرافعي.

وقال القاضي الحسين: إنه يتخير - إن شاء قدم غسلهما، وإن شاء أخره - لصحة

الروايتين.

ثم في الأمر بالإتيان بالوضوء الكامل [في أول] الغسل، ما يغني عن التصريح

بأمرين:

أحدهما: الأمر بإتيان التسمية في أوله، كما صرح بذكرها العراقيون، والماوردي

واستدل بقول عائشة: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر الله عزوجل على كل أحيانه".

وفي "التتمة" حكاية وجه آخر، أنه: يكره [له] التسمية، وهو في "تعليق القاضي"

وقال: إن من أصحابنا من قال: الأولى أن يقول: باسم الله العظيم، أو الحليم، الحمد

لله على الإسلام؛ حتى لا يكون على نظم القرآن.

ص: 492

الثاني: غسل الكفين في أوله، وقد دلت رواية عن عائشة على ذلك؛ فإنه روى

عنها أنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا اغتسل من الجنابة، يبدأ فيغسل يديه، ثم

يفرغ بيمينه على شماله، فيغسل فرجه، ثم يتوضأ وضوءه للصلاة، ثم يأخذ الماء،

فيدخا أصابعه في أصول الشعر، حتى إذا رأى أن قد استبرأ حفن على رأسه ثلاث

حفنات، ثم أفاض على سائر جسده، ثم غسل رجليه" أخرجه البخاري ومسلم.

وهذا الحديث يدل على طلب غسل الفرج باليد اليسرى، قبل الوضوء للغسل.

والنص في "المختصر"، الذي جرت عليه الأصحاب: أن ذلك مطلوب؛ لإزالة ما

عليه من أذى.

ومفهوم كلامهم: أنه إذا لم يكن عليه أذى لا يكون مطلوباً بخصوصه، وإذا كان كذلك

لم يكن غسله من سنن الغسل؛ لأنه غير راتب فيه؛ فلذلك لم يذكره الشيخ فيه.

فائدة: هذا الوضوء هل يحتاج إلى نية تخصه أو لا؛ لأنه من سنن الغسل؛ فنيته

تشمله؛ كما تشتمل نية الوضوء المضمضة والاستنشاق؟

الذي حكاه الرافعي: الثاني، وهو ظاهر ملام الأصحاب والشيخ.

وقال في "الروضة": المختار: أنه ينوي به سنة الغسل.

ص: 493

قال: ثم يفيض الماء على رأسه، ويخلل أصول شعره، أي: الذي في رأسه، ولحيته.

اعلم أن ظاهر كلام الشيخ يقتضي: أن تخليل الشعر، يكون بعد إفاضة الماء على

الرأس والذي دل عليه الخبر: أنه قبله، وهو الذي ذكره الأصحاب، فقالوا: يستحب

بعد وضوئه أن يدخل يديه في الإنلء، ثم يخرجهما، ويخلل بأصابعهما مبلولة شعره،

ثم يفيض الماء على رأسه، كذا قاله أبو الطيب، والماوردي، والقاضي الحسين. وهو

صريح في أنه لا يخلله بما يفيضه.

وابن الصباغ قال: إنه يدخل أصابعه العشرة في الإناء، فيأخذ الماء بها، فيشرب به

أصول شعره، من رأسه ولحيته، أي: ليسهل إيصال الماء إليه.

وعبارته في "المهذب""المهذب": فيأخذ غرفة؛ يخلل بها لأصول شعره، من رأسه ولحيته".

وإذا أردنا أن نرد كلام الشيخ إلى ذلك قلنا: "الواو" لا تقتضي ترتيباً، وتقدير كلامه: ثم

يخلل أصول شعره بغرفة أو بلل الماء، ثم يفيض الماء على رأسه، والله أعلم.

ص: 494

قال: ثم يفيض الماء على سائر جسده؛ للخبر.

و"سائر" - هاهنا - بمعنى الباقي، مأخوذ من "السؤر" بالهمز وهو البقية، والمراد

به: ما عدا الرأس، وهذا يقتضي أنه يفيضه على ما غسله في الوضوء من يديه ورجليه.

ولا يكتفي بغسل ذلك في الوضوء، وهو ظاهر؛ لأنه غسله على وجه السنة؛

فلا يغني عن الفرض.

ولو قيل بأنه يجزئ عنه، لم يبعد؛ أخذاً مما حكيناه عن أبي الطيب آخر الباب قبله فيما

إذا توضأ الجنب عند إرادة النوم، أنه يرتفع حدثه عن أعضاء وضوئه، والله أعلم.

قال: ويدلك ما وصلت إليه يده من بدنه؛ لقوله عليه السلام: "بلوا الشعر، وأنقوا

البشرة". وبه يحصل غنقاء البشرة.

قال: يفعل ذلك -[أي: التخليل، والإفاضة، والدلك]- ثلاثاً.

ووجهه في إفاضة الماء على الرأس: الخبر، وفي باقي الجسد القياس عليه، وعلى

الوضوء. وفي الدلك القياس على المرة الأولى.

زظاهر كلام الشيخ: أن التخليل والإفاضة على الرأس والجسد يفعل مرة ثم

مرة ثم مرةة، والخبر يقتضي موالاة التخليل، وموالاة الإفاضة على الرأس، ثم غسل

باقي الجسد بعد ذلك، وهو ما نص عليه في "المختصر"، والأصحاب كافة.

ص: 495

وقد استحب الأصحاب في الغسل أن يبدأ بشقه الأيمن، ثم اليسر؛ لما روى

مسلم عن عائشة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا اغتسل من الجنابة - دعا بشيء نحو

الحلاب؛ فأخذ بكفه: بدأ بشق لاأسه الأيمن، ثم الأيسر، ثم أخذ بكفيه، فقال بهما

على رأسه"، وقال البخاري: "على وسط رأسه".

والحلاب: إناء ضخم يحلب فيه.

قال: فإن كانت إمرأة تغتسل من الحيض -[أي]: أو النفاس - استحب لها أن تتبع

أثر الدم - أي: في الموضع الذي يجب غسله من الفرج، كما قال البندنيجي فرصة من

مسك؛ لما روي عن عائشة أنها قالت: جاءت امرأة إلى النبي صلى الله عليه وسلم تسأله عن الغسل من

الحيض؟ فقال:"خذي فرصة من مسك؛ فتطهري بها"، فقالت: كيف أتطهر بها؟ فقال النبي صلى الله عليه

وسلم:"سبحان الله! - واستتر بثوبه - تطهري بها"، واجتذبها فعرفتها الذي أراده.

وقلت لها: يعني: تتبعي بها أثر الدم، يعني: الفرج". أخرجه البخاري ومسلم.

والفرصة: بكسر الفاء على المشهور ويقال: بالضم، والفتح - أيضا - وبالصاد

المهملة: القطعة من كل شيء، ذكره ثعلب؛ مأخوذ من: فرصت الشيء؛ إذا قطعته:

وعن الجوهري: أن الفرصة: قطعة من قطن، أو خرقة تمسح المرأة بها دم الحيض.

والمسك بكسر الميم: الطيب المعروف. وكانت العرب تسميه: المشموم.

ص: 496

وقد قيل: إن فرصة المسك في قوله عليه السلام قطعة من الصوف، أو القطن

يذر عليها المسك، ويتبع بها أثر الدم، وعليه [يدل] قوله عليه السلام لأسماء:

"ثم تأخذ فرصة ممسكة؛ فتطهر بها" رواه مسلم.

وقال أبو عمرو: مراده: قطعة من السك بضم السين وهو طيب معجون بالمسك،

يكون عند أهل المدينة، ولا يسمى: فرصة، إلا إذا كان فيه مسك؛ فإن لم يكن فيه

مسك، سمي: سكيكة، حكاه في "الحاوي".

وعن أبي عبيد: إنما هي "قرصة" بقاف مضمومة من "مسك" بفتح الميم أي: قطعة

من جلد، تحك بها موضع الدم؛ كي لا يبقى منه شيء.

والمشهور: الرواية الأولى.

قال الماوردي: وإن كانت رواية أبي عبيد محفوظة، لم يمتنع أن تجمع بين الأمرين.

وعلى المشهور قال الشيخ: فإن لم تجد؛ فطيبا غيره؛ لأن المقصود من استعمال

المسك تطييب رائحة المحل؛ لتكمل لذة الزوج، وهذا المعنى موجود في غيره من

الطيب، وهذا ما حكاه البندنيجي، والقاضي الحسين، والإمام [و] الغزالي، وغيرهم.

وعليه نص في "الأم" حيث قال: فإن لم يكن مسك، فطيب ما كان؛ اتباعا للسنة.

واشترط بعض الأصحاب في تأدية السنة به، أن يكون في الطيب المستعمل حرارة

كالمسك؛ لاعتقاده أن المعنى في المسك: ما فيه من قطع الرائحة، يطيب المحل،

مع أن فيه حرارة يتعجل العلوق بسببها.

وصحف بعض الأصحاب لفظ المزني؛ فقال: فإن لم تجد؛ "فطينا" بالنون

والصحيح: الأول؛ لما ذكرناه من نصه.

نعم، لو عدم الطيب، فتتبعته بالطين، قال ابن الصباغ: فلا بأس.

وقال البندنيجي: إن المستحب المسك، فإن لم تجد، فطيبا، فإن لم تجد فطينا. وكذا قاله الرافعي.

ص: 497

ثم في أي وقت تستعمل المسك، وبدله؟

فيه وجهان في "الحاوي"؛ بناء على ما ذكرناه من المعنيين:

فمن قال: إن العلة طيب المحل فقط قال: تستعمله بعد كمال الغسل.

ومن قال بالآخر، قال: تستعمله قبله.

قال: فإن لم تجد، فالماء كاف؛ لأن رفع الحدث مقصور على الماء، والطيب

تكميل وتزيين.

فإن قيل: أي فائدة في قوله: "فالماء كاف"، مع قوله: "استحب لها أن تتبع أثر

الدم

" كذا، وهو يدل على أن الماء كاف؟

قلت: الفائدة فيه تعريفك: أن الخبر وإن كان ظاهره الوجوب؛ فهم محمول على

الاستحباب.

فإن قلت: الماء كاف، سواء وجدت الطيب أم لم تجده؛ فلا فائدة في تقييد

ذلك بالفقد. قلت: بل له فائدتان: إحداهما: تعريفك أنها لا تنتقل إلى الطين؛ كما حكيناه عن غيره.

الثانية: أنها عند عدم الطيب غير مقصرة في طهارتها، ولا كذلك عند وجوده؛

فتقدير كلامه: فالماء كاف في الخروج عن الأمر، والله أعلم.

قال: والواجب من ذلك: النية؛ للخبر المشهور.

وسكوت الشيخ عن وقتها يعرفك أنه ليس لها وقت تتعين فيه؛ بل الواجب

الاتيان بها عند غسل [أول] جزء من البدن. ومنه يفهم أنه لا ترتيب في الغسل،

كما صرح به الأصحاب؛ بل أي جزء بدأ بغسله، واقترنت به النية اعتد به وبما بعده،

ولا يعتد بما غسله قبل النية.

نعم، في "الحاوي" حكاية وجهين، في أن ما يتقدمه من السنن، إذا لم تقترن به النية، هل تنعطف عليه النية الطارئة؟ فيه وجهان، سلف مثلهما في الوضوء. والمذكور في "الرافعي" وغيره: أنه لا يعتد بها، وهو الأصح.

ص: 498

ثم هل يحتاج في النية مع ما ذكرناه إلى الإضافة إلى الله تعالى؟ فيه وجهان في

"الوسيط"، في باب صفة الوضوء.

ثم ذكر وجوب النية في الغسل يقتضي اشتراط الإسلام في صحة الغسل؛ إذ من

شرط النية الإسلام، وهذا هو المشهور.

وحكى ابن الصباغ وغيره وجهاً آخر: أنه لا يشترط، [حتى] إذا اغتسل الكافر،

ثم أسلم، لا يجب عليه إعادته.

وفصل الإمام، فقال: إن تعلق بغسله حق المسلم: كما إذا انقطع دم حيض المرأة

أو نفاسها، وهي تحت مسلم، فاغتسلت؛ لأجل حل وطئه - فإنه يستبيح وطأها،

وهل يجب عليها إعادة الغسل إذا أسلمت؟ فيه وجهان سلفا في باب الحيض:

والمذكور منهما في "الحاوي"، في باب النية في الوضوء المنع.

والذي صححه الإمام [ثم]: الصحة؛ قياسا على ما إذا وجب على الكافر

الكفارة، فأخرجها، ثم أسلم لا يلزمه الإعادة؛ كما نص عليه الشافعي.

قال: وكان الفرق على الوجه الآخر: أن الكفارة المؤداة بالمال لا تخلو عن غرض

مرعي لآدمي: من تخليص عن رق، أو إطعام محتاج، أو كسوة عار؛ فكان أمر النية

أضعف فيها. والغسل قد لا يتعلق بحق آدمي؛ فإن المرأة إذا لم تكن ذات زوج، كان

غسلها لله عز وجل.

وما صححه الإمام، إليه ميل ابن الصباغ؛ فأبداه احتمالا فيما إذا اغتسلت، ولم تنو

الغسل من الحيض: أن زوجها لا يستبيح وطأها؛ كالمسلمة، وكالذمي إذا ظاهر

وأعتق، ولم ينو، لا يجزئه. وإن نوى أجزأه.

وأما إذا لم يتعلق به حق آدمي: كالخلية إذا اغتسلت [من الحيض]، والرجل إذا

اغتسل من الجنابة - ففيه طريقان، أحدهما: القطع بأنه لا يجزئ، وطرد أبو بكر

الفارسي الخلاف فيه.

وحكى الإمام عن المحاملي رواية وجه: أنه يصح من كل كافر كل طهر: غسلا

كان أو وضوءا أو تيمما، وهذا في غاية الضعف.

قال: وإيصال الماء إلى الشعر والبشرة؛ لقوله عليه السلام: "تحت كل شعرة

ص: 499

جنابة؛ فاغسلوا الشعر، وأنقوا البشرة". رواه أبو داود.

فإن قلت: هذا يرويه ابن وجيه، وهو ضعيف.

قلنا: يعضده ما رواه أبو داود: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من ترك موضع شعرة من

جنابة لم يغسله، فعل به كذا وكذا من النار". وهو صحيح [الإسناد].

ولا فرق في الشعر الذي يجب غسله، بين شعر الرأس وغيره، وسواء فيه أصوله

وما استرسل منه، وكذا لا فرق بين ما كثر منه أو قل، حتى لو بقيت شعرة واحدة، لم

يصبها الماء لم يجزئه.

ولا يستثنى من ذلك إلا مانبت في العين؛ فإنه لا يجب غسله؛ لأن إدخال الماء

في العين لا يجب.

وإذا ترك شعرة واحدة، لم يغسلها، ثم قلعها - قال الماوردي: إن كان الماء قد

وصل إلى [أصلها، أجزأه؛ وإلى فيوصله إليه. وكذا لو أوصل الماء إلى] أصول

شعره، ثم جزه أجزأه. وإن كان لم يوصله إليه، فيوصله.

وعن "فتاوى ابن الصباغ": أنه يجب غسل ما ظهر.

وفي "البيان" وجهان:

أحدهما: يجب.

والثاني: لا [يجب؛ لفوات ما وجب غسله]: كمن توضأ، وترك رجله، فقطعت.

وقد أغنى ذكر هذا الواجب عن التصريح بأمور:

ص: 500

أحدهما: وجوب حل الذؤابة والضفائر؛ إذا كان الماء لا يصل إلى الشعر أو البشرة

إلا به؛ لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب - وبه صرح الأصحاب.

فإن قلت: قد روى مسلم عن أم سلمة، أنها قالت: قلت لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إني

امرأة أشد ضفر رأسي فأنقضه لغسل الجنابة؟ فقال: "لا؛ إنما يكفيك أن تحتي على

رأسك ثلاث حثيات، ثم تفيضين عليه الماء؛ فتطهرين".

قلنا: هذا محمول على ما إذا كان الشعر خفيفا، والشد لا يمنع من وصول الماء

إليه، ولا إلى البشرة؛ فإنه في هذه الحالة لا يجب النقد عندنا. ولا يستثنى مما

ذكرناه إلا باطن ما انعقد من الشعر، الذي لا يمكن حله؛ فإنه يسامح فيه.

وعن الروياني، حكاية وجه آخر: أنه يلزمه قطعها.

الثاني: وجوب غسل ما على الشعر أو البشرة؛ إذا كان يمنع وصول الماء إلى

ذلك؛ لما ذكرناه.

نعم، لو كان لا يمنع وصوله إليه: فإن كان طاهرا، لم يجب غسله، ولكن يستحب.

وإن كان نجسا: فهل يجب إزالته قبل الغسل؟

وذلك ينبني على أن المرة الواحدة، هل تكفي في إزالة ما على المحل من نجس

وحدث؟ وفيه وجهان: الظاهر من المذهب - كما [قاله الرافعي فيهما]-: أنه لا

تكفي؛ وإنما يحصل إزالة النجاسة فقط، وهذا ما حكاه القاضي الحسين، في باب:

النية في الوضوء، و "المتولي" عند الكلام في غسلات الكلب.

وعلى هذا، لا بد من إزالته قبل الغسل، فإن لم يزله كانت الغسلة لإزالة النجاسة؛

ص: 501

ولأجله عد كثير من الأصحاب إزالة النجاسة عن المحل واجباً في الغسل، ولا

حاجة إليه.

وعلى مقابله، وهو ما حكاه ابن الصباغ في أثناء فرع أوله: إذا أدى اجتهاده إلى

طهارة أحد الإناءين؛ فيتوضأ به، ولم يحك أبو الطيب في باب: النية في الوضوء

غيره، وصححه في "الروضة"-: لا يجب ذلك، ويستحب.

الثالث: [أنه] لا فرق في إيصال الماء إلى البشرة تحت الشعر، بين أن يكون

خفيفاً أو كثيفاً، وهذا بخلاف الوضوء.

والفرق: أنه يتكرر في اليوم والليلة؛ فيشق تكليفه غسل ما تحت الكثيف،

بخلاف الغسل.

الرابع: أنه يجب إيصال الماء إلى ظاهر أذنيه وباطنهما، وما ظهر من صماخيه؛ لأن

اسم البشرة يشملهما، ولا يجب إيصاله إلى داخل الفم، والأنف، والصماخ؛ لعدم

شمول الاسم له، وهو كذلك عند العراقيين؛ لأن ذلك لا يجب في غسل الميت، ولو

وجب [في] غسل الحي، لوجب في غسل الميت.

وفي "النهاية" حكاية وجه: في وجوب المضمضة، والاستنشاق.

والمشهور: الأول.

نعم، لو جدع أنفه؛ فهل يجب إيصال الماء إلى ما ظهر من جوفه؟ فيه وجهان في

"التتمة"، أظهرهما في "الرافعي": الوجوب.

وعكسهما: أنه هل يجب إيصال الماء إلى ما تحت القلفة من الأقلف؟ فيه

الوجهان، والمذكور منهما في فتاوى العبادي؟ أنه لا يجب، وفي "الرافعي": أن

أظهرهما الوجوب.

الخامس: أنه لا يجب إيصال الماء إلى داخل الفرج، وهو ما ذكره الإمام ومن

تبعه؛ قياساً على داخل الفم؛ وعلى هذا يكفي غسل ما وراء [ملتقى] الشفرين.

ص: 502

والجمهور على أنه يجب غسل ما يبدو في حال قعودها لقضاء الحاجة، دون ما

جاوزه، وذلك يختلف باختلاف البكر والثيب، وهو مشبه في حق الثيب بما بين

الأصابع، كما حكاه الماوردي، عن الشافعي.

ومنهم من قال: يجب ذلك في حق الثيب، في الغسل من الحيض والنفاس

خاصة؛ لإزالة الدم.

وقال في "التتمة": إنه يجب عليها ذلك في الغسل من الحيض والنفاس. وهل

يجب في الجنابة؟ إن قلنا: رطوبة فرجها نجسة، فلا يجب؛ وإلا فوجهان.

ولفظ القاضي الحسين: "أنه: هل [يجب] إدخال الماء والأصبع في الفرج؟ فيه

أوجه: أحدها: يجب؛ لأنه صار في حكم الظاهر.

الثاني: لا؛ لأنه يزيده فساداً.

الثالث: يجب ذلك في الغسل من الحيض، دون الجنابة؛ لأنها نجاسة عينية،

بخلاف الجنابة.

وقال القفال: ما يبدو منها عند القعدة، يجب إيصال الماء إليه.

وهذا من القاضي يفهم أن الخلاف الأول جار فيما وراء ما يبدو عند القعد، وقد

تقدم مثله وجهاً في الاستنجاء.

قال: وسننه الوضوء.

أما مشروعيته؛ فلما ذكرناه، وأما كونه غير واجب؛ فلقوله تعالى: {وإن كنتم

جنباً فأطهروا} [المائدة: 6] وإذا اغتسل من غير أن يتوضأ يقال له: متطهر،

ومغتسل، وخبر أم سلمة السالف يدل على ذلك.

وقد ذهب أبو ثور إلى وجوبه؛ لقوله تعالى: {إذا قمتم إلى الصلوة

} إلى أن

قال: {وإن كنتم جنباً فأطهروا} [المائدة:6]، وليس جنب إلا وهو محدث؛

فوجب الجمع بينهما. ولأنه عليه السلام فعله، وفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خرج

مخرج البيان لمجمل واجب في القرآن، كان واجباً.

ترى إلى قوله تعالى-: {والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء} [البقرة: 228]، ثم

ص: 503

قال: {وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن} [الطلاق: 4] ولا يلزم الجمع بينهما.

ولا نسلم أن [كل جنب] محدث، وإن سلمنا أن كل جنب محدث، قلنا: هما

عبادتان من جنس واحد، فإذا اجتمعتا دخلت الصغرى في الكبرى كالحج والعمرة.

وفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم بما ذكرناه - محمول على الاستحباب.

قال: والدلك: أما مشروعيته؛ فلما سلف، وأما كونه سنة؛ فلأنه يسمى مغتسلاً

بدونه، يقال: غسل السيل الوادي، وإن فقد الدلك. ويسمى السيل الكثير: غاسولاً،

وخبر أم سلمة السالف يدل عليه.

ولأنه غسل واجب؛ فلم يجب فيه إمرار اليد؛ كما في غسل الإناء من ولوغ الكلب.

وقد أوجب المزني دلك ما وصلت إليه يده من بدنه في الغسل، وعلى أعضاء

الوضوء في الوضوء؛ قياساً على التيمم؛ فإنه يجب إمرار اليد فيه بالتراب على الأعضاء.

والأصحاب قالوا: الواجب إمرار التراب عليها.

نعم، لو لم يحصل إلا بإمرار اليد وجب؛ لأجل ذلك، والماء يصل بدون اليد.

قال: والتكرار؛ كما في الوضوء.

فإن قلت: ما ذكرتم من الخبر لا يدل على تكرار غسل البدن، وتكرار إفاضة الماء

على رأسها باليد ثلاثاً؛ لتحقق وصول الماء إلى شعرها وبشرتها؛ وكذلك علق الكفاية

عليه في خبر أم سلمة.

والقياس على الوضوء ممتنع؛ لأن الوضوء يستحب تجديده، بلا خلاف، وفي

استحباب تجديد الغسل وجهان، أصحهما: لا؛ وذلك يدل على الفرق [بينهما.

قلت:] ولأجل هذا الخيال احتاج الشيخ إلى ذكره، وإن كان في قوله:

"الواجب من ذلك النية، وإيصال الماء إلى الشعر والبشرة" غنية عنه.

قال: والمستحب ألا ينقص الماء في الغسل عن صاع، ولا في الوضوء عن مد؛

اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم.

هذا من الشيخ يغني عن التوجيه، وما استدل به رواه مسلم، فقال: "كان

رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ بالمد، ويغتسل بالصاع". زاد البخاري:"إلى خمسة أمداد".

ص: 504

وروى أيضاً عن سفينة، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يغسله الصاع من الماء من

الجنابة، ويوضئه المد".

واختلف أصحابنا في الصاع والمد: هل هو صاع الزكاة ومدها، أم لا؟

المشهور: الأول.

وقيل: إن الصاع هنا ثمانية أرطال، والمد رطلان، [وقد رواه أنس]. والتقدير

بهما تقريب، لا تحديد.

ويتقص - بفتح الياء - يقال: نقص الشيء، ونقصته. قال الله - تعالى-: {ننقصها

من أطرافها} [الرعد: 41].

فإن نقص عن ذلك، وأسبغ أجزأه؛ لأن الله - تعالى - لم يقدر الغسل

ص: 505

والوضوء بشيء، وفعله عليه السلام محمول على الاستحباب؛ يدل عليه أنه

روي: أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ بثلثي مد، وكان يتوضأ بما لا يبل الثرى.

وروى مسلم عن عائشة، أنها قالت: كنت أغتسل، أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم من إناء يسع

ثلاثة أمداد، أو قريباً من ذلك.

وهذا ما نص عليه الشافعي، وأيده بأنه قد يرفق بالقليل؛ فيكفي، ويخرق بالكثير؛

فلا يكفي.

وعبارة الإمام عنه: "قد يرفق الفقيه بالقليل؛ فيكفي، ويخرق الأخرق بالكثير؛ فلا

يكفي".

والإسباغ: أن يعم جميعه الماء، ويجري عليه، وما دونه مسح، لا غسل.

وقد أفهم قول الشيخ: "والمستحب ألا ينقص" أن الزيادة على ذلك فيهما ليست

مكروهة، وربما أنها محبوبة، وعليه تدل رواية البخاري عن عائشة قالت: "كنت

أغتسل، أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم من إناء واحد، من قدح يقال له: الفرق".

قال الشافعي في "الأم": و "الفرق": ثلاثة آصع، يكون ستة عشر رطلاً. وأما

"الفرق" بسكون الراء، فمائة وعشرون رطلاً.

وكلام الأصحاب يدل على ان المستحب الاقتصار على الصاع والمد؛ لأن الرفق

محبةب، وعليه يدل ما روى أنه عليه السلام قال: "سيأتي أقوام يستقلون هذا؛

فمن رغب [عن سنتي، فليس مني، ومن رغب] في سنتي، وتمسك بها - بعث

ص: 506

معي في حظيرة القدس".

قال: ومن وجب عليه وضوء وغسل، أجزأه الغسل، على ظاهر المذهب.

هذا الفصل يعرفك [أن] ما ذكره آنفاً: [من كون] الوضوء من سنن الغسل،

إذا لم يكن عليه حدث أصغر ثبت مستقلاً، وصورته: أن يولج في دبر ذكر، أو فرج

بهيمة؛ وكذا لو لف على ذكره خرقة، وأولج في فرج امرأة؛ على الصحيح، زبها

صوره الشيخ أبو محمد.

وعدل عن التصوير بما إذا نظر بشهوة؛ فأنزل؛ لأن خروج المني - عنده - يحصل

الحدثين، كما ذهب إليه القاضي أبو الطيب.

ووجه ذلك بأنه لا يتصور خروج المني وحده؛ بل يخرج معه رطوبة، يتعلق بها

وجوب الوضوء.

قال الإمام: وفي هذا نظر؛ لأن المني إذا انفصل، فهو طاهر، وتلك الرطوبة التي

قدرناها ينبغي أن تكون نجسة، ثم يجب الجكم بنجاسة المني.

[قلت:] وهذ قاله الإمام بناء على اعتقاد أن رطوبة [باطن الذكر كرطوبة فرج

المرأة، وإنما المنع من الحكم بنجاسة رطوبة بلطن الذكر؛ لأنها لا تخرج] كرطوبة

ص: 507

فرج المرأة؛ كما ستعرفه في باب إزالة النجاسة. وكلام غيره يدل على طهارتها.

والذي ذهب إليه الشيخ أبو حامد أن خروج المني لا يوجب غير الحدث الأكبر.

وألحق بها المسعودي الجماع في الفرج؛ لأن اللمس الذي يتضمنه مغمور

[به]، واستشهد له بأن من جامع في الحج يلزمه بدنة لا غير، وإن كان متضمناً

اللمس، ومجرد اللمس يوجب شاة.

والأكثرون على أنه يوجب الوضوء والغسل.

والفرق بين ذلك وبين خروج المني: أن سبب الحدث الأصغر - هاهنا - سبق

سبب الأكبر؛ فلم يرفعه؛ كما إذا بال، أو مس ذكره، أو نام ثم أنزل، أو أنزل ثم بال،

ونحوه - فإنه لا خلاف في أنه وجب عليه الوضوء والغسل، ولا كذلك في خروج

المني؛ فإن سببهما وجد مقترناً؛ فدفع الأكبر الأصغر، ومسألة المحرم قد قيل

بوجوب الشاة فيها مع البدنة؛ وعلى هذا لا فرق.

ومن قال بعدم وجوبها وهو الأكثرون فرقوا بأن وضع الجنايات اندراج المقدمات

في المقاصد؛ ألا ترى أن مقدمات الزنى لو انفردت أو جبت التعزير، لا يجب مع

الحد عند وقوعهما؟!

فإذا عرفت ذلك، عدنا إلى التعليل، وقلنا: إنما أجزأه الغسل عنهما؛ لما روي أنه -

ص: 508

عليه السلام - قال: "أما أن فأحئي على رأسي حثيات؛ فإذا انا قد طهرت"، ولم

يفصل بين الجنابة المجردة والجنابة مع الحدث، مع أن الغالب أن الجنابة لا تتجرد.

ولأنهما طهارتان؛ فوجب أن تتداخلا؛ كالجنابة والحيض.

ومقابل هذا أوجه:

أحدها: أنه يجب الوضوء والغسل؛ لأنهما عبادتان مختلفتان؛ فلا تتداخلان؛

كالصلاتين، وهذا ما حكى عن نصه في "الإملاء".

وإذا قلنا به يخير في تقديم أيهما شاء.

قال في "الحاوي": والأولى: تقديم الوضوء.

والثاني: أنه يتوضأ مرتباً، ويفيض الماء على باقي جسده؛ لأن الترتيب خاصية الوضوء،

والتداخل إنما يجزئ فيما يشترك المتداخلان فيه من الأفعال، دون خواصهما.

فعلى هذا: هل يحتاج مع غسل الرأس إلى مسحها، أو يكفيه غسلها؟ فيه وجهان؛

بناء على أن غسل الرأس، هل يقوم مقام مسحها في الوضوء؟

والثالث: أنه يكفيه الغسل، ولا يشترط في أعضاء الوضوء الترتيب، لكن يشترط

أن ينويهما؛ كما في الحج والعمرة.

والأصح - باتفاق الأصحاب - ما ادعى الشيخ أنه ظاهر المذهب: فيكفيه الغسل

من غير ترتيب، ولا نية للوضوء، وهو المنصوص عليه في "الأم" و "المختصر".

قال الرافعي: وهذه الأوجه إذا وقع الحدث الأصغر والأكبر معاً، أو سبق الأصغر،

أما إذا سبق الأكبر فطريقان:

أظهرهما: طرد الخلاف، وهي طريقة ابن سريج، كما قاله الماوردي.

والثانية: الاكتفاء بالغسل، قولاً واحداً، وهي التي عليها الأكثرون؛ لأن الأكبر إذا

تقدم تأثر به جميع البدن؛ فلا يؤثر فيه الأصغر، بخلاف الأصغر، وبهذا يجيء وجه

خامس في المسألة، وبه صرح بعضهم.

وقد رأى الإمام: أن الأظهر الإدراج، فيما إذا كان سبب اجتماعهما الجماع، وإن

قلنا عند انفراد الأسباب بعد الإدراج.

ص: 509

واعلم أن إجراء الخلاف فيما إذا وقع الحدثان معا، يدخل فيه ما إذانظر؛ فأنزل،

وقد أفهم كلام الأصحاب فيه الاتفاق على الاقتصار على الغسل؛ وحينئذ يتعين أن

يكون المراد غيره.

قال: وإن اجتمع على المرأة غسل جنابة، وغسل حيض، فاغتسلت لأحدهما- أجزأها

عنهما؛ لأن فرضهما واحد، فأجزأت نية أحدهما عنهما، وهذا ما رأيته للأصحاب.

فإن قيل: قد حكيتم خلافا فيما إذا بال ونام، ولمس ومس، فنوى رفع أحدهما، في

أن الجميع هل يرتفع أو لا؟ فما الفرق؟

قلنا: قد عسر على بعض المتأخرين، فقال: ما ذكره الأصحاب في الغسل،

تفريع على الصحيح في مسألة الأحداث.

وقد يقال في الفرق بينهما: إن تعرضه في مسألة االأحداث لرفع بعضها، مع أنه في

غنية عن العرض له بأن يأتي بنية رفع الحدث ونحوها- يؤذن بتخصيصه بالرفع؛

فثار الخلاف لمنافاة مقصود الطهارة، ولا كذلك هنا؛ فإن نية الغسل المجرد لا تكفي

اتفاقا؛ فاحتاج إلى تعيين لتمييزه عن الغسل المطلق؛ فلم يفهم منه التخصيص؛

فعمهما الغسل، والله أعلم.

قال: ومن نوى غسل الجمعة لم يجزئه عن الجنابة؛ لأنه لم ينوها، ولا تضمنتها

نيته؛ لأن الجنابة أخص، والأخص لا يستلزم الأعم.

وقد أفهم كلام الشيخ أنه يجزئه عن الجمعة، وهو قول أو وجه حكاه أبو الطيب،

وادعى البندنيجي أنه المذهب.

ومعه وجه أو قول: أنه لا يجزئ عنها - أيضاً - لأن القصد أن يلقى ربه على أكمل

حال؛ فإذا لم يرتفع الحدث لم يكن على أكمل حال؛ وهذا مجموع ما حكاه العراقيون.

والقاضي الحسين قال: إذا نوى غسل الجمعة، هل يجزئه عن الجنابة؟ فيه وجهان:

فإن قلنا: يجزئه عنها، فعن الجمعة أولى، وإلا فوجهان.

قال الإمام: وإنما يظهر أثرهما إذا قلنا: لو نوى غيل الجنابة، ولم ينو غسل

الجمعة لا يحصل غسل الجمعة.

وإذا جمعت مافي المسألة جاءك ثلاثة أوجه؛ كما [هي] في "الحاوي":

ص: 510

أحدها: يحصل غسل الجنابة والجمعة به. والثاني: لا يحصلان. والثالث: يحصل

الجمعة، دون الجنابة، وهو مذهب أبي إسحاق، وابن أبي هريرة، وجمهور البصريين.

ومثل هذا الخلاف ما إذا نوى بالتيمم استباحة صلاة النفل، كما ستعرفهه.

قال: ومن نوى غسل الجنابة لم يجزئه عن الجمعة، في أصح القولين؛ لأنه قربة

مقصودة؛ فلم يندرج كسنة الظهر مع فرضه، وهذا ما حكاه الربيع.

ومقابله: أنه يجزئه؛ لأن مقصود الجمعة التنظيف، وقد حصل، وهذا ما نقله المزني

في "جامعه [الكبير] "، وصححه الرافعي، وصاحب "الكافي"، وجزم به القاضي

الحسين في باب "غسل الجمعة".

وعلى هذا لو نوى غسل الجنابة ونوى غسل الجمعة، قال الإمام: ففيه احتمال،

جار فيما لو دخل المسجد، وصلى فريضة، ونوى تحية المسجد، والظاهر عدم

حصولهما، وسبب الاحتمال أن مجرد الغسل في حق من ليس بجنب، لا يعتد به من

غير نية. وقد تلخص أن الغرض منه النظافة، وإن كانت النية مشروطة فيه.

وقد بنى الرافعي على القولين في الكتاب، ما لو نوى غسل الجنابة والجمعة،

فقال: إن قلنا بالأول، لم يصح غسله؛ كما لو نوى بصلاته الفرض والنفل. وإن قلنا

بالثاني، كان فيه وجهان؛ كما لو نوى بغسله رفع الجنابة والتبرد، وأصحهما الحصول.

ومنهم من قال: إذا نوى غسل الجنابة والجمعة حصلا بلا خلاف، وهو المذكور

في "تعليق القاضي الحسين"، وأبي الطيب، والبندنيجي، و"الشامل"، وعليه نص في

"المختصر"، واستدل له بأن ابن عمر كان يغتسل لهما غسلاً واحداً.

والفرق على هذه الطريقة بين ذلك وبين ما إذا نوى غسل الجنابة والتبرد على

الوجه الذي نقول: إنه لا يصح وإن كان خلاف [الأصح والنص] في

"البويطي"-: أنه ثم أشرك بين القربة وغيرها، ولا كذلك في مسألتنا.

فرع: لو نوى بغسله الجمعة والعيد، قال في "الكافي": حصلا؛ لأن مقصودهما

واحد، وكذا لو نوى [به] غسل الجنابة، والجمعة، والعيد - يحصل الكل. [والله

أعلم بالصواب].

ص: 511